انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير البغويالآيات 129–171

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير البغوي.

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١٢٩

قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ}، أي: لن تقدروا أن تُسووا بين النساء في الحب وميل القلب، {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} على العدل، {فَلاَ تَمِيلُواْ}، أي: إلى التي تُحبونها، {كُلَّ ٱلْمَيْلِ} في القِسْم والنّفقة، أي: لا تُتبعُوا أهواءَكم أفعالَكم، {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ}، أي فَتَدعوا الأخرى كالمنوطة لا أيّماً ولا ذاتَ بعل. وقال قتادة: كالمحبوسة، وفي قراءة أُبي بن كعب: كأنها مسجونة.

ورُوي عن أبي قلابة أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقْسِمُ بين نسائه، فيعدل ويقول:

اللّهمّ هذا قَسْمِي فيما أملك فلا تَلُمْنِي فيما تَمْلِكُ ولا أملك، ورواه بعضهم عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة رضي الله عنها مُتّصلاً.

ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

مَنْ كانتْ له امرأتان فمالَ إلى إحداهما جاءَ يوم القيامةِ وشقُّه مائل.»

{وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ}، الجورَ، {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِۦ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًا ۝١٣٠

{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا}، يعني: الزوج والمرأة بالطلاق، {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ}، من رزقه، يعني: المرأة بزوج آخر والزوج بامرأة أخرى، {وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعاً حَكِيماً}، واسعَ الفضل والرحمة حكيماً فيما أمر به ونهى عنه.

وجملُة حُكم الآية: أنّ الرجل إذا كانت تحته امرأتان أو أكثر فإنه يجب عليه التسوية بينهن في القسْم، فإن ترك التسوية بينهن في فعل القسْم عصى الله تعالى، وعليه القضاء للمظلومة، والتسوية، شرط في البيتوتة، أما في الجماع فلا، لأنه يدور على النشاط وليس ذلك إليه ولو كانت في نكاحه حُرّةٌ وأَمَةٌ فإنه يبيت عند الحرّة ليليتين وعند الأمَةِ ليلة واحدة، وإذا تزوج جديدة على قديمات عنده يخصُّ الجديدة بأن يبيت عندها سبع ليال على التوالي إن كانت بكراً، وإن كانت ثيباً فثلاث ليال ثم يُسوّي بعد ذلك بين الكل، ولا يجب قضاء هذه الليالي للقديمات.

أخبرنا عبد الواحد المليحي ثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ثنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن راشد ثنا أبو أسامة ثنا سفيان الثوري ثنا أيوب وخالد على أبي قلابة عن أَنس رضي الله عنه قال: مِنَ السنّة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً، ثم قَسَمَ، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً، ثم قسم. قال أبو قلابة: ولو شئتُ لقلتُ: إن أنساً رفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم.

وإذا أراد الرجل سفَر حَاجةٍ فيجوز له أن يحمل بعض نسائه مع نفسه بعد أن يُقرع بينهنّ فيه، ثم لا يجب عليه أن يقضي للباقيات مدة سفره، وإن طالت إذا لم يزد مقامه في بلده على مدة المسافرين، والدليل عليه ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس الأصم ثنا الربيع ثنا الشافعي ثنا عمي محمد بن علي بن شافع عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم أنها قالت:

كان رسول لله صلّى الله عليه وسلم إذا أراد السفرَ أقرعَ بين نسائه فأيتهُنّ خرج سهمْها خرج بها، أما إذا أراد سفر نقلة فليس له تخصيص بعضهن لا بالقرعة ولا بغيرها».

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ۝١٣١ وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ۝١٣٢

قوله تعالى: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} عبيداً ومُلكاً {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ}، يعني: أهل التوراة والإِنجيل وسائر الأمم المتقدمة في كتبهم، {وَإِيَّـٰكُمْ} أهل القرآن في كتابكم، {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: وحّدُوا اللَّهَ وأطيعوه، {وَإِن تَكْفُرُواْ}، بما أوصاكم الله به {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ}، قيل: فإن لله ملائكة في السموات والأرض هم أطوع له منكم، {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً}، عن جميع خلقه غير محتاج إلى طاعتهم، {حَمِيداً} محموداً على نعمه.

{وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}، قال عكرمة عن ابن عباس: يعني شهيداً أن فيها عبيداً، وقيل: دافعاً ومُجيراً.

فإن قيل: فأي فائدة في تكرار قوله تعالى {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}؟ قيل: لكلِّ واحد منهما وجه، أمّا الأول: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وهو يُوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيتَه، وأمّا الثاني فيقول: فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنياً أي: هو الغني وله الملك فاطلبوا منه ما تطلبون، وأمّا الثالث فيقول: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي: له الملك فاتخذوه وكيلاً ولا تتوكلوا على غيره.

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا ۝١٣٣ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا ۝١٣٤ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۝١٣٥

قوله تعالى: {إِنْ يَشَأ يُذْهِبْكُمْ}، يُهلككم {أيُّهَا ٱلنَّاسُ}، يعني: الكفار، {وَيَأْتِ بِـآخَرِينَ}، يقول بغيركم خير منكم وأطوع، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً} قادراً.

{مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} يُريد من كان يريد بعمله عَرَضاً من الدنيا ولا يريد بها اللّهَ عزّ وجلّ آتاه الله من عَرَضِ الدنيا أو دفع عنه فيها ما أراد الله، وليس له في الآخرة من ثواب، ومن أراد بعمله ثواب الآخرة آتاه الله من الدنيا ما أحب وجزاه الجنة في الآخرة: {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ}، يعني: كونوا قائمين بالشهادة بالقسط، أي: بالعدل لله، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كانت، {وَلَوْ عَلَىۤ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} في الرحم، أي: قُولُوا الحقَّ ولو على أنفسكم بالإِقرار أو الوالدين والأقربين، فأقيموها عليهم لله، ولا تُحابوا غنياً لغناه ولا ترحموا فقيراً لفقره، فذلك قوله تعالى: {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا}، منكم، أي أقيموا على المشهُود عليه وإن كان غنياً وللمشهود له وإن كان فقيراً فالله أولى بهما منكم، أي كِلُوا أمرَهما إلى الله. وقال الحسن: معناه الله أعلم بهما، {فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ}، أي تجوروا وتميلوا إلى الباطل من الحق، وقيل: معناه لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، أي: لتكونوا عادلين كما يقال: لا تتبع الهوى لترضي ربك.

{وَإِن تَلْوُواْ} أي: تحرفوا الشهادة لتبطلوا الحق {أَوْ تُعْرِضُواْ} عنها فتكتموها ولا تقيموها، ويقال: تلووا أي تدافعوا في إقامة الشهادة، يقال: لَوَيْتَهَ حقَّه إذا دفعتَه، ومطلتَه، وقيل: هذا خطاب مع الحكام في ليِّهم الأشداق، يقول: وإن تلووا أي تميلوا إلى أحد الخصمين أو تعرضوا عنه، قرأ ابن عامر وحمزة {تَلُوا} بضم اللام، قيل: أصله تلووا، فحذفت إحدى الواوين تخفيفاً، وقيل: معناه وإن تلوا القيام بأداء الشهادة أو تعرضوا فتتركوا أداءَها {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا ۝١٣٦

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس:

"نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأسد وأُسيد ابني كعب، وثعلبة بن قيس وسلاّم بن أخت عبد الله بن سلاّم، وسلمة بن أخيه ويامين بن يامين فهؤلاء مُؤمنُوا أهل الكتاب أتَوْا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم، فقالوا: إنَا نُؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «بل آمِنُوا بالله ورسوله محمد صلّى الله عليه وسلم، والقرآن وبموسى والتوراة، وبكل كتاب قبله»"، فأنزل الله هذه الآية.

{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمحمدٍ صلّى الله عليه وسلم والقرآن وبموسى عليه السلام والتوراة {ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} محمد صلّى الله عليه وسلم، {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ}، يعني القرآن، {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىۤ أَنَزلَ مِن قَبْلُ}، من التوراة والإِنجيل والزبور وسائر الكتب.

قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو {نُزّل وأُنزل} بضم النون والألف، وقرأ الآخرون {نَزّل وأَنزل} بالفتح أي أنزل الله.

{وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً}، فلما نزلت هذه الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله ورسوله والقرآن وبكل رسولٍ وكتاب كان قبل القرآن، والملائكة واليوم الآخر لا نُفرِّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون.

وقال الضحاك: أراد به اليهود والنصارى، يقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بموسى وعيسى {آمِنُواْ} بمحمدٍ والقرآن، وقال مجاهد: أراد به المنافقين، يقول: يا أيها الذين آمنوا باللّسان آمنوا بالقلب. قال أبو العالية وجماعة: هذا خطاب للمؤمنين يقول: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} أي أقيمُوا واثبتُوا على الإِيمان، كما يُقال للقائم: قُمْ حتى أرجع إليك، أي اثبت قائماً، وقيل: المراد به أهل الشرك، يعني {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالّلاتِ والعُزَى {آمِنُواْ} بالله ورسوله.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا ۝١٣٧ بَشِّرِ ٱلْمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝١٣٨ ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۝١٣٩

وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً}، قال قتادة: هم اليهود آمَنُوا بموسى ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل، ثم آمَنُوا بالتوراة ثم كفروا بعيسى عليه السلام، ثم ازْدَادُوا كفراً بمحمد صلّى الله عليه وسلم.

وقيل: هو في جميع أهل الكتاب آمَنُوا بنبيهم ثم كَفَرُوا به، وآمنُوا بالكتاب الذي نُزِّل عليه ثم كفروا به، وكفرهم به: تركهم إيّاه ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلّى الله عليه وسلم.

وقيل: هذا في قوم مرتدين آمنوا ثم ارتدوا ثمّ آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثمّ ارتدوا ثم آمنوا ثمّ ارتدوا.

ومثل هذا هلْ تُقبل توبته؟ حُكي عن علي رضي الله عنه: أنه لا تقبل توبته بل يُقتل، لقوله تعالى: {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ}، وأكثر أهل العلم على قبول توبته، وقال مجاهد: ثم ازدادوا كفراً أي ماتوا عليه، {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ}، ما أقاموا على ذلك، {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}، أي طريقاً إلى الحق، فإن قيل: ما معنى قوله {لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ}، ومعلوم أنه لا يغفر الشرك إن كان أول مرّة؟.

قيل: معناه أن الكافر إذا أسلم أول مرّة ودام عليه يُغفر له كفرُه السابق، فإن أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر لا يُغفر له كفرُه السابق، الذي كان يُغفر له لو دَامَ على الإِسلام.

{بشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ}، أخبرهم يا محمد، {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}، والبشارة: كل خبر يتغير به بشرة الوجه سارّاً كان أو غير سار، وقال الزجاج: معناه اجعل في موضع بشارتك لهم العذاب، كما تقول العرب: تحيّتُك الضرب وعِتَابُك السيف، أي: [بدلاً لك] من التحية، ثم وصف المنافقين فقال:

{ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ}، يعني: يتخذون اليهودَ أولياءً وأنصاراً أو بطانة {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ}، أي: المعونة والظهور على محمد صلّى الله عليه وسلم وأصحابه: وقيل: أيطلبون عندهم القوة والغلبة، {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ} أي: الغلبة والقوة والقدرة، {للَّهِ جَمِيعاً}.

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا ۝١٤٠ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ۝١٤١

{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ}، قرأ عاصم ويعقوب {نزل} بفتح النون والزاي، أي: نزل الله، وقرأ الآخرون {نزل} بضم النون وكسر الزاي، أي: عليكم يا معشر المسلمين، {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ}، يعني القرآن، {يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ}، يعني: مع الذين يستهزؤون، {حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ}، أي: يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمد صلّى الله عليه وسلم والقرآن، وهذا إشارة إلى ما أنزل الله في سورة الأنعام

{ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }[الأنعام: 68].

وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: دخل في هذه الآية كلُّ مُحْدِث في الدين وكلّ مُبتدع إلى يوم القيامة، {إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}، أي: إن قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزؤون ورضيتم به فأنتم كفار مثلهم، وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة، وقال الحسن: لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره، لقوله تعالى: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، والأكثرون على الأول. وآية الأنعام مكية وهذه مدنية والمتأخر أوْلَى: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً}.

{ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ}، [ينتظرون بكم الدوائر]، يعني: المنافقين، {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ}، يعني: ظفر وغنيمة، {قَالُواْ}، لكم {أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ}، على دينكم في الجهاد، كنا معكم فاجعلوا لنا نصيباً من الغنيمة، {وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ}، يعني دولة وظهور على المسلمين، {قَالُواْ}، يعني: المنافقين للكافرين، {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ}، والاستحواذ: هو الاستيلاء والغلبة، قال تعالى:

{ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } [المجادلة: 19] أي: استولى وغلب، يقول: ألم نخبركم بعورة محمد صلّى الله عليه وسلم وأصحابه ونُطلعكم على سرهم؟

قال المبرِّد: يقول المنافقون للكفار ألم نغلبكم على رأيكم {وَنَمْنَعْكُمْ}، ونصرفكم، {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، أي: عن الدخول في جملتهم، وقيل: معناه ألم نستول عليكم بالنصرة لكم ونمنعكم من المؤمنين؟ أي: ندفع عنكم صولة المؤمنين بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إيّاكم بأخبارهم وأمورهم، ومُرادُ المنافقين بهذا الكلام إظهارُ المنة على الكافرين.

{فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، يعني: بين أهل الإِيمان وأهل النفاق، {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}، قال عليُّ: في الآخرة، وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم: أي حجة، وقيل: ظهوراً على أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم.

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ۝١٤٢ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا ۝١٤٣

{إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}، أي يعاملونه معاملة المخادعين وهو خادعهم، أي: مجازيهم على خِداعهم وذلك أنهم يعطون نوراً يوم القيامة كما للمؤمنين، فيمضي المؤمنون بنورهم على الصراط، ويُطفأ نورُ المنافقين، {وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ}، يعني: المنافقين {قَامُواْ كُسَالَىٰ} أي: متثاقلين لا يُريدون بها الله فإن رآهم أحد صلوا وإلاّ انصرفُوا فلا يُصلون، {يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ} أي: يفعلون ذلك مراءاةً للناس لا اتّباعاً لأمر الله، {وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن: إنّما قال ذلك لأنهم يفعلونها رياءً وسمعة، ولو أرادوا بذلك القليلَ وجهَ اللّهِ تعالى لكان كثيراً، وقال قتادة: إنّما قلَّ ذكرُ المنافقين لأن الله تعالى لم يقبله، وكلُّ ما قَبِلَ الله فهو كثير.

{مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ}، أي: مترددين متحيّرين بين الكفر والإِيمان، {لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ}، أي: ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمؤمنين، وليسوا من الكفار فيُؤخذ منهم ما يُؤخذ من الكفار، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}، أي: طريقاً إلى الهُدى.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني قال أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا محمد بن المثنى أنا عبد الوهاب يعني الثقفي أنا عبد الله بن عمر:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرّة وإلى هذه مرّة".

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًا مُّبِينًا ۝١٤٤ إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ۝١٤٥ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ۝١٤٦ مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ۝١٤٧

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار، وقال: {أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً}، أي حجة بينةً في عذابكم، ثم ذكر منازل المنافقين، فقال جلّ ذكره:

{إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}، قرأ أهل الكوفة {فِى ٱلدَّرْكِ} بسكون الراء والباقون بفتحها وهما لغتان كالظعْن والظعَن والنَّهْر والنَّهَر، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: {فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ} في توابيت من حديد مقفلة في النار، وقال أبو هريرة: بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم، {وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} مانعاً من العذاب.

{إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} مِنَ النفاق وآمنوا {وَأَصْلَحُواْ}، عملهم {وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ}، وثقوا بالله {وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ}، أراد الإِخلاص بالقلب، لأن النفاق كفر القلب، فَزَوالُه يكون بإخلاص القلب، {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال الفراء: من المؤمنين، {وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، في الآخرة {أَجْراً عَظِيماً} يعني: الجنّة، وحذفتِ الياء {من يؤتِ}، في الخط لسقوطها في اللفظ، وسقوطها في اللفظ لسكون اللاّم في «الله».

قوله تعالى: {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ}، أي: إن شكرتم نعماءَهُ {وَءَامَنْتُمْ} به، فيه تقديم وتأخير، وتقديره: إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإِيمان، وهذا استفهام بمعنى التقرير، معناه: إنه لا يعذب المؤمن الشاكر، فإن تعذيبه عبادَهُ لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا يُنقِصُ من سلطانه، والشكرُ: ضدّ الكفر والكفر ستر النعمة، والشكر: إظهارُها، {وَكَانَ ٱللَّهُ شَـٰكِراً عَلِيماً}، فالشكر من الله تعالى هو الرضى بالقليل من عباده وإضعاف الثواب عليه، والشكر من العبد: الطاعة، ومن الله: الثواب.

لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ۝١٤٨ إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ۝١٤٩

قوله: {لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ} يعني: لا يحب الله الجهر بالقبح من القول إلا من ظلم، فيجوز للمظلوم أن يخبر عن ظلم الظالم وأن يدعو عليه، قال الله تعالى:

{ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } } [الشورى: 41]، قال الحسن: دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعني عليه اللهم استخرجْ حقي منه، وقيل: إنْ شُتِم جاز أن يشتم بمثله لا يزيد عليه.

أخبرنا أبو عبد الله الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أخبرنا اسماعيل بن جعفر أنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

المستبان ما قالا، فعلى البادىء ما لم يَعْتَدِ المظلوم".

وقال مجاهد هذا في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يُحسنوا ضيافته فله أن يشكو ويذكر ما صُنع به. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسمعيل أنا قتيبة بن سعيد أنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أنه قال:

"قلنا يا رسول الله إنّك تبعثنا فننزل بقوم فلا يُقرُوْننا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إنْ نزلتم بقوم فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذُوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم»".

وقرأ الضحاك بن مزاحم وزيد بن أسلم: {إلاّ من ظَلَم} بفتح الظاء واللام، معناه: لكن الظالم اجهروا له بالسوء من القول، وقيل معناه: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن يجهر من ظلم، والقراءة الأولى هي المعروفة، {وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً}، لدعاء المظلوم، {عَلِيماً}، بعقاب الظالم.

قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْراً}، يعني: حسنةً فيَعملُ بها كُتِبَتْ له عشراً. وإنْ همَّ بها ولم يعملْها كُتِبَتْ له حسنةٌ واحدة، وهو قوله {أَوْ تُخْفُوهُ}، وقيل المراد من الخير: المال، يُريدُ: إنْ تُبدوا صدقةً تُعطونها جهراً أو تخفوها فتعطونها سراً، {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ}، أي: عن مَظْلَمةٍ، {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}، فهو أولى بالتجاوز عنكم يوم القيامة.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ۝١٥٠ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ۝١٥١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١٥٢ يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰبًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَٰنًا مُّبِينًا ۝١٥٣

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} الآية، نزلت في اليهود، وذلك أنهم آمنوا بموسى عليه السلام والتوراة وعُزير، وكفروا بعيسى والإِنجيل وبمحمد والقرآن، {وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً}، أي: ديناً بين اليهودية والإِسلام ومذهباً يذهبون إليه.

{أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً}، حقق كفرهم ليعلم أن الكفر ببعضهم كالكفر بجميعهم {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}.

{وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ}، كُلّهم {وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}، يعني: بين الرُّسل وهم المؤمنون، يقولون: لا نُفرِّق بين أحدٍ من رسله، {أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ}، بإيمانهم بالله وكتبه ورسله، قرأ حفص عن عاصم {يُؤْتِيهِمْ} بالياء، أي: (يؤتيهم الله)، والباقون بالنون {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.

قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} الآية، وذلك أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء من اليهود قالا لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: إنْ كنتَ نبياً فأتِنا بكتاب جملةً من السماء، كما أتى به موسى عليه السلام، فأنزل الله عليه: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}.

وكان هذا السؤال منهم سؤال تحكّم واقتراح، لا سؤال انقياد، والله تعالى لا ينزل الآيات على اقتراح العباد. قوله: {فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ} أي: أعظم من ذلك، يعني: السبعين الذين خرج بهم موسى عليه السلام إلى الجبل، {فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} أي: عياناً، قال أبو عُبيدة: معناه قالوا جهرة إرِنَا الله، {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ}، يعني إلهاً، {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ}، ولم نستأصلهم، قيل: هذا استدعاء إلى التوبة، معناه: أن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم، فتُوبوا أنتم حتى نعفوَ عنكم، {وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً}، أي: حجةً بينةً من المعجزات، وهي الآيات التسع.

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًا ۝١٥٤ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ۝١٥٥ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَٰنًا عَظِيمًا ۝١٥٦ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا ۝١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ۝١٥٨

قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ} قرأ أهل المدينة بتشديد الدال وفتح العين نافع برواية ورش ويجزمها الآخرون، ومعناه: لا تعتدوا ولا تظلموا باصطياد الحيتان فيه، {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَـٰقاً غَلِيظاً}.

قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِّيثَاقَهُمْ}، أي: فبنقضهم، و«ما» صلة كقوله تعالى:

{ { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ } } [آل عمران: 159]، ونحوها، {وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}، أي: ختم عليها، {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}، يعني: ممن كذّب الرُّسلَ لا ممن طُبعَ على قلبه، لأنّ من طبعَ اللّهُ على قلبه لا يُؤمن أبداً، وأراد بالقليل: عبدَ الله بن سلام وأصحابه، وقيل: معناه لا يُؤمنون قليلاً ولا كثيراً.

{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً}، حين رموها بالزنا.

{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} وذلك أنّ الله تعالى ألقى شَبهَ عيسى عليه السَّلام على الذي دلّ اليهودَ عليه، وقيل: إنهم حبسوا عيسى عليه السلام في بيت وجعلوا عليه رقيباً فألقَى الله تعالى شبه عيسى عليه السلام على الرقيب فقتلوه، وقيل غير ذلك، كما ذكرنا في سورة آل عمران.

قوله تبارك وتعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ}، في قتله، {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ}، أي: في قتله، قال الكلبي: اختلافهم فيه هو أن اليهود قالتْ نحْنُ قتلناه، وقالت طائفة من النصارى نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم ما قتله هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله إلى السماء، ونحن ننظر إليه، وقيل: كان الله تعالى ألقى شَبه وجه عيسى عليه السلام على وجه صطيافوس ولم يلقه على جسده، فاختلفوا فيه فقال بعضهم قتلنا عيسى، فإن الوجه وجه عيسى عليه السلام وقال بعضهم لم نقتله لأن جسده ليس جسد عيسى عليه السلام، فاختلفوا. قال السدي: اختلافهم من حيث أنّهم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ قال الله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ}، من حقيقة أنه قتل أو لم يُقتل، {إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ}، لكنهم يتبعون الظنّ في قتله. قال الله جل جلاله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً}، أي: (ما قتلوا عيسى يقيناً) {بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ}.

وقيل قوله «يقيناً» يرجع إلى ما بعده وقوله «وما قتلوه» كلام تام تقديره: بل رفعه الله إليه يقيناً، والهاء في «ما قتلوه» كناية عن عيسى عليه السلام، وقال الفراء رحمه الله: معناه وما قتلوا الذين ظنوا أنه عيسى يقيناً، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه: ما قتلوا ظنهم يقيناً، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً} منيعاً بالنقمة من اليهود، {حَكِيماً} حكم باللعنة والغضب عليهم، فسلّط عليهم ضيطوس بن اسبسيانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة.

وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ۝١٥٩

قوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}، أي: وما من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمننّ بعيسى عليه السلام، هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم، وقوله «قبل موته» اختلفوا في هذه الكناية: فقال عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: إنها كناية عن الكتابي، ومعناه: وما من أهل الكتاب أحد إلاَّ ليؤمِننّ بعيسى عليه السلام قبل موته، إذا وقع في البأس حين لا ينفعه إيمانُه سواء احترق أو غرق أو تردَّى في بئر أو سقط عليه جدارٌ أو أكله سبعٌ أو مات فجأةً، وهذه رواية عن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهم. قال: فقيل لابن عباس رضي الله عنهما: أرأيتَ إِن خرَّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهواء قال: فقيل أرأيت إن ضرب عُنقُ أحدهم؟ قال: يتلجلج به لسانه.

وذهب قومٌ إلى أن الهاء في «موته» كناية عن عيسى عليه السلام، معناه: وإنّ من أهل الكتاب إلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام، وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحدٌ إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة، ملة الإِسلام.

وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

يُوشِكُ أنْ ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حَكَماً عدْلاً يكسرُ الصّليبَ، ويقتلُ الخنزيرَ، ويضعُ الجزية، ويفيضُ المالُ حتى لا يقبله أحدٌ، ويهلك في زمانه الملل كلُّها إلاَّ الإِسلام، ويقتلُ الدَّجالَ فيمكثُ في الأرض أربعين سنة ثم يتوفَّى ويُصلي عليه المسلمون، وقال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}، قبل موت عيسى ابن مريم، ثم يُعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.

وروي عن عكرمة: أنّ الهاء في قوله {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} كناية عن محمد صلّى الله عليه وسلم يقول لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلّى الله عليه وسلم.

وقيل: هي راجعة إلى الله عزّ وجلّ يقول: وإنّ مِنْ أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالله عزّ وجلّ، قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانُه.

قوله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ}، يعني: عيسى عليه السلام، {عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أنّه قد بلّغهم رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه [كما قال تعالى خبراً عنه

{ { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } } [المائدة: 117] وكل نبي شاهد على أُمته] قال الله تعالى: { { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداًً } } [النساء: 41].

فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۝١٦٠

قوله عزّ وجلّ: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ}، وهو ما تقدم ذكره من نقضهم الميثاق وكفرهم بآيات الله وبُهتانهم على مريم، وقولهم: إنّا قتلنا المسيح {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}، وهي ما ذكر في سُورة الأنعام، فقال:

{ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ }[الأنعام: 146]. ونظم الآية: فبظلم من الذين هادوا وهو ما ذكرنا، {وَبِصَدِّهِمْ}، وبصرفهم أنفسَهم وغيرَهم، {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً}، أي: عن دين الله صداً كثيراً.

وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَٰطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝١٦١ لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أُو۟لَٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ۝١٦٢

{وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ}، في التوراة {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ}، من الرشا في الحكم، والمآكل التي يصيبونها من عوامِّهم، عاقبناهم بأنْ حرّمنا عليهم طيباتٍ، فكانُوا كلّما ارتكبوا كبيرةً حُرّم عليهم شيءٌ من الطيبات التي كانت حلالاً لهم، قال الله تعالى:

{ { ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ } } [الأنعام: 146]، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.

{لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ}، يعني: ليس كل أهل الكتاب بهذه الصفة، لكن الراسخون البالغون في العلم منهم أولوا البصائر منهم، وأراد به الذين أسْلمُوا من علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، {وَٱلْمُؤْمِنُونَ}، يعني: المهاجرون والأنصار، {يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ}، يعني: القرآن، {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ}، يعني: سائر الكتب المنزلة، {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ}، اختلفوا في وجه انتصابه، فحُكِي عن عائشة رضي الله عنها وأبان بن عثمان: أنه غلط من الكتاب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة وكذلك قوله في سورة المائدة

{ { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ } } [المائدة: 69]، وقوله { { إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَاحِرَٰنِ } } [طه: 63] قالوا: ذلك خطأ من الكاتب.

وقال عثمان: إن في المصحف لحناً ستقيمه العربُ بألسنتها، فقيل له: ألاَ تغيّره؟ فقال: دعوه فإنه لا يُحلّ حراماً ولا يُحرّم حلالاً.

وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح، واختلفوا فيه، قيل: هو نصب على المدح، وقيل: نصب بإضمار فعل تقديره: أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة، وقيل: موضعه خفض.

واختلفوا في وجهه، فقال بعضهم: معناه لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة، وقيل: معناه يؤمنون بما أُنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، ثمّ قوله: {وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} رجوع إلى النسق الأوّل، {وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـٰۤئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً}، قرأ حمزة سيؤتيهم بالياء والباقون بالنون.

إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيْمَٰنَ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا ۝١٦٣

قوله تعالى: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} هذا بناء على ما سبق من قوله

{ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }[النساء: 153]، فلمّا ذكر الله عيوبهم وذنوبهم غضبوا وجحدوا كل ما أنزل الله عزّ وجلّ، وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، فنزل: { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ }[الأنعام: 91] وأنزل: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} فذكر عدّةً من الرسل الذين أوحى إليهم، وبدأ بذكر نوح عليه السلام لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه السلام، قال الله تعالى: { وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ } } [الصافات: 77] ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك، وأول من عذبت أُمته لردِّهم دعوته، وأُهلك أهلُ الأرض بدعائه وكان أطول الأنبياء عمراً وجعلت معجزاته في نفسه، لأنه عمّر ألف سنة فلم تسقط له سن ولم تشب له شعرة ولم تنتقص له قوّة، ولم يصبر نبيٌّ على أذَى قومه ما صبر هو على طول عمره.

قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإْسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ}، وهم أولاد يعقوب، {وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}، قرأ الأعمش وحمزة: {زُبُورَاً} والزُّبور بضم الزاي حيث كان، بمعنى: جمع زَبور، أي آتينا داود كُتباً وصُحفاً مزبورةً، أي: مكتوبة، وقرأ الآخرون بفتح الزاي وهو اسم الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داود عليه السلام، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عزّ وجلّ، وكان داود يبرزُ إلى البريّة فيقوم ويقرأ الزَّبورَ ويقوم معه علماء بني إسرائيل، فيقومون خلفه ويقوم الناس خلف العلماء، ويقوم الجنّ خلف الناس، الأعظمُ فالأعظم، والشياطين خلف الجن وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه تعجباً لِمَا يسمعن منه، والطير ترفرف على رؤوسهم، فلما قارف الذنب لم يرَ ذلك، فقيل له ذاك أُنس الطاعة، وهذا وَحْشَةُ المعصية.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو بكر الجوزقي أنا أبو العباس أنا يحيى بن زكريا أنا الحسن بن حماد حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك لقد أُعطيتَ مِزْمَاراً من مَزَامِيرِ آلِ داود فقال: أمَا واللّهِ يا رسول الله لو علمتُ أنّك تستمعُ لحبَّرتُه لحبَّرتُه".

وكان عمر رضي الله عنه إذا رآه يقول ذكِّرْنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده.

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا ۝١٦٤

قوله تعالى: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ}، أي: وكما أوحينا إلى نوح وإلى الرسل، {رُسُلاً} نصب بنزع حرف الصفة، وقيل: معناه وقصصنا عليك رسلاً، وفي قراءة أُبيّ {ورسل قد قصصناهم عليك من قبل}، {وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}، قال الفراء: العرب تسمي ما يُوصل إلى الإِنسان كلاماً بأيّ طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر فإذا حُقّق بالمصدر، ولم يكن إلا حقيقة الكلام - كالإِرادة - يُقال: أراد فلانٌ إرادةً، يُريد حقيقة الإِرادة، ويقال: أراد الجدار، ولا يقال أراد الجدار إرادةً لأنه مجاز غير حقيقة.

رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ۝١٦٥ لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ۝١٦٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا۟ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا ۝١٦٧

قوله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ}، فيقولوا: ما أرسلَت إلينا رسُولاً وما أنزلتَ إلينا كتاباً، وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسول، قال الله تعالى:

{ { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً } } [الاسراء: 15]، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل ثنا موسى بن إسماعيل أنا أبو عوانة أنا عبد الملك عن وَرّاد كاتب المغيرة عن المغيرة قال:"قال سعد بن عُبادة رضي الله عنه: لو رأيتُ رجلاً مع امرأتي لضربتُه بالسيف غير مُصْفِح، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «تعجبون من غيرة سعد؟ واللَّهِ لأنا أغْيَرُ منه، واللّهُ أغيرُ مني، ومن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهرَ منها ومَا بَطنَ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعثَ المُنذرين والمُبشرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد اللَّهُ الجنةَ»".

قوله تعالى: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما إن رؤساء مكة أتَوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد سألْنَا عنكَ اليهود وعن صفتك في كتابهم فزعمُوا أنهم لا يعرفونَكَ، ودخل عليه جماعة من اليهود فقال لهم: إنّي - والله - أعلم أنكم لتعلمون أَني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله عزّ وجلّ: {لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ} إن جحدوك وكذّبوك، {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، بكتمانِ نَعْتِ محمد صلّى الله عليه وسلم، {قَدْ ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً}.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ۝١٦٨ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ۝١٦٩ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝١٧٠ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ۝١٧١

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ} قيل: إنّما قال «وظلمُوا» - مع أن ظلمهم بكفرهم - تأكيداً، وقيل: معناه كفروا بالله وظلموا محمداً صلّى الله عليه وسلم بكتمان نعته، {لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً}، يعني: دين الإِسلام.

{إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ}، يعني اليهودية، {خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}، وهذا في حق من سبق حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون.

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ}، تقديره: فآمِنُوا يكن الإِيمان خيراً لكم، {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}.

{يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ}، نزلت في النصارى وهم أصناف: الماريعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقوسية فقالت اليعقوبية: عيسى هو الله، وكذلك الملكانية، وقالت النسطورية: عيسى هو ابن الله، وقالت: المرقوسية ثالث ثلاثة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ويقال الملكانية يقولون: عيسى هو الله، واليعقوبية يقولون: ابن الله، والنسطورية يقولون: ثالث ثلاثة. علَّمهم رجل من اليهود يقال له بَوْلَس، سيأتي في سورة التوبة إن شاء الله تعالى

وقال الحسن: يجوز أن تكون نزلت في اليهود والنصارى، فإنهم جميعاً غلوا في أمر عيسى، فاليهود بالتقصير، والنصارى بمجاوزة الحدّ، وأصل الغلو: مجاوزة الحدّ، وهو في الدِّين حرام.

قال الله تعالى: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ}، لا تُشدِّدُوا في دِينكم فتفترُوا على الله {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ}، لا تقولوا إِنّ له شريكاً وولداً {إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ}، وهي قوله «كُنْ» فكان بشراً من غير أب، [وقيل غيره]، {أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} أي أعلمها وأخبرها بها، كما يقال: ألقيتُ إليك كلمة حسنة، {وَرُوحٌ مِّنْهُ}، قيل: هو روح كسائر الأرواح إلا أن الله تعالى أضافه إلى نفسه [تشريفاً].

وقيل: الروح هو النفخ الذي نفخه جبريل عليه السلام في دِرْعِ مريم فحملت بإذن الله تعالى، سمّي النفخ روحاً لأنه ريح يخرج من الروح وأضافه إلى نفسه لأنه كان بأمره.

وقيل: «روح منه» أي ورحمة، فكان عيسى عليه السلام رحمةً لمن تبعه وآمن به.

وقيل: الروح: الوحي، أوحى إلى مريم بالبشارة، وإلى جبريل عليه السلام بالنفخ، وإلى عيسى أن كُنْ فكان، كما قال الله تعالى:

{ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ }[النحل: 2] يعني: بالوحي، وقيل: أراد بالروح جبريل عليه السلام، معناه: وكلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها أيضاً روح منه بأمره وهو جبريل عليه السلام، كما قال: { { تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ } } [القدر: 4] يعني: جبريل فيها، وقال: { { فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا } } [مريم: 17]، يعني: جبريل.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد ابن إسماعيل أنا صدقة بن الفضل أنا الوليد عن الأوزاعي حدثنا عمرو بن هاني حدثني جُنادة بن أمية عن عُبادة رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

مَنْ شَهِدَ أنْ لا إله إلا اللّهُ وحدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وأنّ عيسى عبد ُالله ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه، وأن الجنّةَ والنَارَ حقٌ أدْخَلَهُ الله الجنة على ما كانَ منَ العمل. {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ}، أي: ولا تقولوا هم ثلاثة، وكانت النصارى تقول: أب وابن وروح قدس، {ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ}، تقديره: انتهوا يكنِ الانتهاءُ خيراً لكم، {إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ}، واعلم أنّ التبني لا يجوز لله تعالى، لأنّ التبني إنّما يجوز لمن يُتصوّر له ولد، {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}.
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ