انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير البغويالآيات 12–25

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير البغوي.

وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ۝١٢

قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}، وهذا في ميراث الأزواج، {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ}، يعني: للزوجات الربع، {مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}، هذا في ميراث الزوجات وإذا كان للرجل أربع نسوة فهن يشتركن في الربع والثمن. قوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ} تُورث كلالة، ونظم الآية: وإن كان رجل أو امرأة يُورث كلالةً وهو نصب على المصدر، وقيل: على خبر ما لم يُسمَّ فاعلُه، تقديره: إن كان رجل يورث ماله كلالة. واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة مَنْ لاَ وَلَد له ولاَ وَالِدَ له. ورُوي عن الشعبي قال: سُئل أبو بكر رضي الله عنه عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها قولاً برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلما استخلف عمر رضي الله عنهما قال: إني لأستحيي من الله أن أردَّ شيئاً قاله أبو بكر رضي الله عنه. وذهب طاووس إلى أن الكلالة مَنْ لا ولد له، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأحد القولين عن عمر رضي الله عنه، واحتج من ذهب إلى هذا بقول الله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ}، وبيانه عند العامة مأخوذٌ من حديث جابر بن عبد الله، لأن الآية نزلت فيه ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ابن، لأن أباه عبد الله بن حرام قُتل يوم أُحد، وآية الكلالة نزلتْ في آخر عمر النبي صلّى الله عليه وسلم، فصار شأن جابر بياناً لمراد الآية لنزولها فيه. واختلفوا في أن الكلالة اسم لمن؟ فمنهم من قال: اسم للميت، وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما، لأنه مات عن ذهاب طرفيه، فَكَلَّ عمود نَسَبِه، ومنهم من قال: اسم للورثة، وهو قول سعيد بن جبير، لأنهم يتكللون الميت من جوانبه، وليس في عمود نسبه أحدٌ، كالإِكليل يحيط بالرأس ووسط الرأس منه خالٍ، وعليه يدل حديث جابر رضي الله عنه حيث قال: إنما يرثني كلالة، أي: يرثني ورثة ليسوا بولدٍ ولا والدٍ. وقال النضر بن شميل: الكلالة اسم للمال، وقال أبو الخير: سأل رجل عُقبة عن الكلالة فقال: ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة، وما أعضل بأصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة. وقال عمر رضي الله عنه «ثلاث لأن يكون النبي صلّى الله عليه وسلم بيَّنهن لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة وأبواب الربا».

وقال معدان بن أبي طلحة:

" خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة، ما راجعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم في شيء ما راجعتُه في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي في الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري قال: «يا عمر ألاَ تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء» وإني إن أعشْ أقضِ فيها بقضية يقضي فيها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن ".

وقوله: ألاَ تكفيكَ آيةُ الصيف؟ أراد: أن الله عزّ وجلّ أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء والأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها، وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء، فلذلك أحاله عليها. قوله تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ}، أراد به الأخَ والأختَ من الأم بالاتفاق، قرأ سعد بن أبي وقاص «وله أخ أو أخت من أم» ولم يقلْ لهما مع ذكر الرجل والمرأة من قبل، على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما، وكانا في الحكم سواءً ربّما أضافت إلى أحدهما، وربّما أضافت إليهما، كقوله تعالى:

{ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ }[البقرة: 153]، {فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ}، فيه إجماع أن أولاد الأم إذا كانوا اثنين فصاعداً يشتركون في الثلث ذكرُهم وأنثاهم، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته: ألاَ إن الآية التي أنزل الله تعالى في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد. والآية الثانية في الزوج والزوجة والإِخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء في الإِخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله، {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} أي: غير مُدخل الضرَرَ على الورثة بمجاوزة الثلث في الوصية، قال الحسن هو أن يوصي بدين ليس عليه، {وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}، قال قتادة: كره الله الضِّرارَ في الحياة وعند الموت، ونهى عنه وقدّم فيه.

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝١٣ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝١٤

{تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ}، يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة، {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.

{وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}، قرأ أهل المدينة وابن عامر «نُدخله جنات، ونُدخله ناراً»، وفي سورة الفتح (ندخله) و(نعذبه) وفي سورة التغابن (نكفر) و(ندخله) وفي سورة الطلاق (ندخله) بالنون فيهن، وقرأ الآخرون بالياء.

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ۝١٥

قوله عزّ وجلّ: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ}، يعني: الزنا، {مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ}، يعني: من المسلمين، وهذا خطاب للحكام، أي: فاطلبوا عليهن أربعةً من الشهود، وفيه بيان أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود. {فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ}، فاحبسوهنّ، {فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}، وهذا كان في أول الإِسلام قبل نزول الحدود، كانت المرأة إذا زنت حُبست في البيت حتى تموت، ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب بالجلد والرجم.

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أخبرنا الشافعي رضي الله عنه أخبرنا عبد الوهاب عن يونس عن الحسن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

خُذوا عنّي خُذوا عنّي: قد جعل الله لهنَّ سبيلاً، البكرُ بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.»

قال الشافعي رضي الله عنه: وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يُدْخِلُ بينه وبين عبادة حَطَّان الرَّقاشي، ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما فنزل عن كتابي أمْ لاَ. قال شيخنا الإِمام: الحديث صحيح رواه مسلم بن الحجاج عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله عن عبادة، ثم نُسخ الجلد في حق الثيب وبقي الرجم عند أكثر أهل العلم. وذهب طائفة إلى أنه يجمع بينهما. رُوي عن علي رضي الله عنه: أنه جَلَدَ شُرَاحَةَ الهَمْدانية يوم الخميس مائة ثم رجمها يوم الجمعة، وقال: «جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلم». وعامة العلماء على أن الثيب لا يجلد مع الرجم لأن النبي صلّى الله عليه وسلم رجم ماعزاً والغامدية ولم يجلدهما. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: التغريب أيضاً منسوخ في حق البكر. وأكثر أهل العلم على أنه ثابت.

روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلم ضَرَبَ وغَرّبَ، وأن أبا بكر رضي الله عنه ضَربَ وغرّبَ، وأن عمر رضي الله عنه ضَربَ وغرّبَ.

واختلفوا في أن الإِمساك في البيت كان حداً فنسخ أم كان حبساً ليظهر الحد؟ على قولين.

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ۝١٦

قوله تعالى: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ}، يعني: الرجل والمرأة، والهاء راجعة إلى الفاحشة، قرأ ابن كثير «اللذان، واللذين، وهاتان، وهذان» مشددة النون للتأكيد، ووافقه أهل البصرة في (فذانك) والآخرون بالتخفيف، قال أبو عبيدة: خصّ أبو عمرو (فذانك) بالتشديد لقلة الحروف في الاسم {فَـآذُوهُمَا} قال عطاء وقتادة: فعيّروهما باللسان: أمَا خِفْتَ الله؟ أما استحيتَ من الله حيث زنيت؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: سُبُّوهُمَا واشتموهما، قال ابن عباس: هو باللسان واليد يُؤذى بالتعيير وضرب النعال. فإن قيل: ذَكرَ الحبسَ في الآية الأولى وذكر في هذه الآية الإِيذاء، فكيف وجه الجمع؟. قيل: الآية الأولى في النساء وهذه في الرجال، وهو قول مجاهد، وقيل: الآية الأولى في الثيب وهذه في البكر. {فَإِنْ تَابَا}، من الفاحشة {وَأَصْلَحَا}، العمل فيما بعد، {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ}، فلا تُؤذُوهما، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً}. وهذا كله كان قبل نزول الحدود، فنُسخت بالجلد والرجم، فالجلد في القرآن قال الله تعالى:

{ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } [النور: 2] والرجم في السنة.

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما أنهما أخبراه:

"أنّ رجلين اختصما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال أحدهما: اقضِ يا رسول الله بيننا بكتابِ الله، وقال الآخر وكان أفقههما: أجلْ يا رسول الله فاقضِ بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم، قال: تكلم، قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا، فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديتُ منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب سنة، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أما والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، أمّا غَنَمُك وجاريتُك فردٌ عليك، وجلد ابنه مائة وغرَّبه عاماً، وأمر أنُيس الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها» فاعترفتْ، فرجمها ".

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف، أنا محمد ابن إسماعيل، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: قال عمر رضي الله عنه:

«إن الله تعالى بعث محمداً صلّى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله تعالى آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله صلّى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجدُ آيةَ الرجم في كتاب الله تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، والرجم في كتاب الله تعالى حقٌّ على من زَنى إذا أُحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف».

وجملة حدّ الزنا: أن الزاني إذا كان محصناً - وهو الذي اجتمع فيه أربعة أوصاف: العقل والبلوغ والحرية والإِصابة بالنكاح الصحيح - فحدُّه الرجم، مسلماً كان أو ذمياً، وهو المراد من الثيب المذكور في الحديث، وذهب أصحاب الرأي إلى أن الإِسلام من شرائط الإِحصان، ولا يرجم الذميّ. وقد صح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه رجم يهوديين زنيا، وكانا قد أُحصنا.

وإِن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نُظِر: إن كان غير بالغ أو كان مجنوناً فلا حدَّ عليه، وإن كان حُرّاً عاقلاً بالغاً، غير أنه لم يُصب بنكاح صحيح فعليه جلد مائة وتغريب عام، وإن كان عبداً فعليه جلد خمسين، وفي تغريبه قولان، إن قلنا يُغَرّب فيه قولان، أصحهما نصف سنة كما يجلد خمسين على نصف حدِّ الحُرِّ.

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝١٧

قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها، فيكون على بمعنى عند، وقيل: من الله، {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَـٰلَةٍ}، قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم على أنّ كل ما عُصي به الله فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن، وكل من عَصَى الله فهو جاهلٌ. وقال مجاهد: المراد من الآية: العمد، قال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب لكنه جهل عقوبته، وقيل: معنى الجهالة: اختيارُهم اللذة الفانية على اللذة الباقية. {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ}، قيل: معناه قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها، وقال السُّديّ والكلبي: القريب: أن يتوب في صحته قبل مرض موته، وقال عكرمة: قبل الموت، وقال الضحاك: قبل مُعاينة مَلَكِ الموت.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد ابن عبد العزيز البغوي أنا علي بن الجعد أنا ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يُغرْغر.»

وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبا منصور محمد بن محمد بن سمعان أنا أبو جعفر محمد ابن أحمد بن عبد الجبار الرّيَّاني أنا حميد بن زنجويه أنا أبو الأسود أنا ابن لهيعة عن درَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

إنّ الشيطان قال: وعزتِك يارب لا أبرح أُغوي عبادك ما دامتْ أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني.»

قوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}.

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝١٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ۝١٩

{وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ}، يعني: المعاصي {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ}، ووقع في النزع، {قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ}، وهي حال السَّوق حين تُساق روحه، لا يُقبل من كافر إيمانٌ ولا من عاصٍ توبة، قال الله تعالى: { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا }[غافر: 85]، ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق. {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا}، أي: هيأنا وأعددنا، {لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.

{يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهلية وفي أول الإِسلام، إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوبَه على تلك المرأة وعلى خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارّها لتفتدي منه بما ورثته من الميت، أو تموت هي فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبَه فهي أحق بنفسها، فكانوا على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأتَه كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له حصن، وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها ولم ينفق عليها، يضارّها لتفتدي منه، فأتت كبيشةُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي ووَرِثَ نكاحي ابنه فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلّي سبيلي، فقال:

اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمرُ الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا لا يحلُّ لكم أن ترثُوا النساءَ كَرْهاً).

قرأ حمزة والكسائي: كُرهاً بضم الكاف، هاهنا وفي التوبة وقرأ الباقون بالفتح، قال الكسائي: هما لغتان. قال الفراء: الكَره بالفتح ما أُكره عليه، وبالضم ما كان من قِبَل نفسه من المشقة. {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ}، أي: لا تمنعوهنّ من الأزواج لتضجر فتفتدي ببعض مالها، قيل: هذا خطاب لأولياء الميت، والصحيح أنه خطاب للأزواج. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيُضارّها لتفتدي وتردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله تعالى عن ذلك، ثم قال: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} فحينئذٍ يحل لكم إضرارهنّ ليفتدين منكم. واختلفوا في الفاحشة، فقال ابن مسعود وقتادة: هي النشوز، وقال بعضهم وهو قول الحسن: هي الزنا، يعني: المرأة إذا نشزَتْ، أو زَنَتْ حلَّ للزوج أن يسألها الخلع، وقال عطاء: كان الرجل إذا أصابتْ امرأتُه فاحشةً أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ الله تعالى ذلك بالحدود. وقرأ ابن كثير وأبو بكر {مبيَّنة، ومبيَّنات} بفتح الياء، وافق أهل المدينة والبصرة في {مبيّنات} والباقون بكسرها. {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}، قال الحسن: رجع إلى أول الكلام، يعني {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} والمعاشرة بالمعروف: هي الإِجمال في القول والمبيت والنفقة، وقيل: هو أن يتصنَّع لها كما تتصنّع له، {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}، قيل: هو ولد صالح، أو يَعْطِفَه الله عليها.

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ۝٢٠

{وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ}، أراد بالزوج الزوجة ولم يكن مِن قِبَِلِها نشوزٌ ولا فاحشة، {وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً}، وهو المال الكثير، صداقاً، {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ}، من القنطار، {شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ}، استفهام بمعنى التوبيخ، {بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً}، انتصابهما من وجهين أحدهما بنزع الخافض، والثاني: بالاضمار تقديره: تصيبون في أخذه بهتاناً وإثماً ثم قال: {وكيفَ تَأْخُذُونَهُ}.

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًا ۝٢١ وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا ۝٢٢

{وكيفَ تَأْخُذُونَهُ}، على طريق الاستعظام، {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}، أراد به المجامعة، ولكن الله حييٌ يُكني، وأصل الإِفضاء: الوصول إلى الشيء من غير واسطة. {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَـٰقاً غَلِيظاً}، قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة: هو قول الوَلي عند العقد: زوجتُكَها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

وقال الشعبي وعكرمة: هو ما رُوي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال:

اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله تعالى واستحللتُم فروجهنَّ بكلمة الله تعالى.»

قوله عزّ وجلّ: {ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبآؤُكم مِنَ ٱلنِّسَآءِ}، كان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم، قال الأشعث بن سوار: تُوفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: إني اتخذتُكَ ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلّى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}، قيل: بعد ما سلف، وقيل: معناه لكن ما سلف، أي: ما مضى في الجاهلية فهو معفو عنه، {إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً} أي: إنه فاحشة، و«كان» فيه صلة، والفاحشة أقبح المعاصي، {وَمَقْتاً} أي: يُورث مقتَ الله، والمقت: أشدّ البُغض، {وَسَآءَ سَبِيلاً} وبئس ذلك طريقاً وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه (مقيت) وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية.

أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو سهل محمد بن عمرو السجزي أنا الإِمام أبو سليمان الخطابي أنا أحمد بن هشام الحضرمي أنا أحمد بن عبد الجبار العُطاردي عن حفص بن غياث عن أشعث ابن سوار عن عدي بن ثابت

عن البراء بن عازب قال: مرّ بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ قال: بعثني النبي صلّى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝٢٣

قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} الآية، بيّن الله تعالى في هذه الآية المحرمات بسبب الوُصْلة، وجملةُ المحرمات في كتاب الله تعالى أربع عشرة: سبعٌ بالنسب، وسبعٌ بالسبب. فأما السبع بالسبب فمنها اثنتان بالرضاع وأربع بالصهرية والسابعة المحصنات، وهن ذوات الأزواج.

وأما السبع بالنسب قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} وهي جمع أُمّ ويدخل فيه الجدات وإن علونَ منْ قِبَل الأم ومنْ قِبَل الأب، {وَبَنَـٰتُكُمْ}، جمع: البنت، فيدخل فيهن بنات الأولاد وإن سَفُلْنَ، {وَأَخَوَٰتُكُمْ}، جمع الأخت سواء كانت من قبل الأب والأم أو من قِبَل أحدهما، {وَعَمَّـٰتُكُمْ} جمع العمة، ويدخل فيهن جميع أخوات آبائك وأجدادك وإن علون، {وَخَـٰلَـٰتُكُمْ} جمع خالة، ويدخل فيهن جميع أخوات أمهاتك وجداتك، {وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ}، فيدخل فيهنّ بنات أولاد الأخ والأخت وإن سَفُلنَ، وجملته: أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصلٍ من كل أصل بعده، والأصول هي الأمهات والجدات، والفصول البنات وبنات الأولاد، وفصول أول أصوله هي الأخوات وبنات الإِخوة والأخوات، وأول فصل من كل أصل بعده هن العمات والخالات وإن علون. وأما المحرمات بالرضاع فقوله تعالى: {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ}. وجملته: أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

يحرمُ منَ الرَّضاعة ما يحرمُ من الوِلادة.»

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي قال: أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم أنها أخبرتها:

"أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقالت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله لو كان فلان حياً ـ لعمها من الرضاعة ـ أيدخل عليّ؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «نعم إنّ الرضاعة تُحرِّم ما يحرم من الولادة»".

وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين، أحدهما: أن يكون قبل استكمال المولود حولين، لقوله تعالى:

{ وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [البقرة: 233].

ورُوي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

لا يحرمُ من الرضاعِ إلا ما فتقَ الأمعاء.»

وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

لا رضاعَ إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم.»

وإنما يكون هذا في حال الصغر. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: مدة الرضاع ثلاثون شهراً، لقوله تعالى:

{ وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شهراً } [الأحقاف: 15]، وهو عند الأكثرين لأقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع وأقل مدة الحمل ستة أشهر. والشرط الثاني أن يوجد خمس رضعات متفرقات، يُروى ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وبه قال عبد الله بن الزبير وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرِّم، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب وإليه ذهب سفيان الثوري، ومالك والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأصحاب الرأي. واحتج من ذهب إلى أن القليل لا يحرم بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو العباس الأصم أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنا أنس بن عياض عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير يحدّث أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:لا تحرم المصةُ من الرضاع والمصتان.»

هكذا روى بعضُهم هذا الحديث.

ورواه عبد الله بن أبي مُليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلّى الله عليه وسلم، وهو الصحيح.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهنّ فيما يُقرأ مِنَ القرآن.

وأما المحرمات بالصهرية فقوله: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ}، وجملته أن كل من عقد النكاح على امرأة فتحرم على الناكح أمهات المنكوحة وجداتها وإن علون من الرضاعة والنسب بنفس العقد. {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}، والربائب جمع: ربيبة: وهي بنت المرأة، سُميت ربيبَة لتربيته إيّاها، وقوله: {فِى حُجُورِكُمْ} أي: في تربيتكم، يقال: فلان في حُجر فلان إذا كان في تربيته، {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} أي: جامعتموهنّ. ويحرم عليه أيضاً بناتُ المنكوحة وبنات أولادها، وإن سَفُلن من الرضاع والنسب بعد الدخول بالمنكوحة، حتى لو فارق المنكوحة قبل الدخول بها أو ماتَتْ جازَ له أن ينكح بنتها، [ولا يجوز له أن ينكح أُمَّها] لأن الله تعالى أطلق تحريم الأمهات وقال في تحريم الربائب: {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، يعني: في نكاح بناتهن إذا فارقتُمُوهنّ أو مِتْنَ.

وقال علي رضي الله عنه: أم المرأة لا تحرم إلا بالدخول بالبنت كالربيبة. {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ}، يعني: أزواج أبنائكم، واحدتُها: حَلِيلة، والذكر حَلِيل، سُميا بذلك لأن كلَّ واحد منها [حلال لصاحبه، وقيل: سُميا بذلك لأن كل واحد منهما] يَحلَّ حيث يحلُّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: إن كلَّ واحدٍ منهما يحلّ إزارَ صاحبه من الحَل وهو ضدّ العَقْل. وجملته: أنه يحرم على الرجل حلائل أبنائه وأبناء أولاده وإنْ سَفُلُوا من الرضاع والنسب بنفس العقد، وإنما قال: «من أصلابِكم» ليعلم أن حليلة المتبنَّى لا تحرم على الرجل الذي تبناه، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم تزوج امرأة زيد بن حارثة، وكان زيدٌ قد تبنّاه رسول الله صلّى الله عليه وسلم. والرابع من المحرمات بالصهرية: حليلةُ الأب والجدّ وإن علا، فيحرم على الولد ووَلَدِ الولد بنفس العقد سواء كان الأب من الرضاع أو من النسب، لقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}، وقد سبق ذكره. وكل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين، والوطء بشبهة النكاح، حتى لو وطىء امرأة بالشبهة أو جارية بملك اليمين فتحرم على الواطىء أمُّ الموطوءة وابنتها وتحرم الموطوءة على أب الواطىء وعلى ابنه. ولو زنى بامرأة فقد اختلف فيه أهل العلم: فذهبت جماعة إلى أنه لا تحرم على الزاني أمُّ المَزنيِّ بها وابنتها، وتحرم الزانيةُ على أب الزاني وابنه، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال سعيد بن المسيب وعُروة والزهري، وإليه ذهب مالك والشافعي رحمهم الله تعالى. وذهب قومٌ إلى التحريم، يُروَى ذلك عن عِمرانَ بن حصين وأبي هريرة رضي الله عنهما، وبه قال جابر ابن زيد والحسن وهو قول أصحاب الرأي. ولو لمس امرأةً بشهوة أو قبَّلها، فهل يُجعل ذلك كالدخول في إثبات حرمة المصاهرة؟ وكذلك لو لمس امرأة بشهوة فهل يُجعل كالوطء في تحريم الربيبة؟ فيه قولان، أصحهما وهو قول أكثر أهل العلم أنه تثبت به الحرمة، والثاني: لا تثبت كما لا تثبت بالنظر بالشهوة. قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ}، لا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في النكاح سواء كانت الإخوّة بينهما بالنسب أو بالرضاع، فإذا نكح امرأة ثم طلقها بائناً جاز له نكاح أختها، وكذلك لو ملك أختين بملك اليمين لم يجز له أن يجمع بينهما في الوطء، فإذا وطىء إحداهما لم يحل له وطء الأُخرى حتى يُحرّم الأولى على نفسه. وكذلك لا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها ولاَ بين المرأة وخالتها لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولاَ بين المرأة وخالتها.»

قوله تعالى: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} يعني: لكن ما مضى فهو معفوٌّ عنه، لأنهم كانوا يفعلونه قبل الإِسلام، وقال عطاء والسدي: إلا ما كان من يعقوب عليه السلام فإنه جمع بين ليَّا أم يهوذا وراحيل أم يوسف، وكانتا أختين. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.

وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝٢٤

قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ}، يعني: ذوات الأزواج، لا يحل للغير نكاحُهنّ قبل مفارقة الأزواج، وهذه السابعة من النساء اللاتي حُرِّمت بالسبب.

قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساءٍ كُنّ يهاجرنَ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولهن أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله المسلمين عن نكاحهن.

ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ}، يعني: السبايا اللواتي سُبين ولهن أزواج في دار الحرب فيحلُّ لِمَالِكِهِنّ وطؤهنّ بعد الاستبراء، لأن بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها.

قال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم حُنين جيشاً إلى أوطاس فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهن، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقال عطاء: أراد بقوله {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} أن تكون أمته في نكاح عبدِهِ فيجوز أن ينزعَها منه. وقيل: أراد بالمحصنات الحرائر ومعناه: أن ما فوق الأربع حرامٌ منهن إلا ما ملكت أيمانُكم، فإنه لا عددَ عليكم في الجواري. قوله تعالى: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}، نصب على المصدر، أي: كتب الله عليكم كتاب الله، وقيل: نصب على الإِغراء، أي: الزموا كتاب الله عليكم، أي: فرض الله تعالى. قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص {أُحِل} بضم الأول وكسر الحاء، لقوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ}، وقرأ الآخرون بالنصب، أي: أحلّ الله لكم ما وراء ذلكم، أي: ما سوى ذلكم الذي ذكرتُ من المحرمات، {أَن تَبْتَغُواْ}، تطلبُوا، {بِأَمْوَٰلِكُمْ}، أي تنكِحُوا بصداقٍ أو تشترُوا بثمنٍ، {مُّحْصِنِينَ}، أي: متزوجين مُتَعَفِّفِين، {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ}، أي: غير زانين، مأخوذٌ من سَفْحِ الماء وصبِّه وهو المنيُّ، {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ}، اختلفوا في معناه، فقال الحسن ومجاهد: أراد ما انتفعتم وتلذّذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح، {فَـآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، أي: مهورهن، وقال آخرون: هو نكاح المتعة وهو أن يِنْكِحَ امرأة إلى مدّة فإذا انقضت تلك المُدّة بانَتْ منه بِلاَ طلاق، وتستبرىء رحمها وليس بينهما ميراث، وكان ذلك مباحاً في ابتداء الإِسلام، ثم نهَى عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا محمد بن عبد الله بن نمير أنا أبي أنا عبد العزيز بن عمر حدثني الربيع بن سبرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال:

يا أيها الناس إني كُنتُ أذِنْتُ لكم في الاستمتاع من النساء، وإنّ الله تعالى قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليُخلِ سبيلَه ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً.»

وأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن متعةِ النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإِنسية.

وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم: أن نكاح المتعة حرام، والآية منسوخة. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يذهب إلى أن الآية محكمة، ويُرخِّصَ في نكاح المتعة.

ورُوي عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة، فقال: أمَا تقرأ في سورة النساء: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ}؟ إلى أجلٍ مُسمّى قلت: لا أقرؤها هكذا، قال ابن عباس: هكذا أنزل الله، ثلاث مرات. وقيل: إنّ ابن عباس رضي الله عنهما رجع عن ذلك.

وروَى سالم عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عنها؟، لا أجدُ رجلاً نكحها إلاّ رجمتُه بالحجارة، وقال: هدمَ المتعةَ النكاحُ والطلاقُ والعِدّةُ والميراثُ.

قال الربيع بن سليمان: سمعتُ الشافعي رضي الله عنه يقول: لا أعلم في الإِسلام شيئاً أُحلّ ثم حُرّم ثم أُحلّ ثم حُرّم غيرَ المتعة. قوله تعالى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي: مُهورَهنّ، {فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ}، فمن حل ما قبله على نكاح المتعة أراد أنهما [إذا عَقَدَ عقداً إلى أجلٍ بمالٍ] فإذا تمَّ الأجل فإن شاءت المرأة زادتْ في الأجل وزاد الرجل في الأجر، وإن لم يتراضيا فارقها، ومن حمل الآية على الاستمتاع بالنكاح الصحيح، قال المراد بقوله {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ} من الإِبراء عن المهر والافتداء والاعتياض {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}.

[فصل في قدر الصداق وفيما يُستحب منه]

أعلم أنه لا تقدير لأكثر الصداق لقوله تعالى: {وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} والمستحب أن لا يُغالى فيه.

قال عمر بن الخطاب: ألا لا تغالوا صدقة النساء فإنها لو كانت مَكْرمةً في الدنيا وتقوىً عند الله لكان أولاكم بها نبيُّ الله صلّى الله عليه وسلم ما علمتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم نكح شيئاً من نسائه ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا جعفر بن محمد المفلس أنا هارون بن إسحاق أنا يحيى بن محمد الحارثي أنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة قال:

سألت عائشة رضي الله عنها كم كان صداق النبي صلّى الله عليه وسلم لأزواجه؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونَشاًّ، قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم، هذا صداق النبي صلّى الله عليه وسلم لأزواجه.

أمّا أقل الصداق فقد اختلفوا فيه: فذهب جماعة إلى أنه لا تقدير لأقلّه، بل ما جاز أن يكون مبيعاً أو ثمناً جاز أن يكون صداقاً، وهو قول ربيعة وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قال عمر بن الخطاب: في ثلاث قبضات زبيب مهر، وقال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطاً جاز. وقال قوم: يتقدر بنصاب السرقة، وهو قول مالك وأبي حنيفة، غير أن نصاب السرقة عند مالك ثلاثة دراهم وعند أبي حنيفة عشرة دراهم. والدليل على أنه لا يتقدر: ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي قال: أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه

"أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجْنِيها إن لم يكن لك فيها حاجة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «هل عندكَ من شيءٍ تصدقُها»؟ قال: ما عندي إلاّ إزاري هذا، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن أعطيتها جلست لا إزار لك، فالتمسْ شيئاً»، فقال: ما أجد، فقال: «فالتمسْ ولو خَاتماً من حديد»، فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «هلْ معك من القرآن شيء»؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا - لسور سمّاها -، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «قد زوجتكُها بما معك من القرآن»".

وفيه دليل على أن لا تقدير لأقل الصداق، لأنه قال: «التمس شيئاً» فهذا يدل على جواز أي شيءٍ كان من المال، وقال: «ولو خاتماً من حديد»، ولا قيمة لخاتم الحديد إلا القليل التافه. وفي الحديث دليل على أنه يجوز تعليم القرآن صداقاً وهو قول الشافعي رحمه الله، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز، وهو قول أصحاب الرأي، وكل عمل جاز الاستئجار عليه مثل البناء والخياطة وغير ذلك من الأعمال جاز أن يجعل صداقاً، ولم يُجوّز أبو حنيفة رضي الله عنه أن يجعل منفعة الحرِّ صداقاً، والحديث حجة لمن جوّزه بعدما أخبر الله تعالى عن شعيب عليه السلام حيث زوّج ابنته من موسى عليهما السلام على العمل، فقال:

{ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } [القصص: 27].

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٢٥

قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً}، أي: فضلاً وسعة، {أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ}، الحرائر {ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ}، قرأ الكسائي {المحصنات} بكسر الصاد حيث كان، إلاّ قوله في هذه السورة والمحصنات من النساء، وقرأ الآخرون بفتح جميعها، {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ}، إمائِكم، {ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ}، أي: من لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة، فليتزوج الأمةَ المؤمنة. وفيه دليل على أنه لا يجوز للحرّ نكاح الأمة إلاّ بشرطين، أحدهما: أن لا يجدَ مهرَ حرةٍ، والثاني أن يكون خائفاً على نفسه من العَنَت، وهو الزنا، لقوله تعالى في آخر الآية: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ}، وهو قول جابر رضي الله عنه، وبه قال طاووس وعمرو بن دينار، وإليه ذهب مالك والشافعي. وجوّز أصحاب الرأي للحرّ نكاح الأمة إلاّ أن تكون في نكاحه حرة، أمّا العبد فيجوز له نكاح الأمة وإن كان في نكاحه حرة أو أمة، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز إذا كانتْ تحته حرة، كما يقول في الحرّ. وفي الآية دليل على أنه لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لأنه قال {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ}، جوّز نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة، وقال في موضع آخر:

{ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ } [المائدة: 5] أي: الحرائر، جوز نكاح الكتابية، بشرط أن تكون حرّة، وجوّز أصحاب الرأي للمسلم نكاح الأمة الكتابية، وبالاتفاق يجوز وطؤها بملك اليمين. [{وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ}، أي: لا تتعرضوا للباطن في الإِيمان وخُذوا بالظاهر فإنّ الله أعلمُ بإيمانكم]. {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ}، قيل: بعضكم إخوة لبعض، وقيل: كلكم من نفس واحدة فلا تستنكِفُوا من نكاح الإِماء، {فَٱنكِحُوهُنَّ}، يعني: الإِماء {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}، أي: مواليهن، {وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، مهورهن، {بِٱلْمَعْرُوفِ} من غير مَطل وضرار، {مُحْصَنَـٰتٍ}، عفائف بالنكاح، {غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ}، أي: غير زَانيات، {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}، أي: أحباب تزنون بهن في السرّ، قال الحسن: المسافحة هي أن كل من دعاها تبعتْه، وذات أخدان أي: أن تختص بواحد لا تزني إلا معه، والعرب كانت تحرم الأولى وتجوّز الثانية، {فَإِذَآ أُحْصِنَّ}، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بفتح الألف والصاد، أي: حفِظنَ فروجهنّ، وقال ابن مسعود: أسلمنَ، وقرأ الآخرون: {أُحْصِنَّ} بضم الألف وكسر الصاد، أي: زُوِّجْن {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ}، يعني: الزنا، {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ}، أي: ما على الحرائر الأبكار إذا زنين، {مِنَ ٱلْعَذَابِ}، يعني: الحدّ، فيُجلد الرقيق إذا زنى خمسين جلدة، وهل يُغرّب؟ فيه قولان، فإن قلنا يُغرّب فيغرب نصف سنة على القول الأصح ولا رجم على العبيد. رُوي عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: أمرني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فتية من قريش فجلدنا وَلاَئِدَ من وَلاَئِدَ الإِمارة خمسين في الزنا.

ولا فرق في حدّ المملوك بين من تزوج أو لم يتزوج عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أنه لا حدّ على من لم يتزوج من المماليك إذا زنى، لأن الله تعالى قال: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} ورُوي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال طاووس. ومعنى الإِحصان عند الآخرين الإِسلام، وإن كان المراد منه التزويج فليس المراد منه أن التزويج شرط لوجوب الحدّ عليه، بل المراد منه التنبيه على أن المملوك وإن كان محصناً بالتزويج فلا رَجْمَ عليه، إنّما حدّه الجلد بخلاف الحرّ، فحدّ الأمة ثابت بهذه الآية، وبيان أنه بالجلد في الخبر وهو ما

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني الليث عن سعيد يعني المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال:

سمعت النبي صلّى الله عليه وسلم يقول:

إذا زنت أمةُ أحدِكم فتبينَ زناها فَلْيجلْدها الحدّ ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعْها ولو بحبلٍ من شعر.»

قوله تعالى: {ذٰلِكَ}، يعني: نكاح الأمة عند عدم الطَّول، {لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ}، يعني: الزنا، يريد المشقةَ لِغلبة الشهوة، {وَأَن تَصْبِرُواْ}، عن نكاح الإِماء متعففين، {خَيْرٌ لَّكُمْ}، لئلا يُخلق الولد رقيقاً {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ