انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير البغويالآيات 59–86

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير البغوي.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ۝٥٩

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ}، اختلفوا في {أُوْلِي ٱلأَمْرِ}، قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: هم الفقهاء والعلماء الذين يعلِّمون الناس معالِمَ دينهم، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، ودليلُه قوله تعالى:

{ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء: 83]. وقال أبو هريرة: هم الأمراء والولاة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حقٌ على الإِمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق علي الرعية أن يسمعوا ويُطيعوا.

أخبرنا أبو علي حسان بن سعد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطعِ الأميرَ فقد أطاعني، ومنْ يعصِ الأميرَ فقد عصاني.»

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله حدثني نافع عن عبد الله رضي الله عنهم عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

السمعُ والطاعةُ على المرءِ المسلم فيما أحبَّ وكَرِه، ما لم يُؤمرْ بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.»

[أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن محمد الدراوردي] أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أخبرنا عبادة بن الوليد بن عبادة أن أباه أخبره

عن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم على السمعِ والطاعةِ في اليُسر والعُسرِ والمَنْشَطِ والمَكْرَه، وعلى أثَرَةٍ علينَا وعلى أنْ لا نُنَازِعَ الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنّا لا نخاف في الله لَوْمَةَ لاَئمٍ»

أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبيد الله بن أحمد القفال أنا أبو منصور أحمد بن الفضل البروجردي أنا أبو بكر بن محمد بن همدان الصيرفي أنا محمد بن يوسف الكديمي قال أخبرنا أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي التياح:

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لأبي ذر:

اسمعْ وأطعْ ولو لعبدٍ حبشي كأن رأسه زبيبة.»

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسمعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أنا أبو العباس أنا محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا موسى بن عبد الرحمن الكندي أنا زيد بن الحباب أنا معاوية بن صالح حدثني سليم بن عامر قال: سمعتُ أبا أُمامة رضي الله عنه يقول:

سمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم يخطب في حَجّةِ الوَدَاع فقال:

اتقُوا الله وصَلُّوا خمسكم وصُومُوا شهرَكم وأدُّوا زكاةَ أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلُوا جنَّة ربِّكُم.»

وقيل: المراد أمراء السرايا.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد ابن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا صدقة بن الفضل أنا حجاج بن محمد عن يعلى بن مسلم عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ}، قال: نزلتْ في عُبيد الله بن حُذافة بن قيس بن عدي إذْ بعثه النبي صلّى الله عليه وسلم في سرية.

وقال عكرمة: أراد بأولي الأمر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.

حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي أنا عمرو ابن أبي غرزة بالكوفة أخبرنا ثابت بن موسى العابد عن سفيان بن عُيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة رضي الله عنه قال:

قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقْتَدُوا باللّذينِ مِن بعدي أبي بكرٍ وعمر، رضي الله عنهما.

وقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى (والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار) الآية.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمود أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن إسماعيل المكي عن الحسن عن أنس بن مالك رضي الله قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

مثلُ أصحابي في أمتي كالملحِ في الطعامِ لا يَصْلُح الطعامُ إلا بالملح قال: قال الحسن: قد ذهب مِلْحُنَاً فكيف نصلح.

قوله عزّ وجلّ: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ}، أي: اختلفتم، {فِى شَىْءٍ} من أمر دينكم، والتنازع، اختلاف الآراء وأصله من النزع فكأن المتنازعين يتجاذبان ويتمانعان، {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ}، أي: إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حياً وبعد وفاته إلى سُنّته، والردّ إلى الكتاب والسنة واجبٌ إن وُجد فيهما، فإن لم يُوجد فسبيله الاجتهاد. وقيل: الردُّ إلى الله تعالى والرسول أن يقول لِمَا لاَ يعلم: الله ورسولُه أعلم. {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ}، أي: الردُّ إلى الله والرسول، {خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، أي: أحسنُ مآلاً وعاقبة.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا ۝٦٠

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} الآية.

قال الشعبي: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد لأنه عُرف أنه لا يأخذ الرِّشوة ولا يميل في الحكم، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم، فاتفقَا على أن يأتيَا كاهناً في جُهينة فيتحاكما إليه، فنزلت هذه الآية.

قال جابر: كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في جُهينة وواحد في أسلم، وفي كل حي كاهن.

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر، كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلاَّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر رضي الله عنه، فأتيا عمر، فقال اليهودي: اختصمتُ أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك، فقال عمر رضي الله عنه للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، قال لهما رويدكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرضَ بقضاءِ الله وقضاءِ رسولهِ. فنزلت هذه الآية. وقال جبريل: إن عمر رضي الله عنه فرّق بين الحق والباطل، فسُمي الفاروق.

وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضُهم وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلاً من بني النضير قتل به أو أخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجلٌ من بني النضير رجلاً من قريظة لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً، وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أشرف وأكثر من قريظة وهم حلفاء الخزرج، فلما جاء الله بالإِسلام وهاجر النبي صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة، قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة فاختصموا في ذلك، فقالت بنو النضير: كنّا وأنتم قد اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا تقتلون منّا، وديتُكم ستون وسْقاً وديتُنا مائة وِسْق، فنحن نعطيكم ذلك، فقال الخزرج: هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية لكثرتكم وقِلّتَنا فقهرتُمونا، ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد فلا فضل لكم علينا، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون من الفريقين: لا بلْ إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم، فقال: أعظموا اللقمة، يعني الحظ، فقالوا: لك عشرة أوسق، قال: لا بل مائة وسق ديتي، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى آية القصاص، وهذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ} يعني الكاهن أو كعب بن الأشرف، {وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلاً بَعِيداً}.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ۝٦١ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَٰنًا وَتَوْفِيقًا ۝٦٢

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} أي: يُعرضون عنكَ إعراضاً.

{فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ}، هذا وعيد، أي: فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، يعني: عقوبةَ صدودِهم، وقيل: هي كل مُصيبة تُصيب جميع المنافقين في الدنيا والآخرة، تمّ الكلام هاهنا، ثم عاد الكلام إلى ما سبق، يُخبر عن فعلهم فقال: {ثُمَّ جَآءُوكَ}، يعني: يتحاكمون إلى الطاغوت، {ثُمَّ جَآءُوكَ}،[يحيونك ويحلفون]. وقيل: أراد بالمصيبة قتل عمر رضي الله عنه المنافق، ثم جاؤوا يطلبون دِيَتَه، {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ}، ما أردنا بالعُدول عنه في المحاكمة أو بالترافع إلى عمر، {إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً}، قال الكلبي: إلاَّ إحساناً في القول، وتوفيقاً: صواباً، وقال ابن كيسان: حقاً وعدلاً، نظيره: «لَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنَا إلاّ الحُسنَى»، وقيل: هو إحسان بعضهم إلى بعض، وقيل: هو تقريب الأمر من الحق، لا القضاء على أمر الحكم، والتوفيق: هو موافقة الحق، وقيل: هو التأليف والجمع بين الخصمين.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًا ۝٦٣ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ۝٦٤ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا ۝٦٥

{أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}، مِنَ النفاق، أي: علم أنّ ما في قلوبهم خلاف ما في ألسنتِهم، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}، أي: عن عُقوبتهم وقيل: فأعرض عن قبول عذرهم وعظهم باللسان، وقل لهم قولاً بليغاً، وقيل: هو التخويف بالله، وقيل: أن توعدهم بالقتل إن لم يتوبوا، قال الحسن: القول البليغ أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قُتلتم لأنه يبلغ في نفوسهم كل مبلغ، وقال الضحاك: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ} في الملأ {وَقُل لَّهُمْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} في السرّ والخلاء، وقال: قيل هذا منسوخ بآية القتال.

قوله عزّ وجلّ {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}، أي: بأمر الله لأنَّ طاعة الرسول وجبت بأمر الله، قال الزجاج: إلا ليطاع بإذن الله لأنّ الله قد أذن فيه وأمر به، وقيل: إلاَّ ليُطاع كلام تام كاف، بإذن الله تعالى أي: بعلم الله وقضائه، أي: وقوعُ طاعته يكون بإذن الله، {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ}، بتحاكمهم إلى الطَّاغُوت {جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً}.

قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ}، الآية.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير:

"أنَّ الزبير رضي الله عنه كان يحدِّث أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في شراج مِنَ الحرة كانا يسقيان به. كلاهما، فقال رسول الله للزبير: «اسقِ يا زبير، ثم أرسل إلى جارك»، فغضب الأنصاري، ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلوّن وجهُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: اسقِ ثم احبسِ الماءَ حتى يبلغ الجدر، فاستوعى رسول الله صلّى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقَّه"، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد به سعةً له وللأنصاري، فلمّا أحْفَظَ الأنصاريُ رسولَ الله استوعى للزبير حقّه في صريح الحكم. قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية.

ورُوي أن الأنصاري الذي خاصم الزبير كان اسمه حاطب بن أبي بلتعة فلما خَرَجَا مرَّ على المقداد فقال: لمن كان القضاء، فقال الأنصاري: قضَى لابن عمته ولَوَى شدقيه ففطن له يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاءٍ يقضي بينهم، وايْمُ الله لقد أذنبنا ذنباً مرّة في حياة موسى عليه السلام فدعا موسى إلى التوبة منه، فقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنّا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أمَا والله إنّ الله ليعلم مني الصدقَ ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت، فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ}.

وقال مجاهد والشعبي: نزلت في بِشْر المنافق واليهودي اللّذين اختصما إلى عمر رضي الله عنه. قوله تعالى {فَلاَ} أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم مؤمنُون ثمّ لا يرضون بحكمك، ثم استأنف القَسَم {وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} ويجوز أن يكون {لاَ} في قوله {فَلاَ} صلة، كما في قوله {فَلاَ أُقْسِمُ}، حتى يُحكِّمُوك: أي يجعلوك حكماً، {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}، أي: اختلف واختلط من أمورهم والْتَبَس عليهم حُكمه، ومنه الشجر لالْتِفَافِ أغصانه بعضها ببعض، {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ حَرَجاً}، قال مجاهد: شكّاً، وقال غيره: ضِيقاً، {مِّمَّا قَضَيْتَ}، قال الضحاك: إثْماً، أي: يأثمون بإنكارهم ما قضيت، {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} أي: وينقادوا لأمرك انقياداً.

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ۝٦٦ وَإِذًا لَّـَٔاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا ۝٦٧ وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا ۝٦٨ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًا ۝٦٩

قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا} أي: فرضنا وأوجبنا، {عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}، كما أمرنا بني إسرائيل {أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ}، كما أمرنا بني إسرائيل بالخروج من مصر، {مَّا فَعَلُوهُ}، معناه: أنّا ما كتبنا عليهم إلاَّ طاعة الرسول والرضَى بحكمه، ولو كتبْنَا عليهم القتلَ والخروجَ عن الدُّور ما كان يفعله، {إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}، نزلت في ثابت بن قيس وهو من القليل الذي استثنى الله.

قال الحسن ومقاتل لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم وهم القليل، والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلم فقال:

إنّ من أُمتي لرجالاً الإِيمانُ في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي.»

قرأ ابن عامر وأهل الشام {إِلاَّ قَلِيلاً} بالنصب على الاستثناء، وكذلك هو في مصحف أهل الشام، وقيل: فيه إضمار، تقديره: إلاَّ أن يكون قليلاً منهم، وقرأ الآخرون قليل بالرفع على ضمير الفاعل في قوله {فَعَلُوهُ} تقديره: إلا نفر قليل فعلوه، {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ}، من طاعة الرسول والرضى بحكمه، {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً}، تحقيقاً وتصديقاً لإِيمانهم.

{وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً}، ثواباً وَافِراً.

{وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}، أي: إلى الصراط المستقيم.

قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ} الآية.

نزلتْ في ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وكان شديد الحب لرسول الله صلّى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ما غيّر لونك»؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إن لم أرَكَ اسْتَوْحَشْتُ وحشةً شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرتُ الآخرة فأخاف أن لا أراك لأنّك تُرفع مع النبيين، وأنّي إن دخلت الجنة كنتُ في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبداً، فنزلت هذه الآية.

وقال قتادة: قال بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم: كيف يكون الحال في الجنة وأنتَ في الدرجات العُلَى ونحن أسفل منك؟ فكيف نراك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ} في أداء الفرائض، {وَٱلرَّسُولِ} في السنن {فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ} أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالستهم لا أنهم يرفعون إلى درجة الأنبياء، {وَٱلصِّدِّيقِينَ}، وهم أفاضل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، والصدّيق المبالغ في الصدق، {وَٱلشُّهَدَآءِ}، قيل: هم الذين استشهدوا في يوم أُحد، وقيل: الذين استشهدوا في سبيل الله، وقال عكرمة: النبيون ههنا: محمد صلّى الله عليه وسلم، والصديقون أبو بكر، والشهداء عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، {وَٱلصَّـٰلِحِينَ}: سائر الصحابة رضي الله عنهم، {وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً}، يعني: رفقاء في الجنة، والعرب تضع الواحد موضع الجمع، كقوله تعالى: {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} [غافر: 67] أي: أطفالاً (ويُولّون الدُّبر) أي: الأدبار.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي أنا أبو العباس السراج أنا قتيبة بن سعيد أنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس:

"أنّ رجلاً قال: يا رسول الله الرجل يحبُّ قوماً ولمَّا يلحق بهم؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «المرءُ معَ منْ أحبَّ»".

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي وأبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي قالا: أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري أنا أبو العباس السراج أنا أبو يحيى زكريا بن يحيى المروزي أنا سفيان بن عُيينة عن الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

"قال رجل: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «ومَا أعددت لها»؟ قال: فلم يذكر كثيراً، إلا أنه يحب الله ورسولَه قال: «فأنت مع من أحببت»".

ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًا ۝٧٠ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًا ۝٧١ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا ۝٧٢

{ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً} أي: بثواب الآخرة، وقيل: بمن أطاع رسول الله وأحبَّه، وفيه بيان أنهم لن ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، وإنّما نالُوها بفضل الله عزّ وجلّ.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحيم بن منيب أنا يعلى بن عبيد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

"«قارِبُوا وسَدِّدُوا واعلمُوا أنه لا ينجو أحدٌ منكم بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدنيَ الله برحمة منه وفضل»". قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ}، من عدوِّكم، أي: عدّتكم وآلتكم من السلاح، والحِذْرُ والحَذَرُ واحد، كالمِثْل والمَثَل والشِّبْهِ والشَّبَهِ، {فَٱنفِرُواْ} اخْرُجُوا {ثُبَاتٍ} أي: سرايا متفرقين سرية بعد سرية، والثبات جماعات في تفرقة واحدتها ثبة، {أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً} أي: مجتمعين كلكم مع النبي صلّى الله عليه وسلم.

قوله تعالى: {وإِنَّ مِنْكُم لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ}، نزلت في المنافين. وإنما قال {مِنْكُمْ} لاجتماعهم مع أهل الإِيمان في الجنسية والنسبِ وإظهارِ الإِسلام، لا في حقيقة الإِيمان، {لَّيُبَطِّئَنَّ} أي: ليتأخرنّ، وليتثاقلنَّ عن الجهاد، وهو عبد الله بن أُبَيّ المنافق، واللام في {لَّيُبَطِّئَنَّ} لام القسم، والتبطئة: التأخر عن الأمر، يُقال: ما أبطأ بك؟ أي: ما أخَّرك عنّا؟ ويقال: أبْطَأ إبطاءً وبَطَّأ يبطِّئُ تَبْطِئَةً. {فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} أي: قتلٌ وهزيمة، {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ} بالقُعود، {إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً}، أي: حاضراً في تلك الغزاة فيصيبني ما أصابهم.

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ۝٧٣ فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ۝٧٤

{وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ}، فتحٌ وغنيمة {لَيَقُولَنَّ} هذا المنافق، وفيه تقديم وتأخير، وقوله {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} متصل بقوله {فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} تقديره: فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً، كأنْ لمْ تكنْ بينَكُمْ وبينَهُ مَوَدَّةٌ أي: معرفة. قرأ ابن كثير وحفص ويعقوب {تَكُنْ} بالتاء، والباقون بالياء، أي: ولئن أصابكم فضلٌ من الله لَيَقُولَنّ: {يٰلَيتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ} في تلك الغزاة، {فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً}، أي: آخذ نصيباً وافراً من الغنيمة، وقوله {فَأَفُوزَ} نصب على جواب التمني بالفاء، كما تقول: وددت أن أقوم فيتبعني الناس.

قوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ}، قيل: نزلت في المنافقين، ومعنى يشرون أي: يشترون، يعني الذين يختارون الدنيا على الآخرة، معناه: آمنوا ثم قاتلوا، وقيل: نزلت في المؤمنين المخلصين، معناه فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون أي: يبيعُون الحياة الدنيا بالآخرة ويختارُون الآخرة {وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ}، يعني يستشهد، {أَو يَغْلِبْ}، يظفر، {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ}، في كلا الوجهين {أَجْراً عَظِيماً}، ويدغم أبو عمرو والكسائي الباء في الفاء حيث كَانْ.

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة

أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

تكفّلَ الله لمنْ جاهدَ في سبيله لا يُخرجُهُ من بيتهِ إلاَّ الجهادُ في سبيلهِ وتصديقِ كلمتهِ أن يُدخلَه الجنة أو يرجعَه إلى مسكنهِ الذي خرجَ منه معَ ما نالَ من أجرٍ وغنيمة».

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

مَثَلُ المجاهدِ في سبيلِ الله كمثلِ القانتِ الصائمِ الذي لا يفترُ من صلاةٍ ولا صيامٍ حتى يُرجعَه الله إلى أهلهِ بما يرجعُه من غنيمةٍ وأجرٍ، أو يتوفاه فيُدخله الجنة".

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ۝٧٥ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ۝٧٦ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ۝٧٧

قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ} لا تجاهدون {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ}، في طاعة الله، يعاتبهم على ترك الجهاد، {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} أي: عن المستضعفين، وقال ابن شهاب: في سبيل المستضعفين لتخليصهم، وقيل: في تخليص المستضعفين من أيدي المشركين، وكان بمكة جماعة، {مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ}، يَلْقون من المشركين أذىً كثيراً، {ٱلَّذِينَ} يَدْعُون و{يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا}، يعني: مكة، الظالم أي: المشرك، أهلها يعني القرية التي من صفتها أن أهلها مشركون، وإنما خفض {ٱلظَّـٰلِمِ} لأنه نعتٌ للأهل، فلما عاد الأهل إلى القرية صار كأن الفعل لها، كما يقال مررت برجل حسنة عينه. {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً}، أي: من يلي أمرنا، {وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً}، أي: من يمنع العدوَّ عنّا، فاستجاب الله دعوتهم، فلما فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلم مكة ولّى عليهم عتاب بن أسيد وجعله الله لهم نصيراً ينصف المظلومين من الظالمين.

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، أي: في طاعته، {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ} أي: في طاعة الشيطان، {فَقَـٰتِلُوۤاْ} أيها المؤمنون {أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} أي: حِزبَه وجنودَه وهم الكفار، {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ}، مَكْرَه، {كَانَ ضَعِيفاً}، كما فعل يوم بدر لمّا رأى الملائكة خاف أن يأخذوه فهرب وخذلهم.

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ} الآية.

قال الكلبي:

"نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقدامة بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص، وجماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذىً كثيراً قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله ائذنْ لنَا في قتالهم فإنهم قد آذُوْنَا، فيقول لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كُفّوا أيديَكم فإني لم أومر بقتالهم»". {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ}، فلمّا هاجرُوا إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم.

قال الله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ} فُرضَ، {عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ}، يعني: يخشون مشركي مكة، {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ} أي: كخشيتهم من الله، {أَوْ أَشَدَّ} أكثر، {خَشْيَةً}، وقيل: معناه وأشدّ خشية، {وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ}، الجهادَ {لَوْلاۤ}، هلاّ، {أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ}، يعني: الموت، أي: هلا تركتَنا حتى نموت بآجالنا؟. واختلفُوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك، قيل: قاله قوم من المنافقين لأن قوله: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ}، لا يليق بالمؤمنين. وقيل: قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم قالوه خوفاً وجبناً لا اعتقاداً، ثم تابُوا، وأهل الإِيمان يتفاضلون في الإِيمان. وقيل: هم قوم كانوا مؤمنين فلمّا فرض عليهم القتال نافقوا من الجبن وتخلّفوا عن الجهاد، {قُلْ}: يا محمد، {مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا} أي: منفعتها والاستمتاع بها {قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ} أي: وثواب الآخرة خيرٌ وأفضل، {لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ}، الشركَ ومعصية الرسول، {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وحمزة والكسائي بالياء والباقون تظلمون بالتاء.

أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن معاوية الصيدلاني أخبرنا الأصم أنا عبد الله بن محمد بن شاكر أنا محمد بن بشر العبدي أنا مسْعَرُ بن كِدَام عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم حدثني المستورد بن شدّاد قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

"ما الدنيا في الآخرة إلاّ مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بِمَ يرجع".

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ۝٧٨ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ۝٧٩

قوله عزّ وجلّ: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} أي: ينزل بكم الموت، نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أُحد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فردَّ الله عليهم بقوله: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ}، {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}، والبروج: الحصون والقلاع، والمشيّدة: المرفوعة المطوّلة، قال قتادة: معناه في قصورٍ محصنة، وقال عكرمة: مُجَصَّصة، والشّيد: الجص، {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ}، نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم قالوا لمّا قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم المدينة: ما زِلْنَا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه. قال الله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ} يعني: اليهود {حَسَنَةٌ} أي خصب ورخص في السعر، {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}، لنا، {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} يعني: الجدب وغلاء الأسعار {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} أي: من شؤم محمد وأصحابه، وقيل: المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر، وبالسيئة القتل والهزيمة يوم أُحد، يقولوا هذه من عندك أي: أنت الذي حملتنا عليه يا محمد، فعلى هذا يكون هذا من قول المنافقين، {قُلْ}، لهم يا محمد، {كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}، أي: الحسنة والسيئة كلها من عند الله، ثم عيّرهم بالجهل فقال: {فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ} يعني: المنافقين واليهود، {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} أي: لا يفقهون قولاً، وقيل: الحديث هاهنا هو القرآن أي: لا يفقهون معاني القرآن. قوله: {فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ} قال الفراء: كثرت في الكلام هذه الكلمة حتى توهّمُوا أنّ اللاّم متصلة بها وأنّهما حرف واحد، ففصلوا اللاّم ممَّا بعدها في بعضه، ووصلوها في بعضه، والاتصال القراءة، ولا يجوز الوقف على اللام لأنها لام خافضة. قوله عزّ وجلّ: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ}، خير ونعمة {فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ}، بليّةٍ أو أمر تكرهه، {فَمِن نَّفْسِكَ}، أي: بذنوبك، والخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلم والمراد غيره، نظيره قوله تعالى:

{ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30] ويتعلّق أهل القَدَر بظاهر هذه الآية، فقالوا: نفى الله تعالى السيئةَ عن نفسه ونسبها إلى العبد، فقال: {وَمَآ أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}، ولا متعلق لهم فيه، لأنه ليس المراد من الآية حسنات الكسب ولا سيآته من الطاعات والمعاصي، بل المراد منه ما يُصيبهم من النِّعم والمِحنَ، وذلك ليس من فعلهم بدليل أنه نسبها إلى غيرهم ولم ينسبها إليهم، فقال: {مَّآ أَصَابَكَ} ولا يقال في الطاعة والمعصية أصابني، إنّما يقال: أصبتها، ويقال في النِّعَم: أصابني، بدليل أنه لم يذكر عليه ثواباً ولا عقاباً، فهو كقوله تعالى: { فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ } [الأعراف: 131]، ولما ذكر حسنات الكسب وسيئاته نسبها إليه، ووعد عليها الثواب والعقاب، فقال { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا }[الأنعام: 160].

وقيل: معنى الآية: ما أصابك من حسنة من النصر والظفر يوم بدر فمن الله، أي: من فضل الله، وما أصابك من سيئة من القتل والهزيمة يوم أُحد فمن نفسك، أي: بذنب نفسك من مخالفة الرسول صلّى الله عليه وسلم. فإن قيل: كيف وَجْهُ الجمع بين قوله {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} وبين قوله {فَمِن نَّفْسِكَ}؟ قيل: قوله {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي: الخصبُ والجَدْبُ والنصرُ والهزيمةُ كلُّها من عند الله، وقوله: {فَمِن نَّفْسِكَ} أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنبِ نفسِكَ عقوبةً لك، كما قال الله تعالى:

{ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ }[الشورى: 30] يدل عليها ما روَى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قرأ {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} وأنَا كتبتُها عليك. وقال بعضهم: هذه الآية متصلة بما قبلها، والقول فيه مضمر تقديره: فمالِ هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، يقولون: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ، وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}، {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ}. {وَأَرْسَلْنَـٰكَ}، يا محمد {لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}، على إرسالك وصدقك، وقيل: وكفَى بالله شهيداً على أن الحسنة والسيئة كلها من الله تعالى

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۝٨٠

قوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}.

وذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقول:

منْ أطاعني فقدْ أطاعَ اللهَ ومن أحبني فقدْ أحبَّ الله فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربَّاً كما اتخذتِ النصارى عيسى بن مريم ربَّاً، فأنزل الله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} أي: من يطعِ الرسول فيما أُمر به فقد أطاع الله، {وَمَن تَوَلَّىٰ}، عن طاعته، {فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ}، يا محمد، {عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}، أي: حافظاً ورقيباً، بل كل أمورهم إليه تعالى، وقيل: نسخ الله عزّ وجلّ هذا بآية السيف، وأمره بقتال من خالف الله ورسوله.

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ۝٨١ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًا كَثِيرًا ۝٨٢ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًا ۝٨٣

{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ}، يعني: المنافقين يقول باللسان للرسول صلّى الله عليه وسلم: إنّا آمنا بك فَمُرْنا فأمرك طاعة، قال النحويون: أي أمرُنا وشأنُنا أن نطيعك، {فَإِذَا بَرَزُواْ}، خرجُوا، {مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ}، قال قتادة والكلبي: بيّتَ أي: غيّر وبدّل الذي عَهِدَ إليهم النبي صلّى الله عليه وسلم، ويكون التبييت بمعنى التبديل، وقال أبو عبيدة والقتيبي: معناه قالوا وقدرُوا ليلاً غير ما أعطوك نهاراً، وكل ما قدر بليل فهو تبييت، وقال أبو الحسن الأخفش: تقول العرب للشيء إذا قُدِّرَ، قد بُيِّتَ، يُشبهونه بتقدير بيوت الشعر، {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ} أي: يُثبتُ ويحفظ، {مَا يُبَيِّتُونَ}، ما يُزوّرون ويُغيّرون ويقدرون، وقال الضحاك، عن ابن عباس: يعني ما يُسرّون من النفاق، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}، يا محمد ولا تعاقبهم، وقيل: لا تُخبرْ بأسمائهم، مُنع الرسول صلّى الله عليه وسلم من الإِخبار بأسماء المنافقين، {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}، أي: اتخذه وكيلاً فكفى بالله وكيلاً وناصراً. قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ}، يعني: أفلا يتفكّرون في القرآن، والتدبر هو النظر في آخر الأمر، ودُبر كلِّ شيءٍ آخره. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً}، أي تفاوتاً وتناقضاً كثيراً، قاله ابن عباس، وقيل: لوجدوا فيه أي: في الإِخبار عن الغيب بما كان وبما يكون اختلافاً كثيراً، أفلا يتفكرون فيه فيعرفوا - بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر - أنه كلام الله تعالى لأن مالا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف.

قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ}، وذلك أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غَلَبُوا أو غُلِبُوا بادَرَ المنافقون يستخبرون عن حالهم، فيُفشون ويُحدِّثون به قبل أن يُحدِّثَ به رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيُضعفون به قلوبَ المؤمنين فأنزل الله تعالى {وإِذَا جَآءَهُمْ} يعني: المنافقين {أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ} أي: الفتح والغنيمة {أَوِ ٱلْخَوْفِ} القتل والهزيمة {أَذَاعُواْ بِهِ} أشاعوه وأفشوه، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ} أي: لو لم يحدثوا به حتى يكون النبي صلّى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به، {وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ}، أي: ذوي الرأي من الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}، أي: يستخرجونه وهم العلماء، أي: عَلِمُوا ما ينبغي أن يُكتم وما ينبغي أن يُفشي، والاستنباط: الاستخراج، يقال: استنبط الماءَ إذا استخرجه، وقال عكرمة: يستنبطونه أي: يحرصون عليه ويسألون عنه، وقال الضحاك: يتّبعونه، يريد الذين سمعوا تلك الأخبار من المؤمنين والمنافقين ولو ردوه إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم وإلى ذوي الرأي والعلم، لَعلمَه الذين يستنبطونه منهم، أي: يحبون أن يعلموه على حقيقته كما هو. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ}، كلكم، {إِلاَّ قَلِيلاً}، فإن قيل: كيف استثنى القليل ولولا فضله لاتبع الكلُّ الشيطانَ؟ قيل: هو راجع إلى ما قبله، قيل: معناه أذاعوا به إلا قليلاً لم يفشه، عنى بالقليل المؤمنين، وهذا قول الكلبي واختيار الفراء، وقال: لأنّ عِلْمَ السرِّ إذا ظهرَ عَلِمَهُ المستنبطُ وغيرُه، والإِذاعة قد تكون في بعضٍ دون بعض، وقيل: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلاً، ثم قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ} كلام تام. وقيل: فضلُ الله: الإِسلامُ، ورحمتُه: القرآن، يقول لولا ذلك لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً، وهم قوم اهتدوا قبل مجيء الرسول صلّى الله عليه وسلم ونزول القرآن، مثل زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل وجماعة سواهما. وفي الآية دليل على جواز القياس، فإن من العلم ما يُدرك بالتلاوة والرواية وهو النّص، ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس على المعاني المودعة في النصوص.

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا ۝٨٤

قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ}، وذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلم وَاعَدَ أبا سفيان بعد حرب أُحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم، فأنزل الله عزّ وجلّ {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} أي: لاَ تَدَعْ جهاد العدو والانتصار للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك، فإن الله قد وعدك النصرة وعاتبهم على ترك القتال، والفاء في قوله تعالى: {فَقَاتِلْ} جواب عن قوله {وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} فقاتِلْ، {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، على القتال أي حضّهم على الجهاد ورغّبهم في الثواب، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سبعين راكباً فكفاهم الله القتال، فقال جل ذكره {عَسَى ٱللَّهُ} أي: لعلّ الله، {أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، أي: قتال المشركين و«عسى» من الله واجب، {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً} أي: أشدّ صولة وأعظم سلطاناً، {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي: عقوبة.

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتًا ۝٨٥

قوله عزّ وجلّ: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا، وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا}، أي: نصيب منها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشفاعة الحسنة هي الإِصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة هي المشي بالنميمة بين الناس. وقيل: الشفاعة الحسنة هي حُسنُ القول في الناس ينال به الثوابَ والخير، والسيئة هي: الغيبة وإساءة القول في الناس ينال به الشر. وقوله {كِفْلٌ مِّنْهَا} أي: من وزرها، وقال مجاهد: هي شفاعة الناس بعضهم لبعض، ويُؤجر الشفيع على شفاعته وإن لم يُشفّع.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل أنا سفيان الثوري عن أبي بردة أخبرني جدي أبو بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال:

"كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه، فقال: «اشفعُوا لتُؤجروا ليقضي الله على لسان نبيه ما شاء»".

قوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: مقتدراً مجازياً، قال الشاعر:

وذِي ضغنٍ كففتُ النفسَعنهُ وكنتُ على مساءَته مُقيتاً

وقال مجاهد: شاهداً: وقال قتادة: حافظاً، وقيل: معناه على كل حيوان مقيتاً أي: يوصل القوت إليه.

وجاء في الحديث:

كفى بالمرءِ إثماً أن يضيّع من يَقُوتُ ويقِيْتُ».

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ۝٨٦

قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ}، التحية: هي دعاء الحياة، والمراد بالتحية هاهنا السلام، يقول: إذا سلّم عليكم مُسلِّم فأجيبُوا بأحسن منها أو رُدُّوها كما سلّم، فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلامُ ورحمةُ الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردّ مثله، رُوي أنّ رجلاً سلّم على ابن عباس رضي الله عنهما، قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئاً، فقال ابن عباس: إنّ السلام ينتهي إلى البركة.

ورُوي عن عمران بن حُصين:

"أنّ رجلاً جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فردّ عليه، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «عَشْرٌ» ثمّ جاء آخرُ فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فردّ عليه فجلس، فقال: «عشرُون» ثم جاء آخرُ فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردّ عليه، فقال: «ثلاثون»".

واعلمْ أنّ السلام سنة ورَدُّ السلام فريضة، وهو فرض على الكفاية، وكذلك السلام سنة على الكفاية فإذا سلّم واحدٌ من جماعة كان كافياً في السنة، وإذا سلّم واحدٌ على جماعة وردَّ واحدٌ منهم سقط الفرض عن جميعهم.

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن مَحْمَش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أنا إبراهيم بن عبد الله بن بكير الكوفي أنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

والذي نفسي بيده لا تَدْخُلُوا الجنَّةَ حتى تُؤمنُوا ولا تُؤمنُوا حتى تحابّوا، أوَلا أدلّكم على شيء إذا فعلتمُوه تحاببتم؟ أفشُوا السلام بينكم.»

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا قتيبة أنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو

"أن رجلاً سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أيُّ الإِسلام خير؟ قال: «أنْ تُطعمَ الطعامَ وتقرأ السلامَ على منْ عرفتَ ومنْ لم تعرفْ»".

ومعنى قوله: أيُّ الإِسلام خير، يريد أيُّ خصال الإِسلام خير. وقيل: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ}، معناه أي إذا كان الذي سلّم مسلماً، {أَوْ رُدُّوهَآ} بمثلها إذا لم يكن مسلماً.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم: فإنما يقول السَّامُّ عليك، فقلْ: عليك».

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيباً} أي: على كل شيءٍ من رَدِّ السلام بمثله أو بأحسن منه، حسيباً أي: محاسباً مجازياً، وقال مجاهد: حفيظاً، وقال أبو عبيدة: كافياً، يقال: حسبي هذا أي كفاني.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ