انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير البغويالآيات 26–42

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير البغوي.

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٢٦

قوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}، أي: أن يبين لكم، كقوله تعالى:

{ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ }[الشورى: 15] أي: أن أعدل، وقوله: { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } [الأنعام: 71]، وقال في موضع آخر { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ }[غافر: 66]. ومعنى الآية: يريد الله أن يبين لكم، أي: يوضح لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم، قال عطاء: يبين لكم ما يقرِّبكم منه، قال الكلبي: يبين لكم أن الصبر عن نكاح الإِماء خير لكم، {وَيَهْدِيَكُمْ}، يرشدكم، {سُنَنَ}، شرائع، {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، فإنها كانت محرمة على من قبلكم. وقيل: ويهديكم الملة الحنيفية وهي ملة إبراهيم عليه السلام، {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ}، ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم، وقيل: يرجع بكم من المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته، وقيل: يوفقكم للتوبة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم، {حَكِيمٌ}، فيما دبّر من أمورهم.

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا ۝٢٧ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًا ۝٢٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ۝٢٩

{وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}، إن وقع منكم تقصير في أمر دينه {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ}، عن الحق، {مَيْلاً عَظِيماً} بإتيانكم ما حرّم عليكم.

واختلفوا في الموصوفين باتّباع الشهوات، قال السدي: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: هم المجوس لأنهم يُحلّون نكاح الأخوات وبنات الأخ والأخت، وقال مجاهد: هم الزناة يريدون أن تميلوا عن الحق فتزنون كما يزنون، وقيل: هم جميع أهل الباطل.

{يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ}، يسهلَ عليكم في أحكام الشرع، وقد سهل كما قال جلّ ذكره:

{ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ }[الأعراف: 157] وقال النبي صلّى الله عليه وسلم:بعثتُ بالحنيفية السمحة السلهة.»

{وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً}، قال طاووس والكلبي وغيرهما في أمر النساء: لا يصبر عنهن، وقال ابن كيسان: {خُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً} يستميله هواه وشهوته، وقال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين، بيانه قوله تعالى:

{ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ } [الروم: 54].

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ}، بالحرام، يعني: بالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة ونحوها، وقيل: هو العقود الفاسدة {إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً}، قرأ أهل الكوفة {تِجَـٰرَةً} نصب على خبر كان، أي: إلاّ أن تكون الأموال تجارة، وقر الآخرون بالرفع، أي: إلا أن تقع تجارة، {عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ}، أي بطيبة نفس كل واحد منكم. وقيل: هو أن يجيز كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد البيع، فيلزم، وإلا فلهما الخيار ما لم يتفرقا لِمَا

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

المتبايعان كلُّ واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار".

{وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}، قال أبو عبيدة: أي لا تُهلكوها، كما قال:

{ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } [البقرة: 195]، وقيل: لا تقتلوا أنفسكم بأكل المال بالباطل. وقيل: أرادَ به قتلَ المسلم نفسه.

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا ابن عيينة عن أيوب عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

من قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذّب به يوم القيامة.»

حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي أخبرنا أبو معاذ عبد الرحمن المزني أنا أبو إسحاق إبراهيم بن حماد القاضي أنا أبو موسى الزَّمِن أنا وهب بن جرير أخبرنا أبي قال سمعت الحسن: أخبرنا جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

خرج برجلٍ فيمن كان قبلكم أرابٌ فجزع منه، فأخرج سكيناً فحزَّ بها يده فما رقأ الدمُ حتى مات، فقال الله عزّ وجل: بادرني عبدي بنفسِه فحَرَّمْتُ عليه الجنة.»

وقال الحسن: {لاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}، يعني: إخوانَكم، أي: لا يقتل بعضُكم بعضاً، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}، أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا سليمان بن حرب أنا شعبة عن علي بن مدرك قال: سمعت أبا زرعة بن عمرو بن جرير عن جده قال:

"قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «استنصت الناسَ» ثم قال: «لا ترجعنَّ بعدي كفاراً يضربُ بعضُكم رقابَ بعض»".

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ۝٣٠ إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ۝٣١

{وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ}، يعني: ما سبق ذكره من المحرَّمات، {عُدْوَٰناً وَظُلْماً}، فالعدوان مجاوزة الحدّ، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ}، نُدخله في الآخرة، {نَاراً}، يُصلى فيها، {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}، هيناً.

قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}، اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابَها تكفيراً للصغائر:

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن مقاتل أنا النضر أخبرنا شعبة أنا فراس قال: سمعت الشعبي عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

الكبائر: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النفس، واليمينُ الغَمُوس.»

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا بشر بن المفضَّل أنا الجَرِيْري عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

«ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثاً قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإِشراكُ بالله عزّ وجلّ، وعقوقُ الوالدين، وجلسَ وكان متكئاً فقال: ألا وقولُ الزُور، فما زال يُكررُها حتى قلنا ليتَه سكت»

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرِتيّ أنا محمد بن كثير أنا سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور، وواصل الأحدب عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله رضي الله عنهما قال:

"قلتُ يا رسول الله أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله نِداً وهو خلقك، قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتل ولدكَ خشيةَ أن يطعم معك، قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تزني بحليلة جارك»"، فأنزل الله تعالى تصديق قول النبي صلّى الله عليه وسلم: {وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} الآية. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني سليمان عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة رضي الله عنه:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

"«اجتنبوا السّبع المُوبقات»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشركُ بالله والسّحرُ وقتلُ النفس التي حرَّمَ الله إلاّ بالحق، وأكل الرِّبا وأكل مال اليتيم، والتولي يومَ الزحف، وقذفُ المحصنات المؤمنات الغافلات»".

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أكبر الكبائر: الإِشراك بالله والأمنُ من مكر الله والقنوطُ من رحمة الله واليأسُ من رَوح الله.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي أنا علي بن الجعد أنا شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: سمعتُ حميد بن عبد الرحمن يحدث عن عبد الله بن عمرو.

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

من الكبائر أن يسبَّ الرجلُ والديه، قالوا: وكيف يسبّ الرجل والديه؟ قال: يسبُّ الرجلُ أبا الرجلِ فَيسبُّ أباه ويسبُّ أمه."

وعن سعيد بن جبير: أن رجلاً سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر: أسبع هي؟ قال: هنَّ إلى السبعمائة أقرب إلا أنه لا كبيرةَ مع الاستغفار ولا صغيرةَ مع الإِصرار، وقال: كل شيء عُصيَ الله به فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفرْ فإنّ الله لا يُخلّد في النار من هذه الأمة إلا راجعاً عن الإِسلام أو جاحداً فريضة أو مكذباً بقدر. وقال عبد الله بن مسعود: ما نهى الله تعالى عنه في هذه السورة إلى قوله تعالى: «إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه» فهو كبيرة. وقال علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال الضحاك: ما أوعد الله عليه حدّاً في الدنيا أو عذَاباً في الآخرة. وقال الحسن بن الفضل: ما سماه الله في القرآن كبيراً أو عظيماً نحو قوله تعالى:

{ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً }[النساء: 2]، { إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } [الإسراء: 31]، { إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان: 13]، { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ }[يوسف: 28]، { سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌ }[النور: 16] { إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً }[الأحزاب: 53]. قال سفيان الثوري: الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى، لأنّ الله كريمٌ يعفو، واحتج بما

أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكرماني أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد أنا الحسين بن داؤد البلخي أنا يزيد بن هارون أنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة: يا أمّة محمد إنّ الله عزّ وجلّ قد عفَا عنكم جميعاً المؤمنين والمؤمنات، تواهبُوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي.»

وقال مالك بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة. وقيل: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ والنسيان وما أكره عليه، وحديث النفس المرفوع عن هذه الأمة. وقيل: الكبائر ذنوب المستحلّين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم عليه السلام. وقال السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر، والسيئات مقدِّمَاتُها وتوابعها ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها.

قال النبي صلّى الله عليه وسلم:

العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويُصدِّقُ ذلك الفرجُ أو يكذبه. وقيل: الكبائر ما يستحقره العباد، والصغائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته، كما

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو الوليد أنا مهدي بن غيلان عن أنس قال: إنّكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إنْ كنّا نعدُّها على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الموبقات.

وقيل: الكبائر الشرك، وما يؤدي إليه، وما دون الشرك فهو من السيئات، قال الله تعالى:

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } [النساء: 48، 116].

وقوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي: من الصلاةِ إلى الصلاة ومنَ الجمعة إلى الجمعة ومن رَمضان إلى رمضان.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج حدثني هارون بن سعيد الأيلي أنا ابن وهب عن أبي صخر أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يقول:

الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضان، مُكفّراتُ ما بينهنّ إذا اجتنب الكبائر".

قوله تعالى: {ونُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً}، أي: حسناً وهو الجنة، قرأ أهل المدينة {مُّدْخَلاً} بفتح الميم هاهنا وفي الحج، وهو موضع الدخول، وقرأ الباقون بالضم على المصدر بمعنى الادخال.

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ۝٣٢

قوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} الآية.

قال مجاهد: قالتْ أم سلمة: يا رسول الله إنّ الرجال يغزون ولا نغزوا ولهم ضعفُ ما لنا مِنَ الميراث، فلو كنّا رجالاً غزونا كما غزوا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا. فنزلت هذه الآية.

وقيل: لمّا جعل الله عزّ وجلّ للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، قالت النساء: نحنْ أحقُّ وأحوج إلى الزيادة من الرجال، لأنّا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}.

وقال قتادة والسدي لمّا نزل قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ}، قال الرجال إنّا لنرجو أن نُفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة فيكون أجرُنا على الضِّعف من أجر النساء كما فُضّلنا عليهنّ في الميراث فقال الله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ} من الأجر {وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ}. معناه: أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وذلك أن الحسنة تكون بعشرة أمثالها يستوي فيها الرجال والنساء، وإنّ فضل الرجال في الدنيا على النساء. وقيل: معناه للرجال نصيب مما اكتسبُوا من أمر الجهاد وللنساء نصيب مما اكتسبن من طاعة الأزواج وحفظ الفروج، يعني إن كان للرجال فضل الجهاد فللنساء فضل طاعة الأزواج وحفظ الفروج. قوله تعالى: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ}، قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا، وسل، وفسل إذا كان قبل السين واو أو فاء بغير همز، ونقل حركة الهمزة إلى السين، والباقون بسكون السين مهموزاً. فنهى الله تعالى عن التمنّي لِما فيه من دواعي الحسد، والحسد أن يتمنى زوالَ النعمة عن صاحبه ويتمنّاها لنفسه، وهو حرام، والغِبطة أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه وهو جائز. قال الكلبي: لا يتمنى الرجلُ مالَ أخيه ولا امرأته ولا خادمه، ولكن ليقل اللهم ارزقني مثله، و هو كذلك في التوراة كذلك في القرآن. قوله: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} قال ابن عباس: واسألوا الله من فضله: أي: من رزقه، قال سعيد بن جبير: من عبادته، فهو سؤال التوفيق للعبادة، قال سفيان بن عيينة: لم يأمرْ بالمسألة إلا ليُعطي. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً}.

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا ۝٣٣

قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} أي: ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا موالي، أي: عصبة يُعطون {مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ}، والوالدان والأقربون هم المورِّثون، [وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي أي: ورثة، ممّا ترك أي: من الذين تركهم ويكون {مَا} بمعنى (مِنْ)، ثم فسّر الموالي فقال: «الوالدانِ والأقربون»، هم الوارثون]. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ}، قرأ أهل الكوفة {عقدت} بلا ألف، أي: عقدت لهم أيمانكم، وقرأ الآخرون: {عاقدت أيمانكم} والمعاقدة: المحالفة والمعاهدة، والأيمان جمع يمين، من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضُهم بيد بعض على الوفاء والتمسّك بالعهد. ومحالفتُهم أن الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسِلْمِي سِلْمُك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتَعْقِلُ عنّي وأعقل عَنْك، فيكون للحليف السدس من مال الحليف، وكان ذلك ثابتاً في ابتداء الإِسلام فذلك قوله تعالى: {فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أي: أعطوهم حظَّهم من الميراث، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى

{ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } [الأحزاب: 6]. وقال إبراهيم ومجاهد: أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث، وعلى هذا تكون هذه الآية غير منسوخة لقوله تعالى: { أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } [المائدة: 1].

وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم في خطبة يوم فتح مكة:

لا تحدثوا حِلْفاً في الإِسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فتمسّكوا فيه فإنّه لم يزدْه الإِسلام إلاّ شِدّة.»

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أنزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار حين قَدِمُوا المدينة وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة دون الرحم، فلمّا نزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نسخت، ثم قال: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث فيوصي له. وقال سعيد بن المسيب: كانوا يتوارثون بالتبني وهذه الآية فيه ثم نُسخ. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيداً}.

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ۝٣٤

قوله عز وجل: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ}، الآية

"نزلت في سعد بن الربيع وكان من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، قاله مقاتل، وقال الكلبي: امرأته حبيبة بنت محمد بن مسلمة، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلّى الله عليه وسلم [فقال: أفرشتُه كريمتي فلطمها، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «لتقتص من زوجها»، فانصرفت مع أبيها] لتقتصّ منه فجاء جبريل عليه السلام [فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «ارجعوا هذا جبريل أتاني بشيء»، فأنزل الله هذه الآية]، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «أردنا أمراً وأراد الله أمراً، والذي أراد الله خير»، ورفع القِصَاص".

قوله تعالى: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} أي: مُسلّطون على تأديبهن، والقوّام والقيم بمعنى واحد، والقوّام أبلغ وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب. {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}، يعني: فضّل الرجال على النساء بزيادة العقل والدين والولاية، وقيل: بالشهادة لقوله تعالى:

{ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } [البقرة: 282] وقيل: بالجهاد، وقيل: بالعبادات من الجمعة والجماعة، وقيل: هو أنّ الرجل ينكح أربعاً ولا يحلّ للمرأة إلا زوج واحد، وقيل: بأن الطلاق بيده، وقيل: بالميراث، وقيل: بالدِّية، وقيل: بالنبوّة. {وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ}، يعني: إعطاء المهر والنفقة.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البِرتيّ أنا أبو حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

لو أمرتُ أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها.»

قوله تعالى: {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ}، أي: مطيعات {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ}، أي: حافظات للفروج في غيبة الأزواج، وقيل: حافظات لسرهم {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ}، قرأ أبو جعفر {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} بالنصب، أي: يحفظن الله في الطاعة، وقراءة العامة بالرفع، أي: بما حفظهن الله بإيصاء الأزواج بحقهن وأمرهم بأداء المهر والنفقة. وقيل: حافظات للغيب بحفظ الله.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله ابن فنجوية أخبرنا عمر بن الخطاب أنا محمد بن إسحاق المسوحي أنا الحارث بن عبد الله أنا أبو معشر عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

خيرُ النساءِ امرأةٌ إنْ نظرتَ إليها سرتْكَ وإنْ أمرتَها أطاعتْكَ وإذا غِبْتَ عنها حفظتْكَ في مالها ونفسِها، ثم تلا: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} الآية.

{وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ}، عصيانهن، وأصل النشوز: التكبر والارتفاع، ومنه النشز للموضع المرتفع، {فَعِظُوهُنَّ}، بالتخويف من الله والوعظ بالقول، {وَٱهْجُرُوهُنَّ}، يعني: إن لم ينزِعْنَ عن ذلك بالقول فاهْجُروهنّ {فِى ٱلْمَضَاجِعِ}، قال ابن عباس: يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها، وقال غيره: يعتزل عنها إلى فراش آخر، {وَٱضْرِبُوهُنَّ} يعني: إن لم ينزعْنَ من الهجرانِ فاضربُوهنّ ضرباً غير مُبَرِّح ولا شائن، وقال عطاء: ضرباً بالسواك.

وقد جاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال:

حقُّ المرأةِ أن تُطعمَها إذا طَعِمتَ وتكسوَها إذا اكتسيتَ ولا تضربِ الوجهَ ولا تُقبِّحْ ولا تهجر إلاّ في البيت.»

{فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}، أي: لا تجنُوا عليهنّ الذنوبَ، وقال ابن عُيينة: لا تكلفوهنّ محبَتكم فإنّ القلبَ ليس بأيديهن. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}، متعالياً من أن يُكلِّفَ العبادَ ما لا يُطيقونه، وظاهر الآية يدل على أنّ الزوجَ يجمع عليها بين الوعظ والهجران والضرب، فذهب بعضهم إلى ظاهرها وقال: إذا ظهر منها النشوز جمع بين هذه الأفعال، وحمل الخوف في قوله {وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ}، على العلم كقوله تعالى:

{ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً }[البقرة: 182] أي: علم، ومنهم منْ حملَ الخوفَ على الخشية لا على حقيقة العلم، كقوله تعالى: { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } [الأنفال: 58]، وقال: هذه الأفعال على ترتيب الجرائم، فإن خافَ نُشوزَها بأن ظهرتْ أمارتُه منها مِنَ الُمخاشنةِ وسُوءِ الخُلق وَعَظَها، فإن أبدتِ النشوزَ هجَرَها، فإن أصرَّتْ على ذلك ضَرَبها.

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ۝٣٥

قوله تعالى: {وإِن خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا}، يعني: شقاقاً بين الزوجين، [والخوفُ بمعنى اليقين، وقيل: هو بمعنى الظنّ يعني: إن ظننتم شقاقَ بينهما. وجملتُه أنه إذا ظهر بين الزوجين] شقاقٌ واشتبه حالهما فلم يفعل الزوج الصفح ولا الفرقة ولا المرأة تأدية الحق ولا الفدية وخرجا إلى مَالاَ يحل قولاً وفعلاً بعث الإِمام حكماً من أهله إليه وحكماً من أهلها إليها، رجلين حرين عدلين، ليستطلع كلُّ واحد من الحكمين رأي من بُعث إليه إن كانت رغبتُه في الوصلة أو في الفُرقة، ثم يجتمع الحكمان فينفذان ما يجتمع عليه رأيُهما من الصلاح، فذلك قوله عز وجل: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحاً}، يعني: الحكمين، {يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ}، يعني: بين الزوجين، وقيل: بين الحكمين، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}.

[أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكساتي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا الثقفي عن أيوب عن ابن سيرين عن] عبيدة أنه قال في هذه الآية {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ}، قال: جاء رجل وامرأة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم عليّ رضي الله عنه فبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ثم قال للحكمين: أتدرِيَان ما عليكما؟ إنْ رأيتما أن تجمعا جمعتُما وإن رأيتما أن تُفرقَا فرقتُما، قالتِ المرأة رضيتُ بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، فقال الرجل: أمّا الفُرقة فَلاَ، فقال عليُّ رضي الله عنه: كذبتَ والله حتى تُقرَّ بمثل الذي أقرّت به.

واختلف القول في جواز بعث الحكمين من غير رضا الزوجين وأصح القولين أنه لا يجوز إلا برضاهما، وليس لِحَكَمِ الزوج أن يُطلّق دون رضاه، ولا لِحَكَمِ المرأة أن يخالع على مالها إلا بإذنها، وهو قول أصحاب الرأي لأنّ علياً رضي الله عنه، حين قال الرجل: أمّا الفُرقة فَلاَ، قال: كذبتَ حتى تُقرّ بمثل الذي أقرّتْ به. فثبت أن تنفيذ الأمر موقوف على إقراره ورضاه. والقول الثاني: يجوز بعث الحكمين دون رضاهما، فيجوز لِحَكَمِ الزوج أن يُطلّق دُون رضاه ولِحَكَمِ المرأة أن يخلع دون رضاها، إذا رأيا الصلاح، كالحاكم يحكم بين الخصمين وإن لم يكن على وِفْق مُرادِهما، وبه قال مالك، ومن قال بهذا قال: ليس المراد من قول علي رضي الله عنه، للرجل حتى تُقرّ: أنّ رضاه شرط، بل معناه: أن المرأة رضيتْ بما في كتاب الله [فقال الرجل: أمّا الفُرقة فلا، يعني: الفرقة ليست في كتاب الله]، فقال علي: كذبتَ، حيث أنكرتَ أن الفرقة في كتاب الله، بل هي في كتاب الله، [فإن قوله تعالى: {يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} يشتمل على الفراق وغيره] لأن التوفيق أن يخرج كل واحد منهما من الوِزْرِ وذلك تارةً يكون بالفُرقة وتارةً بصلاح حالهما في الوصلة.

وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ۝٣٦

قوله تعالى: {واعْبُدُوا ٱللَّهَ} أي: وحِّدوه وأطيعوه، {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} [أخبرنا أبو حامد أحمد ابن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بِشْران أنا علي أبو إسماعيل محمد بن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرَّمادي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي] عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: "هل تدري يا معاذ ما حقُّ الله على الناس؟ قال قلت: الله ورسولُه أعلم، قال: حقُّه عليهم أن يعبدوه ولا يُشركُوا به شيئاً، أتدري يا معاذ ما حقُّ الناس على الله إذا فعلُوا ذلك؟ قال: قلتُ الله ورسولُه أعلم، قال: فإنّ حقَّ الناس على الله أن لا يعذبهم، قال قلتُ: يا رسول الله ألا أُبشِّر الناسَ؟ قال: دعهم يعملون.»

قوله تعالى: {وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً}، براً بهما وعطفاً عليهما، {وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ} أي: أحسنُوا بذي القربى، {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ}.

[أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن زرارة أنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل ابن سعد رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم]

أنا وكافلُ اليتيم في الجنّةِ هكذا، وأشار بالسَّبابة والوُسْطى وفرّج بينهما شيئاً.»

[أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله ابن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد عن القاسم] عن أبي أمامة رضي الله عنه:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

من مَسَحَ رأسَ يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شَعْرةٍ تَمُرُّ عليها يَدُهُ حسناتٌ، ومن أحسنَ إلى يتيمة أو يتيمٍ عنده كنت أنا وهو في الجنة كَهَاتين وَقَرَن بين أُصبعيه.»

قوله تعالى: {وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ} أي: ذي القَرابة، {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ}، أي: البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة.

[أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أنا علي بن الجعد أنا شعبة عن أبي عمران الجوني قال: سمعت] طلحة قال:

"قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله إنّ لي جارين فإلى أيِّهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك باباً»".

أخبرنا الأستاذ الإِمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الاسفرايني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق أنا يزيد بن سنان أخبرنا عثمان بن عمر أخبرنا أبو عامر الخزاز عن أبي عمران الجَوْني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

لا تحقرنّ منَ المعروفِ شيئاً ولو أن تلقَى أخاكَ بوجهٍ طَلْقٍ، وإذا طَبخْتَ مرقةً فأكثر ماءَها واغرفْ لجيرانك منها.»

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل أنا محمد بن منهال أنا يزيد بن زريع أنا عمر بن محمد عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

ما زالَ جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنه سَيُوَرِّثُه.»

قوله تعالى: {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} يعني: الرفيق في السفر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وجماعةٌ وعكرمة وقتادة، وقال عليّ وعبد الله والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه، وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يصحبك رجاء نَفْعِكَ. {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}، قيل: هو المسافر لأنه مُلازمٌ للسبيل، والأكثرون: على أنه الضيف.

أخبرنا الأستاذ الإِمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الاسفراييني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق أنا شُعيب بن عمرو الدمشقي أخبرنا سفيان بن عُيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع نافعَ بن جُبير عن أبي شُريح الخزاعي:

أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

من كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فليُحسنْ إلى جاره، ومن كانَ يُؤمنُ بالله واليوم الآخرِ فليُكرمْ ضيفَه، ومن كان يُؤمنُ بالله واليوم الآخر فليَقُلْ خيراً أو ليصمتْ.»

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

منْ كانَ يُؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فليُكرم جارَه، ومنْ كانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فليقلْ خيراً أو ليصمتْ، ومن كَانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخر فليُكرمْ ضيفهُ، جائزته يومٌ وليلة، والضيافة ثلاثةُ أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحلُّ أن يثوي - أي: أن يقيم - عنده حتى يُحرِجَه.»

قوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ}، أي: المماليك أحسنوا إليهم.

أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان أنا أبو أحمد محمد بن قريش أنا علي بن عبد العزيز المكي أنا أبو عبيد القاسم ابن سلام أنا يزيد عن همام عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن سُفينة عن أم سلمة رضي الله عنها

عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه كان يقول في مرضه:

الصلاةَ ومَا مَلَكَتْ أيمانُكم، فجعل يتكلم وما يفيض بها لسانه.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل أنا عمر بن حفص أنا أبي أنا الأعمش عن المعرور عن أبي ذر رضي الله عنه قال:

رأيت عليه بُرْداً وعلى غلامه بُرْدٌ، فقلتُ: لو أخذت هذا فلبسته كانت حُلّةً وأعطيته ثوباً آخر، فقال:

"كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنِلْتُ منها فذكرني إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال لي أساببت فلاناً؟ قلتُ: نعم، قال: أفنِلْت أمه؟ قلت: نعم، قال: إنك امرؤٌ فيكَ جاهلية، قلتُ: على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمْهُ ممّا يأكل وليلبِسْهُ مما يلبس ولا يُكلْفهُ من العمل ما يغلبه، فإن كلّفه ما يَغْلبه فليُعنْهُ عليه»".

أخبرنا الإِمام أبو الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أنا سهل بن عمار أنا يزيد بن هارون أخبرنا صدقة بن موسى عن فرقد السبخي عن مرة الطيب عن أبي بكر رضي الله عنه:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

لا يدخل الجنة سَيءُ المَلَكَةِ.»

{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}، المختال: المتكبر، والفَخُور: الذي يفتخر على الناس بغير الحق تكبراً، ذكر هذا بَعدَمَا ذكر من الحقوق، لأن المتكبر يمنع الحق تكبراً.

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر الزيادي أنا محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال: أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

بينما رجل يتبختر في بُردَين وقد أعجبته نفسه خَسَفَ الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.»

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مُصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

لا ينظرُ الله يومَ القيامة إلى من جرَّ ثوبه خيلاء".

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ۝٣٧

{ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ}، البخل في كلام العرب: منع السائل من فضل ما لديه، وفي الشرع: منع الواجب، {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ}، قرأ حمزة والكسائي {بالبخل} بفتح الباء والخاء، وكذلك في سورة الحديد، وقرأ الآخرون بضم الباء وسكون الخاء، نزلتْ في اليهود بخلوا ببيان صفة محمد صلّى الله عليه وسلم وكتموها. قال سعيد بن جبير: هذا في كتمان العلم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وابن زيد: نزلت في كردم بن زيد وحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد ابن التابوت وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع وبحري بن عمرو كانوا يأتون رجالاً من الأنصار ويخالطونهم فيقولون لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، يعني: المال، وقيل: يعني يبخلون بالصدقة {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}.

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَٰنُ لَهُۥ قَرِينًا فَسَآءَ قَرِينًا ۝٣٨ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ۝٣٩ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ۝٤٠

{وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}، محل «الذين» نصب، عطفاً على الذين يبخلون، وقيل: خفض عطفاً على قوله: و{أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} نزلتْ في اليهود، وقال السدي: في المنافقين، وقيل: في مشركي مكة المنفقين على عَدَاوَةِ الرسول صلّى الله عليه وسلم. {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً}، صاحباً وخليلاً {فَسَآءَ قِرِيناً}، أي: فبئس الشيطان قريناً وهو نصب على التفسير، وقيل: على القطع بإلقاء الألف واللام كما تقول: نعم رجلاً عبد الله، وكما قال تعالى:

{ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً }[الكهف: 50] { سَآءَ مَثَلاً } } [الأعراف: 177].

{وَمَاذَا عَلَيْهِمْ}، أي: ما الذي عليهم وأيّ شيء عليهم؟ {لَوْ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً}.

{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}، [أدخل ابن عباس يده في التراب ثم نفخ فيها، وقال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، والمراد أنه لا يظلم لا قليلاً ولا كثيراً]. ونظمه: وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا فإن الله لا يظلمَ أي: لا يبخس ولا ينقص أحداً من ثوابِ عملهِ مثقال ذرّة، وزن ذرة، والذرة: هي النملة الحمراء الصغيرة، وقيل: الذرّ أجزاء الهباء في الكوَّة وكل جزء منها ذرة ولا يكون لها وزن، وهذا مَثَلٌ، يريد: إن الله لا يظلم شيئاً، كما قال في آية أخرى

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْئًا } [يونس: 44].

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو عمر بكر بن محمد المزني أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد أنا الحسين بن الفضل البجلي أنا عفان أنا همام أنا قتادة عن أنس رضي الله عنه:

أن رسول الله صلّى اله عليه وسلم قال:

إنّ الله لا يظلمُ المؤمن حسنةً، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويُجزَى بها في الآخرة، قال: وأمّا الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُعطَى بها خيراً.»

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو الطيب الربيع بن محمد بن أحمد بن حاتم البزار الطوسي أنا أحمد ابن محمد بن الحسن أن محمد بن يحيى حدثهم، أخبرنا عبد الرزاق.

وأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أنا عبد الرزاق أنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

"«إذا خَلَصَ المؤمنون منَ النار وأمِنُوا، فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشدَّ مجادلة من المؤمنين لربِّهم في إخوانهم الذين أُدخلوا النار، قال: فيقولون ربَّنا إخواننا كانوا يُصلون معنا ويصُومون معنا ويحجُّون معنا فأدخلتَهُمُ النارَ، قال: فيقول اذهبُوا فأخرجُوا مَنْ عَرَفْتُم منهم فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النارُ صورَهم فمنهم من أخذتْهُ النارُ إلى أنصافِ ساقيه ومنهم من أخدتْه إلى كعبيهِ فيُخرجونهم، فيقولون: ربّنا قد أخرجنا من أمرتنا، قال: ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وَزْنُ دينار من الإِيمان، ثم مَنْ كان في قلبه وزنُ نصفِ دينار، حتى يقول: من كان في قلبه مثقال ذرةٍ»، قال أبو سعيد رضي الله عنه: فمن لم يُصدّق هذا فليقرأْ هذه الآية: «إنّ الله لا يظلمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنةً يُضَاعِفْهَا ويُؤتِ مِنْ لدُنْهُ أجراً عظيماً»، قال: فيقولون ربَّنا قد أخْرجْنا مَنْ أمرتنا فلم يبقَ في النار أحدٌ فيه خير، ثم يقول الله عزّ وجلّ: شَفِعتِ الملائكةُ، وشَفعَت الأنبياء، وشَفع المؤمنون، وبقي أرحمُ الراحمين، قال: فيقبض قبضةً من النار، أو قال: قبضتين لم يعملوا لله خيراً قطُ قدِ احْترقُوا حتى صاروا حُمماً فيُؤتَى بهم إلى ماءٍ يقال له: ماء الحياة فيَصب عليهم فينبتُون كما تنبتُ الحِبَّةُ في حَميلِ السيل، قال: فتخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم: عُتقاءُ الله فيُقال لهم: ادْخلُوا الجنَّة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم، قال فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تُعطِ أحداً من العالمين، قال: فيقول فإن لكم عندي أفضل منه، فيقولون: ربَّنا وما أفضل من ذلك؟ فيقول: «رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبداً»."

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا محمد بن أحمد بن الحارث أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا إبراهيم بن عبد الله بن الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن ليث بن سعد حدثني عامر بن يحيى عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الجيلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

إنّ الله يستخلص رجلاً من أمتي على رُؤوس الخلائق يوم القيامة فينشرُ له تسعةً وتسعين سجلاً كل سجل مثل مدِّ البصر، ثم يقول الله: أتُنكر من هذا شيئاً؟ أظَلَمَكَ كتبتي الحافظُون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفَلَكَ عذرٌ أو حسنةٌ؟ فبُهتَ الرجل، قال: لا يا رب، فيقول: بلى إنّ لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بِطاقةٌ فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، فيقول: احضرْ وَزْنَكَ، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقول: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثَقُلت البطاقةُ، قال: فلا يثقل مع اسم الله شيء.»

وقال قومٌ: هذا في الخصوم.

ورُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين ثم نادى منادٍ ألا من كان يطلب مظلمة فليجىء إلى حقه فليأخذه، فيفرح المرء أن يذوب له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه، فيأخذ منه وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}، ويُؤتَى بالعبدِ فينادي مُنادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان ابن فلان فمن كان له عليه حق فليأتِ إلى حقِّه فيأخذه، ويُقال آتِ هؤلاء حقُوقَهم، فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا، فيقول الله عزّ وجلّ لملائكته انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإنْ بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة: يا ربَّنا بقي له مثقال ذرة من حسنة، فيقول: ضعّفُوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة. ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}، وإن كان عبداً شقياً قالتِ الملائكة: إلهنا فنيت حسناتُه وبقي طالبون؟ فيقول الله عزّ وجلّ: خُذوا من سيئاتِهم فأضيفُوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكاً إلى النار.

فمعنى الآية على هذا التأويل: أن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم بل أخذ له منه ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويُضَعّفها له، فذاك قوله تعالى: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا}، قرأ أهل الحجاز {حسنة} بالرفع، أي: وإن تُوجد حسنةٌ، وقرأ الآخرون بالنصب على معنى: وإن تَكُ زَنَةُ الذرةِ حَسَنةً يُضاعِفْها، أي: يجعلها أضعافاً كثيرة. {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}، قال أبو هريرة رضي الله عنه: إذا قال الله تعالى أجراً عظيماً فمن يقدر قدره؟.

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا ۝٤١ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا ۝٤٢

قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ}، [أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمّة بشهيد] يعني: نبيّها يشهد عليهم بما عملوا، {وَجِئْنَا بِكَ}، يا محمد، {عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} شاهداً تشهد على جميع الأمم على من رآه ومن لم يره.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن يوسف أنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ عليّ»، قلتُ: يا رسول الله أأقرأُ عليكَ وعليكَ أُنزل؟ قال: نعم فقرأتُ سورةَ النساء حتى إذا أتيتُ هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} قال: «حَسْبُكَ الآن» فالتفتُ إليه فإذا عيناه تذرفان

قوله عزّ وجلّ: {يَوْمَئِذٍ}، أي يوم القيامة، {يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ}، قرأ أهل المدينة وابن عامر {تسوى} بفتح التاء وتشديد السين على معنى تتسوى، فأدغمت التاء الثانية في السين، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء وتخفيف السين على حذف تاء التفعل كقوله تعالى:

{ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }[هود: 105] وقرأ الباقون بضم التاء وتخفيف السين على المجهول، أي: لو سُويتْ بهمُ الأرضُ وصاروا هم والأرض شيئاً واحداً. وقال قتادة وأبو عبيدة: يعني لو تخرقت الأرض فساخوا فيها وعادوا إليها ثم تسوى بهم، أي: عليهم الأرض. وقيل: وَدُّوا لو أنهم لم يُبعثوا لأنهم إنما نُقلوا من التراب، وكانت الأرض مستويةً عليهم. وقال الكلبي: يقول الله عزّ وجلّ للبهائم والوحوش والطيور والسباع: كُونُوا تراباً فتسوى بهنَّ الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافر أنْ لو كان تراباً كما قال الله تعالى: { وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُراباً } [النبأ: 40].

{وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} قال عطاء: وَدُّوا لو تُسوْى بهم الأرضُ وأنهم لم يكونُوا كَتَمُوا أمرَ محمدٍ صلّى الله عليه وسلم ولا نَعْته. وقال الآخرون: بل هو كلامٌ مستأنف، يعني: ولا يكتمون الله حديثاً لأن ما عملوا لا يخفَى على الله ولا يقدرون على كتمانه. وقال الكلبي وجماعة: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} لأن جوارحَهم تشهدُ عليهم. قال سعيد بن جُبير: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني أجد في القرآن أشياء تختلفُ عليّ، قال: هاتِ ما اختلفَ عليك، قال:

{ فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ }[المؤمنون: 101]، { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ }[الطور: 25] وقال: «ولا يكتمُونَ الله حديثاً»، وقال { وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }[الأنعام: 23] فقد كَتَمُوا، وقال: «أمِ السماءُ بناها»، إلى قوله تعالى: «والأرض بعد ذلك دحاها»، فذكر خلق السماء قبل الأرض، ثم قال: { أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ }،} إلى قوله: { طَآئِعِينَ }[فصلت: 9 ـ 11] فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء، وقال: «وكانَ الله غفوراً رحيماً» «وكانَ الله عزيزاً حكيماً» فكأنه كان ثم مضى؟. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى قال الله تعالى: { وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ } [الزمر: 68]، فلا أنسابَ عند ذلك ولا يتساءَلُون، ثم في النفخة الآخرة (أقبل بعضُهم على بعضٍ يتساءَلُون)، وأمَا قوله: (ما كنّا مشركين) (ولا يكتمُونَ الله حديثاً)، فإن الله يغفر لأهل الإِخلاص ذُنوبَهم، فيقول المشركون: تعالوا نَقُلْ لم نكن مشركين، فيُختَمُ على أفواهم وتنطق أيديهم فعند ذلك عُرف أن الله لا يُكْتَمُ حديثاً، وعنده (يَوَدُّ الذينَ كفرُوا وعَصَوُا الرّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرضُ)، و(خلقَ الأرضَ في يومين)، ثم خلقَ السماءَ ثمّ استوى إلى السماءِ فسوّاهنّ في يومين آخَرَين ثم دحا الأرض، ودحيها: أنْ أخرجَ منها الماءَ والمرعَى وخَلقَ الجِبَالَ والآكَامَ وما بينهما في يومَين آخرَين، فقال: خلق الأرضَ في يومَين فَجُعِلت الأرضُ وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخُلقتِ السمواتُ في يومَين، (وكان الله غفوراً رحيماً) أي: لم يزلْ كذلك، فلا يختلفُ عليكَ القرآنُ فإن كُلاً منْ عند الله. وقال الحسن: إنها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همساً، وفي موطن يتكلمون ويكْذِبُون ويقولون: ما كنّا مشركين، وما كنّا نعمل من سوءٍ، وفي موضع يعترفُون على أنفسهم وهو قوله: (فاعترفُوا بذنبهم) وفي موضع لا يتساءَلُون، وفي موطن يسْألون الرجعة، وآخرُ تلك المواطن أن يُختم على أفواهِهم وتتكلّم جوارِحُهم، وهو قوله تعالى: {وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً}.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ