انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير البغويالآيات 87–101

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير البغوي.

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا ۝٨٧ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا ۝٨٨

قوله تعالى: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ}، اللاّم، لامُ القسم تقديره: والله ليجمعنّكم في الموت وفي القبور، {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} وسُميت القيامةُ قيامةً لأنّ الناس يقومُون من قبورهم، قال الله تعالى: { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً } [المعارج: 43] وقيل: لقيامهم إلى الحساب، قال الله تعالى: { يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }[المطففين: 6] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} أي: قولاً ووَعْداً، وقرأ حمزة والكسائي {أَصْدَق}، وكلُّ صَادٍ سَاكنة بعدها دالٌ بإشمام الزاي. {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} اختلفوا في سبب نُزُولها فقال قوم: نزلت في الذين تخلّفُوا يوم أُحد من المنافقين، فلمّا رجعُوا قال بعضُ الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: اقتلهم فإنّهم منافقون، وقال بعضهم: اعف عنهم فإنهم تكلّموا بالإِسلام.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو الوليد أنا شعبة عن عدي بن ثابت قال: سمعت عبد الله بن يزيد يحدث عن زيد بن ثابت قال:

"لمّا خرج النبي صلّى الله عليه وسلم إلى أُحد رجع ناسٌ ممن خرج معه وكان أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة تقول نقاتلهم وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت: {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ}، وقال: «إنها طَيْبةُ تَنفي الذنوبَ كما تنفي النّارُ خَبَثَ الفِضّة»".

وقال مجاهد: قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا ثم ارتدُّوا وأستأذنُوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتّجِرُون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة، فاختلف المسلمون فيهم، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون.

وقال بعضهم: نزلت في ناسٍ من قريش قَدِمُوا المدينة وأسلموا ثم نَدِمُوا على ذلك فخرجوا كهيئة المتنزهين حتى باعدوا من المدينة فكتُبوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إنّا على الذي فارقناك عليه من الإِيمان ولكنّا اجْتَوَيْنَا المدينة واشتقنا إلى أرضنا، ثم إنهم خرجوا في تجارة لهم نحو الشام فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم: نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ما معهم لأنهم رغِبُوا عن ديننا، وقالت طائفة: كيف تقتلون قوماً على دينكم إن لم يَذرُوا دِيَارَهم، وكان هذا بعين النبي صلّى الله عليه وسلم وهو سَاكِتٌ لا ينهَى واحداً من الفريقين، فنزلت هذه الآية.

وقال بعضهم: هم قوم أسلموا بمكة ثم لم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين، فنزلت {فَمَا لَكُمْ} يا معشر المؤمنين {فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ} أي: صرتم فيهم فئتين، أي: فرقتين، {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} أي: نكَّسَهم ورَدَّهم إلى الكفر، {بِمَا كَسَبُوۤاْ} بأعمالهم غير الزاكية {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ}، أي: أنْ تُرشِدُوا {مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ}، وقيل: معناه أتقولُون أنّ هؤلاء مهتدون وقد أضلّهم الله، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} أي: من يضلله الله عن الهدى، {فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي: طريقاً إلى الحق.

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ۝٨٩ إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ۝٩٠

قوله تعالى: {وَدُّواْ}، تمنُّوا، يعني أولئك الذين رجعوا عن الدين تمنّوا {لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً}، في الكفر، وقوله {فَتَكُونُونَ} لم يُردْ به جواب التمني لأن جواب التمني بالفاء منصوب، إنّما أراد النسق، أي: وَدُّوا لو تكفرونَ ووَدُّوا لو تكونونَ سواء، مثل قوله:

{ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ }[القلم: 9] أي: وَدُّوا لو تدهن وودّوا لَوْ تُدهنون، {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ}، منعَ من موالاتهم، {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ}، معكم. قال عكرمة: هي هجرة أُخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أوّل الإِسلام، وهي قوله تعالى: { لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَـٰجِرِينَ } [الحشر: 8] وقوله: { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }[النساء: 100]، ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين: وهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم صابراً محتسباً [كما حكي هاهنا] مَنَعَ من موالاتهم حتى يُهاجروا في سبيل الله، وهجرة سائر المؤمنين وهي.

ما قال النبي صلّى الله عليه وسلم:

المهاجرُ من هَجَرَ ما نَهى الله عنه.»

قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ}، أعرضوا عن التوحيد والهجرة، {فَخُذُوهُمْ}، أي: خذوهم أسارى، ومنه يقال للأسير أخِيذ، {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} في الحِلّ والحَرَمِ، {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}، ثم استثنى طائفةً منهم فقال:

{إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ} وهذا الاستثناء يرجع إلى القتل لاَ إلى الموالاة، لأنّ موالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال، ومعنى {يَصِلُونَ} أي: ينتسبون إليهم ويتصلون بهم ويدخلون فيهم بالحِلْفِ والجوار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد ويلجؤون إلى قوم، {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَـٰقٌ} أي: عهد، وهم الأسلميون، وذلك

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وَادَعَ هلال َبن عويمر الأسلمي قبل خروجه إلى مكة على أن لا يعينه ولا يُعين عليه، ومن وصل إلى هلال من قومه وغيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل ما لهلال.

وقال الضّحاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مَنَاة كانوا في الصلح والهدنة، وقال مقاتل: هم خُزاعة. وقوله: {أَوْ جَآءُوكُمْ} أي: يتصلون بقوم جاؤوكم، {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أي: ضاقتْ صدورُهم، قرأ الحسن ويعقوب {حصرةً} منصوبة منونة أي: ضيقة صدورهم، [يعني القوم الذين جاؤوكم وهم بنو مدلج، كانوا عاهدوا أن لا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشاً أن لا يقاتلوهم، حَصِرتْ: ضاقت صدورهم]، {أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ} أي: عن قتالكم للعهد الذي بينكم، {أَوْ يُقَـٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ}، يعني: من أمِنَ منهم، ويجوز أن يكون معناه أنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم، يعني قريشاً قد ضاقت صُدُورُهم لذلك. وقال بعضهم: أو بمعنى الواو، كأنه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤوكم حَصِرَتْ صدورُهم، أي حصرت صدورهم عن قتالكم والقتال معكم، وهم قوم هلال الأسلميون وبنو بكر، نهَى الله سبحانه عن قتال هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا بأهل عهدٍ للمسلمين، لأنّ من انضم إلى قوم ذوي عهدٍ فله حكمهم في حقن الدم. قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَـٰتَلُوكُمْ}، يذكر مِنّتَهُ على المسلمين بكفِّ بأسِ المعاهدين، يقول: إن ضيق صدورهم عن قتالكم لما ألقى الله في قلوبهم من الرعب وكفهم عن قتالكم، ولو شاء الله لسلّطهم عليكم فَلَقَاتلوكم مع قومهم، {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} أي: اعتزلوا قتالَكم، {فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ}، ومن اتصل بهم، ويقال: يوم فتح مكة يقاتلوكم مع قومهم، {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ}، أي: الصلح فانقادُوا واستسلموا {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} أي: طريقاً بالقتل والقتال.

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًا مُّبِينًا ۝٩١

قوله تعالى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: هم أسد وغَطفَان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإِسلام رياءً وهم غير مسلمين، وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء، وإذا لقوا أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم قالوا: إنّا على دينكم، يريدون بذلك الأمنَ في الفريقين. وقال الضحاك عن ابن عباس: هم بنو عبد الدار كانوا بهذه الصفة، {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ}، فلا تتعرضوا لهم، {وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ}، فلا يتعرضوا لهم، {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ} أي: دُعُوا إلى الشرك، {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} أي: رجعوا وعادوا إلى الشرك، {فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} أي: فإن لم يكفُّوا عن قتالكم حتى تسيروا إلى مكة، {وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي: المفاداة والصلح، {وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ}، ولم يقبضوا أيديهم عن قتالكم، {فَخُذُوهُمْ}، أسراء، {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أي: وجدتموهم، {وَأُوْلَـٰئِكُمْ} أي: أهل هذه الصفة، {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً مُّبِيناً} أي [حُجّةً بيّنةً ظاهرة بالقتل والقتال].

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝٩٢

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً}، الآية

نزلت في عياش بن (أبي ربيعة) المخزومي، وذلك أنه أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يُظهر إسلامَه لأهله فخرج هارباً إلى المدينة، وتحصّن في أطمٍ من آطامها، فجزعت لذلك أُمه جزعاً شديداً وقالت لابنيها الحارث وأبي جهل ابن هشام وهما أخواه لأمه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه، وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا عياشاً وهو في الأطم، قالا له: انزل فإنّ أُمك لم يُؤوها سقفُ بيت بعدك، وقد حلفت ألاّ تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها (ولك عهد الله) علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دِينك، فلما ذكروا له جزع أُمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه بنسعةٍ فجلده كل واحد منهما مائة جلدة، ثم قدموا به على أُمّه فلما أتاها قالت: والله لا أُحُلّكَ من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثقاً مطروحاً في الشمس ما شاء الله، فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي كنت عليه فوالله لئن كان هدىً لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خالياً أبداً إلا قتلتك، ثم إن عياشاً أسلم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وليس عياش حاضراً يومئذ ولم يشعر بإسلامه، فبينا عياش يسير بظهر قباء إذْ لقي الحارثَ فقتله، فقال الناس: ويحك أي شيء صنعت؟ إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته، فنزل:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً}.

وهذا نهيٌ عن قتل المؤمن كقوله تعالى:

{ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ }[الأحزاب: 53]. {إِلاَّ خَطَئاً} استثناء منقطع معناه: لكنْ إن وقعَ خطأ، {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أي: فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة، {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ}، كاملة، {إِلَىٰ أَهْلِهِ} أي: إلى أهل القتيل الذين يرثونه، {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} أي: يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية، {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}، أراد به إذا كان الرجل مسلماً في دار الحرب منفرداً مع الكفار فقتله من لم يعلم بإسلامه فلا دية فيه، وعليه الكفارة، وقيل: المراد منه إذا كان المقتول مسلماً في دار الإِسلام وهو مِنْ نَسَبِ قوم كفار، وقرابتُهُ فِي دار الحرب حربٌ للمسلمين ففيه الكفارة ولا دية لأهله، وكان الحارث بن زيد من قوم كفار حرب للمسلمين وكان فيه تحرير رقبة ولم يكن فيه دية لأنه لم يكن بين قومه وبين المسلمين عهد.

قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} أراد به إذا كان المقتول كافراً ذمياً أو معاهداً فتجب فيه الدية والكفارة، والكفارة تكون بإعتاق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول مسلماً أو معاهداً، رجلاً كان أو امرأةً، حراً كان أو عبداً، وتكون في مال القاتل، {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ}، والقاتل إن كان واجداً للرقبة أو قادراً على تحصيلها بوجود ثمنها فاضلاً عن نفقته ونفقة عياله وحاجته من مسكن ونحوه فعليه الإِعتاق، ولا يجوز أن ينتقل إلى الصوم فإن عجز عن تحصيلها فعليه صومُ شهرين متتابعين، فإن أفطر يوماً متعمداً في خلال الشهرين أو نسي النيةَ ونوى صوماً آخر وجب عليه استئناف الشهرين. وإن أفطر يوماً بعُذرِ مرضٍ أو سفر فهل ينقطع التتابع؟ اختلف أهل العلم فيه، فمنهم من قال: ينقطع وعليه استئناف الشهرين، وهو قول النخعي وأظهر قولي الشافعي رضي الله عنه لأنه أفطر مختاراً، ومنهم من قال: لا ينقطع وعليه أن يبني، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي. ولو حاضت المرأة في خلال الشهرين أفطرت أيام الحيض ولا ينقطع التتابع، فإذا طَهُرتْ بَنَتْ على ما صامت، لأنه أمرٌ مكتوب على النساء لا يمكنهن الاحتراز عنه. فإن عجز عن الصوم فهل يخرج عنه بإطعام ستين مسكيناً؟ فيه قولان، أحدهما: يخرج كما في كفارة الظهار، والثاني: لا يخرج لأن الشرع لم يذكر له بدلاً فقال: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ}. {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} أي: جعل الله ذلك توبة لقاتل الخطأ {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بمن قتل خطأً {حَكِيماً} فيما حكم به عليكم.

أمّا الكلام في بيان الدية، فاعلم أن القتل على ثلاثة أنواع: عمد محض، وشبه عمد، وخطأ محض.

أما العمد المحض فهو: أن يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالباً فقتله ففيه القصاص عند وجود التكافؤ، أو دِيَةٌ مغلّظة في مال القاتل حالَّة. وشبه العمد: أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالباً، بأن ضربه بعصاً خفيفة، أو حجرٍ صغير ضربة أو ضربتين، فمات فلا قصاص فيه، بل تجب فيه دِيَةٌ مغلّظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين.

والخطأ المحض هو: أن لا يقصد ضربه بل قصد شيئاً آخر فأصابه فمات منه فلا قصاص فيه، بل تجب ديةٌ مخففة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين.

وتجب الكفارة في ماله في الأنواع كلها، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: قتل العمد لا يوجب الكفارة، لأنه كبيرة كسائر الكبائر.

ودِيَةُ الحرّ المسلم مائة من الإِبل فإذا عُدمت الإِبل وجبت قيمتها من الدراهم أو الدنانير في قول، وفي قولٍ يجب بدل مقدر منها وهو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، لِما رُوي عن عمر رضي الله عنه: فرض الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم». وذهب قوم إلى أن الواجب في الدية مائة من الإِبل، أو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، وهو قول عروة بن الزبير والحسن البصري رضي الله عنهما، وبه قال مالك.

وذهب قوم إلى أنها مائة من الإِبل أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.

ودية المرأة نصف دية الرجل، ودية أهل الذمة والعهد ثُلثُ دِيَةِ المسلم إن كان كتابياً، وإن كان مجوسياً فخُمسُ الدِّيَةِ، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: دِيَةُ اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه

وذهب قوم إلى أن دية الذمي والمعاهد مثل دِيَةِ المسلم، رُوي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال قوم: دية الذمي نصف دية المسلم وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله.

والدية في العمد المحض وشبه العمد مغلّظة بالسِّن فيَجب ثلاثون حُقّة وثلاثون جَذَعة وأربعون خَلِفَة في بطونها أولادها، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، وبه قال عطاء، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، لِما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي رضي الله عنه أنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

ألاَ إنَ في قتل العمد الخطأ بالسَّوط أو العصا مائة من الإبلِ مُغلّظة، منها أربعون خَلِفَة في بطونها أولادها».

وذهب قوم إلى أن الدِّية المغلّظة أرباعٌ: خمسٌ وعشرون بنت مخاض، وخمسٌ وعشرون بنت لبون، وخمسٌ وعشرون حُقّة، وخمسٌ وعشرون جَذَعة، وهو قول الزهري وربيعة وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي.

وأمّا دِيَةُ الخطأ فمخففة، وهي أخماسٌ بالاتفاق، غير أنهم اختلفوا في تقسيمها، فذهب قوم إلى أنها عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لَبُون، وعشرون ابن لَبون، وعشرون حُقّة، وعشرون جَذَعة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة، وبه قال مالك والشافعي رحمهم الله، وأبدل قوم بني اللّبون ببنات المخاض، يُروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، وبه قال أحمد وأصحاب الرأي.

ودية الأطراف على هذا التقدير، ودية المرأة فيها على النصف من دية الرجل، والدية في قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة، وهم عصبات القاتل من الذكور، ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أوْجَبَها على العاقلة.

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا ۝٩٣

قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} الآية، نزلت في مِقْيَس بن صُبَابة الكناني، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام، فوجد أخاه هشام قتيلاً في بني النجار فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلم معه رجلاً من بني فِهر إلى بني النجار أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتمْ قاتل هشام ابن صبابة أن تدفعوه إلى مقيس فيقتص منه، وإن لم تعلموا أن تدفعوا إليه دِيَتَه، فأبلغهم الفهري ذلك فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً ولكنّا نُؤدي ديته، فأعطوه مائة من الإِبل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه، فقال: تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبَّة، اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية؛ فتغفل الفهري فرماه بصخرة فشدخه، ثم ركب بعيراً وساق بقيتها راجعاً إلى مكة كافراً فنزل فيه: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا}، بكفرِهِ وارتدادِهِ، وهو الذي استثناه النبي صلّى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، عمّن آمَنَهُ فقُتل وهو متعلق بأستار الكعبة. قوله تعالى: {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} أي: طرده عن الرحمة، {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} اختلفوا في حكم هذه الآية: فحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن قاتل المؤمن عمداً لا توبةَ له، فقيل له: أليس قد قال الله في سورة الفرقان: «ولا يَقْتُلُون النفسَ التي حرّمَ الله إلاّ بالحقّ» إلى أن قال

{ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ } [الفرقان: 67 - 70]، فقال: كانت هذه في الجاهلية، وذلك أن أناساً من أهل الشرك كانُوا قد قتلُوا وزَنُوا فأتَوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقالوا: إنَّ الذي تدعو إليه لَحَسَنٌ، لو تخبرنا أنَّ لِما عملنا كفارة، فنزلت «والذينَ لا يدعُون معَ الله إلهاً آخر» إلى قوله «إلاّ مَنْ تابَ وآمن»، فهذه لأولئك.

وأمّا التي في النساء فالرجل إذا عرف الإِسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم.

وقال زيد بن ثابت: لما نزلت التي في الفرقان «والذينَ لا يدعُونَ معَ الله إلهاً آخر»، عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللّينة فنسخت اللّينة، وأراد بالغليظة هذه الآية، وباللّينة آية الفرقان.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: تلك آية مكية وهذه مدنية نزلت ولم ينسخها شيء. والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمداً توبته مقبولة لقوله تعالى:

{ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً }[طه: 82] وقال: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ }[النساء: 48] وما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل، كما رُوي عن سفيان بن عُيينة أنه قال: إنْ لم يَقْتُلْ يُقال له: لا توبةَ لك، وإنْ قَتَلَ ثم جاء يُقال: لك توبة. ويُروَى مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما. وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر، لأن الآية نزلت في قاتلٍ هو كافر، وهو مقيس بن صبابة، وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمناً مُستحلاًّ لقتله بسبب إيمانه، ومن استحل قتل أهل الإِيمان لإِيمانهم كان كافراً مخلداً في النار، وقيل في قوله تعالى: {فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} معناه: هي جزاؤه إن جازاه، ولكنه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له بكرمه، فإنه وَعَدَ أنْ يغفر لمن يشاء. حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له: هل يُخلف الله وعدَه؟ فقال: لا، فقال: أليس قد قال الله تعالى {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً}؟ فقال أبو عمرو ابن العلاء: من العجمة أُتِيْتَ يا أبا عثمان! إن العرب لا تعد الإِخلاف في الوعيد خلفاً وذماً، وإنما تعد إخلاف الوعد خلفاً وذماً، وأنشد:

وإنِّي وإنْ أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إِيْعَادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي

والدليل على أن غيرَ الشرك لا يوجب التخليد في النار ما روينا أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: من مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة».

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري قال أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه - وكان شهد بدراً وهو أحد النقباء ليلة العقبة -

وقال إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه:

بايعوني على أن لا تُشْرِكُوا بالله شيئاً ولا تسرُقُوا ولا تزنُوا ولا تقتلُوا أولادَكم ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونَهُ بينَ أيديكُم وأرجلِكم ولا تعصُوا في معْروفٍ، فمنْ وفَّى منكم فأجرُه على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعُوقِبَ في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاءَ عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۝٩٤

قوله عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ} الآية.

قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما:

"نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك، وكان من أهل فدك وكان مسلماً لم يُسلم من قومه غيره، فسمعُوا بسريةٍ لرسول الله صلّى الله عليه وسلم تريدهم، وكان على السرية رجل يقالُ له غالب بن فُضالة الليثي، فهربُوا وأقام الرجل لأنه كان على دين المسلمين، فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم فألْجأ غنمه إلى عاقُول من الجبل، وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيلُ سمعهم يكبرون، فلمَّا سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم فكبّر ونزل وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأخبروه فوجد رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم من ذلك وَجْداً شديداً، وكان قدْ سبقهم قبل ذلك الخبرُ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «قتلتموه إرادةَ مَا مَعَهُ»؟ ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن زيد، فقال: يا رسول الله استغفر لي، فقال فكيف بلا إله إلاَّ الله؟! قالها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال أُسامة: فما زال رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعيدها حتى وَددْتُ أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم استغفرَ لي بعد ثلاث مرات، وقال: «اعتقْ رقبةً»".

وروَى أبو ظبيان عن أُسامة رضي الله عنه قال

"قلت:يا رسول الله إنّما قالها خوفاً من السلاح، قال: «أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفاً أم لا»؟".

وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرَّ رجلٌ من بني سليم على نفر من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلّم عليهم، قالوا: ما سلّم عليكم إلا ليتعوذ منكم فقاموا فقتلُوه وأخذوا غنمه فأتوا بها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ}.

يعني إذا سافرتم في سبيل الله، يعني: الجهاد. {فَتَبَيَّنُواْ} قرأ حمزة والكسائي هاهنا في موضعين وفي سورة الحجرات بالتاء والثاء من التثبيت، أي: قفوا حتى تعرفوا المؤمنَ من الكافر، وقرأ الآخرون بالياء والنون من التبيّن، يقال: تبيَّنْتُ الأمرَ إذا تأملته، {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ} هكذا قرأ أهل المدينة وابن عامر وحمزة، أي: المقادة، وهو قول «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وقرأ الآخرون السلام، وهو السلام الذي هو تحية المسلمين لأنه كان قد سلَّم عليهم، وقيل: السلّم والسلام واحد، أي: لا تقولوا لمن سلّم عليكم لستَ مؤمناً، {تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، يعني: تطلبون الغُنم والغنيمة، و«عرضَ الحياة الدنيا» منافعها ومتاعها، {فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ}، أي غنائم، {كَثِيرَةٌ}، وقيل: ثوابٌ كثير لمن اتّقَى قتلَ المؤمن، {كَذٰلِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ}، قال سعيد بن جبير: كذلك كنتم تكتُمُون إيمانكم من المشركين {فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ}، بإظهار الإِسلام، وقال قتادة: كنتم ضُلاّلاً من قبل فمنَّ الله عليكم بالإِسلام والهداية. وقيل معناه: كذلك كنتم من قبل تأمنْون في قومكم بلا إله إلا الله قبل الهجرة فلا تخيفوا من قالها فمنَّ الله عليكم بالهجرة، فَتَبَيَّنُوا أنْ تقتلوا مؤمناً. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}، قلتُ: إذا رأى الغزاةُ في بلد أو قرية شعارَ الإِسلام فعليهم أن يكفُّوا عنهم، فإنّ النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوماً فإن سمع أذاناً كفّ عنهم، وإن لم يسمع أغار عليهم.

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن ابن عصام عن أبيه

أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا بعثَ سريةً قال:

إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم أذاناً فلا تقتلُوا أحداً».

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ۝٩٥

قوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الآية.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل ثنا عبد العزيز بن عبد الله ثنا إبراهيم ابن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد الزهري حدثني صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: رأيتُ مروان بن الحكم جالساً في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت رضي الله عنه أخبره

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أملَى عليه {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، قال: فجاءه ابنُ أم مكتوم وهو يُمْلِيها عليَّ، فقال: يا رسول الله لو أستطيعُ الجهادَ لجاهدتُ، وكان رجلاً أعمى، فأنزل الله تعالى عليه وفخذُهُ على فخذي، فثقلتْ عليَّ حتى خفتُ أن ترضَّ فخذي، ثم سُرِّى عنه فأنزل الله {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ}.

فهذه الآية في الجهاد والحثِّ عليه، فقال: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عن الجهاد {غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ}، قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي بنصب الراء، أي: إلاّ أولي الضّرر، وقرأ الآخرون برفع الراء على نعتِ {ٱلْقَـٰعِدِينَ} يُريدُ: لا يستوي القاعدون الذين هم غيرُ أولي الضرر، أي: غير أولي الزَّمَانَةِ والضّعف في البدن والبصر، {وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}، غير أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، لأن العذر أقعدهم.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحيم بن منيب أنا يزيد بن هرون أخبرنا حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه

"أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم لمّا رجع من غزوة تبوك، فَدَنَا من المدينة قال: «إنّ في المدينة لأقواماً ما سرتُمْ من مسيرٍ ولا قطعتم من وَادٍ إلاَّ كانوا معكم فيه»، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: «نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر»".

وروَى القاسم عن ابن عباس قال: {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عن بدر والخارجون إلى بدر. قوله تعالى: {فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً}، أي: فضيلةً، وقيل: أراد بالقاعد هاهنا أولي الضرر، فضّل الله المجاهدين عليهم درجةً لأن المجاهد باشر الجهاد مع النيَّة وأولو الضَّرر كانتْ لهم نيةٌ ولكنّهم لم يباشروا، فنزلوا عنهم بدرجة، {وَكُـلاًّ}، يعني المجاهد والقاعد {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} يعني: الجنة بإيمانهم، وقال مقاتل: يعني المجاهد والقاعد المعذُور، {وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً}، يعني: على القاعدين من غير عذر.

دَرَجَٰتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝٩٦

{دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}، قال ابن محيريز في هذه الآية: هي سبعون درجة ما بين كل درجتين عَدْوُ الفرس الجواد المضمّر، سبعين خريفاً. وقيل: الدرجات هي الإِسلام والجهاد والهجرة والشهادة فازَ بها المجاهدون.

أخبرنا أبو الحسن على بن يوسف الجويني أنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي أنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجُورَبْذِي أنا يونس بن عبد الأعلى أنا ابن وهب حدثني أبو هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الجبلي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

"أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «يا أبا سعيد مَنْ رضيَ بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد نبيّاً وجبتْ له الجنة» قال فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدْهَا عليّ يا رسولَ الله، ففعل، قال: «وأُخْرَى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» قال: وما هي يا رسول الله؟ فقال: «الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله»".

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن علي بن الشاه أنا أبي أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن صالح المطرِّز أنا محمد بن يحيى أنا شريح بن النعمان أنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

«مَنْ آمَنَ بالله ورسولهِ وأقامَ الصلاةَ وصامَ رمضانَ كانَ حقّاً على الله عزّ وجلّ أن يُدخلهُ الجنّةَ، جاهدَ في سبيل الله أو جلسَ في أرضه التي وُلد فيها»، قالوا: أفلا نُنذر الناسَ بذلك؟ قال: «إن في الجنّة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل من الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتُمُ الله فاسألوه الفِرْدَوسَ فإنه أوسط الجنّةِ وأعلى الجنّةِ وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة»

واعلمْ أن الجهاد في الجملة فرضٌ، غيرَ أنه ينقسم إلى فرض العين وفرض الكفاية: ففرض العين: أن يدخل الكفارُ دارَ قومٍ من المؤمنين، فيجب على كل مكلف من الرجال، ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروجُ إلى عدوهم، حراً كان أو عبداً، غنياً كان أو فقيراً، دفعاً عن أنفسهم وعن جيرانهم. وهو في حق من بَعُدَ منهم من المسلمين فرض على الكفاية، فإن لم تقع الكفاية بمن نزل بهم يجب على من بعد منهم من المسلمين عونُهم، وإن وقعت الكفاية بالنازلين بهم فلا فرض على الأبعدين إلاّ على طريق الإختيار، ولا يدخل في هذا القسم العبيد والفقراء، ومن هذا القبيل أن يكون الكفار قارِّين في بلادهم، فعلى الإِمام أن لا يخلي سنة عن غزوة يغزوها بنفسه أو بسراياه حتى لا يكون الجهاد معطّلاً، والاختيارُ للمطيق الجهاد مع وقوع الكفاية بغيره: أنْ لا يقعد عن الجهاد، ولكنْ لا يُفترض، لأنّ الله تعالى وعد المجاهد والقاعد الثوابَ في هذه الآية فقال: {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}، ولو كان فرضاً على الكافة لاستحقَّ القاعد العقابَ لا الثواب.

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ۝٩٧

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ} الآية، نزلت في ناس من أهل مكة تكلَّمُوا بالإِسلام ولم يهاجروا، منهم: قيس بن الفاكه بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما، فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار فقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوفَّاهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ}، أراد به ملك الموت وأعوانه، أو أراد ملك الموت وحده، كما قال تعالى: { قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ }[السجدة: 11]، والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع {ظَـٰلِمِىۤ أَنفُسِهِمْ}، بالشرك، وهو نصب على الحال أي: في حال ظلمهم، قيل: أي بالمقام في دار الشرك لأن الله تعالى لم يقبل الإِسلام بعد هجرة النبي صلّى الله عليه وسلم إلاَّ بالهجرة.

ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة فقال النبي صلّى الله عليه وسلم:

لا هجرة بعد الفتح.»

وهؤلاء قُتلوا يومَ بدرٍ وضربتِ الملائكةُ وجوهَهم وأدبارهم، وقالوا لهم: فِيْمَ كنتم؟ فذلك قوله تعالى: {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} أي: في ماذا كنتم؟ أو في أي الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين؟ أم في المشركين؟ سؤال توبيخ وتعيير فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك، و{قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ}، عاجزين، {فِى ٱلأَرْضِ}، يعني: إلى المدينة وتخرجوا من مكة، من بين أهل الشرك؟ يعني أرض مكة، {قَالُوۤاْ} يعني: الملائكة {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} يعني: إلى المدينة وتخرجوا من مكة من بين أهل الشرك؟ فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم، وقال: {فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ}، منزلهم {جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً}، أي: بئس المصير إلى جهنم.

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ۝٩٨ فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ۝٩٩ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١٠٠

ثم استثنى أهل العذر منهم، فقال: {إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} لا يقدرون على حيلة ولا على نفقة ولا قوة للخروج منها، {وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}، أي: لا يعرفون طريقاً إلى الخروج. وقال مجاهد: لا يعرفون طريق المدينة.

{فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ}، يتجاوز عنهم، وعسَى منَ الله واجبٌ، لأنه للإِطماع، والله تعالى إذا أطمع عبداً وصله إليه، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنتُ أنا وأمي ممن عذر الله، يعني المستضعفين، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين في الصلاة.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا معاذ بن فضالة أنا هشام عن يحيى هو ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه

أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت اللهم أنجِ عياشَ بن أبي ربعية اللّهم أنجِ الوليدَ اللّهم انجِ سلمةَ بن هشام اللَهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين، اللَهم اشْدُدْ وطأتَكَ على مضر، اللّهم اجعلها سنين كسنيِّ يوسف».

قوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً}، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {مُرَاغَماً} أي: مُتَحوَّلاً يتحول إليه، وقال مجاهد: متزحزحاً عمَّا يكره، وقال أبو عبيدة: المُراغم: يُقال: راغمت قومي وهاجرتهم، وهو المُضْطَرَبُ والمَذْهَبُ.

روى أنه لما نزلت هذه الآية سمعها رجل من بني ليث شيخ كبير مريض يقال له جُنْدَع بن ضَمْرة، فقال: والله لا أبيت الليلة بمكة، أخرجوني، فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فأدركه الموت، فصفقَ بيمينه على شماله ثم قال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، فمات فبلغ خبرُه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقالوا: لو وَافَى المدينة لكان أتمّ وأوْفَى أجراً، وضحك المشركون وقالوا: ما أدرك هذا ما طلب، فأنزل الله: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ}.

أي: قبل بلوغه إلى مهاجره، {فَقَدْ وَقَعَ} أي: وجب {أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ}، بإيجابه على نفسه فضْلاً منه، {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنَّ ٱلْكَٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا ۝١٠١

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: سافرتم، {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}، أي: حرج وإثم {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ}، يعني من أربع ركعات إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ} أي: يغتالكم ويقتلكم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، في الصلاة، نظيره قوله تعالى:

{ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ }[يونس: 83] أي: يقتلهم. {إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} أي: ظاهر العداوة. اعلم أن قصر الصلاة في السفر جائز بإجماع الأمة، واختلفوا في جواز الإِتمام: فذهب أكثرهم إلى أن القصر واجب، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وعمر ابن عبد العزيز وقتادة وهو قول مالك وأصحاب الرأي، لِمَا

رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالتْ:

الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأُقرتْ صلاة السفر وأُتمت صلاة الحضر».

وذهب قوم إلى جواز الإِتمام، رُوي ذلك عن عثمان وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، وبه قال الشافعي رضي الله عنه، إنْ شاءَ أتمَّ وإنْ شاءَ قصرَ، والقصرُ أفضل.

[أخبرنا الإِمام عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن طلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالتْ:

كل ذلك قد فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم قصرَ الصلاةَ وأتمَّ».

وظاهر القرآن يدل على هذا، لأنّه قال: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ}، ولفظ لا جُناح إنّما يُستعمل في الرخص لا فيما يكون حتْماً، فظاهر الآية [يُوجب أن القصر] لا يجوز إلا عند الخوف، وليس الأمر على ذلك، إنّما نزلت الآية على غالب أسفار النبي صلّى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو.

والقصر جائز في السفر في حال الأمن عند عامة أهل العلم، والدليل عليه ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد عن ابن جريج أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار عن عبد الله بن بَابَاه عن يعلى بن أمية، قال:

"قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنّما قال الله تعالى {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}، وقد أمن الناس، فقال عمر رضي الله عنه: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»".

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد الوهاب عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

سافر رسول الله بين مكة والمدينة آمناً لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين

وذهب قوم إلى أنّ ركعتي المسافر ليستا بقصر إنّما القصر أن يصلي ركعة واحدة في الخوف، يُروى ذلك عن جابر رضي الله عنه وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد، وجعلوا شرط الخوف المذكور في الآية باقياً وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الاقتصار على ركعة واحدة لا يجوز خائفاً كان أو آمناً.

واختلف أهل العلم في مسافة القصر، فقالت طائفة: يجوز القصر في السفر الطويل والقصير، رُوي ذلك عن أنس رضي الله عنه، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: أقصرْ بعرفة، أمّا عامة الفقهاء فلا يُجوّزون القصر في السفر القصير.

واختُلِف في حد ما يجوز به القصر، فقال الأوزاعي: مسيرة يوم، وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة بُرُدٍ، وهي ستة عشر فرسخاً، وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق، وقول الحسن والزهري قريب من ذلك، قالا: مسيرة يومين، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، قال: مسيرة ليلتين قاصدتين، وقال في موضع: ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: مسيرة ثلاثة أيام.

وقيل: قوله {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} متصل بما بعده من صلاة الخوف منفصل عمّا قبله، رُوي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: نزل قوله {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ} هذا القدر، ثم بعد حَوْلٍ سألُوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف فنزل: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ، إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً}.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ