انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الروم

تفسير الطبريالآيات 1–22

تفسير سورة الروم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الروم

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 39:53

  1. 1 الآيات 1–30في هذه الصفحة 20:07
  2. 2 الآيات 31–53 15:14
  3. 3 الآيات 54–60 4:32

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ۝٢ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝٣ فِى بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝٤ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝٥

قال أبو جعفر: قد بـيَّنا فـيـما مضى قبلُ معنى قوله {الـم} وذكرنا ما فـيه من أقوال أهل التأويـل، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {غُلِبَتِ الرُّومِ فِـي أدْنَى الأرْضِ} اختلفت القرّاء فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: {غُلِبَتِ الرُّومُ} بضمّ الغين، بـمعنى: أن فـارس غَلَبت الروم. وروي عن ابن عمر وأبـي سعيد فـي ذلك ما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن الـحسن الـجفريّ، عن سلـيط، قال: سمعت ابن عمر يقرأ «الـم غَلَبَتِ الرُّومُ» فقـيـل له: يا أبـا عبد الرحمن، علـى أيّ شيء غَلَبوا؟ قال: علـى ريف الشام.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا الذي لا يجوز غيره {الـم غُلِبَتِ الرُّومُ} بضم الغين، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: غلبت فـارس الروم {فِـي أدْنَى الأرْضِ} من أرض الشام إلـى أرض فـارس {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبهِمْ} يقول: والروم من بعد غلبة فـارس إياهم {سَيَغْلِبُونَ} فـارس {فِـي بِضْعِ سنِـينَ لله الأمْرُ مِنْ قَبْلُ} غلبتهم فـارس {وَمِنْ بَعْدُ} غلبتهم إياها، يقضي فـي خـلقه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويظهر من شاء منهم علـى من أحبّ إظهاره علـيه {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ} يقول: ويوم يغلِب الروم فـارس يفرح الـمؤمنون بـالله ورسوله بنصر الله إياهم علـى الـمشركين، ونُصْرة الروم علـى فـارس {يَنْصُرُ} اللّهُ تعالـى ذكره {مَنْ يَشاءُ} من خـلقه، علـى من يشاء، وهو نُصرة الـمؤمنـين علـى الـمشركين ببدر {وَهُوَ العَزِيزُ} يقول: والله الشديد فـي انتقامه من أعدائه، لا يـمنعه من ذلك مانع، ولا يحول بـينه وبـينه حائل {الرَّحِيـمُ} بـمن تاب من خـلقه، وراجع طاعته أن يعذّبه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن سعيد، أو سعيد الثعلبـي الذي يقال له أبو سعد من أهل طَرَسُوس، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفـيان بن سعيد الثوري، عن حبـيب بن أبـي عَمرة، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: كان الـمسلـمون يُحبون أن تغلب الرومُ أهل الكتاب، وكان الـمشركون يحبون أن يغلب أهل فـارس، لأنهم أهل الأوثان، قال: فذكروا ذلك لأبـي بكر، فذكره أبو بكر للنبـيّ صلى الله عليه وسلم فقال:

أما إنهُمْ سَيُهْزَمُونَ، قال: فذكر ذلك أبو بكر للـمشركين، قال: فقالوا: أفنـجعل بـيننا وبـينكم أجلاً، فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلبنا كان لنا كذا وكذا قال: فجعلوا بـينهم وبـينه أجلاً خمس سنـين، قال: فمضت فلـم يُغلَبوا قال: فذكر ذلك أبو بكر للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له:أفَلا جَعَلْتَهُ دُونَ العَشْرِ، قال سعيد: والبِضْع ما دون العشر، قال: فَغَلَبَ الروم، ثم غلبت قال: فذلك قوله: {الـم غُلِبَت الرُّومُ فِـي أدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِـي بِضْعِ سِنِـينَ} قال: البضع: ما دون العشر {لِلّه الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ} قال سفـيان: فبلغنـي أنهم غلبوا يوم بدر.

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـان الـمصري، قال: ثنا موسى بن هارون البرديّ، قال: ثنا معن بن عيسى، قال: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن عبـيد الله، عن ابن عبـاس، قال: لـما نزلت {الـم غُلِبَتِ الرُّومُ فِـي أدْنَى الأرْض...} الآية، ناحب أبو بكر قريشا، ثم أتـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: إنـي قد ناحبتهم، فقال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

هَلاَّ احْتَطْتَّ فإنَّ البِضْعَ ما بـينَ الثلاثِ إلـى التِّسْع. قال الـجمـحي: الـمناحبة: الـمراهنة، وذلك قبل أن يكون تـحريـم ذلك.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ...} إلـى قوله {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ} قال: قد مضى كان ذلك فـي أهل فـارس والروم، وكانت فـارس قد غلبتهم، ثم غلبت الروم بعد ذلك، ولقـي نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم مشركي العرب، يوم التقت الروم وفـارس، فنصر الله النبـيّ صلى الله عليه وسلم ومن معه من الـمسلـمين علـى مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب علـى مشركي العجم، ففرح الـمؤمنون بنصر الله إياهم ونصر أهل الكتاب علـى العجم. قال عطية: فسألت أبـا سعيد الـخدريّ عن ذلك، فقال: التقـينا مع مـحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشركي العرب، والتقت الروم وفـارس، فنصرنا الله علـى مشركي العرب، ونصر الله أهل الكتاب علـى الـمـجوس، ففرحنا بنصر الله إيانا علـى الـمشركين، وفرحنا بنصر الله أهل الكتاب علـى الـمـجوس، فذلك قوله {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْر اللّهِ}.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله {آلـم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِـي أدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهمْ سَيَغْلِبُونَ} غلبتهم فـارس، ثم غلبت الروم.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلـم، عن مسروق، قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود، قال: قد مضى {آلـم غُلِبَت الرُّومُ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ...} إلـى قوله {أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَـمُونَ} قال: ذَكَر غَلَبة فـارس إياهم، وإدالة الروم علـى فـارس، وفرح الـمؤمنون بنصر الروم أهل الكتاب علـى فـارس من أهل الأوثان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، عن عكرِمة، أن الروم وفـارس اقتتلوا فـي أدنى الأرض، قالوا: وأدنى الأرض يومئذٍ أَذْرعات، بها التقَوا، فهُزِمت الروم فبلغ ذلك النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بـمكة، فشقَّ ذلك علـيهم وكان النبـي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميُّون من الـمـجوس علـى أهل الكتاب من الروم، ففرح الكفـار بـمكة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنكم أهل الكتاب، والنصارى أهل كتاب، ونـحن أُمِّيُّون، وقد ظهر إخواننا من أهل فـارس علـى إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتـمونا لنظهرنّ علـيكم، فأنزل الله {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ فِـي أدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِـي بِضْعِ سِنِـينَ لِلّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ...} الآيات، فخرج أبو بكر الصدّيق إلـى الكفَّـار، فقال: أفرحتـم بظهور إخوانكم علـى إخواننا؟ فلا تفرحوا، ولا يقرّنّ الله أعينكم، فوالله لـيظهرنّ الروم علـى فـارس، أخبرنا بذلك نبـينا صلى الله عليه وسلم، فقام إلـيه أُبـيّ بن خـلف، فقال: كذبت يا أبـا فضيـل، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: أنت أكذب يا عدوّ الله، فقال: أناحبك عشر قلائص منـي، وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم علـى فـارس غرمتُ، وإن ظهرت فـارس علـى الروم غرمتَ إلـى ثلاث سنـين ثم جاء أبو بكر إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:

ما هَكَذَا ذَكَرْتُ، إنَّـمَا البِضْعُ ما بـينَ الثَّلاثِ إلـى التِّسْعِ، فَزَايِدْهُ فِـي الـخَطَرِ، ومادّه فِـي الأجَلِ. فخرج أبو بكر فلقـي أُبَـيًّا، فقال: لعلك ندمت، فقال: لا، فقال: أزايدك فـي الـخطر، وأمادّك فـي الأجل، فـاجعلها مئة قلوص لـمئة قلوص إلـى تسع سنـين، قال: قد فعلت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن أبـي بكر، عن عكرِمة، قال: كانت فـي فـارس امرأة لا تلد إلاَّ الـملوك الأبطال، فدعاها كسرى، فقال: إنـي أريد أن أبعث إلـى الروم جيشا وأستعمل علـيهم رجلاً من بنـيك، فأشيري علـيّ أيهم أستعمل، فقالت: هذا فلان، وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صرد، وهذا فرخان، وهو أنفذ من سنان، وهذا شهربراز، وهو أحلـم من كذا، فـاستعمل أيهم شئت قال: إنـي قد استعملت الـحلـيـم، فـاستعمل شهربراز، فسار إلـى الروم بأهل فـارس، وظهر علـيهم، فقتلهم، وخرّب مدائنهم، وقطع زيتونهم قال أبو بكر: فحدّثت بهذا الـحديث عطاء الـخراسانـي فقال: أما رأيت بلاد الشام؟ قلت: لا، قال: أما إنك لو رأيتها، لرأيت الـمدائن التـي خرّبت، والزيتون الذي قُطع، فأتـيت الشام بعد ذلك فرأيته.

قال عطاء الـخراسانـي: ثنـي يحيى بن يعمر، أن قـيصر بعث رجلاً يُدعى قطمة بجيش من الروم، وبعث كسرى شهربراز، فـالتقـيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلـيكم، فلقـيت فـارس الروم، فغلبتهم فـارس، ففرح بذلك كفـار قريش، وكرهه الـمسلـمون، فأنزل الله {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ فِـي أدْنَى الأرْضِ...} الآيات، ثم ذكر مثل حديث عكرمة، وزاد: فلـم يزل شهربراز يطؤهم، ويخرب مدائنهم حتـى بلغ الـخـلـيج ثم مات كسرى، فبلغهم موته، فـانهزم شهربراز وأصحابه، وأوعبت علـيهم الروم عند ذلك، فأتبعوهم يقتلونهم قال: وقال عكرمة فـي حديثه: لـما ظهرت فـارس علـى الروم جلس فرخان يشرب، فقال لأصحابه: لقد رأيت كأنـي جالس علـى سرير كسرى، فبلغت كسرى، فكتب إلـى شهربُراز: إذا أتاك كتابـي فـابعث إلـيّ برأس فَرُّخان، فكتب إلـيه: أيها الـملك، إنك لن تـجد مثل فَرُّخان، إن له نكاية وضربـاً فـي العدوّ، فلا تفعل. فكتب إلـيه: إن فـي رجال فـارسَ خَـلَفـاً منه، فعَجِّل إلـيّ برأسه. فراجعه، فغضب كسرى فلـم يجبه، وبعث بريداً إلـى أهل فـارس: إنـي قد نزعت عنكم شَهْربُرَاز، واستعملت علـيكم فَرُّخان ثم دفع إلـى البريد صحيفة صغيرة: إذا وَلِـيَ فَرُّخان الـمُلك، وانقاد له أخوه، فأعطه هذه فلـما قرأ شَهْربُرَاز الكتاب، قال: سمعا وطاعة، ونزل عن سريره، وجلس فَرُّخان، ودفع الصحيفة إلـيه، قال: ائتونـي بشهربُرَاز، فقدّمه لـيضرب عنقه، قال: لا تعجل حتـى أكتب وصيتـي، قال: نعم، فدعا بـالسَّفَط، فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فـيك كسرى، وأنت أردت أن تقتلنـي بكتاب واحد، فردّ الـملك، وكتب شهربُراز إلـى قـيصر ملك الروم: إن لـي إلـيك حاجة لا يحملها البريد، ولا تبلِّغها الصحف، فـالْقِنـي، ولا تَلْقَنـي إلاَّ فـي خمسين رُومياً، فإنـي ألقاك فـي خمسين فـارسياً فأقبل قـيصر فـي خَمْسِ مئة ألف روميّ، وجعل يضع العيون بـين يديه فـي الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتـى أتته عيونه أن لـيس معه إلاّ خمسون رجلاً، ثم بُسِط لهما، والتقـيا فـي قبة ديبـاج ضُربت لهما، مع كل واحد منهما سِكِّين، فدعيا ترجماناً بـينهما، فقال شَهْرْبُرَاز: إن الذين خرّبوا مدائنك أنا وأخي، بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا، فأراد أن أقتل أخي، فأبـيت، ثم أمر أخي أن يقتلنـي، فقد خـلعناه جميعاً، فنـحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتـما، ثم أشار أحدهما إلـى صاحبه أن السرّ بـين اثنـين، فإذا جاوز اثنـين فشا. قال: أجل، فقتلا الترجمان جميعاً بسكينـيهما، فأهلك الله كسرى، وجاء الـخبر إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الـحُدَيبَـية، ففرح ومن معه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ} قال: غَلَبتهم فـارسُ علـى أدنى الشام {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سيَغْلِبُونَ...} الآية، قال: لـما أنزل الله هؤلاء الآيات صَدّق الـمسلـمون ربهم، وعلـموا أن الروم سيظهرون علـى فـارس، فـاقتـمروا هم والـمشركون خمسَ قلائص، خمَس قلائص، وأَجَّلوا بـينهم خمس سنـين، فولـيَ قِمار الـمسلـمين أبو بكر رضي الله عنه، وولـيَ قِمار الـمشركين أُبـيّ بن خـلف، وذلك قبل أن يُنْهَى عن القمار، فحلَّ الأجل، ولـم يظهر الروم علـى فـارس، وسأل الـمشركون قِمارهم، فذَكَر ذلك أصحاب النبـيّ للنبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

لَـمْ تَكُونُوا أحِقَّاءَ أنْ تُؤَجِّلُوا دُونَ العَشْرِ، فإنَّ البِضْعَ ما بـينَ الثَّلاثِ إلـى العَشْرِ، وَزَايِدُوهُمْ فِـي القِمار، وَمادُّوهُمْ فِـي الأجَلِ، ففعلوا ذلك، فأظهر الله الروم علـى فـارس عند رأس البِضْع سنـينَ من قمارهم الأوّل، وكان ذلك مرجعَه من الـحديبـية، ففرح الـمسلـمون بصلـحهم الذي كان، وبظهور أهل الكتاب علـى الـمـجوس، وكان ذلك مـما شدّد الله به الإسلام وهو قوله {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ...} الآية.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن داود بن أبـي هند، عن الشعبـيّ، فـي قوله {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ...} إلـى قوله {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ} قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم أخبر الناس بـمكة أن الروم ستُغْلَب، قال: فنزل القرآن بذلك، قال: وكان الـمسلـمون يُحِبون ظهور الروم علـى فـارس، لأنهم أهل الكتاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـيّ، عن داود بن أبـي هند، عن عامر، عن عبد الله، قال: كانت فـارس ظاهرة علـى الروم، وكان الـمشركون يحبون أن تظهر فـارسُ علـى الروم، وكان الـمسلـمون يحبون أن تظهر الروم علـى فـارس، لأنهم أهل كتاب، وهم أقرب إلـى دينهم: فلـما نزلت {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ...} إلـى {فِـي بِضْعِ سِنِـينَ} قالوا: يا أبـا بكر: إنّ صاحبك يقول: إن الروم تظهر علـى فـارس فـي بضع سنـين، قال: صدق، قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فبـايعوه علـى أربع قلائص، إلـى سبع سنـين، فمضت السبع، ولـم يكن شيء، ففرح الـمشركون بذلك، وشَقَّ علـى الـمسلـمين، فذكروا ذلك للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: فقال:

ما بِضْعُ سِنِـينَ عِنْدَكُمْ؟قالوا: دون العشر، قال:اذْهَبْ فزَايِدْهُمْ وَازْدَدْ سنَتَـيْنِقال: فما مضت السنتان، حتـى جاءت الركبـان بظهور الرُّوم علـى فـارس، ففرح الـمسلـمون بذلك، فأنزل الله: {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ...} إلـى قوله { وَعْدَ اللّهِ لا يُخْـلِفُ اللّهُ وَعْدَهُ }

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الأعمش، ومطر عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: مضت الروم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ فِـي أدْنَى الأرْضِ} قال: أدنى الأرض: الشأم {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} قال: كانت فـارس قد غَلَبت الروم، ثم أديـلَ الرومُ علـى فـارس، وذُكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فـارِساً، فقال الـمشركون: هذا مـما يَتَـخَرّص مـحمد، فقال أبو بكر: تُنَاحبوننـي؟ والـمناحبة: الـمـجاعلة، قالوا: نعم، فناحبهم أبو بكر، فجعل السنـين أربعاً أو خمساً، ثم جاء إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إنَّ البِضْعَ فِـيـما بـينَ الثَّلاثِ إلـى التِّسْعِ، فـارْجِعْ إلـى القَوْمِ، فَزِدْ فِـي الـمُناحَبَةِ، فرجع إلـيهم. قالوا: فناحَبَهم فزاد. قال: فغَلبت الروم فـارساً، فذلك قول الله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} يوم أُديـلت الرومُ علـى فـارس.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاوية بن عمرو، عن أبـي إسحاق الفَزاريّ، عن سفـيان، عن حبـيب بن أبـي عمرة، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس {آلـم غُلِبَتِ الرومُ} قال: غُلِبت وغَلَبت.

فأما الذين قرءوا ذلك: «غَلَبَتِ الرُّومُ» بفتـح الغين، فإنهم قالوا: نزلت هذه الآية خبراً من الله نبـيه صلى الله عليه وسلم عن غَلَبة الروم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا نصر بن علـيّ، قال: ثنا الـمعتـمِر بن سلـيـمان، عن أبـيه، عن سلـيـمان، يعنـي الأعمش، عن عطية، عن أبـي سعيد، قال: لـما كان يومُ ظهر الروم علـى فـارس، فأعجبَ ذلك الـمؤمنـين، فنزلت {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ} علـى فـارس.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سلـيـمان، عن عطية، عن أبـي سعيد، قال: لـما كان يوم بدر، غلبت الروم علـى فـارس، ففرح الـمسلـمون بذلك، فأنزل الله {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ...} إلـى آخر الآية.

حدثنا يحيى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن عطية، عن أبـي سعيد، قال: لـما كان يوم بدر، ظهرت الروم علـى فـارس، فأعجب ذلك الـمؤمنـين، لأنهم أهل كتاب، فأنزل الله {آلـم غُلِبَتِ الرُّومُ فِـي أدْنَى الأرْضِ} قال: كانوا قد غلبوا قبل ذلك، ثم قرأ حتـى بلغ {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ}.

وقوله: {فِـي أدْنَى الأرْضِ} قد ذكرت قول بعضهم فـيـما تقدّم قبل، وأذكر قول من لـم يذكر قوله.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {فـي أدنى الأرْضِ} يقول: فـي طرف الشام.

ومعنى قوله أدنى: أقرب، وهو أفعل من الدنوّ والقرب. وإنـما معناه: فـي أدنى الأرض من فـارس، فترك ذكر فـارس استغناء بدلالة ما ظهر من قوله {فِـي أدْنَى الأرْضِ} علـيه منه. وقوله: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ} يقول: والروم من بعد غلبة فـارس إياهم سيغلبون فـارس. وقوله: {منْ بَعْدِ غَلَبهمْ} مصدر من قول القائل: غلبته غلبة، فحذفت الهاء من الغلبة. وقـيـل: من بعد غلبهم، ولـم يقل: من بعد غلبتهم للإضافة، كما حذفت من قوله: وَإقامِ الصَّلاةِ للإضافة. وإنـما الكلام: وإقامة الصلاة.

وأما قوله: {سَيَغْلِبُونَ} فإن القرّاء أجمعين علـى فتـح الـياء فـيها، والواجب علـى قراءة من قرأ: «الـم غَلَبَتِ الرُّومُ» بفتـح الغين، أن يقرأ قوله: «سَيُغْلَبُونَ» بضم الـياء، فـيكون معناه: وهم من بعد غلبتهم فـارس سيغلبهم الـمسلـمون، حتـى يصحّ معنى الكلام، وإلاَّ لـم يكن للكلام كبـير معنى إن فتـحت الـياء، لأن الـخبر عما قد كان يصير إلـى الـخبر عن أنه سيكون، وذلك إفساد أحد الـخبرين بـالآخر.

وقوله: {فِـي بضْعِ سِنِـينَ} قد ذكرنا اختلاف أهل التأويـل فـي معنى البضع فـيـما مضى، وأتـينا علـى الصحيح من أقوالهم، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وقد:

حدثنا ابن حميد قال ثنا الحكم بن بشير قال ثنا خلاد بن أسلم الصفار عن عبدالله بن عيسى عن عبد الرحمن عن أبيه عن عبدالله بن عمرو قال قلت له ما البضع قال زعم أهل الكتاب أنه تسع أو سبع. وأما قوله:{لِلّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْد}

. فإن القاسم حدثنا، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {لِلّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ} دولة فـارس علـى الروم {وَمِنْ بَعْدُ} دولة الروم علـى فـارس.

وأما قوله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الـمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ} فقد ذكرنا الرواية فـي تأويـله قبل، وبـيَّنا معناه.

وَعْدَ ٱللَّهِ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٦

يقول تعالـى ذكره: وعد الله جلّ ثناؤه، وعد أن الروم ستغلب فـارس من بعد غلبة فـارس لهم. ونصب {وَعْدَ اللّهِ} علـى الـمصدر من قوله

{ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } لأن ذلك وعد من الله لهم أنهم سيغلبون، فكأنه قال: وعد الله ذلك الـمؤمنـين وعداً. {لا يُخْـلفُ اللّهُ وَعْدَهُ} يقول تعالـى ذكره: إن الله يفـي بوعده للـمؤمنـين أن الروم سيغلبون فـارس، لا يخـلفهم وعده ذلك، لأنه لـيس فـي مواعيده خـلف. {ولكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يعْلَـمُونَ} يقول: ولكنّ أكثر قريش الذين يكذّبون بأن الله منـجز وعده الـمؤمنـين، من أن الروم تغلب فـارس، لا يعلـمون أن ذلك كذلك، وأنه لا يجوز أن يكون فـي وعد الله إخلاف.

يَعْلَمُونَ ظَٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَٰفِلُونَ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: يعلـم هؤلاء الـمكذّبون بحقـيقة خبر الله أن الروم ستغلب فـارس ظاهراً من حياتهم الدنـيا، وتدبـير معايشهم فـيها، وما يصلـحهم، وهم عن أمر آخرتهم، وما لهم فـيه النـجاة من عقاب الله هنالك غافلون، لا يفكرون فـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تُـمَيْـلة يحيى بن واضح الأنصاري، قال: ثنا الـحسين بن واقد، قال: ثنا يزيد النـحوي عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله {يَعْلَـمُونَ ظاهِراً مِنَ الـحَياةِ الدُّنْـيا} يعنـي معايشهم، متـى يحصدون ومتـى يغرسون.

حدثنـي أحمد بن الولـيد الرملـيّ، قال ثنا: عمرو بن عثمان بن عمر، عن عاصم بن علـيّ، قال: ثنا أبو تُـمَيْـلة، قال: ثنا ابن واقد، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله {يعْلَـمونَ ظاهِراً من الـحَياةِ الدُّنْـيا} قال: متـى يَزْرَعون، متـى يَغْرِسون.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: ثنـي شرقـي، عن عكرمة، فـي قوله {يَعْلَـمُونَ ظاهِراً مِنَ الـحَياةِ الدُّنْـيا} قال: هو السراج أو نـحوه.

حدثنا أبو هريرة مـحمد بن فراس الضبعي، قال: ثنا أبو قُتَـيبة، قال: ثنا شعبة، عن شرقـي، عن عكرِمة، فـي قوله {يَعْلَـمُونَ ظاهِراً مِنَ الـحَياةِ الدُّنْـيا}: قال السراجون.

حدثنا أحمد بن الولـيد الرملـي، قال: ثنا سلـيـمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن شرقـي، عن عكرمة، فـي قوله {يَعْلَـمُونَ ظاهِراً مِنَ الـحَياةِ الدنْـيا} قال: الـخرازون والسراجون.

حدثنا بشر بن آدم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم {يَعْلَـمُونَ ظاهِراً منَ الـحَياةِ الدُّنْـيا} قال: معايشهم وما يصلـحهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم مثله.

حدثنـي بشر بن آدم، قال: ثنا الضحاك بن مخـلد، عن سفـيان، عن أبـيه، عن عكرِمة، وعن منصور عن إبراهيـم {يَعْلَـمُونَ ظاهراً مِنَ الـحَياةِ الدُّنْـيا} قال: معايشَهم.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ظاهِراً مِنَ الـحَياةِ الدُّنْـيا} يعنـي الكفـار، يعرفون عُمران الدنـيا، وهم فـي أمر الدين جهال.

حدثنـي ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن سفـيان، عن أبـيه، عن عكرِمة {يَعْلَـمُونَ ظاهِراً مِنَ الـحَياةِ الدُّنْـيا} قال: معايشَهم، وما يصلـحهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن إبرهيـم، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {يَعْلَـمُونَ ظاهِراً مِنَ الـحَياةِ الدُّنْـيا} من حِرْفتها وتصرّفها وبغيتها {وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غافِلونَ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن الـحسن، قال: يعلـمون متـى زَرْعُهم، ومتـى حَصادهم.

قال: ثنا حفص بن راشد الهلالـيّ، عن شعبة، عن شَرْقـيّ، عن عكرِمة {يَعْلَـمُونَ ظاهِراً مِنَ الـحَياةِ الدُّنْـيا} قال: السرّاج ونـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: صرفها فـي معيشتها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {يَعْلَـمُونَ ظاهِراً منَ الـحَياةِ الدُّنْـيا، وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ}.

وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّي، عن جعفر، عن سعيد، فـي قوله {يَعْلَـمُونَ ظاهِراً مِنَ الـحَياةِ الدُّنْـيا} قال: تسترق الشياطين السمع، فـيسمعون الكلـمة التـي قد نزلت، ينبغي لها أن تكون فـي الأرض، قال: ويُرْمَوْن بـالشُّهب، فلا ينـجو أن يحترق، أو يصيبه شرر منه قال: فـيسقط فلا يعود أبدا قال: ويرمى بذلك الذي سمع إلـى أولـيائه من الإنس، قال: فـيحملون علـيه ألف كذبة، قال: فما رأيت الناس يقولون: يكون كذا وكذا، قال: فـيجيء الصحيح منه كما يقولون، الذي سمعوه من السماء، ويعقبه من الكذب الذي يخوضون فـيه.

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآئِ رَبِّهِمْ لَكَٰفِرُونَ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: أو لـم يتفكَّر هؤلاء الـمكذّبون بـالبعث يا مـحمد من قومك فـي خـلق الله إياهم، وأنه خـلقهم ولـم يكونوا شيئاً، ثم صرفهم أحوالاً وتارات حتـى صاروا رجالاً، فـيعلـموا أن الذي فعل ذلك قادر أن يعيدهم بعد فنائهم خـلقاً جديداً، ثم يجازي الـمـحسن منهم بإحسانه، والـمسيء بإساءته، لا يظلـم أحداً منهم فـيعاقبه بجرم غيره، ولا يحرم أحداً منهم جزاء عمله، لأنه العدل الذي لا يجور {ما خـلق الله السموات والأرض وما بـينهما} إلاَّ بـالعدل، وإقامة الـحقّ،{ وأجل مسمى} يقول: وبأجل مؤقت مسمى، إذا بلغت ذلك الوقت أفنى ذلك كله، وبدّل الأرض غير الأرض والسموات، وبرزوا لله الواحد القهَّار، {وإن كثـيراً من الناس بلقاء ربهم} جاحدون منكرون، جهلاً منهم بأن معادهم إلـى الله بعد فنائهم، وغفلة منهم عن الآخرة.

أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا۟ ٱلْأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: أَوَ لـم يسر هؤلاء الـمكذّبون بـالله، الغافلون عن الآخرة من قريش فـي البلاد التـي يسلكونها تـجراً، فـينظروا إلـى آثار الله فـيـمن كان قبلهم من الأمـم الـمكذّبة، كيف كان عاقبة أمرها فـي تكذيبها رسلها، فقد كانوا أشدّ منهم قوّة، {وأثاروا الأرض} يقول: واستـخرجوا الأرض، وحرثوها وعمروها أكثر مـما عمر هؤلاء، فأهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم رسلهم، فلـم يقدروا علـى الامتناع، مع شدّة قواهم مـما نزل بهم من عقاب الله، ولا نفعتهم عمارتهم ما عمروا من الأرض، إذ جاءتهم رسلهم بـالبـينات من الآيات، فكذّبوهم، فأحلّ الله بهم بأسه، فما كان الله لـيظلـمهم بعقابه إياهم علـى تكذيبهم رسله وجحودهم آياته، ولكن كانوا أنفسهم يظلـمون بـمعصيتهم ربهم. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله {وأثارُوا الأرْضَ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أوَ لَـمْ يَسِيرُوا فِـي الأرْضِ فَـيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وأثارُوا الأرْضَ وَعَمرُوها أكْثَرَ مِـمَّا عَمَرُوها} قال: ملكوا الأرض وعمروها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وأثارُوا الأرْضَ} قال: حرثوها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {أو لَـمْ يَسِيرُوا فِـي الأرْضِ...} إلـى قوله {وأثارُوا الأرْضَ وَعمَرُوها} كقوله: {وآثاراً فِـي الأرْضِ}، قوله: {وَعمَرُوها} أكثر مـما عمر هؤلاء {وَجاءَتهُمْ رُسُلُهُمْ بالْبَيِّناتِ}.

ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔوا۟ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره: ثم كان آخر أمر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض وعمروها، وجاءتهم رسلهم بـالبـينات بـالله، وكذّبوا رسلهم، فأساءوا بذلك فـي فعلهم. السوأى: يعنـي الـخـلة التـي هي أسوأ من فعلهم أما فـي الدنـيا، فـالبوار والهلاك، وأما فـي الآخرة فـالنار لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التاويل ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله:{ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأَى} الذين أشركوا السودي: أي النار.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأَى} يقول: الذين كفروا جزاؤهم العذاب.

وكان بعض أهل العربـية يقول: السوأى فـي هذا الـموضع: مصدر، مثل البُقوى، وخالفه فـي ذلك غيره فقال: هي اسم.

وقوله: {أنْ كَذَّبُوا بآياتِ اللّهِ} يقول: كانت لهم السوأى، لأنهم كذّبوا فـي الدنـيا بآيات الله، وكانوا بها يستهزءون: يقول: وكانوا بحجج الله وهم أنبـياؤه ورسله يسخرون.

ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: الله تعالـى يبدأ إنشاء جميع الـخـلق منفرداً بإنشائه من غير شريك ولا ظهير، فـيحدثه من غير شيء، بل بقدرته عزّ وجل، ثم يعيد خـلقاً جديداً بعد إفنائه وإعدامه، كما بدأه خـلقاً سوياً، ولـم يك شيئاً {ثُمَّ إلَـيْهِ تُرْجَعُونَ} يقول: ثم إلـيه من بعد إعادتهم خـلقاً جديداً يردّون، فـيحشرون لفصل القضاء بـينهم

{ و لِـيَجْزِيَ الَّذِينَ أسَاءُوا بِـمَا عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بـالـحُسْنَى }}.

وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝١٢ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَٰٓؤُا۟ وَكَانُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ كَٰفِرِينَ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره: ويوم تـجِيء الساعة التـي فـيها يفصل الله بـين خـلقه، وينشر فـيها الـموتـى من قبورهم، فـيحشرهم إلـى موقـف الـحساب {يُبْلِسُ الـمُـجْرِمُونَ} يقول: يـيأس الذين أشركوا بـالله، واكتسبوا فـي الدنـيا مساوىء الأعمال من كلّ شرّ، ويكتئبون ويتندمون، كما قال العجاج:

يا صَاحِ هلْ تعْرِفُ رَسما مُكْرَسا قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {يُبْلِسُ} قال: يكتئب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عَن قَتادة، قوله {يُبْلِسُ الـمُـجْرِمُونَ} أي فـي النار.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الـمُـجْرِمُونَ} قال: الـمبلس: الذي قد نزل به الشرّ، إذا أبلس الرجل، فقد نزل به بلاء.

وقوله: {ولَـمْ يكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائهِمْ شُفَعاءُ} يقول تعالـى ذكره: ويوم تقوم الساعة لـم يكن لهؤلاء الـمـجرمين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم من شركائهم الذين كانوا يتبعونهم، علـى ما دعوهم إلـيه من الضلالة، فـيشاركونهم فـي الكفر بـالله، والـمعاونة علـى أذى رسله، شفعاء يشفعون لهم عند الله، فـيستنقذوهم من عذابه. {وكانُوا بِشُرَكائهِمْ كافِرِينَ} يقول: وكانوا بشركائهم فـي الضلالة والـمعاونة فـي الدنـيا علـى أولـياء الله كافرين، يجحدون ولايتهم، ويتبرّءون منهم، كما قال جلّ ثناؤه:

{ إذْ تَبرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، ورأَوُا العَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبـابُ. وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبرَّأَ مِنْهُمْ كما تَبرَّءُوا مِنَّا }}.

وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ۝١٤ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: ويوم تـجيء الساعة التـي يحشر فـيها الـخـلق إلـى الله يومئذٍ، يقول فـي ذلك الـيوم يتفرّقون يعنـي: يتفرّق أهل الإيـمان بـالله، وأهل الكفر به فأما أهل الإيـمان، فـيؤخذ بهم ذات الـيـمين إلـى الـجنة، وأما أهل الكفر فـيؤخذ بهم ذات الشمال إلـى النار، فهنالك يـميز الله الـخبـيث من الطيِّب. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، فـي قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} قال: فرقة والله لا اجتـماع بعدها.

{فأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} بـالله ورسوله {وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ} يقول: وعملوا بـما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه {فَهُمْ فِـي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} يقول: فهم فـي الرياحين والنبـاتات الـملتفة، وبـين أنواع الزهر فـي الـجنان يسرون، ويـلذّذون بـالسماع وطيب العيش الهنـيّ. وإنـما خصّ جلّ ثناؤه ذكر الروضة فـي هذا الـموضع، لأنه لـم يكن عند الطرفـين أحسن منظراً، ولا أطيب نشراً من الرياض، ويدل علـى أن ذلك كذلك قول أعشى بنـي ثعلبة:

ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الـحُسْن مُعْشِبَةٌ خَضْرَاءُ جادَ عَلَـيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ يُضَاحكُ الشَّمسَ منها كَوْكَبٌ شَرِقٌ مُؤَزَّرٌ بعَمِيـمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ يَوْماً بأطْيَبَ مِنْها نَشْرَ رائحَةٍ وَلا بأحْسَنَ مِنْها إذ دنَا الأُصُلُ

فأعلـمهم بذلك تعالـى، أن الذين آمنوا وعملوا الصالـحات من الـمنظر الأنـيق، واللذيذ من الأرايـيح، والعيش الهنـيّ فـيـما يحبون، ويسرّون به، ويغبطون علـيه. والـحبرة عند العرب: السرور والغبطة قال العجاج:

فـالْـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أعْطَى الـحَبَرْ مَوَالِـيَ الـحَقّ إنَّ الـمَوْلـى شَكَرْ

واختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فهم فـي روضة يكرمون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {فَهم فِـي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} قال: يكرمون.

وقال آخرون: معناه: ينعمون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله {يُحْبَرُون} قال: ينعمون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، فـي قوله {فَهُمْ فِـي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} قال: ينعمون.

وقال آخرون: يـلذذون بـالسماع والغناء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن موسى الـحرسي، قال: ثنـي عامر بن يساف، قال: سألت يحيى بن أبـي كثـير، عن قول الله {فَهُمْ فِـي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} قال: الـحبرة: اللذة والسماع.

حدثنا عبـيد الله بن مـحمد الفريابـي، قال: ثنا ضمرة بن ربـيعة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبـي كثـير فـي قوله {يُحْبَرُونَ} قال: السماع فـي الـجنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبـي كثـير، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن عامر بن يِساف، عن يحيى بن أبـي كثـير، مثله.

وكل هذه الألفـاظ التـي ذكرنا عمن ذكرناها عنه تعود إلـى معنى ما قلنا.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآئِ ٱلْـَٔاخِرَةِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ۝١٦

يقول تعالـى ذكره: وأما الذين جحدوا توحيد الله، وكذّبوا رسله، وأنكروا البعث بعد الـمـمات والنشور للدار الآخرة، فأولئك فـي عذاب الله مـحضرون، وقد أحضرهم الله إياها، فجمعهم فـيها لـيذوقوا العذاب الذي كانوا فـي الدنـيا يكذّبون.

فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ۝١٧ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: فسبحوا الله أيها الناس: أي صلوا له حين تـمسون، وذلك صلاة الـمغرب، وحين تصبحون، وذلك صلاة الصبح {وَلَهُ الـحَمْدُ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ} يقول: وله الـحمد من جميع خـلقه دون غيره فـي السموات من سكانها من الـملائكة، والأرض من أهلها، من جميع أصناف خـلقه فـيها، {وَعَشِيًّا} يقول: وسَبِّحوه أيضا عشياً، وذلك صلاة العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} يقول: وحين تَدْخـلون فـي وقت الظهر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن عاصم، عن أبـي رزِين، قال: سأل نافع بن الأزرق ابن عبـاس: هل تـجد ميقات الصلوات الـخمس فـي كتاب الله؟ قال: نعم {فَسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُـمْسُونَ} الـمغرب {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} الفجر {وَعَشِيًّا} العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} الظهر، قال: ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عَوْرات لكم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عاصم، عن أبـي رَزِين، قال: سأل نافع بن الأزرق ابن عبـاس عن الصلوات الـخمس فـي القرآن، قال: نعم، فقرأ {فَسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُـمْسُونَ} قال: صلاة الـمغرب {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} قال: صلاة الصبح {وَعَشِيًّا} قال: صلاة العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} صلاة الظهر، ثم قرأ:

{ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ }

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن الـحكم بن أبـي عياض، عن ابن عبـاس، قال: جمعت هاتان الآيتان مواقـيت الصلاة {فَسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُـمْسُونَ} قال: الـمغرب والعشاء {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} الفجر {وَعَشِيًّا} العصر {وَحِينَ تُظْهرُونَ} الظهر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن الـحكم، عن أبـي عياض، عن ابن عبـاس، بنـحوه.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن لـيث، عن الـحكم، عن أبـي عياض، عن ابن عبـاس فـي قوله {فَسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُـمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ...} إلـى قوله {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} قال: جمعت الصلوات {فسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُـمْسُونَ} الـمغرب والعشاء {وَحِين تُصْبِحُونَ} صلاة الصبح {وَعَشِيًّا} صلاة العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} صلاة الظهر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن سلـيـمان الرازي، عن أبـي سنان، عن لـيث، عن مـجاهد {فسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُـمْسُونَ} الـمغرب والعشاء {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} الفجر {وَعَشِيًّا} العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} الظهر، وكلّ سجدة فـي القرآن فهي صلاة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُـمْسُونَ} لصلاة الـمغرب {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} لصلاة الصبح {وَعَشِيًّا} لصلاة العصر {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} صلاة الظهر أربع صلوات.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: {فَسُبْحانَ اللّهِ حِينَ تُـمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الـحَمْدُ فـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ، وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ}. قال: حين تـمسون: صلاة الـمغرب، وحين تصبحون: صلاة الصبح، وعشياً: صلاة العصر، وحين تظهرون: صلاة الظهر.

يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَيُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ۝١٩

يقول تعالـى ذكره: صَلُّوا فـي هذه الأوقات التـي أمركم بـالصلاة فـيها أيها الناس، لله الذي يخرج الـحيّ من الـميت، وهو الإنسان الـحيّ من الـماء الـميت، ويخرج الـماء الـميت من الإنسان الـحيّ {ويُحْيِـي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها} فـينبتها، ويخرج زرعها بعد خرابها وجدوبها {وكذلكَ تُـخْرَجُونَ} يقول: كما يحيـي الأرض بعد موتها، فـيخرج نبـاتها وزرعها، كذلك يحيـيكم من بعد مـماتكم، فـيخرجكم أحياء من قبوركم إلـى موقـف الـحساب.

وقد بـيَّنا فـيـما مضى قبل تأويـل قوله: {يُخْرِجُ الـحَيّ مِنَ الـمَيِّتِ، ويُخْرِجُ الـمَيِّتَ مِنَ الـحَيّ}، وذكرنا اختلاف أهل التأويـل فـيه، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع، غير أنا نذكر بعض ما لـم نذكر من الـخبر هنالك إن شاء الله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {يُخْرِجُ الـحَيَّ مِنَ الـمَيِّتِ، ويُخْرِجُ الـمَيِّتَ مِنَ الـحَيّ} قال: يخرج من الإنسان ماء ميتا فـيخـلق منه بشراً، فذلك الـميت من الـحيّ، ويخرج الـحيّ من الـميت، فـيعنـي بذلك أنه يخـلق من الـماء بشراً، فذلك الـحيّ من الـميت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، عن الـحسن، قوله {يُخْرِجُ الـحَيَّ مِنَ الـمَيِّتِ، ويُخْرِجُ الـمَيِّتَ مِنَ الـحَيّ} الـمؤمن من الكافر، والكافر من الـمؤمن.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير وأبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن عبد الله {يُخْرِجُ الـحَيّ مِنَ الـمَيِّتِ، ويُخْرِجُ الـمَيِّتَ مِنَ الـحَيّ} قال: النُّطْفة ماء الرجل ميتة وهو حيّ، ويخرج الرجل منها حياً وهي ميتة.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ۝٢٠

يقول تعالـى ذكره: ومن حُججه علـى أنه القادر علـى ما يشاء أيها الناس من إنشاء وإفناء، وإيجاد وإعدم، وأن كل موجود فخـلقه خـلقة أبـيكم من تراب، يعنـي بذلك خـلق آدم من تراب، فوصفهم بأنه خـلقهم من تراب، إذ كان ذلك فعله بأبـيهم آدم كنـحو الذي قد بـيَّنا فـيـما مضى من خطاب العرب من خاطبت بـما فعلت بسلفه من قولهم: فعلنا بكم وفعلنا.

وقوله: {ثُمَّ إذَا أنْتُـمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} يقول: ثم إذا أنتـم معشر ذرّية من خـلقناه من تراب بشر تنتشرون، يقول: تتصرّفون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَمِنْ آياتِهِ أنْ خَـلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} خـلق آدم علـيه السلام من تراب {ثُمَّ إذا أنْتُـمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} يعنـي ذرّيته.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: ومن حججه وأدلته علـى ذلك أيضاً خـلقه لأبـيكم آدم من نفسه زوجة لـيسكن إلـيها، وذلك أنه خـلق حوّاء من ضلع من أضلاع آدم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَمِنْ آياتِهِ أنْ خَـلَقَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجاً} خـلقها لكم من ضلع من أضلاعه.

وقوله: {وَجَعَلَ بَـيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} يقول: جعل بـينكم بـالـمصاهرة والـختونة مودّة تتوادّون بها، وتتواصلون من أجلها، ورحمة رحمكم بها، فعطف بعضكم بذلك علـى بعض {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يقول تعالـى ذكره: إن فـي فعله ذلك لعبراً وعظات لقوم يتذكرون فـي حجج الله وأدلته، فـيعلـمون أنه الإله الذي لا يُعجزه شيء أراده، ولا يتعذّر علـيه فعل شيء شاءه.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّلْعَٰلِمِينَ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: ومن حججه وأدلته أيضاً علـى أنه لا يُعجزه شيء، وأنه إذا شاء أمات من كان حياً من خـلقه، ثم إذا شاء أنشره وأعاده كما كان قبل إماتته إياه خـلقه السموات والأرض من غير شيء أحدث ذلك منه، بل بقدرته التـي لا يـمتنع معها علـيه شيء أراده {وَاخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ} يقول: واختلاف منطق ألسنتكم ولغاتها {وألْوَانِكُمْ} يقول: واختلاف ألوان أجسامكم {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ للْعالَـمِينَ} يقول: إن فـي فعله ذلك كذلك لعبراً وأدلة لـخـلقه الذين يعقلون أنه لا يعيبه إعادتهم لهيئتهم التـي كانوا بها قبل مـماتهم من بعد فنائهم. وقد بـيَّنا معنى العالـمين فـيـما مضى قبل.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ