انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الروم

تفسير الطبريالآيات 23–41

تفسير سورة الروم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الروم

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 39:53

  1. 1 الآيات 1–30في هذه الصفحة 20:07
  2. 2 الآيات 31–53في هذه الصفحة 15:14

التفسير الصوتي لسورة الروم كاملًا (3 مقاطع)

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُم مِّن فَضْلِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ۝٢٣

يقول تعالـى ذكره: ومن حججه علـيكم أيها القوم تقديره الساعات والأوقات، ومخالفته بـين اللـيـل والنهار، فجعل اللـيـل لكم سكناً تسكنون فـيه، وتنامون فـيه، وجعل النهار مضيئاً لتصرّفكم فـي معايشكم والتـماسكم فـيه من رزق بكم {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} يقول تعالـى ذكره: إن فـي فعل الله ذلك كذلك، لعبراً وذكرى وأدلة علـى أن فـاعل ذلك لا يُعجزه شيء أراده لقوم يسمعون مواعظ الله، فـيتعظون بها، ويعتبرون فـيفهمون حجج الله علـيهم.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْىِۦ بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره: ومن حججه {يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفـاً} لكم إذا كنتـم سفراً، أن تـمطروا فتتأذّوا به {وطَمَعاً} لكم، إذا كنتـم فـي إقامة أن تـمطروا، فتـحيوا وتـخصبوا {وَيُنَزِّلُ منَ السَّماءِ ماءً} يقول: وينزّل من السماء مطراً، فـيحيـي بذلك الـماء الأرض الـميتة، فتنبت ويخرج زرعها بعد موتها، يعنـي جدوبها ودروسها {إن فِـي ذلكَ لآياتٍ} يقول: إن فـي فعله ذلك كذلك لعبراً وأدلة {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} عن الله حججه وأدلته. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله {يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفـاً وَطَمَعاً} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، فـي قوله {وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفـاً وَطَمَعاً} قال: خوفـاً للـمسافر، وطمعاً للـمقـيـم.

واختلف أهل العربـية فـي وجه سقوط «أن» فـي قوله: {يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفـاً وَطَمَعاً فقال بعض نـحويـي البصرة: لـم يذكر ههنا «أن» لأن هذا يدلّ علـى الـمعنى وقال الشاعر:

ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرَ الوَغَى وأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَل أنْتَ مُخْـلِدي

قال: وقال:

لَوْ قُلْتُ ما فِـي قَوْمِها لَـمْ تِـيتَـم يَفْضُلُها فـي حَسَبٍ وَمِيسمِ

وقال: يريد: ما فـي قومها أحد. وقال بعض نـحويـي الكوفـيـين: إذا أظهرت «أن» فهي فـي موضع رفع، كما قال: { وَمِنْ آياتِهِ خَـلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنَامُكُمْ }فإذا حذفت جعلت «من» مؤدّية عن اسم متروك، يكون الفعل صلة، كقول الشاعر:

وَما الدَّهْرُ إلاَّ تارَتانِ فَمِنْهُما أموتُ وأُخْرَى أبْتَغي العَيْشَ أكْدحُ

كأنه أراد: فمنهما ساعة أموتها، وساعة أعيشها، وكذلك: ومن آياته يريكم آية البرق، وآية لكذا، وإن شئت أردت: ويريكم من آياته البرق، فلا تضمر «أن» ولا غيره. وقال بعض من أنكر قول البصري: إنـما ينبغي أن تـحذف «أن» من الـموضع الذي يدلّ علـى حذفها، فأما فـي كلّ موضع فلا، فأما مع أحضر الوغى فلـما كان زجرتك أن تقوم، وزجرتك لأن تقوم، يدلّ علـى الاستقبـال جاز حذف «أن»، لأن الـموضع معروف لا يقع فـي كلّ الكلام، فأما قوله: ومن آياته أنك قائم، وأنك تقوم، وأن تقوم، فهذا الـموضع لا يحذف، لأنه لا يدلّ علـى شيء واحد.

والصواب من القول فـي ذلك أن «من» فـي قوله {وَمِنْ آياتِهِ} تدل علـى الـمـحذوف، وذلك أنها تأتـي بـمعنى التبعيض. وإذا كانت كذلك، كان معلوماً أنها تقتضي البعض، فلذلك تـحذف العرب معها الاسم لدلالتها علـيه.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ بِأَمْرِهِۦ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلْأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره: ومن حججه أيها القوم علـى قُدرته علـى ما يشاء، قـيام السماء والأرض بأمره خضوعاً له بـالطاعة بغير عمد ترى {ثُمَّ إذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذَا أنْتُـمْ تَـخْرَجُونَ} يقول: إذا أنتـم تـخرجون من الأرض، إذا دعاكم دعوة مستـجيبـين لدعوته إياكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَمِنْ آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بأمْرِهِ} قامتا بأمره بغير عمد {ثُمَّ إذَا دَعاكمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذَا أنْتُـمْ تَـخْرُجُونَ} قال: دعاهم فخرجوا من الأرض.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {إذَا أنْتُـمْ تَـخْرُجُونَ} يقول: من الأرض.

وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ۝٢٦ وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: ولله من فـي السموات والأرض من ملك وجنّ وإنس عبـيد وملك {كُلّ لَهُ قانِتُونَ} يقول: كلّ له مطيعون، فـيقول قائل: وكيف قـيـل {كُلّ لَهُ قانِتُونَ} وقد علـم أن أكثر الإنس والـجنّ له عاصون؟ فنقول: اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فنذكر اختلافهم، ثم نبـين الصواب عندنا فـي ذلك من القول، فقال بعضهم: ذلك كلام مخرجه مخرج العموم، والـمراد به الـخصوص، ومعناه: كلّ له قانتون فـي الـحياة والبقاء والـموت، والفناء والبعث والنشور، لا يـمتنع علـيه شيء من ذلك، وإن عصاه بعضهم من غير ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله

{ وَمِنْ آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بأمْرِهِ... }إلـى {كُلّ لَهُ قانِتُونَ} يقول: مطيعون، يعنـي الـحياة والنشور والـموت، وهم عاصون له فـيـما سوى ذلك من العبـادة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: كلّ له قانتون بإقرارهم بأنه ربهم وخالقهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {كُلّ لَهُ قانِتُونَ}: أي مطيع مقرّ بأن الله ربه وخالقه.

وقال آخرون: هو علـى الـخصوص، والـمعنى: وله من فـي السموات والأرض من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {كُلّ لَهُ قانِتُونَ} قال: كلّ له مطيعون. الـمطيع: القانت، قال: ولـيس شيء إلاَّ وهو مطيع، إلاَّ ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله. وفـي قوله

{ وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِـينَ }قال: هذا فـي الصلاة، لا تتكلـموا فـي الصلاة كما يتكلـم أهل الكتاب فـي الصلاة، قال: وأهل الكتاب يـمشي بعضهم إلـى بعض فـي الصلاة، قال: ويتقابلون فـي الصلاة، فإذا قـيـل لهم فـي ذلك، قالوا: لكي تذهب الشحناء من قلوبنا تسلـم قلوب بعضنا لبعض، فقال الله: وقوموا لله قانتـين لا تزولوا كم يزولون. قانتـين: لا تتكلـموا كما يتكلـمون. قال: فأما ما سوى هذا كله فـي القرآن من القنوت فهو الطاعة، إلاَّ هذه الواحدة.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن عبـاس، وهو أن كلّ من فـي السموات والأرض من خـلق لله مطيع فـي تصرّفه فـيـما أراد تعالـى ذكره من حياة وموت، وما أشبه ذلك، وإن عصاه فـيـما يكسبه بقوله، وفـيـما له السبـيـل إلـى اختـياره وإيثاره علـى خلافه.

وإنـما قلت: ذلك أولـى بـالصواب فـي تأويـل ذلك، لأن العصاة من خـلقه فـيـما لهم السبـيـل إلـى اكتسابه كثـير عددهم، وقد أخبر تعالـى ذكره عن جميعهم أنهم له قانتون، فغير جائز أن يخبر عمن هو عاص أنه له قانت فـيـما هو له عاص. وإذا كان ذلك كذلك، فـالذي فـيه عاص هو ما وصفت، والذي هو له قانت ما بـينت.

وقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الـخَـلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} يقول تعالـى ذكره: والذي له هذه الصفـات تبـارك وتعالـى، هو الذي يبدأ الـخـلق من غير أصل فـينشئه ويوجده، بعد أن لـم يكن شيئاً، ثم يفنـيه بعد ذلك، ثم يعيده، كما بدأه بعد فنائه، وهو أهون علـيه.

اختلف أهل التأويـل، فـي معنى قوله: {وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ} فقال بعضهم: معناه: وهو هين علـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، عن سفـيان عمن ذكره، عن منذر الثوريّ، عن الربـيع بن خَيْثم {وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ} قال: ما شيء علـيه بعزيز.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الـخَـلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ} يقول: كلّ شيء علـيه هين.

وقال آخرون: معناه: وإعادة الـخـلق بعد فنائهم أهون علـيه من ابتداء خـلقهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ} قال: يقول: أيسر علـيه.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ} قال: الإعادة أهون علـيه من البداءة، والبداءة علـيه هين.

حدثنـي ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرِمة قرأ هذا الـحرف {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الـخَـلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ} قال: تعجب الكفـار من إحياء الله الـموتـى، قال: فنزلت هذه الآية {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الـخَـلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ} إعادة الـخـلق أهون علـيه من إبداء الـخـلق.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة بنـحوه، إلاَّ أنه قال: إعادة الـخـلق أهون علـيه من ابتدائه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَهُوَ أهْوَنُ عَلَـيْهِ}: يقول: إعادته أهون علـيه من بدئه، وكلّ علـى الله هين. وفـي بعض القراءة: وكلّ علـى الله هين.

وقد يحتـمل هذا الكلام وجهين، غير القولـين اللذين ذكرت، وهو أن يكون معناه: وهو الذي يبدأ الـخـلق ثم يعيده، وهو أهون علـى الـخـلق: أي إعادة الشيء أهون علـى الـخـلق من ابتدائه. والذي ذكرنا عن ابن عبـاس فـي الـخبر الذي حدثنـي به ابن سعد، قول أيضاً له وجه.

وقد وجَّه غير واحد من أهل العربـية قول ذي الرُّمة:

أخي قَـفَرَاتٍ دَبَّبَتْ فِـي عِظامه شُفـافـاتُ أعْجاز الكَرَى فهْوَ أخْضَعُ

إلـى أنه بـمعنى خاضع وقول الآخر:

لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرَقانَ لَبـاذِلٌ لـمَعْروفِه عِنْدَ السِّنِـينَ وأفْضَلُ كَرِيـمٌ لَه عَنْ كُلّ ذَمّ تَأَخُّرٌ وفِـي كُلّ أسْبـابِ الـمَكارِمِ أوَّلُ

إلـى أنه بـمعنى: وفـاضل وقول معن:

لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنّـي لأَوْجَلُ علـى أيِّنا تَعْدُو الـمَنِـيَّةُ أوَّلُ

إلـى أنه بـمعنى: وإنـي لوجل وقول الآخر:

تَـمَنَّى مُرَىْءُ القَـيْسِ مَوْتـي وإنْ أمُتْ فَتِلكَ سَبِـيـلٌ لَسْتُ فِـيها بأوْحَدِ

إلـى أنه بـمعنى: لست فـيها بواحد وقول الفرزدق:

إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَـيْتاً دَعائمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ

إلـى أنه بـمعنى: عزيزة طويـلة. قالوا: ومنه قولهم فـي الأذان: الله أكبر، بـمعنى: الله كبـير وقالوا: إن قال قائل: إن الله لا يوصف بهذا، وإنـما يوصف به الـخـلق، فزعم أنه وهو أهون علـى الـخـلق، فإن الـحجة علـيه قول الله: { وكانَ ذلكَ علـى اللّهِ يَسِيراً }، وقوله: { وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُما }: أي لا يثقله حفظهما.

وقوله: {وَلَهُ الـمَثَلُ الأعْلَـى} يقول: ولله الـمثل الأعلـى فـي السموات والأرض، وهو أنه لا إله إلاَّ هو وحده لا شريك له، لـيس كمثله شيء، فذلك الـمثل الأعلـى، تعالـى ربنا وتقدّس. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وَلَهُ الـمَثَلُ الأعْلَـى فِـي السَّمَوَاتِ} يقول: لـيس كمثله شيء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَلَهُ الـمَثَلُ الأعْلَـى فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ} مثله أنه لا إله إلاَّ هو، ولا ربّ غيره.

وقوله: {وَهُوَ العَزِيزُ الـحَكِيـمُ} يقول تعالـى ذكره: وهو العزيز فـي انتقامه من أعدائه، الـحكيـم فـي تدبـيره خـلقه، وتصريفهم فـيـما أراد من إحياء وإماتة، وبعث ونشر، وما شاء.

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره: مثل لكم أيها القوم ربكم مثلاً من أنفسكم، {هل لكم مـما ملكت أيـمانكم} يقول: من مـمالـيككم من شركاء، {فـيـما رزقناكم} من مال، {فأنتـم فـيه سواء} وهم. يقول: فإذا لـم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف رضيتـم أن تكون آلهتكم التـي تعبدونها لـي شركاء فـي عبـادتكم إياي، وأنتـم وهم عبـيدي ومـمالـيكي، وأنا مالك جميعكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أنْفُسكمْ هَلْ لَكُمْ مِـمَّا مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِـيـما رَزَقْناكُمْ، فأنْتُـمْ فِـيهِ سَوَاءٌ} قال: مثل ضربه الله لـمن عدل به شيئاً من خـلقه، يقول: أكان أحدكم مشاركاً مـملوكه فـي فراشه وزوجته، فكذلكم الله لا يرضى أن يعدل به أحد من خـلقه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مـمَّا مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِـيـما رَزَقْناكُمْ، فأنْتُـمْ فِـيهِ سَوَاءٌ} قال: هل تـجد أحداً يجعل عبده هكذا فـي ماله، فكيف تعمد أنت وأنت تشهد أنهم عبـيدي وخـلقـي، وتـجعل لهم نصيبـاً فـي عبـادتـي، كيف يكون هذا؟ قال: وهذا مثل ضربه الله لهم، وقرأ: {كَذلكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {تَـخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أنْفُسَكُمْ} فقال بعضهم: معنى ذلك: تـخافون هؤلاء الشركاء مـما ملكت أيـمانكم أن يرثوكم أموالكم من بعد وفـاتكم، كما يرث بعضكم بعضاً. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، قال: فـي الآلهة، وفـيه يقول: تـخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تـخافون هؤلاء الشركاء مـما ملكت أيـمانكم أن يقاسموكم أموالكم، كما تقاسم بعضكم بعضاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت عمران قال: قال أبو مـجلز: إن مـملوكك لا تـخاف أن يقاسمك مالك، ولـيس له ذلك، كذلك الله لا شريك له.

وأولـى القولـين بـالصواب فـي تأويـل ذلك القول الثانـي، لأنه أشبههما بـما دلّ علـيه ظاهرالكلام، وذلك أن الله جلّ ثناؤه وبخ هؤلاء الـمشركين الذين يجعلون له من خـلقه آلهة يعبدونها، وأشركوهم فـي عبـادتهم إياه، وهم مع ذلك يقرّون بأنها خـلقه وهم عبـيده، وعيرهم بفعلهم ذلك، فقال لهم: هل لكم من عبـيدكم شركاء فـيـما خوّلناكم من نعمنا، فهم سواء، وأنتـم فـي ذلك تـخافون أن يقاسموكم ذلك الـمال الذي هو بـينكم وبـينهم، كخيفة بعضكم بعضاً أن يقاسمه ما بـينه وبـينه من الـمال شركة فـالـخيفة التـي ذكرها تعالـى ذكره بأن تكون خيفة مـما يخاف الشريك من مقاسمة شريكه الـمال الذي بـينهما إياه أشبه من أن تكون خيفة منه بأن يرثه، لأن ذكر الشركة لا يدلّ علـى خيفة الوراثة، وقد يدلّ علـى خيفة الفراق والـمقاسمة.

وقوله: {كذلكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يقول تعالـى ذكره: كما بـيَّنا لكم أيها القوم حججنا فـي هذه الآيات من هذه السورة علـى قدرتنا علـى ما نشاء من إنشاء ما نشاء، وإفناء ما نـحبّ، وإعادة ما نريد إعادته بعد فنائه، ودللنا علـى أنه لا تصلـح العبـادة إلاَّ للواحد القهار، الذي بـيده ملكوت كلّ شيء، كذلك نبـين حججنا فـي كل حقّ لقوم يعقلون، فـيتدبرونها إذا سمعوها، ويعتبرون فـيتعظون بها.

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره: ما ذلك كذلك، ولا أشرك هؤلاء الـمشركون فـي عبـادة الله الآلهة والأوثان، لأن لهم شركاً فـيـما رزقهم الله من ملك أيـمانهم، فهم وعبـيدهم فـيه سواء، يخافون أن يقاسموهم ما هم شركاؤهم فـيه، فرضوا لله من أجل ذلك بـما رضوا به لأنفسهم، فأشركوهم فـي عبـادته، ولكن الذين ظلـموا أنفسهم فكفروا بـالله، اتبعوا أهواءهم، جهلاً منهم لـحقّ الله علـيهم، فأشركوا الآلهة والأوثان فـي عبـادته {فَمَنْ يهْدِي مَنْ أضَلَّ اللّهُ} يقول: فمن يسدّد للصواب من الطرق، يعنـي بذلك من يوفق للإسلام من أضلّ الله عن الاستقامة والرشاد؟ {وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ} يقول: وما لـمن أضلّ الله من ناصرين ينصرونه، فـينقذونه من الضلال الذي يبتلـيه به تعالـى ذكره.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره: فسدّد وجهك نـحو الوجه الذي وجهك إلـيه ربك يا مـحمد لطاعته، وهي الدين، {حنـيفـاً} يقول: مستقـيـماً لدينه وطاعته، {فطرة الله التـي فطر الناس علـيها} يقول: صنعةَ الله التـي خـلق الناس علـيها ونصبت فطرة علـى الـمصدر من معنى قوله {فَأقِمْ وَجْهَكَ للدّينِ حَنِـيفـاً} وذلك أن معنى ذلك: فطر الله الناس علـى ذلك فطرة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {فِطْرَةَ اللّهِ التـي فَطَرَ النَّاسَ عَلَـيْها} قال: الإسلام مذ خـلقهم الله من آدم جميعاً، يقرّون بذلك، وقرأ:

{ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ منْ بَنِـي آدَمَ منْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهمْ، ألَسْتُ برَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلَـى شَهِدْنا }قال: فهذا قول الله: { كانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِـيِّـينَ }بعد.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فِطْرَةَ اللّهِ} قال: الإسلام.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن أبـي صالـح، عن يزيد بن أبـي مريـم، قال: مرّ عمر بـمُعاذ بن جبل، فقال: ما قِوام هذه الأمة؟ قال مُعاذ: ثلاث، وهنّ الـمنـجيات: الإخلاص، وهو الفطرة {فِطْرَةَ اللّهِ التـي فَطَرَ النَّاسَ عَلَـيْها}. والصلاة وهي الـملة والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنـي ابن عُلَـية، قال: ثنا أيوب، عن أبـي قِلابة أن عمر قال لـمعاذ: ما قِوام هذه الأمة؟ ثم ذكر نـحوه.

وقوله {لا تَبْدِيـلَ لِـخَـلْقِ اللّهِ} يقول: لا تغيـير لدين الله: أي لا يصلـح ذلك، ولا ينبغي أن يفعل.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم نـحو الذي قلنا فـي ذلك:

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {لا تَبْدِيـلَ لِـخَـلْقِ اللّهِ} قال: لدينه.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، قال: أرسل مـجاهد رجلاً يقال له قاسم إلـى عكرِمة يسأله عن قول الله: {لا تَبْدِيـلَ لِـخَـلْقِ اللّهِ} قال: إنـما هو الدين، وقرأ {لا تَبْدِيـلَ لـخَـلْقِ اللّهِ ذلكَ الدّينُ القَـيِّـمُ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حبـاب، عن حسين بن واقد، عن يزيد النـحوي، عن عكرِمة {فطْرَةَ اللّهِ التـي فَطَرَ النَّاسَ عَلَـيْها} قال: الإسلام.

قال: ثنـي أبـي، عن نضر بن عربـي، عن عكرمة {لا تَبْدِيـلَ لـخَـلْقِ اللّهِ} قال: لدين الله.

قال: ثنـي أبـي، عن سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: لدين الله.

قال: ثنا أبـي، عن عبد الـجبـار بن الورد، عن القاسم بن أبـي بزّة، قال: قال مـجاهد، فسل عنها عكرِمة، فسألته، فقال عكرمة: دين الله تعالـى ماله أخزاه الله؟ ألـم يسمع إلـى قوله {فِطْرَةَ اللّهِ التـي فَطَرَ النَّاسَ عَلَـيْها، لا تَبْدِيـلَ لـخَـلْقِ اللّهِ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {لا تَبْدِيـلَ لـخَـلْقِ اللّهِ}: أي لدين الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، عن لـيث، عن عكرمة، قال: لدين الله.

قال: ثنا ابن عيـينة، عن حميد الأعرج، قال: قال سعيد بن جُبَـير {لا تَبْدِيـلَ لـخَـلْقِ اللّهِ} قال: لدين الله.

قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك {لا تَبْدِيـلَ لـخَـلْقِ اللّهِ} قال: لدين الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {لا تَبْدِيـلَ لـخَـلْقِ الله} قال: دين الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي عن مسعر وسفـيان، عن قـيس بن مسلـم، عن إبراهيـم، قال {لا تَبْدِيـلَ لـخَـلْقِ اللّهِ} قال: لدين الله.

قال: ثنا أبـي عن جعفر الرازي، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: لدين الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تغيـير لـخـلق الله من البهائم بأن يخصى الفحول منها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن مطرف، عن رجل، سأل ابن عبـاس، عن خصاء البهائم، فكرهه، وقال: {لا تَبْدِيـل لـخَـلْقِ اللّهِ}.

قال: ثنا ابن عيـينة، عن حميد الأعرج، قال: قال عكرمة: الإخصاء.

قال: ثنا حفص بن غياث، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: الإخصاء.

وقوله: {ذلكَ الدّينُ القَـيِّـمُ} يقول تعالـى ذكره: إن إقامتك وجهك للدين حنـيفـاً غير مغير ولا مبدّل هو الدين القـيـم، يعنـي الـمستقـيـم الذي لا عوج فـيه عن الاستقامة من الـحنـيفـية إلـى الـيهودية والنصرانـية، وغير ذلك من الضلالات والبدع الـمـحدثة.

وقد وجَّه بعضهم معنى الدين فـي هذا الـموضع إلـى الـحساب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو لـيـلـى، عن بريدة {ذلكَ الدّينُ القَـيِّـمُ} قال: الـحساب القـيـم {وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: ولكن أكثر الناس لا يعلـمون أن الدين الذي أمرتك يا مـحمد به بقولـي {فأَقمِ وَجْهَكَ للدّينِ حَنِـيفـاً} هو الدين الـحقّ دون سائر الأديان غيره.

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝٣١ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۝٣٢

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {مُنِـيبِـينَ إلَـيْهِ} تائبـين راجعين إلـى الله مقبلـين، كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مُنـيبِـينَ إلـيْهِ} قال: الـمنـيب إلـى الله: الـمطيع لله، الذي أناب إلـى طاعة الله وأمره، ورجع عن الأمور التـي كان علـيها قبل ذلك. كان القوم كفـاراً، فنزعوا ورجعوا إلـى الإسلام.

وتأويـل الكلام: فأقم وجهك يا مـحمد للدين حنـيفـاً منـيبـين إلـيه إلـى الله فـالـمنـيبون حال من الكاف التـي فـي وجهك.

فإن قال قائل: وكيف يكون حالاً منها، والكاف كناية عن واحد، والـمنـيبون صفة لـجماعة؟ قـيـل: لأن الأمر من الكاف كناية اسمه من الله فـي هذا الـموضع أمر منه له ولأمته، فكأنه قـيـل له: فأقم وجهك أنت وأمتك للدين حنـيفـاً لله، منـيبـين إلـيه.

وقوله: {وَاتَّقُوهُ} يقول جلّ ثناؤه: وخافوا الله وراقبوه أن تفرّطوا فـي طاعته، وتركبوا معصيته. {وَلا تَكُونُوا مِنَ الـمُشْرِكِينَ} يقول: ولا تكونوا من أهل الشرك بـالله بتضيـيعكم فرائضه، وركوبكم معاصيه، وخلافكم الدين الذي دعاكم إلـيه.

وقوله: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً} يقول: ولا تكونوا من الـمشركين الذين بدّلوا دينهم، وخالفوه ففـارقوه {وكانوا شِيَعاً} يقول: وكانوا أحزابـاً فرقا كالـيهود والنصارى.وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً}: وهم الـيهود والنصارى.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً} إلـى آخر الآية، قال: هؤلاء يهود، فلو وجِّه قوله {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} إلـى أنه خبر مستأنف منقطع عن قوله: {وَلا تَكُونُوا مِنَ الـمُشْرِكِينَ} وأن معناه: من الذين فرّقوا دِينَهُم {وكانُوا شِيَعاً} أحزابـاً {كُلُّ حِزْبٍ بِـمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} كان وجهاً يحتـمله الكلام.

وقوله: {كُلُّ حِزْبٍ بِـمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} يقول: كل طائفة وفرقة من هؤلاء الذين فـارقوا دينهم الـحقّ، فأحدثوا البدع التـي أحدثوا بـما لديهم فرحون. يقول: بـما هم به متـمسكون من الـمذهب، فرحون مسرورون، يحسبون أن الصواب معهم دون غيرهم.

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا۟ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره: وإذا مسّ هؤلاء الـمشركين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر ضُرٌّ، فأصابتهم شدة وجدوب وقحوط {دَعَوْا رَبَّهُمْ} يقول: أخـلصوا لربهم التوحيد، وأفردوه بـالدعاء والتضرّع إلـيه، واستغاثوا به منـيبـين إلـيه، تائبـين إلـيه من شركهم وكفرهم {ثُمَّ إذَا أذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً} يقول: ثم إذا كشف ربهم تعالـى ذكره عنهم ذلك الضرّ وفرّجه عنهم وأصابهم برخاء وخصب وسعة، {إذا فريق منهم} يقول: إذا جماعة منهم بربهم {يشركون} يقول: يعبدون معه الآلهة والأوثان.

لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ فَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره متوعداً لهؤلاء الـمشركين الذين أخبر عنهم أنه إذا كشف الضرّ عنهم كفروا به، لـيكفروا بـما أعطيناهم، يقول: إذا هم بربهم يشركون، كي يكفروا: أي يجحدوا النعمة التـي أنعمتها علـيهم بكشفـي عنهم الضرّ الذي كانوا فـيه، وإبدالـي ذلك لهم بـالرخاء والـخصب والعافـية، وذلك الرخاء والسعة هو الذي آتاهم تعالـى ذكره، الذي قال: {بـما آتـيناهم}. وقوله {فَتَـمَتَّعُوا} يقول: فتـمتعوا أيها القوم بـالذي آتـيناكم من الرخاء والسعة فـي هذه الدنـيا {فَسَوْف تَعْلَـمُونَ} إذا وردتـم علـى ربكم ما تلقون من عذابه، وعظيـم عقابه علـى كفركم به فـي الدنـيا. وقد قرأ بعضهم: «فَسَوْفَ يَعْلَـمُونَ» بـالـياء، بـمعنى: لـيكفروا بـما آتـيناهم، فقد تـمتعوا علـى وجه الـخبر، فسوف يعلـمون.

أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا۟ بِهِۦ يُشْرِكُونَ ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره: أم أنزلنا علـى هؤلاء الذين يشركون فـي عبـادتنا الآلهة والأوثان، كتابـاً بتصديق ما يقولون، وبحقـيقة ما يفعلون {فَهُوَ يَتَكَلَّـمُ بِـمَا كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} يقول: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم وإنـما يعنـي جلّ ثناؤه بذلك: أنه لـم يُنْزل بـما يقولون ويفعلون كتابـاً، ولا أرسل به رسولاً، وإنـما هو شيء افتعلوه واختلقوه، اتبـاعاً منهم لأهوائهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {أمْ أنْزَلْنا عَلَـيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّـمُ بِـمَا كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} يقول: أم أنزلنا علـيهم كتابـاً فهو ينطق بشركهم.

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا۟ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: وإذا أصاب الناس منا خصب ورخاء، وعافـية فـي الأبدان والأموال، فرحوا بذلك، وإن تصبهم منا شدّة من جدب وقحط وبلاء فـي الأموال والأبدان {بِـمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ} يقول: بـما أسلفوا من سيىء الأعمال بـينهم وبـين الله، وركبوا من الـمعاصي {إذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} يقول: إذا هم يـيأسون من الفرج والقنوط: هو الإياس ومنه قول حميد الأرقط.

قَدْ وَجَدُوا الـحَجَّاجَ غيرَ قانِطِ

وقوله: {إذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} هو جواب الـجزاء، لأن «إذا» نابت عن الفعل بدلالتها علـيه، فكأنه قـيـل: وإن تصبهم سيئة بـما قدّمت أيديهم وجدتهم يقنطون، أو تـجدهم، أو رأيتهم، أو تراهم. وقد كان بعض نـحويـي البصرة يقول: إذا كانت «إذا» جوابـاً لأنها متعلقة بـالكلام الأوّل بـمنزلة الفـاء.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره: أَوَ لـم ير هؤلاء الذين يفرحون عند الرخاء يصيبهم والـخصب، ويـيأسون من الفرج عند شدّة تنالهم، بعيون قلوبهم، فـيعلـموا أن الشدّة والرخاء بـيد الله، وأن الله يبسط الرزق لـمن يشاء من عبـاده فـيوسعه علـيه، ويقدر علـى من أراد فـيضيقه علـيه {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ} يقول: إن فـي بسطه ذلك علـى من بسطه علـيه، وقدره علـى من قدره علـيه، ومخالفته بـين من خالف بـينه من عبـاده فـي الغنى والفقر، لدلالة واضحة لـمن صدّق حجج الله وأقرّ بها إذا عاينها ورآها.

فَـَٔاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فأعط يا مـحمد ذا القرابة منك حقه علـيك من الصلة والبرّ والـمسكين وابن السبـيـل، ما فرض الله لهما فـي ذلك، كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن عوف، عن الـحسن {فآت ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالـمِسكين وَابْنَ السَّبِـيـلِ} قال: هو أن توفـيهم حقهم إن كان عند يسر، وإن لـم يكن عندك فقل لهم قولاً ميسوراً، قل لهم الـخير.

وقوله: {ذلكَ خَيْرٌ للَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللّهِ} يقول تعالـى ذكره: إيتاء هؤلاء حقوقهم التـي ألزمها الله عبـاده، خير للذين يريدون الله بإتـيانهم ذلك {وأُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ} يقول: ومن يفعل ذلك مبتغياً وجه الله به، فأولئك هم الـمنـجحون، الـمدركون طلبـاتهم عند الله، الفـائزون بـما ابتغوا والتـمسوا بإيتائهم إياهم ما آتوا.

وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَا۟ فِىٓ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرْبُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَوٰةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ ۝٣٩

يقول تعالـى ذكره: وما أعطيتـم أيها الناس بعضكم بعضاً من عطية لتزداد فـي أموال الناس برجوع ثوابها إلـيه، مـمن أعطاه ذلك، {فلا يربو عند الله} يقول: فلا يزداد ذلك عند الله، لأن صاحبه لـم يعطه من أعطاه مبتغياً به وجهه. {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ زَكاةٍ} يقول: وما أعطيتـم من صدقة تريدون بها وجه الله، {فأولئك} يعنـي الذين يتصدّقون بأموالهم ملتـمسين بذلك وجه الله {هم الـمضعفون} يقول: هم الذين لهم الضعف من الأجر والثواب، من قول العرب: أصبح القوم مسمِنـين معطِشين، إذا سمنت إبلهم وعطشت. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُوَ فِـي أمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللّهِ} قال: هو ما يعطي الناس بـينهم بعضهم بعضاً، يعطي الرجل الرجل العطية، يريد أن يُعطى أكثر منها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور بن صفـية، عن سعيد بن جُبَـير {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُوَ فِـي أمْوَالِ النَّاسِ} قال: هو الرجل يعطي الرجل العطية لـيثـيبه.

قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن منصور بن صفـية، عن سعيد بن جُبَـير، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن سفـيان، عن منصور بن صفـية، عن سعيد بن جُبَـير {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُوَ فـي أمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللّهِ} قال: الرجل يعطى لـيثاب علـيه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُو فِـي أمْوَالِ النَّاسِ} قال: الهدايا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: هي الهدايا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُو فِـي أمْوَالِ النَّاسِ} قال: يعطي ماله يبتغي أفضل منه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن ابن أبـي خالد، عن إبراهيـم، قال: هو الرجل يهدي إلـى الرجل الهدية، لـيثـيبه أفضل منها.

قال: ثنا مـحمد بن حميد الـمعمري، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبـيه: هو الرجل يعطي العطية ويهدي الهدية، لـيثاب أفضل من ذلك، لـيس فـيه أجر ولا وزر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُوَ فِـي أمْوَالِ النَّاس فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللّهِ} قال: ما أعطيت من شيء تريد مثابة الدنـيا، ومـجازاة الناس ذاك الربـا الذي لا يقبله الله، ولا يجزي به.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُوَ فِـي أمْوَالِ النَّاسِ} فهو ما يتعاطى الناس بـينهم ويتهادون، يعطى الرجل العطية لـيصيب منه أفضل منها، وهذا للناس عامة.

وأما قوله:

{ وَلا تَـمْنُنْ تَسْتَكْثرْ }فهذا للنبـيّ خاصة، لـم يكن له أن يعطي إلاَّ لله، ولـم يكن يعطي لـيعطى أكثر منه.

وقال آخرون: إنـما عنى بهذا: الرجلَ يعطي ماله الرجلَ لـيعينه بنفسه، ويخدمه ويعود علـيه نفعه، لا لطلب أجر من الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي ومـحمد بن فضيـل، عن زكريا عن عامر {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُوَ فـي أمْوَالِ النَّاسِ} قال: هو الرجل يـلزق بـالرجل، فـيخفّ له ويخدمه، ويسافر معه، فـيجعل له ربح بعض ماله لـيجزيه، وإنـما أعطاه التـماس عونه، ولـم يرد وجه الله.

وقال آخرون: هو إعطاء الرجل ماله لـيكثر به مال من أعطاه ذلك، لا طلب ثواب الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبـي حصين، عن ابن عبـاس {وَما آتَـيْتُـمْ منْ رِبـا لِـيَرْبُو فـي أمْوَالِ النَّاسِ} قال: ألـم تر إلـى الرجل يقول للرجل: لأموّلنك، فـيعطيه، فهذا لا يربو عند الله، لأنه يعطيه لغير الله لـيثري ماله.

قال: ثنا عمرو بن عبد الـحميد الآملـي، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، قال: سمعت إبراهيـم النـخعي يقول فـي قوله: {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُوَ فـي أمْوَالِ النَّاسِ، فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللّهِ} قال: كان هذا فـي الـجاهلـية يعطي أحدهم ذا القرابة الـمال يكثر به ماله.

وقال آخرون: ذلك للنبـيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وأما لغيره فحلال. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي روّاد، عن الضحاك {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُوَ فِـي أمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللّهِ} هذا للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، هذا الربـا الـحلال.

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي ذلك لأنه أظهر معانـيه.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة وبعض أهل مكة: {لِـيَرْبُوَ} بفتـح الـياء من يربو، بـمعنى: وما آتـيتـم من ربـاً لـيربوَ ذلك الربـا فـي أموال الناس. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة: «لِتَرْبُوا» بـالتاء من تُربوا وضمها، بـمعنى: وما آتـيتـم من ربـا لتُربوا أنتـم فـي أموال الناس.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار مع تقارب معنـيـيهما، لأن أربـاب الـمال إذا أربوا ربـاً الـمال، وإذا ربـا الـمالُ فبإربـاء أياه ربـاً. فإذا كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتـين قرأ القارىء فمصيب.

وأما قوله: {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الـمُضعِفُونَ} فإن أهل التأويـل قالوا فـي تأويـله نـحو الذي قلنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدون وَجْهَ اللّهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الـمُضْعِفُونَ} قال: هذا الذي يقبله الله ويضعفه لهم عشر أمثالها، وأكثر من ذلك.

حُدثت عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قال: قال ابن عبـاس، قوله {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـاً لِـيَرْبُوَ فِـي أمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللّهِ} قال: هي الهبة، يهب الشيء يريد أن يُثاب علـيه أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله، لا يؤجر فـيه صاحبه، ولا إثم علـيه {وَما آتَـيْتُـمْ مِنْ زَكاةٍ} قال: هي الصدقة تريدون وجه الله {فَأُولَئِكَ هُمُ الـمُضْعِفونَ}.

قال معمر، قال ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثل ذلك.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَىْءٍ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره للـمشركين به، معرّفهم قبح فعلهم، وخبث صنـيعهم: الله أيها القوم الذي لا تصلـح العبـادة إلاَّ له، ولا ينبغي أن تكون لغيره، هو الذي خـلقكم ولـم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخوّلكم، ولـم تكونوا تـملكون قبل ذلك، ثم هو يـميتكم من بعد أن خـلقكم أحياء، ثم يحيـيكم من بعد مـماتكم لبعث القـيامة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {اللّهُ الَّذِي خَـلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُـمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِـيكُمْ} للبعث بعد الـموت.

وقوله: {هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} يقول تعالـى ذكره: هل من آلهتكم وأوثانكم التـي تـجعلونهم لله فـي عبـادتكم إياه شركاء من يفعل من ذلكم من شيء، فـيخـلق أو يرزق، أو يـميت، أو ينشر وهذا من الله تقريع لهؤلاء الـمشركين. وإنـما معنى الكلام أن شركاءهم لا تفعل شيئاً من ذلك، فكيف يُعبد من دون الله من لا يفعل شيئاً من ذلك؟ ثم برأ نفسه تعالـى ذكره عن الفرية التـي افتراها هؤلاء الـمشركون علـيه بزعمهم أن آلهتهم له شركاء، فقال جلّ ثناؤه { سبحانه} أي تنزيهاً لله وتبرئة {وَتَعالـى} يقول: وعلوّاً له {عَمَّا يُشْرِكُونَ} يقول: عن شرك هؤلاء الـمشركين به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} لا والله {سُبْحانَهُ وَتَعالـى عَمَّا يُشْرِكُونَ} يسبح نفسه إذ قـيـل علـيه البهتان.

ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٤١

يقول تعالـى ذكره: ظهرت الـمعاصي فـي برّ الأرض وبحرها بكسب أيدي الناس ما نهاهم الله عنه.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمراد من قوله: {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ} فقال بعضهم: عنى بـالبَرّ: الفلوات،{ وبـالبحر}: الأمصار والقُرى التـي علـى الـمياه والأنهار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عَثَّام، قال: ثنا النضْر بن عربـيّ، عن مـجاهد

{ وَإذَا تَوَلَّـى سَعَى فِـي الأرْض لِـيُفْسِدَ فِـيها... }الآية، قال: إذا ولـي سعى بـالتعدّي والظلـم، فـيحبس الله القطر، فـ { يُهْلِكَ الـحَرْثَ والنَّسْلَ، وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ }قال: ثم قرأ مـجاهد: {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ...} الآية قال: ثم قال: أما والله ما هو بحرُكم هذا، ولكن كل قرية علـى ماء جار فهو بحر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن النضْر بن عربـيّ، عن عكرمة {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ} قال: أَمَا إنـي لا أقول بحرُكم هذا، ولكن كلّ قرية علـى ماء جار.

قال: ثنا يزيد بن هارون، عن عمرو بن فَرُّوخ، عن حبـيب بن الزبـير، عن عكرمة {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ} قال: إن العرب تسمي الأمصار بحراً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ بِـمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ} قال: هذا قبل أن يَبعث الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم، امتلأت ضلالة وظلـماً، فلـما بعث الله نبـيه، رجع راجعون من الناس.

قوله: {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ} أما البرّ فأهل العمود، وأما البحر فأهل القُرَى والريف.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ} قال: الذنوب، وقرأ {لِـيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الـحسن، فـي قوله {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ بِـمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ} قال: أفسدهم الله بذنوبهم، فـي بحر الأرض وبرها، بأعمالهم الـخبـيثة.

وقال آخرون: بل عُنِـي بـالبرّ: ظهر الأرض، الأمصار وغيرها، وبـالبحر البحر الـمعروف. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد {ظَهَر الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ}: قال: فـي البرّ: ابن آدم الذي قتل أخاه، وفـي البحر: الذي كان يأخذ كلّ سفـينة غصبـاً.

حدثنـي يعقوب، قال: قال أبو بشر: يعنـي ابن عُلَـيّة، قال: سمعت ابن أبـي نـجيح، يقول فـي قوله {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ بِـمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ} قال: بقتل ابن آدم، والذي كان يأخذ كل سفـينة غصبـاً

. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن فضيـل بن مرْزوق، عن عطية {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ والبَحْرِ} قال: قلت: هذا البرّ والبحر أيّ فساد فـيه؟ قال: فقال: إذا قلّ الـمطر، قل الغَوْص.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله {ظَهَرَ الفَسادُ فِـي البَرّ} قال: قتل ابن آدم أخاه، والبحر: قال: أخذ الـملك السفن غَصْبـاً.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب: أن الله تعالـى ذكره، أخبر أن الفساد قد ظهر فـي البرّ والبحر عند العرب فـي الأرض القـفـار، والبحر بحران: بحر ملـح، وبحر عذب، فهما جميعاً عندهم بحر، ولـم يخصص جلّ ثناؤه الـخبر عن ظهور ذلك فـي بحر دون بحر، فذلك علـى ما وقع علـيه اسم بحر، عذبـاً كان أو ملـحاً. وإذا كان ذلك كذلك، دخـل القرى التـي علـى الأنهار والبحار.

فتأويـل الكلام إذن إذ كان الأمر كما وصفت، ظهرت معاصي الله فـي كل مكان، من برّ وبحر {بِـمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ}: أي بذنوب الناس، وانتشر الظلـم فـيهما.

وقوله: {ولِـيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} يقول جلّ ثناؤه: لـيصيبهم بعقوبة بعض أعمالهم التـي عملوا، ومعصيتهم التـي عَصَوا {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} يقول: كي ينـيبوا إلـى الـحقّ، ويرجعوا إلـى التوبة، ويتركوا معاصيَ الله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن أشعث، عن الـحسن {لَعلَّهُم يَرْجِعُونَ} قال: يتوبون.

قال: ثنا ابن مهديّ، عن سفـيان، عن السديّ، عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله {لَعلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} يوم بدر، لعلهم يتوبون.

قال: ثنا أبو أُسامة، عن زائدة، عن منصور عن إبراهيـم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال: إلـى الـحقّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {لِـيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: لعلّ راجعاً أن يرجع، لعل تائبـاً أن يتوب، لعلّ مستعتبـاً أن يستعتب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الـحسن، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال: يرجع مَنْ بعدَهم.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {لِـيُذِيقَهمْ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار {لِـيُذِيقَهُمْ} بـالـياء، بـمعنى: لـيذيقهم الله بعض الذي عملوا، وذُكر أن أبـا عبد الرحمن السُّلَـمي قرأ ذلك بـالنون علـى وجه الـخبر من الله عن نفسه بذلك.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ