انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الروم

تفسير الطبريالآيات 42–60

تفسير سورة الروم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الروم

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 39:53

  1. 1 الآيات 31–53في هذه الصفحة 15:14
  2. 2 الآيات 54–60في هذه الصفحة 4:32

التفسير الصوتي لسورة الروم كاملًا (3 مقاطع)

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين بـالله من قومك: سِيروا فـي البلاد، فـانظروا إلـى مساكن الذين كفروا بـالله من قبلكم، وكذّبوا رسلَه، كيف كان آخر أمرهم، وعاقبة تكذيبهم رسُلَ الله وكفرهم ألـم نهلكهم بعذاب منا، ونـجعلهم عبرة لـمن بعدهم؟ {كان أكثرهم مشركين} يقول: فَعَلنا ذلك بهم، لأن أكثرهم كانوا مشركين بـالله مثلَهم.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره: فوجِّه وجْهَك يا مـحمد نـحوَ الوجه الذي وجَّهك إلـيه ربك {للدّينِ القَـيِّـمِ} لطاعة ربك، والـمِلةِ الـمستقـيـمةِ التـي لا اعوجاج فـيها عن الـحقّ {مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِـيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللّهِ} يقول تعالـى ذكره: من قبل مـجيءِ يومٍ من أيام الله لا مردّ له لـمـجيئه، لأن الله قد قضى بـمـجيئه فهو لا مـحالة جاء {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} يقول: يوم يجيء ذلك الـيومُ يصدّع الناسُ، يقول: يتفرّق الناس فرقتـين من قولهم: صَدَعتُ الغنـم صدعتـين: إذا فرقتها فرقتـين: فريق فـي الـجنة، وفريق فـي السعير. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {فَأقِمْ وَجْهَكَ للدّينِ القَـيِّـمِ} الإسلام {مِنْ قَبْلِ أنْ يَأَتِـيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} فريق فـي الـجنة، وفريق فـي السعير.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} يقول: يتفرّقون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {يَصَّدَّعُونَ} قال: يتفرّقون إلـى الـجنة، وإلـى النار.

مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره: من كفر بـالله فعلـيه، أو زاد كفره، وآثام جحوده نِعَمَ ربه، {وَمَنْ عَمِلَ صَالِـحاً} يقول: ومن أطاع الله، فعمل بـما أمره به فـي الدنـيا، وانتهى عما نهاه عنه فـيها {فَلاِءَنْفُسِهِمْ يَـمْهَدونَ} يقول: فلأنفسهم يستعدون، ويسوّون الـمضجع لـيسلـموا من عقاب ربهم، وينـجوا من عذابه، كما قال الشاعر:

امْهَدْ لنَفْسِكَ حانَ السُّقْمُ والتَّلَفُ وَلا تُضِيعَنَّ نَفْساً ما لَهَا خَـلَفُ

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَلاِءَنْفُسِهِمْ يَـمْهَدُونَ} قال: يسوّون الـمضاجع.

حدثنا ابن الـمثنى والـحسين بن يزيد الطحان وابن وكيع وأبو عبد الرحمن العلائي، قالوا: ثنا يحيى بن سلـيـم، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَلأَنْفُسِهِمْ يَـمْهَدُونَ} قال: فـي القبر.

حدثنا إبراهيـم بن سعيد الـجوهري، قال: ثنا يحيى بن سلـيـم، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَلأَنْفُسِهِمْ يَـمْهَدُونَ} قال: للقبر.

حدثنا نصر بن علـيّ، قال: ثنا يحيى بن سلـيـم، قال: ثنا ابن أبـي نـجيح، قال: سمعت مـجاهداً يقول: فـي قوله {فَلأَنْفُسِهِمْ يَـمْهَدُونَ} قال: فـي القبر.

لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضْلِهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٤٥

يقول تعالـى ذكره: {يومئذ يصَّدَّعون... لِـيَجزيَ الَّذِينَ آمَنُوا} بـالله ورسوله {وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ} يقول: وعملوا بـما أمرهم الله {مِنْ فَضْلِهِ} الذي وعد من أطاعه فـي الدنـيا أن يجزيه يوم القـيامة {إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ} يقول تعالـى ذكره: إنـما خصّ بجزائه من فضله الذين آمنوا وعملوا الصالـحات دون من كفر بـالله، إنه لا يحبّ أهل الكفر به. واستأنف الـخبر بقوله {إنَّه لا يُحِبُّ الكافِرِينَ} وفـيه الـمعنى الذي وصفت.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَلِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٤٦

يقول تعالـى ذكره: ومن أدلته علـى وحدانـيته وحججه علـيكم علـى أنه إله كلّ شيء {أنْ يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّراتٍ} بـالغيث والرحمة {وَلِـيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} يقول: ولـينزّل علـيكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيـي به البلاد، ولتـجري السفن فـي البحار بها بأمره إياها {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} يقول: ولتلتـمسوا من أرزاقه ومعايشكم التـي قسمها بـينكم {وَلَعلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يقول: ولتشكروا ربكم علـى ذلك أرسل هذه الرياح مبشرات. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {الرّياحَ مُبَشِّراتٍ} قال: بـالـمطر.

وقالوا فـي قوله: {وَلِـيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} مثل الذي قلنا فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَلِـيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} قال: الـمطر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَلِـيُذِيقَكمْ مِنْ رَحْمَتِهِ}: الـمطر.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٤٧

يقول تعالـى ذكره مسلـياً نبـيه صلى الله عليه وسلم فـيـما يـلقـى من قومه من الأذى فـيه بـما لقـي من قبله من رسله من قومهم، ومعلـمه سنته فـيهم وفـي قومهم، وأنه سالك به وبقومه سنته فـيهم، وفـي أمـمهم: ولقد أرسلنا يا مـحمد من قبلك رسلاً إلـى قومهم الكفرة، كما أرسلناك إلـى قومك العابدي الأوثان من دون الله {فجاءُوهُمْ بـالبَّـيِّناتِ} يعنـي: بـالواضحات من الـحجج علـى صدقهم وأنهم لله رسل كما جئت أنت قومك بـالبـينات فكذّبوهم كما كذّبك قومك، وردّوا علـيهم ما جاءوهم به من عند الله، كما ردّوا علـيك ما جئتهم به من عند ربك {فـانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا} يقول: فـانتقمنا من الذين أجرموا الآثام، واكتسبوا السيئات من قومهم، ونـحن فـاعلو ذلك كذلك بـمـجرمي قومك {وكانَ حَقًّا عَلَـيْنا نَصْرُ الـمُؤْمِنِـينَ} يقول: ونـجَّينا الذين آمنوا بـالله وصدّقوا رسله، إذ جاءهم بأسنا، وكذلك نفعل بك وبـمن آمن بك من قومك {وكانَ حَقًّا عَلَـيْنا نَصْرُ الـمُؤْمِنِـينَ} علـى الكافرين، ونـحن ناصروك ومن آمن بك علـى مَن كفر بك، ومظفروك بهم.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُۥ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُۥ كِسَفًا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَٰلِهِۦ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝٤٨

يقول تعالـى ذكره: الله يرسل الرياح فتثـير سحابـاً، يقول: فتنشىء الرياحُ سحابـاً، وهي جمع سحابة، {فـيبسطه فـي السماء كيف يشاء} يقول: فـينشره الله، ويجمعه فـي السماء كيف يشاء، وقال: فـيبسطه، فوحد الهاء، وأخرج مخرج كناية الـمذكر، والسحاب جمع كما وصفت ردًّا علـى لفظ السحاب، لا علـى معناه، كما يقال: هذا تـمر جيد. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله {فَـيَبْسُطُهُ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَـيَبْسُطُهُ فِـي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ} ويجمعه.

وقوله: {ويَجْعَلُهُ كِسفَـاً}: يقول: ويجعل السحاب قِطعاً. متفرّقة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {ويَجْعَلُهُ كِسفَـاً}: أي قطعاً

. وقوله {فتَرَى الوَدْقَ} يعنـي: الـمطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ} يعنـي: من بـين السحاب. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن قطن، عن حبـيب، عن عبـيد بن عمير {يُرْسِلُ الرّياحَ فَتُثِـيرُ سَحَابـاً} قال: الرياح أربع: يبعث الله ريحاً فتقمّ الأرض قماً، ثم يبعث الله الريح الثانـية فتثـير سحابـاً، فـيجعله فـي السماء كِسفَـاً، ثم يبعث الله الريح الثالثة، فتؤلف بـينه فـيجعله ركاماً، ثم يبعث الريح الرابعة فتـمطر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثَنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَترَى الوَدقَ} قال: القطر.

وقوله: {فإذَا أصَابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبـادِهِ إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} يقول: فإذا صرف ذلك الودق إلـى أرض من أراد صرفه إلـى أرضه من خـلقه رأيتهم يستبشرون بأنه صرف ذلك إلـيهم ويفرحون.

وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِۦ لَمُبْلِسِينَ ۝٤٩

يقول تعالـى ذكره: وكان هؤلاء الذين أصابهم الله بهذا الغيث من عبـاده من قبل أن ينزل علـيهم هذا الغيث من قبل هذا الغيث لـمبلسين، يقول: لـمكتئبـين حزنـين بـاحتبـاسه عنهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَإنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَـيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَـمُبْلِسِينَ}: أي قانطين.

واختلف أهل العربـية فـي وجه تكرير «من قبله»، وقد تقدم قبل ذلك قوله: {مِنْ قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَـيْهِمْ} فقال بعض نـحويـي البصرة: ردّ من قبله علـى التوكيد نـحو قوله:

{ فَسَجَدَ الـمَلائكَةُ كُلُّهُمْ أجمَعُونَ }وقال غيره: لـيس ذلك كذلك، لأن مع {مِنْ قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَـيْهمْ} حرفـاً لـيس مع الثانـية، قال: فكأنه قال: من قبل التنزيـل من قبل الـمطر فقد اختلفتا، وأما { كُلُّهُمْ أجمَعُونَ }وكد بأجمعين لأن كلاً يكون اسماً ويكون توكيداً، وهو قوله أجمعون. والقول عندي فـي قوله: {مِنْ قَبْلِهِ} علـى وجه التوكيد.

فَٱنظُرْ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٥٠

اختلفت القرّاء فـي قوله: {فـانْظُرْ إلـى آثارِ رَحْمَةِ اللّهِ} فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: {إلـى أثَرِ رَحْمَةِ اللّهِ} علـى التوحيد، بـمعنى: فـانظر يا مـحمد إلـى أثر الغيث الذي أصاب الله به من أصاب من عبـاده، كيف يحيـي ذلك الغيث الأرض من بعد موتها. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «فـانْظُرْ إلـى آثارِ رَحْمَةِ اللّهِ» علـى الـجماع، بـمعنى: فـانظر إلـى آثاء الغيث الذي أصاب الله به من أصاب كيف يحيـي الأرض بعد موتها.

والصواب من القول فـي ذلك، أنهما قراءتان مشهورتان فـي قَرَأَة الأمصار، متقاربتا الـمعنى وذلك أن الله إذا أحيا الأرض بغيث أنزله علـيها، فإن الغيث أحياها بإحياء الله إياها به، وإذا أحياها الغيث، فإن الله هو الـمـحيـي به، فبأيّ القراءتـين قرأ القارىء فمصيب. فتأويـل الكلام إذن: فـانظر يا مـحمد إلـى آثار الغيث الذي ينزّل الله من السحاب، كيف يحيـي بها الأرض الـميتة، فـينبتها ويعشبها من بعد موتها ودثورها. {إن ذلك لـمـحيـي الـموتـى} يقول جلّ ذكره: إن الذي يحيـي هذه الأرض بعد موتها بهذا الغيث، لـمـحيـي الـموتـى من بعد موتهم، وهو علـى كلّ شيء مع قدرته علـى إحياء الـموتـى قدير، لا يعزّ علـيه شيء أراده، ولا يـمتنع علـيه فعل شيء شاءه سبحانه.

وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ يَكْفُرُونَ ۝٥١

يقول تعالـى ذكره: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة ما أنبته الغيث الذي أنزلناه من السماء، فرأى هؤلاء الذين أصابهم الله بذلك الغيث الذي حيـيت به أرضوهم، وأعشبت ونبتت به زروعهم، ما أنبتته أرضوهم بذلك الغيث من الزرع مصفرّاً، قد فسد بتلك الريح التـي أرسلناها، فصار من بعد خضرته مصفراً، لظلوا من بعد استبشارهم وفرحتهم به يكفرون بربهم.

فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا۟ مُدْبِرِينَ ۝٥٢ وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَٰلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: {فإنَّكَ} يا مـحمد {لا تُسْمِعُ الـمَوْتَـى} يقول: لا تـجعل لهم أسماعاً يفهمون بها عنك ما تقول لهم، وإنـما هذا مثل معناه: فإنك لا تقدر أن تفهم هؤلاء الـمشركين الذين قد ختـم الله علـى أسماعهم، فسلبهم فهم ما يُتلـى علـيهم من مواعظ تنزيـله، كما لا تقدر أن تفهم الـموتـى الذين قد سلبهم الله أسماعهم، بأن تـجعل لهم أسماعاً.

قوله: {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ} يقول: وكما لا تقدر أن تُسمع الصمّ الذين قد سلبوا السمع الدعاء، إذا هم وَلَّوا عنك مدبرين، كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء الذين قد سلبهم الله فهمَ آيات كتابه، لسماع ذلك وفهمه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {فإنَّكَ لا تُسْمِعُ الـمَوْتَـى}: هذا مَثَل ضربه الله للكافر فكما لا يسمع الـميت الدعاء، كذلك لا يسمع الكافر. {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} يقول: لو أن أصمَّ ولَّـى مدبراً ثم ناديته لـم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بـما يسمع.

وقوله: {وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ} يقول تعالـى ذكره: وما أنت يا مـحمد بـمسدّد من أعماه الله عن الاستقامة، وَمَـحجة الـحقّ، فلـم يوفقه لإصابة الرشد، فصارِفه عن ضلالته التـي هو علـيها، وركوبه الـجائر من الطرق، إلـى سبـيـل الرشاد، يقول: لـيس ذلك بـيدك ولا إلـيك، ولا يقدر علـى ذلك أحد غيري، لأنـي القادر علـى كل شيء. وقـيـل: بهادي العمي عن ضلالتهم، ولـم يقل: من ضلالتهم. لأن معنى الكلام ما وَصَفْت، من أنه: وما أنت بصارفهم عنه، فحمل علـى الـمعنى. ولو قـيـل: من ضلالتهم كان صوابـاً. وكان معناه: ما أنت بـمانعهم من ضلالتهم.

وقوله: {إنْ تُسْمِعُ إلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بآياتِنا} يقول تعالـى ذكره لنبـيه: ما تسمع السماع الذي ينتفع به سامعه فـيعقله، إلاَّ من يؤمن بآياتنا، لأن الذي يؤمن بآياتنا إذا سمع كتاب الله تدبَّره وفهمه وعقَله، وعمل بـما فـيه، وانتهى إلـى حدود الله، الذي حدّ فـيه، فهو الذي يسمع السماع النافع.

وقوله: {فَهُمْ مُسْلِـمُونَ} يقول: فهم خاضعون لله بطاعته، متذللون لـمواعظ كتابه.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـمكذّبـين بـالبعث من مشركي قريش، مـحتـجاً علـيهم بأنه القادر علـى ذلك وعلـى ما يشاء: {اللّهُ الَّذِي خَـلَقَكُمْ} أيها الناس {مِنْ ضَعْفٍ} يقول: من نُطْفة وماء مَهِين، فأنشأكم بَشَراً سويّاً {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} يقول: ثم جعل لكم قوّة علـى التصرّف، من بعد خـلقه إياكم من ضعف، ومن بعد ضعفكم، بـالصغر والطفولة {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفـاً وَشَيْبَةً} يقول: ثم أحدث لكم الضعف بـالهرم والكبر عما كنتـم علـيه أقوياء فـي شبـابكم وشيبة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {الَّذِي خَـلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} أي من نطفة {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفـاً} الهرم {وَشَيْبَةً} الشَّمَط.

وقوله: {يَخْـلُقُ ما يَشاءُ} يقول تعالـى ذكره: يخـلق ما يشاء من ضعف وقوّة وشبـاب وشيب {وَهُوَ العَلِـيـمُ} بتدبـير خـلقه {القَدِيرُ} علـى ما يشاء، لا يـمتنع علـيه شيء أراده، فكما فعل هذه الأشياء، فكذلك يـميت خـلقه ويحيـيهم إذا شاء. يقول: واعلـموا أن الذي فعل هذه الأفعال بقدرته يحيـي الـموتـى إذا شاء.

وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا۟ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَٰلِكَ كَانُوا۟ يُؤْفَكُونَ ۝٥٥

يقول تعالـى ذكره: ويوم تـجيء ساعة البعث، فـيبعث الـخـلق من قبورهم، يقسم الـمـجرمون، وهم الذين كانوا يكفرون بـالله فـي الدنـيا، ويكتسبون فـيه الآثام، وإقسامهم: حلفهم بـالله. {ما لَبِثُوا غيرَ ساعَةٍ}: يقول: يقسمون بأنهم لـم يـلبثوا فـي قبورهم غير ساعة واحدة. يقول الله جلّ ثناؤه: كذلك فـي الدنـيا كانوا يُؤْفَكُون: يقول: كذبوا فـي قـيـلهم وقَسَمِهِم ما لبثنا غير ساعة، كما كانوا فـي الدنـيا يكذبون ويحلفون علـى الكذب وهم يعلـمون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الـمُـجْرِمونَ ما لَبِثُوا غيرَ ساعَةٍ كَذلكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ} أي يكذبون فـي الدنـيا، وإنـما يعنـي بقوله: {يُؤْفَكُونَ} عن الصدق، ويَصُدّون عنه إلـى الكذب.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَٱلْإِيمَٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝٥٦

كان قَتادة يقول: هذا من الـمقدّم الذي معناه التأخير.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ والإيـمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُـمْ فِـي كتابِ اللّهِ إلـى يَوْمِ البَعْثِ} قال: هذا من مقاديـم الكلام. وتأويـلها: وقال الذين أوتوا الإيـمان والعلـم: لقد لبثتـم فـي كتاب الله.

وذُكر عن ابن جُرَيج أنه كان يقول: معنى ذلك: وقال الذين أوتوا العلـم بكتاب الله، والإيـمان بـالله وكتابه.

وقوله: {فِـي كِتابِ اللّهِ} يقول: فـيـما كتب الله مـما سبق فـي علـمه أنكم تلبثونه {فَهَذَا يَوْمُ البَعْثِ} يقول: فهذا يوم يبعث الناس من قبورهم {وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُـمْ لا تَعْلـمَونَ} يقول: ولكنكم كنتـم لا تعلـمون فـي الدنـيا أنه يكون، وأنكم مبعوثون من بعد الـموت، فلذلك كنتـم تكذبون.

فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ۝٥٧

يقول تعالـى ذكره: فـيوم يبعثون من قبورهم {لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مَعْذِرَتُهُمْ} يعنـي الـمكذّبـين بـالبعث فـي الدنـيا معذرتهم، وهو قولهم: ما علـمنا أنه يكون، ولا أنا نُبعث. {وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} يقول: ولا هؤلاء الظلـمة يُستَرجعون يومئذٍ عما كانوا يكذّبون به فـي الدنـيا.

وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِـَٔايَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ۝٥٨

يقول تعالـى ذكره: ولقد مثلنا للناس فـي هذا القرآن من كل مثل احتـجاجاً علـيهم، وتنبـيهاً لهم عن وحدانـية الله. وقوله {وَلِئنْ جِئْتَهُمْ بآيَةٍ} يقول: ولئن جئت يا مـحمد هؤلاء القوم بآية: يقول: بدلالة علـى صدق ما تقول {لَـيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُـمْ إلاَّ مُبْطِلُونَ} يقول: لـيقولنّ الذين جحدوا رسالتك، وأنكروا نبوّتك: إن أنتـم أيها الـمصدّقون مـحمداً فـيـما أتاكم به إلاَّ مبطلون فـيـما تَـجيئوننا به من هذه الأمور.

كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۝٥٩

يقول تعالـى ذكره: كذلك يختـم الله علـى قلوب الذين لا يعلـمون حقـيقة ما تأتـيهم به يا مـحمد من عند الله من هذه العِبر والعظات، والآيات البـيِّنات، فلا يفقهون عن الله حُجة، ولا يفهمون عنه ما يتلو علـيهم من آي كتابه، فهم لذلك فـي طغيانهم يتردّدون.

فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ۝٦٠

يقول تعالـى ذكره: فـاصبر يا مـحمد لـما ينالك من أذاهم، وبلغهم رسالة ربك، فإن وعد الله الذي وعدك من النصر علـيهم، والظفر بهم، وتـمكينك وتـمكين أصحابك وتُبَّـاعك فـي الأرض حقٌّ {وَلا يسْتَـخِفَّنَّك الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} يقول: ولا يستـخفنّ حلـمك ورأيك هؤلاء الـمشركون بـالله الذين لا يوقنون بـالـمعاد ولا يصدّقون بـالبعث بعد الـمـمات، فـيثبطوك عن أمر الله والنفوذ لـما كلَّفك من تبلـيغهم رسالته.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سعيد بن جُبَـير، عن علـيّ بن ربـيعة، أن رجلاً من الـخوارج، قرأ خـلف علـيّ رضي الله عنه:

{ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَـيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الـخاسِرِينَ }فقال علـيّ: {فـاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ، وَلا يَسْتَـخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ}.

قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عثمان بن أبـي زرعة عن علـيّ بن ربـيعة قال: نادى رجل من الـخوارج علـياً رضي الله عنه، وهو فـي صلاة الفجر، فقال:

{ وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَـيْكَ وَإلـى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَـيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الـخاسِرِينَ }فأجابه علـيّ رضي الله عنه وهو فـي الصلاة: {فـاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ، وَلا يَسْتَـخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فـاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ، وَلا يَسْتَـخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُون} قال: قال رجل من الـخوارج خـلف علـيّ فـي صلاة الغداة:

{ وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَـيْكَ وَإلـى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أشركْت لَـيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الـخاسِرِينَ }فأنصت له علـيّ رضي الله عنه حتـى فهم ما قال، فأجابه وهو فـي الصلاة: {فـاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ، وَلا يَسْتَـخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ}.
الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ