انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الروم

تفسير القرطبيالآيات 1–28

تفسير سورة الروم آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ۝٢ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝٣ فِى بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝٤ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝٥

قوله تعالى: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} روى الترمذِيّ عن أبي سعيد الخُدْريّ قال:

لما كان يوم بدرٍ ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك الْمُوْمِنِينَ فنزلت: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} ـ إلى قوله ـ {يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ}. قال: ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس. قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. هكذ قرأ نصر بن عليّ الجَهْضَمِيّ «غَلَبَتِ الرُّومُ». ورواه أيضاً من حديث ابن عباس بأتمّ منه: قال ابن عباس في قول الله عز وجل: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} قال: غَلَبَتِ وغُلِبَتِ، قال:

كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب؛ فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أما إنهم سيغلِبون» فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا فجعل أجل خمس سنين، فلم يظهروا؛ فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا جعلته إلى دون» ـ أراه قال العشر ـ قال: قال أبو سعيد: والبِضع ما دون العشرة. قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } ـ إلى قوله ـ {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ}. قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. ورواه أيضاً عن نِيَار بن مُكْرَم الأسْلَمِيّ قال: لما نزلت: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمانٍ ببعثٍ، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصِيح في نواحي مكة: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ}. قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين! أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرِّهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرّهان. وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البِضع؟ ثلاث سنين إلىٰ تسع سنين؟ فَسمِّ بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه؛ قال فسَمَّوا بينهم ستّ سنين؛ قال: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، قال: لأن الله تعالى قال: {فِي بِضْعِ سِنِينَ} قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وروى القُشَيْرِيّ وابن عطية وغيرهما: أنه لما نزلت الآيات خرج أبو بكر بها إلى المشركين فقال: أسرّكم أن غَلبت الروم؟ فإن نبيّنا أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلِبون في بضع سنين. فقال له أبيّ بن خلف وأُميّة أخوه ـ وقيل أبو سفيان بن حرب ـ: يا أبا فَصِيل! ـ يعرّضون بكنيته «يا أبا بكر» ـ فْلَنَتَنَاحَبْ ـ أي نتراهن في ذلك فراهنهم أبو بكر. قال قتادة: وذلك قبل أن يحرم القمار، وجعلوا الرّهان خمس قلائص والأجل ثلاث سنين. وقيل: جعلوا الرهان ثلاث قلائص. ثم أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال:فهلا احتطت، فإن البِضع ما بين الثلاث والتسع والعشر! ولكن ارجع فزدهم في الرهان واستزدهم في الأجلففعل أبو بكر، فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة أعوام؛ فغلبت الروم في أثناء الأجل. وقال الشعبيّ: فظهروا في تسع سنين. القشيرِيّ: المشهور في الروايات أن ظهور الروم كان في السابعة من غلبة فارس للروم، ولعل رواية الشعبيّ تصحيف من السبع إلى التسع من بعض النقلة. وفي بعض الروايات: أنه جعل القلائص سبعاً إلى تسع سنين. ويقال: إنه آخر فتوح كسرى أبروِيز فتح فيه القسطنطينية حتى بنى فيها بيت النار؛ فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. وحكى النقاش وغيره: أن أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه لما أراد الهجرة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم تعلق به أُبيّ بن خلف وقال له: أعطني كفِيلاً بالخطر إن غلبت؛ فكفل به ابنه عبد الرحمن، فلما أراد أبيّ الخروج إلى أُحد طلبه عبد الرحمن بالكفيل فأعطاه كفيلاً، ثم مات أبيّ بمكة من جرح جرحه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية على رأس تسع سنين من مناحبتهم. وقال الشعبيّ: لم تمض تلك المدّة حتى غلبت الروم فارس؛ وربطوا خيلهم بالمدائن، وبنوا رومِيَة؛ فقَمَر أبو بكر أبَيًّا وأخذ مال الخَطَر من ورثته، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «تصدّق به» فتصدّق به. وقال المفسرون: إن سبب غلبة الروم فارس امرأةٌ كانت في فارس لا تلد إلا الملوك والأبطال، فقال لها كسرى: أريد أن أستعمل أحد بنِيك على جيش أجهزه إلى الروم؛ فقالت: هذا هُرْمُز أرْوَغ من ثعلب وأحذر من صقر، وهذا فَرُّخان أحدّ من سِنان وأنفذ من نَبْل، وهذا شهر بزان أحلم من كذا، فاخْتَر؛ قال فاختار الحليم وولاّه، فسار إلى الروم بأهل فارس فظهر على الروم. قال عكرمة وغيره: إن شهر بزان لما غلب الروم خرّب ديارها حتى بلغ الخليج، فقال أخوه فَرُّخان: لقد رأيتني جالساً على سرير كِسرى؛ فكتب كسرى إلى شهر بزان أرسل إليّ برأس فرخان فلم يفعل؛ فكتب كسرى إلى فارس: إني قد استعملت عليكم فرُّخان وعزلت شهر بزان، وكتب إلى فَرُّخان إذا ولي أن يقتل شهر بزان؛ فأراد فَرُّخان قتل شهر بزان فأخرج له شهر بزان ثلاث صحائف من كسرى يأمره بقتل فرُّخان، فقال شهر بزان لفرخان: إن كسرى كتب إليّ أن أقتلك ثلاث صحائف وراجعته أبداً في أمرك، أفتقتلني أنت بكتاب واحد؟ فرد المُلْك إلى أخيه، وكتب شهر بزان إلى قيصر ملك الروم فتعاونا على كسرى، فغلبت الروم فارس ومات كسرى. وجاء الخبر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الحديبِية ففرح من معه من المسلمين؛ فذلك قوله تعالى: {الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ} يعني أرض الشام. عكرمة: بأذرعات، وهي ما بين بلاد العرب والشام. وقيل: إن قيصر كان بعث رجلاً يدعى يحنّس وبعث كسرى شهر بزان فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى بلاد الشام إلى أرض العرب والعجم. مجاهد: بالجزيرة، وهو موضع بين العراق والشام. مقاتل: بالأردنّ وفلسطين. و«أدنى» معناه أقرب. قال ابن عطية: فإن كانت الواقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة، وهي التي ذكرها امرؤ القيس في قوله:

تنوّرتها من أذرعات وأهلُهابيثرِبَ أدنى دارِها نظر عالِ

وإن كانت الواقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كِسرى، وإن كانت بالأردنّ فهي أدنى إلى أرض الروم. فلما طرأ ذلك وغُلبت الروم سُرّ الكفار فبشر الله عباده بأن الروم سيغلبون وتكون الدولة لهم في الحرب.

وقد مضى الكلام في فواتح السور. وقرأ أبو سعيد الخدريّ وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن قُرّة «غَلَبَتِ الرُّومُ» بفتح الغين واللام. وتأويل ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما كانت الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسرّ بذلك المسلمون، فبشر الله تعالى عباده أنهم سيغلبون أيضاً في بضع سنين؛ ذكر هذا التأويل أبو حاتم. قال أبو جعفر النحاس: قراءة أكثر الناس «غُلِبت الروم» بضم الغين وكسر اللام. وروي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري أنهما قرأا «غَلَبْت الروم» وقرأا «سيُغْلبون». وحكى أبو حاتم أن عِصمة روى عن هارون: أن هذه قراءة أهل الشام؛ وأحمد بن حنبل يقول: إن عصمة هذا ضعيف، وأبو حاتم كثير الحكاية عنه، والحديث يدل على أن القراءة «غُلِبْت» بضم الغين، وكان في هذا الإخبار دليل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الروم غلبتها فارس، فأخبر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، وأن المؤمنين يفرحون بذلك، لأن الروم أهل كتاب، فكان هذا من علم الغيب الذي أخبر الله عز وجل به مما لم يكن علموه، وأمر أبا بكر أن يراهنهم على ذلك وأن يبالغ في الرهان، ثم حُرّم الرهان بعدُ ونُسخ بتحريم القِمار. قال ابن عطية: والقراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على «سيغلِبون» أنه بفتح الياء، يراد به الروم. ويروى عن ابن عمر أنه قرأ أيضاً بضم الياء في «سيغلِبون»، وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به. قال أبو جعفر النحاس: ومن قرأ «سيُغلبون» فالمعنى عنده: وفارس من بعد غلبهم، أي من بعد أن غَلَبوا، سيُغلبون. وروي أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري حديثِ الترمذِيّ، وروي أن ذلك كان يوم الحديبية، وأن الخبر وصل يوم بيعة الرّضوان؛ قاله عكرمة وقتادة. قال ابن عطية: وفي كلا اليومين كان نصر من الله للمؤمنين. وقد ذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمّهم أن تغلب إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، وفارس من أهل الأوثان؛ كما تقدّم بيانه في الحديث. قال النحاس: وقول آخر وهو أولى ـ أن فرحهم إنما كان لإنجاز وعد الله تعالى؛ إذ كان فيه دليل على النبوّة لأنه أخبر تبارك وتعالى بما يكون في بضع سنين فكان فيه. قال ابن عطية: ويشبه أن يعلّل ذلك بما يقتضيه النظر من محبة أن يغلب العدوّ الأصغر لأنه أيسر مؤونة، ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه؛ فتأمل هذا المعنى، مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجّاه من ظهور دينه وشَرْعِ الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم، وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملِك يستأصله ويريحهم منه. وقيل: سرورهم إنما كان بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين؛ لأن جبريل أخبر بذلك النبيَّ عليه السلام يوم بدر، حكاه القُشَيْرِيّ.

قلت؛ ويحتمل أن يكون سرورهم بالمجموع من ذلك، فسروا بظهورهم على عدوّهم وبظهور الروم أيضاً وبإنجاز وعد الله. وقرأ أبو حَيْوَة الشاميّ ومحمد بن السَّمَيْقَع «من بعد غَلْبهم» بسكون اللام، وهما لغتان؛ مثل الظَّعْن والظَّعَن. وزعم الفرّاء أن الأصل «من بعد غلبتهم» فحذفت التاء كما حذفت في قوله عز وجل: «وَإِقَامِ الصَّلاَةِ» وأصله وإقامة الصلاة. قال النحاس: «وهذا غلط لا يُخِيل على كثير من أهل النحو؛ لأن «إقام الصلاة» مصدر قد حذف منه لاعتلال فعله، فجعلت التاء عوضاً من المحذوف، و«غلب» ليس بمعتل ولا حذف منه شيء. وقد حكى الأصمعِيّ: طَرَدَ طَرَداً، وجَلَبَ جَلَباً، وحَلَبَ حَلَباً، وغَلَبَ غَلَباً، فأيّ حذف في هذا، وهل يجوز أن يقال في أَكَلَ أكْلا وما أشبهه ـ: حذف منه»؟. {فِي بِضْعِ سِنِينَ} حذفت الهاء من «بِضع» فرقاً بين المذكر والمؤنث، وقد مضى الكلام فيه في «يوسف». وفتحت النون من «سِنِينَ» لأنه جمع مسلم. ومن العرب من يقول «في بضع سنين» كما يقول في «غِسلِين». وجاز أن يُجمع سنة جمع من يعقل بالواو والنون والياء والنون؛ لأنه قد حذف منها شيء فجعل هذا الجمع عوضاً من النقص الذي في واحده؛ لأن أصل «سنة» سنهة أو سنوة، وكسرت السين منه دلالة على أن جمعه خارج عن قياسه ونمطه؛ هذا قول البصريين. ويلزم الفرّاء أن يضمها لأنه يقول: الضمة دليل على الواو وقد حذف من سنة واو في أحد القولين، ولا يضمها أحد علِمناه.

قوله تعالى: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدرته فقال «لله الأمر» أي إنفاذ الأحكام. «مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» أي من قبل هذه الغلبة ومن بعدها. وقيل: من قبلِ كل شيء ومن بعد كل شيء. و«مِن قبلُ ومِن بعدُ» ظرفان بنيا على الضم؛ لأنهما تعرّفا بحذف ما أضيفا إليهما وصارا متضمنين ما حذف فخالفا تعريف الأسماء وأشبها الحروف في التضمين فبنِيا، وخُصّا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نُكِّر وأضيف زال بناؤه، وكذلك هما فَضُمّا. ويقال: «من قبلٍ ومِن بعدٍ». وحكى الكسائي عن بعض بني أسد «لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلٍ وَمِنْ بَعْدُ» الأوّل مخفوض منوّن، والثاني مضموم بلا تنوين. وحكى الفرّاء «مِن قبلِ ومن بعدِ» مخفوضين بغير تنوين. وأنكره النحاس وردّه. وقال الفرّاء في كتابه: في القرآن أشياء كثيرة، الغلط فيها بيّن، منها أنه زعم أنه يجوز «من قبلِ ومن بعدِ» وإنما يجوز «من قبلٍ ومن بعدٍ» على أنهما نكرتان. قال الزجاج: المعنى من متقدّم ومن متأخر. {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ} تقدم ذكره. {يَنصُرُ مَن يَشَآءُ} يعني من أوليائه؛ لأن نصره مختصّ بغلبة أوليائه لأعدائه فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس بنصره، وإنما هو ابتلاء وقد يسمّى ظَفَرا. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} في نِقمته {ٱلرَّحِيمُ } لأهل طاعته.

وَعْدَ ٱللَّهِ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٦ يَعْلَمُونَ ظَٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَٰفِلُونَ ۝٧

قوله تعالى: {وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} لأن كلامه صدق. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم الكفار وهم أكثر. وقيل: المراد مشركو مكة. وانتصب «وَعْدَ اللَّهِ» على المصدر؛ أي وعد ذلك وعداً. ثم بيّن تعالى مقدار ما يعلمون فقال: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني أمر معايشهم ودنياهم: متى يزرعون ومتى يحصدون، وكيف يغرِسون وكيف يبنون؛ قاله ابن عباس وعِكرمة وقتادة. وقال الضحاك: هو بنيان قصورها، وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها؛ والمعنى واحد. وقيل: هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع من سماء الدنيا؛ قاله سعيد بن جبير. وقيل: الظاهر والباطن؛ كما قال في موضع آخر

{ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ } [الرعد: 33].

قلت: وقول ابن عباس أشبه بظاهر الحياة الدنيا، حتى لقد قال الحسن: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي. وقال أبو العباس المبرِّد: قسم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج. قال ابن خالَوَيْه: ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا. {وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ} أي عن العلم بها والعمل لها {هُمْ غَافِلُونَ} قال بعضهم:

ومن البليّة أن ترى لك صاحباًفي صورة الرجل السميع المبصر فطنٍ بكل مصيبة في مالهوإذا يصاب بدينه لم يشعر

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآئِ رَبِّهِمْ لَكَٰفِرُونَ ۝٨

قوله تعالى: {فِيۤ أَنفُسِهِمْ} ظرف للتفكر وليس بمفعول، تعدّى إليه «يَتَفَكَّرُوا» بحرف جرّ؛ لأنهم لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم، إنما أمروا أن يستعملوا التفكر في خلق السموات والأرض وأنفسهم، حتى يعلموا أن الله لم يخلق السموات وغيرَها إلا بالحق. قال الزجاج: في الكلام حذف، أي فيعلموا؛ لأن في الكلام دليلاً عليه. {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} قال الفرّاء: معناه إلا للحق؛ يعني الثواب والعقاب. وقيل: إلا لإقامة الحق. وقيل: «بِالْحَقِّ» بالعدل. وقيل: بالحكمة؛ والمعنى متقارب. وقيل: «بِالْحَقِّ» أي أنه هو الحق وللحق خلقها، وهو الدلالة على توحيده وقدرته. {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي للسموات والأرض أجل ينتهيان إليه وهو يوم القيامة. وفي هذا تنبيه على الفناء، وعلى أن لكل مخلوق أجلاً، وعلى ثواب المحسن وعقاب المسيء. وقيل: «وَأَجَلٍ مُسَمًّى» أي خلق ما خلق في وقت سماه لأن يخلق ذلك الشيء فيه. {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ } اللام للتوكيد، والتقدير: لكافرون بلقاء ربهم، على التقديم والتأخير؛ أي لكافرون بالبعث بعد الموت. وتقول: إن زيداً في الدار لجالس. ولو قلت: إن زيداً لفي الدار لجالس جاز. فإن قلت: إن زيداً جالس لفي الدار لم يجز؛ لأن اللام إنما يؤتى بها توكيداً لاسم إن وخبرها، وإذا جئت بهما لم يجز أن تأتي بها. وكذا إن قلت: إن زيداً لجالس لفي الدار لم يجز.

أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا۟ ٱلْأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٩

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ} ببصائرهم وقلوبهم. {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} أي قلبوها للزراعة؛ لأن أهل مكة لم يكونوا أهل حرث؛ قال الله تعالى:

{ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ } [البقرة: 71]. {وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} أي وعمروها أولئك أكثر مما عمروها هؤلاءِ فلم تنفعهم عمارتهم ولا طول مدّتهم. {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات. وقيل: بالأحكام فكفروا ولم يؤمنوا. {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} بأن أهلكهم بغير ذنب ولا رسل ولا حجة. {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالشرك والعصيان.

ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔوا۟ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ۝١٠

قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ} السّوءى فُعْلَى من السوء تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن. وقيل: يعني بها هاهنا النار؛ قاله ابن عباس. ومعنى «أساءوا» أشركوا؛ دل عليه «أن كذبوا بِآياتِ اللَّهِ». «السوءى»: اسم جهنم؛ كما أن الحسنى اسم الجنة. {أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي لأن كذبوا؛ قاله الكسائي. وقيل: بأن كذبوا. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ» بالرفع اسم كان، وذكّرت لأن تأنيثها غير حقيقي. و«السُّوءَى» خبر كان. والباقون بالنصب على خبر كان. «السوءى» بالرفع اسم كان. ويجوز أن يكون اسمها التكذيب؛ فيكون التقدير: ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساءوا؛ ويكون السوءى مصدراً لأساءوا، أو صفة لمحذوف؛ أي الخَلّة السوءى. وروي عن الأعمش أنه قرأ «ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءُ» برفع السوء قال النحاس: السوء أشدّ الشر؛ والسوءى الفعلى منه {أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} قيل بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؛ قاله الكلبيّ. مقاتل: بالعذاب أن ينزل بهم. الضحاك: بمعجزات محمد صلى الله عليه وسلم. {وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ}.

ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝١١ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝١٢ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَٰٓؤُا۟ وَكَانُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ كَٰفِرِينَ ۝١٣

قرأ أبو عمرو وأبو بكر «يرجعون» بالياء. الباقون بالتاء. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميّ «يُبْلَسُ» بفتح اللام؛ والمعروف في اللغة: أبلس الرجل إذا سكت وانقطعت حجته، ولم يؤمّل أن يكون له حجة. وقريب منه: تحيّر؛ كما قال العجاج:

يا صاحِ هل تَعرِفُ رَسْماً مُكْرَساًقال نعم أعرفه وأبْلسَا

وقد زعم بعض النحويين أن إبليس مشتق من هذا، وأنه أبلس لأنه انقطعت حجته. النحاس: ولو كان كما قال لوجب أن ينصرف، وهو في القرآن غير منصرف. الزجاج: المبلِس الساكت المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدِي إليها.

{وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ}

أي ما عبدوه من دون الله {شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ} قالوا ليسوا بآلهة فتبرؤوا منها وتبرأت منهم؛ حسبما تقدم في غير موضع.

وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ۝١٤ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ۝١٥

قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } يعني المؤمنين من الكافرين؛ ثم بين كيف تفريقهم فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قال النحاس: سمعت الزجاج يقول: معنى «أمّا» دع ما كنا فيه وخذ في غيره. وكذا قال سيبويه: إن معناها مهما كنا في شيء فخذ في غير ما كنا فيه. {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} قال الضحاك: الروضة الجنة، والرياض الجنان. وقال أبو عبيد: الروضة ما كان في تسفُّل، فإذا كانت مرتفعة فهي تُرْعة. وقال غيره: أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في موضع مرتفع غليظ؛ كما قال الأعشى:

ما رَوْضَةٌ من رياض الحَزْن مُعْشِبَةٌخَضْرَاءُ جَادَ عليها مُسْبِلٌ هَطِلُ يضاحِكُ الشمسَ منها كوكَبٌ شَرِقٌمُوَزَّرٌ بعميم النَّبْتِ مُكْتهِلُ يوماً بأطْيَبَ منها نَشْرَ رائحةٍولا بأحسنَ منها إذ دَنَا الأُصُلُ

إلا أنه لا يقال لها روضة إلا إذا كان فيها نبت، فإن لم يكن فيها نبت وكانت مرتفعة فهي ترعة. وقد قيل في الترعة غير هذا. وقال القُشَيْرِيّ: والروضة عند العرب ما ينبت حول الغدير من البقول؛ ولم يكن عند العرب شيء أحسن منه. الجوهريّ: والجمع روْض ورِياض، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها. والرّوض: نحوٌ من نصف القِرْبَة ماء. وفي الحوض رَوْضة من ماء إذا غطّى أسفله. وأنشد أبو عمرو:

ورَوْضَـةٍ سَـقَـيْـتُ منـهـا نِـضْـوَتِـي

{يُحْبَرُونَ } قال الضحاك وابن عباس: يُكرمون. وقيل: ينعّمون؛ وقاله مجاهد وقتادة. وقيل يسرّون. السُّدّي: يفرحون. والحَبْرَة عند العرب: السرور والفرح؛ ذكره الماورديّ. وقال الجوهري: الحَبْر: الحُبُور وهو السرور؛ ويقال: حبره يحبره (بالضم) حَبْرا وحَبَرَة؛ قال تعالى: {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} أي ينعمون ويكرمون ويسرون. ورجل يَحْبُور يفعول من الحبور. النحاس: وحكى الكسائيّ حبرته أي أكرمته ونعّمته. وسمعت عليّ بن سليمان يقول: هو مشتق من قولهم: على أسنانه حَبْرة أي أثر؛ فـ«ـيحبرون» يَتَبيّن عليهم أثر النعيم. والحبر مشتق من هذا. قال الشاعر:

لا تملأ الدّلْوَ وعَرِّق فيهاأما تَرَى حَبارَ من يَسْقيهَا

وقيل: أصله من التحبير وهو التحسين؛ فـ«ـيُحْبَرُونَ» يحسَّنون. يقال: فلان حَسَن الحبر والسِّبْر إذا كان جميلاً حسن الهيئة. ويقال أيضاً: فلان حسن الحَبْر والسَّبْر (بالفتح)؛ وهذا كأنه مصدر قولك: حبَرَتُه حَبْراً إذا حسّنته. والأوّل اسم؛ ومنه الحديث:يخرج رجل من النار ذهب حِبْره وسِبْرهوقال يحيـى بن أبي كثير «في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ» قال: السّمَاع في الجنة؛ وقاله الأوزاعِيّ، قال: إذا أخذ أهل الجنة في السماع لم تبق شجرة في الجنة إلا رَدّدَت الغناء بالتسبيح والتقديس. وقال الأوزاعِيّ: ليس أحد من خلق الله أحسنَ صوتاً من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم. زاد غير الأوزاعِيّ: ولم تبق شجرة في الجنة إلا ردّدت، ولم يبق سِتر ولا باب إلا ارتج وانفتح، ولم تبق حلقة إلا طنت بألوان طنينها، ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع أهبوب الصوت في مقاصبها فزَمَرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جوار الحور العِينِ إلا غنَّت بأغانيها، والطير بألحانها، ويوحِي الله تبارك وتعالى إلى الملائكة أن جاوِبوهم وأسمِعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان فيجاوبون بألحان وأصواتٍ روحانيين فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله جل ذكره: يا داود قم عند ساق عرشي فمجّدني؛ فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات ويجليها وتتضاعف اللذة؛ فذلك قوله تعالى: {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ}. ذكره الترمذيّ الحكيم رحمه الله. وذكر الثعلبيّ من حديث أبي الدّرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكّر الناس؛ فذكر الجنة وما فيها من الأزواج والنعيم؛ وفي أخريات القوم أعرابيّ فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من سماع؟ فقال: «نعم يا أعرابي إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانية يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة» فسأل رجل أبا الدّرداء: بماذا يتغنين؟ فقال بالتسبيح. والخمصانِية: المرهفة الأعلى، الخمصانة البطن، الضخمة الأسفل.

قلت: وهذا كله من النعيم والسرور والإكرام؛ فلا تعارض بين تلك الأقوال. وأين هذا من قوله الحق:

{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }[السجدة: 17] على ما يأتي. وقوله عليه السلام:فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمِعت ولا خطر على قلب بشر». وقد روي:إن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طرباً. ذكره الزمخشرِيّ.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآئِ ٱلْـَٔاخِرَةِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ۝١٦

قوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} تقدّم الكلام فيه. {وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} أي بالبعث. {فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} أي مقيمون. وقيل: مجموعون. وقيل: معذبون. وقيل: نازلون؛ ومنه قوله تعالى:

{ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } [البقرة: 180] أي نزل به؛ قاله ابن شجرة، والمعنى متقارب.

فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ۝١٧ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ۝١٨

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ} الآية. فيه ثلاثة أقوال: الأوّل: أنه خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات. قال ابن عباس: الصلوات الخمس في القرآن؛ قيل له: أين؟ فقال: قال الله تعالى: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} صلاة المغرب والعشاء «وَحِينَ تُصْبِحُونَ» صلاة الفجر «وَعَشِيًّا» العصر «وَحِينَ تُظْهِرُونَ» الظهر؛ وقاله الضحاك وسعيد ابن جبير. وعن ابن عباس أيضاً وقتادة: أن الآية تنبيه على أربع صلوات: المغرب والصبح والعصر والظهر؛ قالوا: والعشاء الآخرة هي في آية أخرى في

{ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ }[هود: 114] وفي ذكر أوقات العورة. وقال النحاس: أهل التفسير على أن هذه الآية {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } في الصلوات. وسمعت علي بن سليمان يقول: حقيقته عندي: فسبحوا الله في الصلوات. لأن التسبيح يكون في الصلاة؛ وهو القول الثاني. والقول الثالث: فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون؛ ذكره الماوردِيّ. وذكر القول الأوّل، ولفظه فيه: فصلوا لله حين تمسون وحين تصبحون. وفي تسمية الصلاة بالتسبيح وجهان: أحدهما: لما تضمنها من ذكر التسبيح في الركوع والسجود. الثاني: مأخوذ من السبحة والسبحة الصلاة؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: تكون لهم سبحة يوم القيامة أي صلاة.

الثانية: قوله تعالى: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اعتراض بين الكلام بدؤوب الحمد على نعمه وآلائه. وقيل: معنى «وَلَهُ الْحَمْدُ» أي الصلاة له لاختصاصها بقراءة الحمد. والأوّل أظهر؛ فإن الحمد لله من نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته ودوام نعمته؛ فيكون نوعاً آخر خلاف الصلاة، والله أعلم. وبدأ بصلاة المغرب لأن الليل يتقدّم النهار. وفي سورة «سبحان» بدأ بصلاة الظهر إذ هي أوّل صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم. الماورديّ: وخص صلاة الليل باسم التسبيح وصلاة النهار باسم الحمد لأن للإنسان في النهار متقلباً في أحوالٍ توجب حمد الله تعالى عليها، وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله من الأسواء فيها؛ فلذلك صار الحمد بالنهار أخص فسميت به صلاة النهار، والتسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل.

الثالثة: قرأ عكرمة «حِيناً تُمْسُونَ وَحِيناً تُصْبِحُونَ» والمعنى: حينا تمسون فيه وحينا تصبحون فيه؛ فحذف «فيه» تخفيفاً؛ والقول فيه كالقول في

{ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً }[البقرة: 123]. {وَعَشِيّاً} قال الجوهرِيّ: العشِيّ والعشِية من صلاة المغرب إلى العتمة؛ تقول: أتيته عشِية أمسِ وعشِيّ أمسِ. وتصغير العشِيّ: عشيان، على غير قياس مُكَبَّرِه؛ كأنهم صغّروا عَشْيَاناً، والجمع عُشَيَّانات. وقيل أيضاً في تصغيره: عُشَيْشَيان، والجمع عُشَيْشِيَات. وتصغير العَشِيَّة عُشَيْشِيّة، والجمع عُشَيْشِيات. والعِشاء بالكسر والمد مثل العشِيّ. والعِشاءان المغرب والعتمة. وزعم قوم أن العِشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا:

غدونا غدوة سحراً بليلٍعِشاء بعد ما انتصف النهار

الماوردِيّ: والفرق بين المساء والعِشاء: أن المساء بُدُوّ الظلام بعد المغيب، والعِشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغِيب، وهو مأخوذ من عشا العين وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس.

يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَيُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ۝١٩

بيَّن كمال قدرته؛ أي كما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها، كذلك يحييكم بالبعث. وفي هذا دليل على صحة القياس؛ وقد مضى في «آل عمران» بيان {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ}.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ۝٢٠ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٢١ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّلْعَٰلِمِينَ ۝٢٢ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُم مِّن فَضْلِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ۝٢٣ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْىِۦ بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٢٤ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ بِأَمْرِهِۦ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلْأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ۝٢٥ وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ۝٢٦

قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} أي من علامات رُبُوبِيَّته ووَحْدانيّته أن خلقكم من تراب؛ أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل، وقد مضى بيان هذا في «الأنعام». و«أنْ» في موضع رفع بالابتداء وكذا

{ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً }[الروم: 21].

{ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} ثم أنتم عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قِوام معايشكم، فلم يكن ليخلقكم عَبَثاً؛ ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح. ومعنى: {خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} أي نساء تسكنون إليها. {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي من نطف الرجال ومن جنسكم. وقيل: المراد حوّاء، خلقها من ضِلع آدم؛ قاله قتادة. {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} قال ابن عباس ومجاهد: المودّة الجماع، والرحمة الولد؛ وقاله الحسن. وقيل: المودّة والرحمة عطفُ قلوبهم بعضهم على بعض. وقال السدي: المودةُ: المحبةُ، والرحمةُ: الشفقةُ؛ ورُوي معناه عن ابن عباس قال: المودّة حبُّ الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. ويقال: إن الرجل أصله من الأرض، وفيه قوّة الأرض، وفيه الفرج الذي منه بُدىء خلقه فيحتاج إلى سَكَن، وخُلقت المرأة سكناً للرجل؛ قال الله تعالى:

{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ }[الروم: 20] الآية. وقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا} فأوّل ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان القوّة، وذلك أن الفرج إذا تحمل فيه هيَّج ماء الصلب إليه، فإليها يسكن وبها يتخلص من الهِياج، وللرجال خُلق البُضع منهنّ، قال الله تعالى: { وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ }[الشعراء: 166] فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج، فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم؛ ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها. وفي لفظ آخر:إذا باتت المرأة هاجرة فِراش زوجِها لعنتها الملائكة حتى تُصبِح. {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تقدّم في «البقرة» وكانوا يعترفون بأن الله تعالى هو الخالق. {وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} اللّسان في الفم؛ وفيه اختلاف اللغات: من العربيّة والعجمية والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور: من البياض والسواد والحمرة؛ فلا تكاد ترى أحداً إلا وأنت تفرّق بينه وبين الآخر. وليس هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين؛ فلا بد من فاعل، فعُلِم أن الفاعل هو الله تعالى؛ فهذا من أدلّ دليل على المدبر البارىء. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} أي للبَرّ والفاجر. وقرأ حفص: «للعَالِمِينَ» بكسر اللام جمع عالم. {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} قيل: في هذه الآية تقديم وتأخير، والمعنى: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار؛ فحذِف حرف الجر لاتصاله بالليل وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة؛ فجعل النوم بالليل دليلاً على الموت، والتصرفُ بالنهار دليلاً على البعث. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} يريد سماع تفهّم وتدبّر. وقيل: يسمعون الحق فيتبعونه. وقيل: يسمعون الوعظ فيخافونه. وقيل: يسمعون القرآن فيصدّقونه؛ والمعنى متقارب. وقيل: كان منهم من إذا تُلِي القرآن وهو حاضر سدّ أذنيه حتى لا يسمع؛ فبيّن الله عز وجل هذه الدلائل عليه. {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} قيل: المعنى أن يريكم، فحذف «أن» لدلالة الكلام عليه؛ قال طرفة:

ألاَ أيّهذا اللائِمي أحْضُرُ الوَغَىوأنْ أشْهَدَ اللَّذاتِ هل أنت مُخْلِدِي

وقيل: هو على التقديم والتأخير؛ أي ويريكم البرق من آياته. وقيل: أي ومن آياته آيةٌ يريكم بها البرق؛ كما قال الشاعر:

وما الدّهر إلا تارتان فمنهماأموتُ وأخْرَى أبتغي العيش أكْدَحُ

وقيل: أي من آياته أنه يريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته؛ قاله الزجاج، فيكون عطف جملة على جملة. {خَوْفاً} أي للمسافر. {وَطَمَعاً} للمقيم؛ قاله قتادة. الضحاك: «خَوْفاً» من الصواعق، «وَطَمَعاً» في الغيث. يحيـى بن سلام: «خَوْفاً» من البرد أن يهلك الزرع، «وَطَمَعاً» في المطر أن يحيي الزرع. ابن بحر: «خَوْفاً» أن يكون البرق بَرْقاً خُلَّباً لا يمطر، «وَطَمَعاً» أن يكون ممطراً؛ وأنشد قول الشاعر:

لا يكن بَرْقُك برقاً خُلّباإن خير البرق ما الغيث معه

وقال آخر:

فقد أرِد المياه بغير زادسوى عدّى لها برق الغمام

والبرق الخُلّب: الذي لا غيث فيه كأنه خادع؛ ومنه قيل لمن يَعِد ولا يُنْجز: إنما أنت كبرقٍ خُلّب. والخُلّب أيضاً: السحاب الذي لا مطر فيه. ويقال: بَرْقُ خُلّب، بالإضافة. {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تقدم. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ} «أَنْ» في محل رفع كما تقدم؛ أي قيامها واستمساكها بقدرته بلا عمد. وقيل: بتدبيره وحكمته؛ أي يمسكها بغير عمد لمنافع الخلق. وقيل: «بأمرِهِ» بإذنه؛ والمعنى واحد. {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم؛ والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلّبث؛ كما يجيب الداعي المطاعَ مَدْعوُّه؛ كما قال القائل:

دَعَوْتُ كُلَيباً باسمه فكأنمادعوت برأس الطَّود أو هو أسرع

يريد برأس الطود: الصَّدى أو الحجر إذا تَدَهْده. وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بـ«ـثم» لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور قوموا؛ فلا تبقى نسمة من الأوّلين والآخرين إلا قامت تنظر؛ كما قال تعالى: { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ }[الزمر: 68]. و«إذا» الأولى في قوله تعالى: {إِذَا دَعَاكُمْ} للشرط، والثانية في قوله تعالى: {إِذَآ أَنتُمْ} للمفاجأة، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط. وأجمع القراء على فتح التاء هنا في «تَخْرُجُونَ». واختلفوا في التي في «الأعراف» فقرأ أهل المدينة: { وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ }[الأعراف: 25] بضم التاء، وقرأ أهل العراق: بالفتح، وإليه يميل أبو عبيد. والمعنيان متقاربان، إلا أن أهل المدينة فرّقوا بينهما لنسق الكلام، فنسقُ الكلام في التي في «الأعراف» بالضم أشبه؛ إذ كان الموت ليس من فعلهم، وكذا الإخراج. والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام؛ أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم؛ فالفعل (بهم) أشبه. وهذا الخروج إنما هو عند نفخة إسرافيل الآخرة؛ على ما تقدّم ويأتي. وقرىء: «تخرجون» بضم التاء وفتحها، ذكره الزَّمَخْشَرِيّ ولم يزد على هذا شيئاً، ولم يذكر ما ذكرناه من الفرق، والله أعلم. {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً وعبداً. {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} رُوي عن أبي سعيد الخدرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة. قال النحاس: مطيعون طاعة انقياد. وقيل: «قَانتُونَ» مقِرّون بالعبودية، إما قالة وإما دلالة؛ قاله عِكرمة وأبو مالك والسدّي. وقال ابن عباس؛ «قَانتُونَ» مصلون. الربيع بن أنس: «كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ» أي قائم يوم القيامة؛ كما قال: { يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }[المطففين: 6] أي للحساب. الحسن: كل له قائم بالشهادة أنه عبد له. سعيد بن جبير: «قَانِتُونَ» مخلصون.

وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢٧

قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أمّا بدْء خلقه فبعلوقه في الرّحم قبل ولادته، وأمّا إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث؛ فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلاً على ما يخفى من إعادته؛ استدلالاً بالشاهد على الغائب، ثم أكد ذلك بقوله {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وقرأ ابن مسعود وابن عمر: «يُبْدِىءُ الْخَلْقَ» من أبدأ يبدىء؛ دليله قوله تعالى:

{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ }[البروج: 13]. ودليل قراءة العامة قوله سبحانه: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } [الأعراف: 29]. و«أَهْوَنُ» بمعنى هيّن؛ أي الإعادة هيّن عليه؛ قاله الرَّبيع بن خُثيم والحسن. فأهون بمعنى هيّن؛ لأنه ليس شيء أهونَ على الله من شيء. قال أبو عبيدة: ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله تعالى: { وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } [النساء: 30] وبقوله: { وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا }[البقرة: 255]. والعرب تحمل أفعل على فاعل، ومنه قول الفرزدق:

إن الذي سَمَك السماء بنى لنابيتاً دعائمه أعزّ وأطول

أي دعائمه عزيزة طويلة. وقال آخر:

لَعَمْرُكَ ما أدرِي وإني لأوْجَلعلى أيّنا تَعْدُو المنيّة أوّل

أراد: إني لوجِل. وأنشد أبو عبيدة أيضاً:

إني لأمنْحُكُ الصّدود وإننيقَسَماً إليك مع الصُّدود لأمْيَلُ

أراد لمائل: وأنشد أحمد بن يحيـى:

تَمنّى رجال أن أموت وإن أمُتْفتلك سبيلٌ لست فيها بأوْحَدِ

أراد بواحد. وقال آخر:

لعمرك إن الزِّبرقان لباذللمعروفه عند السنينَ وأفضل

أي وفاضل. ومنه قولهم: الله أكبر؛ إنما معناه الله الكبير. وروى معمر عن قتادة قال: في قراءة عبد الله بن مسعود «وهو عليه هين». وقال مجاهد وعكرمة والضحاك: إن المعنى أن الإعادة أهون عليه ـ أي على الله ـ من البداية؛ أي أيسر، وإن كان جميعه على الله تعالى هيناً؛ وقاله ابن عباس. ووجهه أن هذا مَثَل ضربه الله تعالى لعباده؛ يقول: إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه؛ فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهونَ عليه من الإنشاء. وقيل: الضمير في «عَلَيْهِ» للمخلوقين؛ أي وهو أهون عليه، أي على الخلق، يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون ويقال لهم: كونوا فيكونون؛ فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نُطَفاً ثم عَلَقا ثم مُضَغا ثم أجِنّة ثم أطفالا ثم غلماناً ثم شبانا ثم رجالاً أو نساء. وقاله ابن عباس وقُطْرُب. وقيل: أهون أسهل؛ قال:

وهان على أسماء أن شطَّت النَّوَىيحنّ إليها والِهٌ ويتوق

أي سهل عليها، وقال الربيع بن خُثَيم في قوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} قال: ما شيء على الله بعزيز. عِكرمة: تعجّب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ} أي ما أراده جلّ وعزّ كان. وقال الخليل: المثل الصفة؛ أي وله الوصف الأعلى {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} كما قال: { مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ }[الرعد: 35] أي صفتها. وقد مضى الكلام في ذلك. وعن مجاهد: «الْمَثَلُ الأَعْلَى» قولُ لا إلٰه إلا الله؛ ومعناه: أي الذي له الوصف الأعلى، أي الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية. وكذا قال قتادة: إن المثل الأعلى شهادةُ أن لا إلٰه إلا الله؛ ويَعْضُده قوله تعالى: { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ }[الروم: 28] على ما نبيّنه آنفاً إن شاء الله تعالى. وقال الزجاج: «وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ» أي قوله: «وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» قد ضربه لكم مثلاً فيما يصعب ويسهل؛ يريد التفسير الأوّل. وقال ابن عباس: أي ليس كمثله شيء {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدم.

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٢٨

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ثم قال: {مِّن شُرَكَآءَ}؛ ثم قال: {مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فـ«ـمن» الأولى للابتداء؛ كأنه قال: أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم. والثانية للتبعيض، والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام. والآية نزلت في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك؛ قاله سعيد بن جبير. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله للمشركين؛ والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء.

الثانية: قال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه، وذلك أنه لما قال جل وعز: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الآية، فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا! فيقال لهم: فكيف يتصوّر أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي؛ فهذا حكم فاسد وقلة نظر وعَمَى قلب! فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة والخلق كلهم عبيد لله تعالى فيبطل أن يكون شيء من العالَم شريكاً لله تعالى في شيء من أفعاله؛ فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك، إذ الشركة تقتضي المعاونة، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضاً بالمال والعمل؛ والقديمُ الأزلِيّ منزّه عن ذلك جلّ وعز.

وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه؛ لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ