انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الروم

تفسير البغويالآيات 1–60

تفسير سورة الروم آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ۝٢ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝٣

{الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ}, سبب نزول هذه الآية على - ما ذكره المفسرون:- أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودّون أن تغلب فارس الروم، لأن أهل فارس كانوا مجوساً أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس، لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليها رجلاً يقال له شهريراز، وبعث قيصر جيشاً إلى فارس واستعمل عليهم رجلاً يدعى يحفّس، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارسٌ الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشقَّ عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميّون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنطهرنّ عليكم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار، فقال: فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا فوالله ليظهرنّ على فارس على ما أخبرنا بذلك نبينا، فقام إليه أُبيّ بن خلف الجمحي فقال: كذبت، فقال: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: اجعل بيننا أجلاً أُناحِبُك عليه - والمناحبة: المراهنة - على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ وإن ظهرت فارس غرمتَ، ففعلوا وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، وذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بيني الثلاث إلى التسع، فزايِدْه في الخطر ومادَّه في الأجل، فخرج أبو بكر ولقي أبيّاً، فقال: لعلك ندمت؟ قال: لا، فتعال أزايدك في الخطر وأمادّك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص ومائة قلوص إلى تسع سنين، وقيل إلى سبع سنين، قال قد فعلت. فلما خشي أُبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه فلزمه، وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقِمْ لي كفيلاً، فكفل له ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أُبيّ بن خلف أن يخرج إلى أُحد أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه، فقال: لا والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلاً، فأعطاه كفيلاً، ثم خرج إلى أُحد ثم رجع أُبيّ بن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم. وقيل: كان يوم بدر.

قال الشعبي: لم تمض تلك المدة التي عقدوا المناحبة بين أهل مكة، وفيها صاحبُ قمارهم أُبيّ بن خلف، والمسلمون وصاحب قمارهم أبو بكر، وذلك قبل تحريم القمار، حتى غلبت الروم فارس وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية فقمر أبو بكر أبيّاً وأخذ مال الخطر من ورثته، فجاء به يحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

تصدَّقْ به».

وكان سبب غلبة الروم فارساً - على ما قال عكرمة وغيره -: أن شهريراز بعدما غلبت الروم لم يزل يطؤهم ويخرّب مدائنهم حتى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرخان جالس ذات يوم يشرب فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى، فكتب إلى شهريراز: إذ أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان إن له نكاية وصوتاً في العدو، فلا تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفاً منه، فعجِّلْ برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريداً إلى أهل فارس أني قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان الملك، ثم رفع إلى البريد صحيفة صغيرة أمره فيها بقتل شهريراز، وقال إذا ولى فرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطِه فلما قرأ شهريزاز الكتاب قال سمعاً وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان ورفع إليه الصحيفة، فقال ائتوني بشهريراز، فقدّمه ليضرب عنقه، فقال: لا تعجل عليّ حتى أكتب وصيتي. قال: نعم، فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت تريد أن تقتلني بكتاب واحد؟ فرد الملك إلى أخيه، وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البُرُد ولا تبلغها الصحف، فألقَنَي، ولا تلقني إلا في خمسين رومياً، فإني ألقاك في خمسين فارسياً. فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلاً، ثم بسط لهما فالتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، ومع كل واحد منهما سكين فدعوا بترجمان بينهما، فقال شهريراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني، فقد خلعنا جميعاً فنحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السرَّ بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا، فقتلا الترجمان معاً بسكينهما، فأُدِيْلت الروم على فارس عند ذلك، فاتبعوهم يقتلونهم، ومات كسرى وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ففرح ومن معه، فذلك قوله عزّ وجلّ:

{الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ}, أي: أقرب أرض الشام إلى أرض فارس، قال عكرمة: هي أذرعات وكسكَر، وقال مجاهد: أرض الجزيرة. وقال مقاتل: الأردن وفلسطين. {وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ}، أي: الروم من بعد غلبة فارس إياهم، والغلب والغلبة لغتان، {سَيَغْلِبُونَ}، فارساً.

فِى بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝٤ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝٥

{فِى بِضْعِ سِنِينَ}، والبضع ما بين الثلاث إلى السبع، وقيل: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما دون العشرة.

وقرأ عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، والحسن، وعيسى بن عمر: «غَلَبَت» بفتح الغين واللام، «سيُغْلَبون» بضم الياء وبفتح اللام. وقالوا: نزلت حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن غلبة الروم فارساً.

ومعنى الآية: الۤـمۤ غلبت الروم فارساً في أدنى الأرض إليكم، وهم من بعد غلبهم سيغلبون، يغلبهم المسلمون في بضع سنين، وعند انقضاء هذه المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم.

والأول أصح، وهو قول أكثر المفسرين.

{لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}، أي: من قبل دولة الروم على فارس ومن بعدها، فأي الفريقين كان لهم الغلبة فهو بأمر الله وقضائه وقدره. {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ}.

{بِنَصْرِ ٱللَّهِ}، الرومَ على فارس. قال السدي: فرح النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر، وظهورِ أهل الكتاب على أهل الشرك، {يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب، {ٱلرَّحِيمُ}، بالمؤمنين.

وَعْدَ ٱللَّهِ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٦ يَعْلَمُونَ ظَٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَٰفِلُونَ ۝٧ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآئِ رَبِّهِمْ لَكَٰفِرُونَ ۝٨ أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا۟ ٱلْأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٩

{وَعْدَ ٱللَّهِ}، نصب على المصدر، أي: وعد الله وعداً بظهور الروم على فارس، {لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.

{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، يعني: أمر معايشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يبنون ويعيشون، وقال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطىء وهو لا يحسن أن يصلي {وَهُمْ عَنِ ٱلأَخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ}، ساهون عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها.

{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}، أي: للحق، وقيل: لإِقامة الحق، {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى}، أي لوقت معلوم إذا انتهت إليه فنيت، وهو القيامة، {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَـٰفِرُونَ}.

{أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، أولم يسافروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم فيعتبروا، {كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ}، حرثوها وقلبوها للزراعة، {وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا}، أي: أكثر مما عمرها أهل مكة، قيل: قال ذلك لأنه لم يكن لأهل مكة حرث، {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ}، فلم يؤمنوا فأهلكهم الله، {فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ}، بنقص حقوقهم، {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، ببخس حقوقهم.

ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔوا۟ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ۝١٠ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝١١ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝١٢ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَٰٓؤُا۟ وَكَانُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ كَٰفِرِينَ ۝١٣ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ۝١٤

{ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ}، أي: أساءوا العمل، {ٱلسُّوۤءَىٰ}، يعني: الخلة التي تسوؤهم وهي النار، وقيل: "السوأى" أسم لجهنم، كما أن "الحسنى" اسم للجنة، {أَن كَذَّبُواْ}، أي: لأن كذبوا.

وقيل تفسير "السوأى" ما بعده، وهو قوله «أن كذبوا» يعني: ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب حملتهم تلك السيئات على أن كذبوا، {بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ}.

قرأ أهل الحجاز والبصرة: «عاقبةُ» بالرفع، أي: ثم كان آخر أمرهم السوء، وقرأ الآخرون بالنصب على خبر كان، تقديره: ثم كان السوأى عاقبة الذين أساؤوا.

قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}، أي: يخلقهم ابتداءً ثم يعيدهم بعد الموت أحياءً، ولم يقل: يعيدهم، ردّه إلى الخلق، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، فيجزيهم بأعمالهم، قرأ أبو عمرو، وأبو بكر: «يرجعون» بالياء، والآخرون بالتاء.

{وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونََ}، قال قتادة، والكلبي: ييأس المشركون من كل خير. وقال الفرّاء: ينقطع كلامهم وحجتهم. وقال مجاهد: يفتضحون.

{وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَـٰفِرِينَ}، جاحدين متبرئين يتبرؤون منها وتتبرأ منهم.

{وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ}، أي: يتميز أهل الجنة من أهل النار. وقال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار فلا يجتمعون أبداً.

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ۝١٥ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآئِ ٱلْـَٔاخِرَةِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ۝١٦ فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ۝١٧ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ۝١٨

{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ}، وهي البستان الذي في غاية النضارة، {يُحْبَرُونَ}، قال ابن عباس: يكرمون. وقال مجاهد وقتادة: ينعمون. وقال أبو عبيدة يسرون. و"الحَبْرة": السرور. وقيل: "الحبرة" في اللغة: كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين.

وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: "تحبرون" هو السماع في الجنة. وقال الأوزاعي: إذا أخذ في السماع لم يبق في الجنة شجرة إلاّ وردت، وقال: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتاً من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم.

{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلأَخِرَةِ}، أي: البعث يوم القيامة، {فَأُوْلَـٰئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}.

قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ}، أي: سبِّحوا الله، ومعناه صلُّوا لله، {حِينَ تُمْسُونَ}، أي: تدخلوا في المساء، وهي صلاة المغرب والعشاء، {وَحِينَ تُصْبِحُونَ}، أي: تدخلون في الصباح، وهي صلاة الصبح.

{وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، قال ابن عباس: يحمده أهل السموات والأرض ويصلون له، {وَعَشِيّاً}، أي: صلُّوا لله عشياً يعني صلاة العصر، {وَحِينَ تُظْهِرُونَ}، تدخلون في الظهيرة، وهو صلاة الظهر.

قال نافع بن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وقرأ هاتين الآيتين، وقال: جمعت الآية الصلوات الخمس ومواقيتها.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من: قال سبحان الله وبحمده في كل يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ».

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، حدثنا السِّرِيُّ بن خزيمة الأَبْيِوَرْدِي، حدثنا المعلى بن سعد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلاّ أحد قال مثل ما قال أو زاد ».

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا محمد بن فضيل، أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ».

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا علي بن المديني، أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة قال: سمعت كريباً أبا رشدين يحدّث عن ابن عباس، عن جويريه بنت الحارث بن أبي ضرار،

أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات غداة من عندها، وكان اسمها برّة فحوّله رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماها جويرية، وكره أن يقال خرج من عند برة، فخرج وهي في المسجد، ورجع بعدما تعالى النهار، فقال: ما زلتِ في مجلسكِ هذا منذ خرجتُ بعد؟ قالت: نعم، فقال: « لقد قلتُ بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزِنَتْ بكلماتك لوزنتهنّ: سبحان الله وبحمده عددَ خلقه، ورضاءَ نفسهِ، وزِنَةَ عرشهِ، ومدادَ كلماتِه»

يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَيُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ۝١٩ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ۝٢٠ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٢١ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّلْعَٰلِمِينَ ۝٢٢ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُم مِّن فَضْلِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ۝٢٣ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْىِۦ بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٢٤ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ بِأَمْرِهِۦ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلْأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ۝٢٥ وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ۝٢٦ وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢٧

قوله تعالى: {يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَيُحْىِ ٱلاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}، قرأ حمزة، والكسائي: «تَخْرُجُون» بفتح التاء وضم الراء، وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الراء.

{وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ}، أي: خلق أصلكم يعني آدم من تراب، {ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}، تنبسطون في الأرض.

{وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً}، قيل: من جنسكم من بني آدم. وقيل: خلق حواء من ضلع آدم، {لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، جعل بين الزوجين المودة والرحمة فهما يتوادّان ويتراحمان، وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما، {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، في عظمة الله وقدرته.

{وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ}، يعني: اختلاف اللغات من العربية والعجمية وغيرهما، {وَأَلْوَٰنِكُمْ}، أبيض وأسود وأحمر، وأنتم ولد رجل واحد وامرأة واحدة، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأَيَـٰتٍ لِّلْعَـٰلَمِينَ}، قرأ حفص: «للعالمين» بكسر اللام.

{وَمِنْ ءايَـٰتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ}، أي: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، أي تصرفكم في طلب المعيشة، {إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}، سماع تدبر واعتبار.

{وَمِنْ ءايَـٰتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً}، للمسافر من الصواعق، {وَطَمَعاً}، للمقيم في المطر. {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْىِ بِهِ}، يعني بالمطر، {ٱلاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}، أي: بعد يبسها وجدوبتها، {إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

{وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ}, قال ابن مسعود: قامتا على غير عمد بأمره. وقيل: يدوم قيامهما بأمره، {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ}، قال ابن عباس: من القبور، {إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ}، منها، وأكثر العلماء على أن معنى الآية: ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض.

{وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ}، مطيعون، قال الكلبي: هذا خاص لمن كان منهم مطيعاً. وعن ابن عباس: كل له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة.

{وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}, يخلقهم أولاً ثم يعيدهم بعد الموت للبعث، {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}، قال الربيع بن خيثم، والحسن، وقتادة، والكلبي: أي: هو هين عليه وما شيء عليه بعزيز، وهو في رواية العوفي عن ابن عباس، وقد يجيء أفعل بمعنى الفاعل كقول الفرزدق:

إنَّ الذي سَمَكَ السماءَ بَنَى لنابَيْتَاً دعائِمُه أعزُّ وأَطْوَلُ

أي: عزيزة طويلة.

وقال مجاهد وعكرمة: "وهو أهون عليه": أي أيسر، ووجهه أنه على طريق ضرب المثل، أي: هو أهون عليه على ما يقع في عقولكم، فإن الذي يقع في عقول الناس أن الإِعادة تكون أهون من الإِنشاء، أي: الابتداء.

وقيل: هو أهون عليه عندكم.

وقيل: هو أهون عليه، أي: على الخلق، يقومون بصيحة واحدة، فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفاً، ثم علقاً ثم مضغاً إلى أن يصيروا رجالاً ونساءً، وهذا معنى رواية ابن حِبَّان عن الكلبي عن أبي صالح ابن عباس.

{وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ}، أي: الصفة العليا {فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، قال ابن عباس: هي أنه ليس كمثله شيء. وقال قتادة: هي أنه لا إله إلا هو {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ}، في ملكه، {ٱلْحَكِيمُ}، في خلقه.

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٢٨

{ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ}، أي: بيَّن لكم شبهاً بحالكم، وذلك المثل من أنفسكم، ثم بيّن المثل فقال: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ}، أي: عبيدكم وإمائكم، {مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ}، من المال، {فَأَنتُمْ}، وهم، {فِيهِ سَوَآءٌ}، أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم، {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ}، أي: تخافون أن يشاركوكم في أموالكم ويقاسموكم كما يخاف الحرّ شريكه الحرّ في المال يكون بينهما أن ينفرد فيه بأمر دونه، وكما يخاف الرجل شريكه في الميراث، وهو يحب أن ينفرد به.

قال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً فإذا لم تخالفوا هذا من مماليككم ولم ترضوا ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها شركائي وهم عبيدي؟. ومعنى قوله: "أنفسكم"، أي: أمثالكم من الأحرار كقوله:

{ { ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً } } [النور: 12], أي: بأمثالهم.

{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم.

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٢٩ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٠

{بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ}، أشركوا بالله، {أَهْوَآءَهُمْ}، في الشرك، {بِغَيْرِ عِلْمٍ}، جهلاً بما يجب عليهم، {فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ}، أي: أضله الله، {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ}، مانعين يمنعونهم من عذاب الله عزّ وجلّ.

قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ}، أي: أخلص دينك لله، قاله سعيد بن جبير، وإقامة الوجه: إقامة الدين، وقال غيره: سدد عملك. والوجه ما يتوجه إليه الإِنسان ودينه وعمله مما يتوجه إليه لتسديده، {حَنِيفاً}، مائلاً مسقيماً عليه، {فِطْرَةَ ٱللَّهِ}، دين الله، وهو نصب على الإِغراء، أي: إلزمْ فطرة الله، {ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا}، أي خلق: الناس عليها، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين أن المراد بالفطرة: الدين، وهو الإِسلام.

وذهب قوم إلى أن الآية خاصة في المؤمنين، وهم الذين فطرهم الله على الإِسلام.

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله:

«من يُولد يُولد على الفطرة، فأبواه يُهودانه أو يُنصرانه أو يُمجسانه كما تنتج البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها»، قالوا: يا رسول الله أَفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ».

ورواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة من غير ذكر من يموت وهو صغير، وزاد: ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا}.

قوله: «من يولد يولد على الفطرة» يعني على العهد الذي أخذ الله عليهم بقول:

{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172]، وكل مولود في العالم على ذلك الإِقرار، وهو الحنيفية التي وقعت الخِلْقة عليها وإنْ عبد غيره، قال تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } [الزخرف: 87]، وقالوا: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3]، ولكن لا عبرة بالإِيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب بالإِدارة والفعل، ألا ترى أنه يقول: «فأبواه يهودانه»، فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكومٌ له بحكم أبويه الكافرين، وهذا معنى قوله صلى الله عليه سولم:يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ». ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي وحماد بن سلمة.

وحكي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: معنى الحديث إن كل مولود يولد على فطرته، أي: على خلقته التي جُبل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو الشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعاملٌ في الدنيا بالعمل المُشَاكِل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين، فيحملانه ـ لشقائه ـ على اعتقاد دينهما.

وقيل: معناه أن كل مولود يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة أي على الجِبِلَّة السليمة والطبع المتهيء لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمَّر على لزومها، لأن هذا الدين موجودٌ حُسْنُه في العقول، وإنما يَعْدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من آفات النشوء والتقليد، فلو سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره... ثم يتمثل بأولاد اليهود والنصارى وأتباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك عن الفطرة السليمة والمحجة المستقيمة. ذكر أبو سليمان الخطابي هذه المعاني في كتابه.

قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} فمن حمل الفطرة على الدين قال: معناه لا تبديل لدين الله، وهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تبدلوا دين الله. قال مجاهد، وإبراهيم: معنى الآية الزموا فطرة الله، أي دين الله، واتبعوه ولا تبدلوا التوحيد بالشرك، {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}، المستقيم، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.

وقيل: لا تبديل لخلق الله أي: ما جبل عليه الإِنسان من السعادة والشقاوة لا يتبدل، فلا يصير السعيد شقياً ولا الشقي سعيداً.

وقال عكرمة ومجاهد: معناه تحريم إخصاء البهائم.

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝٣١ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۝٣٢ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا۟ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ۝٣٣ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ فَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝٣٤

{مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي: فأقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه لأن المخاطبة لنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل معه فيها الأمة، كما قال:

{ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ }[الطلاق: 1] {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}، أي: راجعين إليه بالتوبة مقبلين إليه بالطاعة، {وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }.

{مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً}، أي: صاروا فرقاً مختلفة وهم اليهود والنصارى. وقيل:هم أهل البدع من هذه الأمة، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، أي: راضون بما عندهم.

قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ}، قحط وشدة، {دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ}، مقبلين إليه بالدعاء، {ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً}، خصباً ونعمة، {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}.

{لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ}, ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب تهديد فقال: {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}، حالكم في الآخرة.

أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا۟ بِهِۦ يُشْرِكُونَ ۝٣٥ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا۟ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ۝٣٦ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٣٧ فَـَٔاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٣٨ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَا۟ فِىٓ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرْبُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَوٰةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ ۝٣٩ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَىْءٍ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٤٠

{أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: حجة وعذراً. وقال قتادة: كتاباً، {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ}، ينطق، {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ}، أي: ينطق بشركهم ويأمرهم به.

{وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً}، أي: الخصب وكثرة المطر، {فَرِحُواْ بِهَا}، يعني فرح البَطَر، {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}، أي: الجدب وقلة المطر، ويقال: الخوف والبلاء {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، من السيئات، {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}، ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر الله عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة.

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

قوله تعالى: {فئَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ}، من البر والصلة، {وَٱلْمِسْكِينَ}، وحقه أن يتصدق عليه، {وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ}، يعني: المسافر، وقيل: هو الضيف، {ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ} يطلبون ثواب الله بما يعملون، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَآ ءَاتَيْتُمْ مِّن رِّباً}، قرأ ابن كثير: «أتيتم» مقصوراً وقرأ الآخرون بالمدّ، أي: أعطيتم، ومن قصر فمعناه: ما جئتم من ربا، ومجيؤهم ذلك على وجه الإِعطاء كما تقول: أتيت خطئاً، وأتيت صواباً، فهو يؤول في المعنى إلى قول مَنْ مدّ. {لِّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ}، قرأ أهل المدينة، ويعقوب: "لتُرْبُوا" بالتاء وضمها وسكون الواو على الخطاب، أي: لتُرْبُوا أنتم وتصيروا ذوي زيادة من أموال الناس، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها، ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا لقوله: {فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ ٱللَّهِ}، في أموال الناس، أي: في اختطاف أموال الناس واجتذابها.

واختلفوا في معنى الآية, فقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس، وقتادة، والضحاك، وأكثر المفسرين: هو الرجل يعطي غيره العطية ليثيب أكثر منها فهذا جائز حلال، ولكن لا يثاب عليها في القيامة، وهو معنى قوله عزّ وجلّ: "فلا يربوا عند الله"، وكان هذا حراماً على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لقوله تعالى:

{ { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } } [المدثر: 6]، أي: لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت.

وقال النخعي: هو الرجل يعطي صديقه أو قريبه ليكثر ماله ولا يريد به وجه الله.

وقال الشعبي: هو الرجل يلتزق بالرجل فيخدمه ويسافر معه فيجعل له ربح ما له التماس عونه، لا لوجه الله، فلا يربوا عند الله لأنه لم يرد به وجه الله تعالى

{وَمَآ ءاتَيْتُمْ مِّن زَكَوٰةٍ}، أعطيتم من صدقة {تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ}، يضاعف لهم الثواب فيعطون بالحسنة عشر أمثالها، فالمضعف ذو الأضعاف من الحسنات، تقول العرب: القوم مهزولون ومسمنون: إذا هزلت أو سمنت إبلهم.

{ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَىْءٍ سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٤١

قوله عزّ وجلّ: {ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}, يعني: قحط المطر وقلة النبات، وأراد بالبر البوادي والمفاوز، وبالبحر المدائن والقرى التي هي على المياه الجارية. قال عكرمة: العرب تسمي المصر بحراً، تقول أجدب البر وانقطعت مادة البحر، {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ}، أي بشؤم ذنوبهم، وقال عطية وغيره: "البر" ظهر الأرض من الأمصار وغيرها، و"البحر" هو البحر المعروف، وقلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر في البحر فتخلوا أجواف الأصداف لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه البحر ويفتح فاه فما يقع في فيه من المطر صار لؤلؤاً.

وقال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: الفساد في البر: قتل أحد ابني آدم أخاه، وفي البحر: غصب الملك الجائر السفينة.

وقال الضحاك: كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابنُ آدم شجرةً إلا وجد عليها ثمرة، وكان ماء البحر عذباً وكان يقصد الأسدُ البقرَ والغنم، فلما قتل قابيل هابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحاً زعافاً وقصد الحيوان بعضها بعضاً.

قال قتادة: هذا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم امتلأت الأرض ظلماً وضلالة، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رجع راجعون من الناس بما كسبت أيدي الناس من المعاصي، يعني كفار مكة.

{لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ}، أي: عقوبة بعض الذي عملوا من الذنوب، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، عن الكفر وأعمالهم الخبيثة.

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ ۝٤٢ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ۝٤٣ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ۝٤٤ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضْلِهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٤٥ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِۦ وَلِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٤٦ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٤٧

{قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلُ}، لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية، {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ}، أي: كانوا مشركين، فأهلكوا بكفرهم.

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ ٱلْقِيِّمِ}, المستقيم وهو دين الإِسلام {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ}، يعني: يوم القيامة، لا يقدر أحد على رده من الله، {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ}، أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير.

{مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ}، أي: وبال كفره، {وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}، يوطئون المضاجع ويسوونها في القبور.

{لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن فَضْلِهِ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم، {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ}، تبشر بالمطر، {وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ}، نعمة، المطر وهي الخصب، {وَلِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ}، في البحر، بهذه الرياح، {بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ}، ولتطلبوا من رزقه بالتجارة في البحر، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، ربَّ هذه النعم.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ}، بالدلالات الواضحات على صدقهم، {فَٱنتَقَمْنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ}، عذّبنا الذين كذبوهم، {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ}، وإنجاؤهم من العذاب، ففي هذا تبشير للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر في العاقبة والنصر على الأعداء. قال الحسن: أنجاهم مع الرسل من عذاب الأمم.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حمد بن زنجويه، أخبرنا أبو شيخ الحراني، أخبرنا أبو موسى بن أعين، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله يقول:

ما من مسلم يردّ عن عِرض أخيه إلاَّ كان حقاً على الله أن يردّ عنه نار جهنم يوم القيامة، ثم تلا هذه الآية {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ}.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُۥ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُۥ كِسَفًا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَٰلِهِۦ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝٤٨ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِۦ لَمُبْلِسِينَ ۝٤٩

{ٱللَّهُ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً}، أي: ينشره، {فَيَبْسُطُهُ فِى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ}، مسيرة يوم أو يومين أو أكثر على ما يشاء، {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً}، قطعاً متفرقة، {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ}، المطر، {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ}، وسطه، {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ}، أي: بالودق، {مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}، يفرحون بالمطر.

{وَإِن كَانُواْ}، وقد كانوا، {مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ}، أي: آيسين، قيل: "وإن كانوا"، أي: وما كانوا إلا مبلسين، وأعاد قوله: "من قبله" تأكيداً.

وقيل: الأولى ترجع إلى إنزال المطر، والثانية إلى إنشاء السحاب.

وفي حرف عبد الله بن مسعود: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم لمبلسين, غير مكرر.

فَٱنظُرْ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٥٠ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ يَكْفُرُونَ ۝٥١ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا۟ مُدْبِرِينَ ۝٥٢ وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَٰلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ۝٥٣ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ ۝٥٤

{فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءَاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ}, هكذا قرأ أهل الحجاز، والبصرة، وأبو بكر. وقرأ الآخرون: {إلى آثار رحمة الله}، على الجمع، أراد برحمة الله: المطر أي: انظر إلى حسن تأثيره في الأرض، وقال مقاتل: أثر رحمة الله أي: نعمته وهو النبت، {كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ}، يعني: أن ذلك الذي يحيي الأرض لمحيي الموتى، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

{وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا}، باردة مضرة فأفسدت الزرع، {فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً}، أي: والنبت والزرع مصفَرَّاً بعد الخضرة، {لَّظَلُّواْ}، لصاروا، {مِن بَعْدِهِ}، أي:من بعد إصفرار الزرع، {يَكْفُرُونَ}، يجحدون ما سلف من النعمة، يعني: أنهم يفرحون عند الخصب، ولو أرسلت عذاباً على زرعهم جحدوا سالف نعمتي.

{فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ وَمَآ أَنتَ بِهَادِ ٱلْعُمْىِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ}.

{ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ}، قرىء بضم الضاد وفتحها، فالضم لغة قريش، والفتح لغة تميم، ومعنى "من ضعف"، أي: من نطفة، يريد من ذي ضعف، أي: من ماء ذي ضعف كما قال تعالى:

{ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ }[المرسلات: 20], {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ}، من بعد ضعف الطفولة شباباً، وهو وقت القوة، {ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً}، هرماً، {وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}، من الضعف والقوة والشباب والشيبة، {وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ}، بتدبير خلقه، {ٱلْقَدِيرُ}، على ما يشاء.

وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا۟ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَٰلِكَ كَانُوا۟ يُؤْفَكُونَ ۝٥٥ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَٱلْإِيمَٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝٥٦ فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ۝٥٧ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِـَٔايَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ۝٥٨ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۝٥٩ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ۝٦٠

{وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ}، يحلف المشركون، {مَا لَبِثُواْ}، في الدنيا، {غَيْرَ سَاعَةٍ}، إلا ساعة، استقلُّوا أجل الدنيا لمّا عاينوا الآخرة. وقال مقاتل والكلبي: ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال:

{ { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ } } [الأحقاف: 35].

{كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ}، يصرفون عن الحق في الدنيا, قال الكلبي ومقاتل: كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث.

والمعنى أن الله أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء يتبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه، وكان ذلك بقضاء الله وقدره بدليل قوله: {يُؤْفَكُونَ}، أي: يصرفون عن الحق.

ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم فقال:

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ}، أي: فيما كتب الله لكم في سابق علمه من اللبث في القبور. وقيل: "في كتاب الله" أي: في حكم الله، وقال قتادة ومقاتل: فيه تقديم وتأخير معناه: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإِيمان: لقد لبثتم إلى يوم البعث، يعني الذين يعلمون كتاب الله، وقرأوا قوله تعالى:

{ { وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } } [المؤمنون: 100]، أي: قالوا للمنكرين: لقد لبثتم، {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ}، الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، {وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن بدليل قوله تعالى:

{فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ}، يعني عذرهم، {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}، لا يطلب منهم العُتبى والرجوع في الآخرة، قرأ أهل الكوفة: {لا ينفع} بالياء هاهنا وفي "حم" المؤمن ووافق نافع في "حم" المؤمن، وقرأ الباقون بالتاء فيهما.

{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتُمْ بِـئَايَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ}، ما أنتم إلاَّ على باطل.

{كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} توحيد الله.

{فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}، في نصرتك وإظهارك على عدوك {وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ}، ولا يستجهلنك، معناه: لا يحملنّك الذين لا يوقنون على الجهل واتباعهم في الغي. وقيل: لا يستخفن رأيك وحلمك، {ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ}، بالبعث والحساب.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ