انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصافات

تفسير القرطبيالآيات 161–182

تفسير سورة الصافات آية آية، من تفسير القرطبي.

فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ۝١٦١ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَٰتِنِينَ ۝١٦٢ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ۝١٦٣

فيه ثلاث مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } «ما» بمعنى الذي. وقيل: بمعنى المصدر، أي فإنكم وعبادتكم لهذه الأصنام. وقيل: أي فإنكم مع ما تعبدون من دون اللّه؛ يقال: جاء فلان وفلان. وجاء فلان مع فلان. {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} أي على اللّه {بِفَاتِنِينَ} بمضلّين. النحاس. أهل التفسير مجمعون فيما علمت على أن المعنى: ما أنتم بمضّلين أحداً إلا من قدّر اللّه عز وجل عليه أن يضِل. وقال الشاعر:

فردّ بنعمته كيدَهُعليهِ وكان لنا فاتِنا

أي مضلاًّ.

الثانية ـ في هذه الآية ردٌّ على القَدَرية. قال عمرو بن ذرّ: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذُكِر عنده القَدَر، فقال عمر: لو أراد اللّه ألاّ يُعْصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلماً في كتاب اللّه جل وعزّ، عرفه من عَرَفَه، وجهله من جهله؛ ثم قرأ

{ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ }[الصافات: 161] إلا من كتب اللّه عز وجل عليه أن يصلَى الجحيم. وقال: فصَلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني أن الشياطين لا يَصِلون إلى إضلال أحد إلا من كتب اللّه عليه أنه لا يهتدي، ولو علم اللّه جل وعز أنه يهتدي لحال بينه وبينهم؛ وعلى هذا قوله: { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } [الإسراء: 64] أي لست تَصِل منهم إلى شيء إلا إلى ما في علمي. وقال لَبِيد بن ربيعة في تثبيت القدَرِ فأحسن:

إنّ تَقْوى ربِّنا خير نَفَلْوبِإذنِ اللّه رَيْثي وعَجَلْ أحَمدُ اللّه فلا نِدَّ لهُبِيديهِ الخيرُ ما شاء فَعَلْ مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الخير ٱهتدىناعِم البَالِ ومَنْ شاء أَضَلْ

قال الفراء: أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل، وأهل نجد يقولون أفتنته.

الثالثة ـ روي عن الحسن أنه قرأ: «إِلاَّ مَنْ هُوَ صالُ الْجَحِيمِ» بضم اللام. النحاس: وجماعة أهل التفسير يقولون إنه لحن؛ لأنه لا يجوز هذا قاضُ المدينةِ. ومن أحسن ما قيل فيه ما سمعت علي بن سليمان يقوله؛ قال: هو محمول على المعنى؛ لأن معنى. «مَنْ» جماعة؛ فالتقدير صالون، فحذفت النون للإضافة، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين. وقيل: أصله فاعل إلا أنه قُلب من صال إلى صايل وحذفت الياء وبقيت اللام مضمومة فهو مثل «شَفَا جُرُفٍ هَارٍ». ووجه ثالث أن تحذف لام «صال» تخفيفاً وتجري الإعراب على عينه، كما حذف من قولهم: ما باليت به بالة. وأصلها بالية من بالى كعافية من عافى؛ ونظيره قراءة من قرأ، «وَجنى الْجَنَّتَيْنِ دانٌ» «وَلَهُ الْجَوَارُ الْمُنشَئاتُ» أجرى الإعراب على العين. والأصل في قراءة الجماعة صالُي بالياء فحذفها الكاتب من الخط لسقوطها في اللفظ.

وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ۝١٦٤ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ ۝١٦٥ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ ۝١٦٦

هذا من قول الملائكة تعظيماً للّه عز وجل، وإنكاراً منهم عبادة من عبدهم. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ } قال مقاتل:

هذه الثلاث الآيات نزلت ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند سِدرة المنتهى، فتأخر جبريل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أهنا تفارقني» فقال: ما أستطيع أن أتقدم عن مكاني. وأنزل اللّه تعالى حكاية عن قول الملائكة: «وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ» الآيات. والتقدير عند الكوفيين: وما منا إلا من له مقام معلوم. فحذف الموصول. وتقديره عند البصريين: وما منا ملَكَ إلا له مقام معلوم؛ أي مكان معلوم في العبادة؛ قاله ٱبن مسعود وابن جُبير. وقال ٱبن عباس: ما في السموات موضع شبرٍ إلا وعليه ملَكَ يصلّي ويُسّبح. وقالت عائشة رضي اللّه عنها: قال النبي صلى الله عليه وسلم:ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملَك ساجد أو قائم. وعن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطَّت السماءُ وحُقَّ لها أن تَئِط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملَك واضع جبهته ساجداً للّه واللّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذّذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى اللّه لوددت أني كنت شجرة تُعَضْد خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه حديث (حسن) غريب. ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذرّ قال: لوددت أني كنت شجرة تُعْضَد. ويروى عن أبي ذرّ موقوفاً. وقال قتادة: كان يصلّي الرجال والنساء جميعاً حتى نزلت هذه الآية: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }. قال: فتقدّم الرجال وتأخر النساء. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ } قال الكلبي: صفوفهم كصفوف أهل الدنيا في الأرض. وفي صحيح مسلم عن جابر بن سَمُرة قال: خرج علينا رسول صلى الله عليه وسلم ونحن في المسجد؛ فقال: «ألا تَصُفّون كما تَصُفّ الملائكة عند ربها» فقلنا يا رسول اللّه كيف تصفّ الملائكة عند ربها؟ قال: «يُتمون الصفوف الأوَلَ ويتراصُّون في الصفّ» وكان عمر يقول إذا قام للصلاة: أقيموا صفوفكم واستووا إنما يريد اللّه بكم هَدْي الملائكة عند ربها ويقرأ: «وَإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُون» تأخر يا فلان تقدّم يا فلان؛ ثم يتقدّم فيكبر. وقد مضى في سورة «الحجر» بيانه. وقال أبو مالك: كان الناس يصلّون متبدّدين فأنزل اللّه تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ } فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصطفوا. وقال الشعبي: جاء جبريل أو ملَك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه؛ إن الملائكة لتصلي وتسبح ما في السماء ملَك فارغ. وقيل: أي لنحن الصافون أجنحتنا في الهواء وقوفاً ننتظر ما نؤمر به. وقيل: أي نحن الصافون حول العرش. {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ } أي المصلون؛ قاله قتادة. وقيل: أي المنزهون اللّه عما أضافه إليه المشركون. والمراد أنهم يخبرون أنهم يعبدون اللّه بالتسبيح والصلاة وليسوا معبودين ولا بنات اللّه. وقيل: «وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ» من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للمشركين؛ أي لكل واحد منا ومنكم في الآخرة مقام معلوم وهو مقام الحساب. وقيل: أي منَّا من له مقام الخوف، ومنا من له مقام الرجاء، ومنا من له مقام الإخلاص، ومنَّا من له مقام الشكر. إلى غيرها من المقامات.

قلت: والأظهر أن ذلك راجع إلى قول الملائكة «وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ» واللّه أعلم.

وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ ۝١٦٧ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٦٨ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝١٦٩ فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝١٧٠

عاد إلى الإخبار عن قول المشركين، أي كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إذا عيروا بالجهل قالوا: {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ } أي لو بُعِث إلينا نبيّ ببيان الشرائع لاتبعناه، ولمّا خففت «إن» دخلت على الفعل ولزمتها اللام بين النفي والإيجاب. والكوفيون يقولون: «إِنْ» بمعنى ما واللام بمعنى إلا. وقيل: معنى «لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْراً» أي كتاباً من كتب الأنبياء {لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي لو جاءنا ذكر كما جاء الأوّلين لأخلصنا العبادة للّه. {فَكَفَرُواْ بِهِ} أي بالذكر. والفراء يقدره على حذف؛ أي فجاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالذكر فكفروا به. وهذا تعجيب منهم، أي فقد جاءهم نبيّ وأنزل عليهم كتاب فيه بيان ما يحتاجون إليه فكفروا وما وفوا بما قالوا. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} قال الزجاج: يعلمون مغبَّة كفرهم.

وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٧١ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ۝١٧٢ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ ۝١٧٣ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ۝١٧٤ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ۝١٧٥ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ۝١٧٦ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝١٧٧ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ۝١٧٨ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ۝١٧٩

قوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } قال الفراء: أي بالسعادة. وقيل: أراد بالكلمة قوله عز وجل:

{ كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ } [المجادلة: 21] قال الحسن: لم يُقتَل من أصحاب الشرائع قط أحد. {إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ } أي سبق الوعد بنصرهم بالحجة والغلبة. {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ } على المعنى ولو كان على اللفظ لكان هو الغالب مثل { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ }[صۤ: 11]. وقال الشيباني: جاء هاهنا على الجمع من أجل أنه رأس آية.

قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم. {حَتَّىٰ حِينٍ} قال قتادة: إلى الموت. وقال الزجاج: إلى الوقت الذي أمهلوا إليه. وقال ابن عباس: يعني القتل ببدر. وقيل: يعني فتح مكة. وقيل: الآية منسوخة بآية السيف. {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } قال قتادة: سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإِبصار. وعسى من اللّه للوجوب وعبّر بالإبصار عن تقريب الأمر؛ أي عن قريب يبصرون. وقيل: المعنى فسوف يبصرون العذاب يوم القيامة. {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } كانوا يقولون من فرط تكذيبهم متى هذا العذاب؛ أي لا تستعجلوه فإنه واقع بكم.

قوله تعالى: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ} أي العذاب. قال الزجاج: وكان عذاب هؤلاء بالقتل. ومعنى «بِسَاحَتِهِمْ» أي بدارهم؛ عن السّدي وغيره. والساحة والسَّحْسَة في اللغة فِناء الدار الواسع. الفرّاء: «نَزَل بِسَاحَتِهِمْ» ونزل بهم سواء. {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} أي بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب. وفيه إضمار أي فساء الصباح صباحهم. وخصّ الصباح بالذكر؛ لأن العذاب كان يأتيهم فيه. ومنه الحديث الذي رواه أنس رضي اللّه عنه قال:

لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خَيْبر، وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المَساحى، فقالوا: محمد والخمِيس، ورجعوا إلى حصنهم؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «اللّه أكبر خَرِبت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» وهو يبين معنى «فَإِذا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ» يريد النبي صلى الله عليه وسلم. {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ } كرر تأكيداً وكذا {وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } تأكيد أيضاً.

سُبْحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝١٨٠ وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٨١ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٨٢

فيه أربع مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ} نزّه سبحانه نفسه عما أضاف إليه المشركون. {رَبِّ ٱلْعِزَّةِ} على البدل. ويجوز النصب على المدح، والرفع بمعنى هو ربّ العزة. {عَمَّا يَصِفُونَ} أي من الصاحبة والولد. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى «سُبْحَانَ اللَّهِ» فقال:

هو تنزيه اللّه عن كل سوء وقد مضى في «البقرة» مستوفى.

الثانية ـ سئل محمد بن سُحْنون عن معنى «رَبِّ الْعِزَّةِ» لِم جاز ذلك والعزّة من صفات الذات، ولا يقال ربّ القدرة ونحوها من صفات ذاته جل وعزّ؟ فقال: العزة تكون صفة ذات وصفة فعل، فصفة الذات نحو قوله

{ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً } [فاطر: 10] وصفة الفعل نحو قوله: «رَبِّ الْعِزَّةِ» والمعنى ربّ العزّة التي يتعازّ بها الخلق فيما بينهم فهي من خلق اللّه عز وجل. قال: وقد جاء في التفسير إن العزة هاهنا يراد بها الملائكة. قال: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة اللّه فإن أراد عزته التي هي صفته فحنِث فعليه الكفارة، وإن أراد التي جعلها اللّه بين عباده فلا كفارة عليه. الماوردي: «رَبِّ الْعِزَّةِ» يحتمل وجهين: أحدهما مالك العزّة، والثاني ربّ كل شيء متعزِّز من ملِك أو متجبِّر.

قلت: وعلى الوجهين فلا كفَّارة إذا نواها الحالف.

الثالثة ـ روي من حديث أبي سعيد الخدريّ

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل أن يُسلِّم: «سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ» إلى آخر السورة؛ ذكره الثعلبي.

قلت: قرأت على الشيخ الإمام المحدّث الحافظ أبي عليّ الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك البكريّ بالجزيرة قُبَالة المنصورة من الديار المصرية، قال أخبرتنا الحرّة أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الشعري بنيسابور في المرة الأولى، أخبرنا أبو محمد إسماعيل ابن أبي بكر القارىء، قال حدثنا أبو الحسن عبد القادر بن محمد الفارسيّ، قال حدّثنا أبو سهل بشر بن أحمد الإسفرايني، قال حدّثنا أبو سليمان داود بن الحسين البيهقي، قال حدَّثنا أبو زكرياء يحيى بن يحيى بن عبد الرحمن التميمي النيسابوري، قال حدّثنا هُشَيم عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخُدريّ قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }. قال المارودي: روى الشعبي قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:

من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ }. ذكره الثعلبي من حديث عليّ رضي اللّه عنه مرفوعاً.

الرابعة ـ قوله تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } أي الذين بلّغوا عن اللّه تعالى التوحيد والرسالة. وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم:

إذا سلّمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلينوقيل: معنى «وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ» أي أَمْنٌ لهم من اللّه جل وعز يوم الفزع الأكبر. {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أي على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين. وقيل: أي على جميع ما أنعم اللّه به على الخلق أجمعين. وقيل: أي على هلاك المشركين؛ دليله: { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الأنعام: 45]. قلت: والكل مراد والحمد يعم. ومعنى «يَصِفُونَ» يكذِبون، والتقدير عما يصفون من الكذب. تم تفسير سورة الصافات.
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ