انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصافات

تفسير القرطبيالآيات 62–113

تفسير سورة الصافات آية آية، من تفسير القرطبي.

أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ۝٦٢ إِنَّا جَعَلْنَٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّٰلِمِينَ ۝٦٣ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ۝٦٤ طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ۝٦٥ فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ۝٦٦ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ ۝٦٧ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ ۝٦٨

قوله تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ} مبتدأ وخبر، وهو من قول الله جل وعز. {نُّزُلاً} على البيان؛ والمعنى أنعيم الجنة خير نزلاً {أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ} خير نزلاً. والنُّزُل في اللغة الرزق الذي له سعة ـ النحاس ـ وكذا النُّزْل إلا أنه يجوز أن يكون النُّزْل بإسكان الزاي لغة، ويجوز أن يكون أصله النُّزُل؛ ومنه أقيم للقوم نُزُلهم، وٱشتقاقه أنه الغِذاء الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه. وقد مضى هذا في آخر سورة «آل عمران». وشجرة الزقوم مشتقة من التزقم وهو البلع على جهد لكراهتها ونتْنها. قال المفسرون: وهي في الباب السادس، وأنها تحيا بلهب النار كما تحيا الشجرة ببرد الماء؛ فلا بد لأهل النار من أن ينحدر إليها مَن كان فوقها فيأكلون منها، وكذلك يصعد إليها من كان أسفل. وٱختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب أم لا على قولين: أحدهما أنها معروفة من شجر الدنيا. ومن قال بهذا ٱختلفوا فيها؛ فقال قطرب: إنها شجرة مُرَّة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل. القول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا. فلما نزلت هذه الآية في شجرة الزقوم قالت كفار قريش: ما نعرف هذه الشجرة. فقدم عليهم رجل من إفريقية فسألوه فقال: هو عندنا الزُّبْد والتّمر. فقال ابن الزِّبَعْرى: أكثر الله في بيوتنا الزقوم. فقال أبو جهل لجاريته: زَقِّمينا؛ فأتته بزبد وتمر. ثم قال لأصحابه: تَزَّقموا؛ هذا الذي يخوّفنا به محمد؛ يزعم أن النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجرٰ

قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ } أي المشركين، وذلك أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة وهي تحرق الشجر؟ وقد مضى هذا المعنى في «سبحان» وٱستخفافهم في هذا كقولهم في قوله تعالى:

{ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ }[المدثر: 30]. ما الذي يخصص هذا العدد؟ حتى قال بعضهم: أنا أكفيكم منهم كذا فٱكفوني الباقين. فقال الله تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ } [المدثر: 31] والفتنة الاختبار، وكان هذا القول منهم جهلاً، إذ لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجراً من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال والقيود والحيات والعقارب وخزنة النار. وقيل: هذا الاستبعاد الذي وقع للكفار هو الذي وقع الآن للملحدة، حتى حملوا الجنة والنار على نعيم أو عقاب تتخلله الأرواح، وحملوا وزن الأعمال والصراط واللوح والقلم على معاني زوَّروها في أنفسهم، دون ما فهمه المسلمون من موارد الشرع، وإذا ورد خبر الصادق بشيء موهوم في العقل، فالواجب تصديقه وإن جاز أن يكون له تأويل، ثم التأويل في موضع إجماع المسلمين على أنه تأويل باطل لا يجوز، والمسلمون مجمعون على الأخذ بهذه الأشياء من غير مصير إلى علم الباطن. وقيل إنها فتنة أي عقوبة للظالمين؛ كما قال: { ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } [الذاريات: 14].

قوله تعالى: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ} أي قعر النار ومنها منشؤها ثم هي متفرّعة في جهنم. {طَلْعُهَا} أي ثمرها؛ سمي طلعاً لطلوعه. {كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} قيل: يعني الشياطين بأعيانهم شبهها برؤوسهم لقبحهم، ورؤوس الشياطين متصوَّر في النفوس وإن كان غير مرئيّ. ومن ذلك قولهم لكل قبيح هو كصورة الشيطان، ولكل صورة حسنة هي كصورة مَلَك. ومنه قوله تعالى مخبراً عن صواحب يوسف: {مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} وهذا تشبيه تخييلي؛ روي معناه عن ٱبن عباس والقُرَظي. ومنه قول ٱمرىء القيس:

ومَسْنُونةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أَغْوَالِ

وإن كانت الغولُ لا تعرف؛ ولكن لما تصوّر من قبحها في النفوس. وقد قال الله تعالى: { شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ } [الأنعام: 112] فمردة الإنس شياطين مرئية. وفي الحديث الصحيح:ولكأنّ نخلها رؤوس الشياطينوقد ٱدعى كثير من العرب رؤية الشياطين والغيلان. وقال الزجاج والفرّاء: الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات وأخبثها وأخفها جسماً. قال الراجز وقد شبه المرأة بحية لها عُرْف:

عَنْجَرِدٌ تَحْلِفُ حين أحلِفكمثلِ شيطانِ الحمَاطِ أَعْرَفُ

الواحدة حَمَاطة. والأعرف الذي له عُرْف. وقال الشاعر يصف ناقته:

تُلاعِبُ مَثْنَى حَضْرَميٍّ كأنّهتَعَمُّجُ شيطانٍ بذي خِرْوعٍ قَفْرِ

التَّعَمُّج: الاعوجاج في السير. وسهم عَمُوج: يتلوّى في ذهابه. وتَعمَّجت الحية: إذا تلوّت في سيرها. وقال يصف زمام الناقة:

تُلاعِبُ مَثْنَى حَضْرَميٍّ كأنهتَعَمَّجُ شيطانٍ بذي خِرْوعٍ قَفْرِ

وقيل: إنما شبه ذلك بنبت قبيح في اليمن يقال له الأَسْتَن والشيطان. قال النحاس: وليس ذلك معروفاً عند العرب. الزمخشري: هو شجر خشن منتن مُرّ منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين. النحاس: وقيل الشياطين ضرب من الحيات قباح. {فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ } فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة. وقال في «الغاشية»: { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ }[الغاشية:6] وسيأتي. {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا} أي بعد الأكل من الشجرة {لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ} الشوب الخلط، والشَّوْب والشُّوب لغتان كالفَقْر والفُقْر والفتح أشهر. قال الفراء: شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبا وشيابة. فأخبر أنه يشاب لهم. والحميم: الماء الحار ليكون أشنع؛ قال الله تعالى: { وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ }[محمد: 15]. السّدي: يشاب لهم الحميم بغسّاق أعينهم وصديد من قيحهم ودمائهم. وقيل: يمزج لهم الزقوم بالحميم ليجمع لهم بين مرارة الزقوم وحرارة الحميم؛ تغليظاً لعذابهم وتجديداً لبلائهم. {ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ } قيل: إن هذا يدل على أنهم كانوا حين أكلوا الزقوم في عذاب غيرِ النار ثم يردّون إليها، وقال مقاتل: الحميم خارج الجحيم فهم يوردون الحميم لشربه ثم يردّون إلى الجحيم؛ لقوله تعالى: { هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } [الرحمن: 43 ـ 44]. وقرأ ٱبن مسعود: «ثُمَّ إِنَّ مُنْقَلَبَهُمْ إِلَى الْجَحِيمِ» وقال أبو عبيدة: يجوز أن تكون «ثم» بمعنى الواو. القشيري: ولعل الحميم في موضع من جهنم على طرف منها.

إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ۝٦٩ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ ۝٧٠ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٧١ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ۝٧٢ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝٧٣ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٧٤

قوله تعالى: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ } أي صادفوهم كذلك فاقتدوا بهم. {فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } أي يسرعون؛ عن قتادة. وقال مجاهد: كهيئة الهرولة. قال الفراء: الإهراع الإسراع برعدة. وقال أبو عبيدة: «يُهْرَعُونَ» يُستحَثون من خلفهم. ونحوه قول المبرّد. قال: المُهْرَع المستحث؛ يقال: جاء فلان يُهْرَع إلى النار إذا ٱستحثه البرد إليها. وقيل: يُزعَجون من شدّة الإسراع؛ قاله الفضل. الزجاج: يقال هُرِع وأُهْرِع إذا ٱستحث وأزعج.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ } أي من الأمم الماضية. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } أي رسلاً أنذروهم العذاب فكفروا. {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ } أي آخر أمرهم. {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي الذين ٱستخلصهم اللّه من الكفر. وقد تقدّم. ثم قيل: هو ٱستثناء من «الْمُنْذَرِينَ». وقيل هو من قوله تعالى:

{ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ }[الصافات: 71].

وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ ۝٧٥ وَنَجَّيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ۝٧٦ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ ۝٧٧ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝٧٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٧٩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٨٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٨١ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ۝٨٢

قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ} من النداء الذي هو الاستغاثة؛ ودعا قيل بمسألة هلاك قومه. فقال:

{ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً }[نوح: 26]. {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} قال الكسائي: أي «فَلَنِعْمَ الْمُجِيبونَ» له كنا. {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} يعني أهل دينه، وهم من آمن معه، وكانوا ثمانين على ما تقدّم. {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} وهو الغرق. {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ } قال ٱبن عباس: لما خرج نوح من السفينة مات مَن معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه؛ فذلك قوله: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ }. وقال سعيد بن المسيّب: كان ولد نوح ثلاثة والناس كلّهم من ولد نوح: فسام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند والهند والنوب والزنج والحبشة والقبط والبربر وغيرهم. ويافث أبو الصقالبة والترك (واللان) والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك. وقال قوم: كان لغير ولد نوح أيضا نسل؛ بدليل قوله: { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } [الإسراء: 3]. وقوله: { قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } [هود: 48] فعلى هذا معنى الآية: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ} دون ذرية من كفر فإنا أغْرَقنا أولئك.

قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} أي تركنا عليه ثناءً حسناً في كل أمة، فإنه مُحبَّب إلى الجميع؛ حتى إن في المجوس من يقول إنه أفريدون. روي معناه عن مجاهد وغيره. وزعم الكسائي أن فيه تقديرين: أحدهما «وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ» يقال: «سَلامٌ عَلَى نُوحٍ» أي تركنا عليه هذا الثناء الحسن. وهذا مذهب أبي العباس المبرّد. أي تركنا عليه هذه الكلمة باقية؛ يعني يسلمون عليه تسليماً ويدعون له؛ وهو من الكلام المحكي؛ كقوله تعالى:

{ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا }[النور: 1]. والقول الآخر أن يكون المعنى وأبقينا عليه؛ وتم الكلام ثم ٱبتدأ فقال: «سَلامٌ عَلَى نُوحٍ» أي سلامة له من أن يذكر بسوء «في الآخِرِينَ». قال الكسائي: وفي قراءة ٱبن مسعود «سلاماً» منصوب بـ«تركنا» أي تركنا عليه ثناء حسناً سلاماً، وقيل: «في الآخِرِينَ» أي في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: في الأنبياء إذ لم يبعث بعده نبيّ إلا أمر بالاقتداء به؛ قال الله تعالى: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً } [الشورى: 13]. وقال سعيد بن المسيّب: وبلغني أنه من قال حين يمسي {سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ } لم تلدغه عقرب. ذكره أبو عمر في التمهيد. وفي الموطأ عن خولة بنت حكيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نزل منزلاً فليقل أعوذ بكلمات اللّه التامَّاتِ من شر ما خلق فإنه لن يضره شيء حتى يرتحل. وفيه عن أبي هريرة أن رجلاً من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أي شيء» فقال: لدغتني عقرب؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق لم تضرّك»

قوله تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } أي نبقي عليهم الثناء الحسن. والكاف في موضع نصب؛ أي جزاء كذلك. {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } هذا بيان إحسانه. قوله تعالى: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } أي من كفر. وجمعه أُخر. والأصل فيه أن يكون معه «مِن» إلا أنها حذفت؛ لأن المعنى معروف، ولا يكون آخراً إلا وقبله شيء من جنسه. «ثمّ» ليس للتراخي ها هنا بل هو لتعديد النعم؛ كقوله:

{ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }[البلد: 16-17] أي ثم أخبركم أني قد أغرقت الآخرين، وهم الذين تأخروا عن الإيمان.

وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ ۝٨٣ إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ۝٨٤ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَ ۝٨٥ أَئِفْكًا ءَالِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ۝٨٦ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٨٧ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ ۝٨٨ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ ۝٨٩ فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ۝٩٠

قوله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ } قال ٱبن عباس: أي من أهل دينه. وقال مجاهد: أي على منهاجه وسنته. قال الأصمعي: الشيعة الأعوان، وهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد. وقال الكلبي والفراء: المعنى وإن من شيعة محمد لإبراهيم. فالهاء في «شيعته» على هذا لمحمد عليه السلام. وعلى الأوّل لنوح وهو أظهر؛ لأنه هو المذكور أوّلا، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة؛ حكاه الزمخشري.

قوله تعالى: {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أي مخلص من الشرك والشك. وقال عوف الأعرابي: سألت محمد بن سيرين ما القلب السليم؟ فقال: الناصح للّه عز وجل في خلقه. وذكر الطبري عن غالب القطان وعوف وغيرهما عن محمد بن سيرين أنه كان يقول للحجاج: مسكين أبو محمد! إن عذبه اللّه فبذنبه، وإن غفر له فهنيئاً له، وإن كان قلبه سليماً فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. قال عوف: فقلت لمحمد ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم أن اللّه حق، وأن الساعة قائمة، وأن اللّه يبعث من في القبور. وقال هشام بن عروة: كان أبي يقول لنا: يا بَنيّ لا تكونوا لَعَّانِين، ألم تروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئاً قط، فقال تعالى: {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }. ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين: أحدهما عند دعائه إلى توحيده وطاعته، الثاني عند إلقائه في النار. {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ} وهو آزر، وقد مضى الكلام فيه. {وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ} تكون «ما» في موضع رفع بالابتداء و«ذا» خبره. ويجوز أن تكون «ما» و«ذا» في موضع نصب بـ«تعبدون». {أَإِفْكاً} نصب على المفعول به؛ بمعنى أتريدون إفكا. قال المبرّد: والإفك أسوأ الكذب، وهو الذي لا يثبت ويضطرب، ومنه ٱئتفكت بهم الأرض. {آلِهَةً} بدل من إفك {دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ} أي تعبدون. ويجوز أن يكون حالاً بمعنى أتريدون آلهة من دون اللّه آفكين. {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } أي ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ فهو تحذير، مثل قوله:

{ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ } [الانفطار: 6]. وقيل: أي شيء أوهمتموه حتى أشركتم به غيره.

قوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} قال ٱبن زيد عن أبيه: أرسل إليه ملكهم إنّ غداً عيدُنا فاخرج معنا، فنظر إلى نجم طالع فقال: إن هذا يطلع مع سقمي. وكان علم النجوم مستعملاً عندهم منظوراً فيه، فأوهمهم هو من تلك الجهة، وأراهم من معتقدهم عذراً لنفسه؛ وذلك أنهم كانوا أهل رعاية وفلاحة، وهاتان المعيشتان يحتاج فيهما إلى نظر في النجوم. وقال ٱبن عباس: كان علم النجوم من النبوّة، فلما حبس اللّه تعالى الشمس على يوشع بن نون أبطل ذلك، فكان نظر إبراهيم فيها عِلماً نبويَّاً. وحكى جُوَيبر عن الضحاك: كان علم النجوم باقياً إلى زمن عيسى عليه السلام، حتى دخلوا عليه في موضع لا يطلع عليه منه، فقالت لهم مريم: من أين علمتم بموضعه؟ قالوا: من النجوم. فدعا ربه عند ذلك فقال: اللهم لا تفهمهم في علمها، فلا يعلم علم النجوم أحد؛ فصار حكمها في الشرع محظوراً، وعلمها في الناس مجهولاً. قال الكلبي: وكانوا في قرية بين البصرة والكوفة يقال لها هرمزجرد، وكانوا ينظرون في النجوم. فهذا قول. وقال الحسن: المعنى أنهم لما كلّفوه الخروج معهم تفكر فيما يعمل. فالمعنى على هذا أنه نظر فيما نجم له من الرأي؛ أي فيما طلع له منه، فعلم أن كل حيّ يَسْقَم فقال: «إنِّي سَقِيمٌ». الخليل والمبرّد: يقال للرجل إذا فكّر في الشيء يدبِّره: نظر في النجوم. وقيل: كانت الساعة التي دعوه إلى الخروج معهم فيها ساعةً تغشاه فيها الحمّى. وقيل: المعنى فنظر فيما نجم من الأشياء فعلم أن لها خالقاً ومدبِّراً، وأنه يتغير كتغيرها فقال: «إنِّي سَقِيمٌ». وقال الضحاك: معنى «سَقِيمٌ» سأسقم سقم الموت؛ لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب ثم يموت، وهذا تورية وتعريض؛ كما قال للملِك لما سأله عن سارّة هي أختي؛ يعني أخوّة الدين. وقال ٱبن عباس وٱبن جبير والضحاك أيضاً: أشار لهم إلى مرض وسقم يُعدي كالطاعون، وكانوا يهربون من الطاعون، «فَ»ـلذلك {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ} أي فارّين منه خوفاً من العدوى. وروى الترمذيّ الحكيم قال: حدثنا أبي قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السّديّ عن أبي مالك وأبي صالح عن ٱبن عباس، وعن سَمُرة عن الهمذاني عن ٱبن مسعود قال: قال إبراهيم: إن لنا عيداً لو خرجت معنا لأعجبك ديننا. فلما كان يوم العيد خرجوا إليه وخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه، وقال إني سقيم أشتكي رجلي، فوطئوا رجله وهو صريع، فلما مضوا نادى في آخرهم

{ وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } [الأنبياء: 57]. قال أبو عبد اللّه: وهذا ليس بمعارِضٍ لما قال ٱبن عباس وٱبن جبير؛ لأنه يحتمل أن يكون قد ٱجتمع له أمران.

قلت: وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:

لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات الحديث. وقد مضى في سورة «الأنبياء». وهو يدل على أنه لم يكن سقيماً وإنما عرض لهم. وقد قال جل وعز: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } [الزمر: 30]. فالمعنى إني سقيم فيما أستقبل فتوهموا هم أنه سقيم الساعة. وهذا من معاريض الكلام على ما ذكرنا، ومنه المثل السائر: «كَفَى بالسلامة داءً» وقول لبيد:

فدعوتُ ربِّي بالسلامةِ جاهِداًلِيُصِحّني فإذا السَّلامَةُ داءُ

وقد مات رجل فجأة فالتّف عليه الناس فقالوا: مات وهو صحيح! فقال أعرابي: أصحيح من الموت في عنقهٰ فإبراهيم صادق، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم وٱصطفائهم عُدَّ هذا ذنباً؛ ولهذا قال: { وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ } [الشعراء: 82] وقد مضى هذا كله مبيّناً والحمد للّه. وقيل: أراد سقيم النفس لكفرهم. والنجوم يكون جمع نجم ويكون واحداً مصدراً.

فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ۝٩١ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ۝٩٢ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ ۝٩٣ فَأَقْبَلُوٓا۟ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ۝٩٤ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ۝٩٥ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ۝٩٦

قوله تعالى: {فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ} قال السّدي: ذهب إليهم. وقال أبو مالك: جاء إليهم. وقال قتادة: مال إليهم. وقال الكلبي: أقبل عليهم. وقيل: عدل. والمعنى متقارب. فراغ يرُوغ رَوْغاً ورَوَغاناً إذا مال. وطريق رائغ أي مائل. وقال الشاعر:

ويُرِيكَ مِن طَرَفِ اللسانِ حَلاوة

ويَرُوغ عنك كما يَرُوغ الثعلبُ

فقال: {أَلا تَأْكُلُونَ} فخاطبها كما يخاطب من يعقل؛ لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة. وكذا {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ }. قيل: كان بين يدي الأصنام طعام تركوه ليأكلوه إذا رجعوا من العيد، وإنما تركوه لتصيبه بركة أصنامهم بزعمهم. وقيل: تركوه للسَّدَنة. وقيل: قرَّب هو إليها طعاماً على جهة الاستهزاء؛ فقال: «أَلاَ تَأْكُلُونَ مَالَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ». {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ } خصّ الضرب باليمين لأنها أقوى والضرب بها أشد؛ قاله الضحاك والربيع بن أنس. وقيل: المراد باليمين اليمين التي حَلَفها حين قال: {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ}. وقال الفراء وثعلب: ضرباً بالقوة واليمين القوة. وقيل: بالعدل واليمين ها هنا العدل. ومنه قوله تعالى:

{ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ } [الحاقة: 44 ـ 45] أي العدل، فالعدل لليمين والجور للشمال. ألا ترى أن العدوّ عن الشمال والمعاصي عن الشمال والطاعة عن اليمين؛ ولذلك قال: { إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ } [الصافات: 28] أي من قِبل الطاعة. فاليمين هو موضع العدل من المسلم، والشمال موضع الجور. ألا ترى أنه بايع اللّه بيمينه يوم الميثاق، فالبيعة باليمين؛ فلذلك يُعطَى كتابه غداً بيمينه؛ لأنه وفّى بالبيعة، ويُعطَى الناكث للبيعة الهارب برقبته من اللّه بشماله؛ لأن الجور هناك. فقوله: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ} أي بذلك العدل الذي كان بايع اللّه عليه يوم الميثاق ثم وفّى له ها هنا. فجعل تلك الأوثان جُذَاذاً، أي فُتَاتاً كالجذِيذة وهي السَّوِيق وليس من قبيل القوة، قاله الترمذي الحكيم. {فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } قرأ حمزة: «يُزِفُّونَ» بضم الياء. الباقون بفتحها. أي يسرعون؛ قاله ٱبن زيد. قتادة والسدي: يمشون. وقيل: المعنى يمشون بجمعهم على مهل آمنين أن يصيب أحد آلهتهم بسوء. وقيل: المعنى يتسللون تسللاً بين المشي والعَدْو؛ ومنه زَفِيف النعامة. وقال الضحاك: يسعون. وحكى يحيى بن سلاّم: يُرعَدون غضباً. وقيل: يختالون وهو مشي الخيلاء؛ قاله مجاهد. ومنه أُخِذ زِفاف العروس إلى زوجها. وقال الفرزدق:

وجاء قَرِيعُ الشَّولِ قبلَ إِفَالِهَايَزِفُّ وجاءت خَلْفَه وهي زُفَّفُ

ومن قرأ «يُزِفُّون» فمعناه يزفون غيرهم أي يحملونهم على التزفيف. وعلى هذا فالمفعول محذوف. قال الأصمعي: أزففت الإبل أي حملتها على أن تزِف. وقيل: هما لغتان يقال: زَفَّ القوم وأزفُّوا، وزففت العروسَ وأزففتها وٱزدففتها بمعنىً، والمِزفّة: المحِفّة التي تُزَفّ فيها العروس؛ حكي ذلك عن الخليل. النحاس: «يُزِفُّون» بضم الياء. زعم أبو حاتم أنه لا يعرف هذه اللغة، وقد عرفها جماعة من العلماء منهم الفراء وشبّهها بقولهم: أطردت الرجل أي صيّرته إلى ذلك. وطردته نحيته؛ وأنشد هو وغيره:

تَمنَّى حُصينٌ أن يسودَ جِذَاعةًفأمسى حُصينٌ قد أُذِلَّ وأُقِهَرا

أي صُير إلى ذلك؛ فكذلك «يُزِفّون» يصيرون إلى الزفيف. قال محمد بن يزيد: الزفيف الإسراع. وقال أبو إسحق: الزفيف أول عَدْو النعام. وقال أبو حاتم: وزعم الكسائي أن قوماً قرءوا «فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُونَ» خفيفة؛ من وَزَف يَزِف، مثل وَزَن يَزِن. قال النحاس: فهذه حكاية أبي حاتم وأبو حاتم لم يسمع من الكسائي شيئاً. وروى الفراء وهو صاحب الكسائي عن الكسائي أنه لا يعرف «يَزِفُون» مخففة. قال الفراء: وأنا لا أعرفها. قال أبو إسحق: وقد عرفها غيرهما (أنه يقال) وَزَف يَزِف إذا أسرع. قال النحاس: ولا نعلم أحداً قرأ «يَزِفون».

قلت: هي قراءة عبد اللّه بن يزيد فيما ذكر المهدوي. الزمخشري: و«يُزَفُّون» على البناء للمفعول. و«يُزْفُونَ» من زَفَاه إذا حَدَاه؛ كأنّ بعضهم يزفو بعضاً لتسارعهم إليه. وذكر الثعلبي عن الحسن ومجاهد وٱبن السَّمَيْقع: «يَرْفُون» بالراء (من) رفيف النعام، وهو ركض بين المشي والطيران.

قوله تعالى: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } فيه حذف؛ أي قالوا من فعل هذا بآلهتنا، فقال محتجاً: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} أي أتعبدون أصناماً أنتم تنحتونها بأيديكم تَنجرُونها. والنّحت النجر والبري؛ نحته ينحته بالكسر نحتاً أي براه. والنُّحَاتة البُرَاية والمِنحَت ما ينحت به. {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } «ما» في موضع نصب أي وخلق ما تعملونه من الأصنام، يعني الخشب والحجارة وغيرهما؛ كقوله:

{ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ } [الأنبياء: 56] وقيل: إن «ما» ٱستفهام ومعناه التحقير لعملهم. وقيل: هي نفي، والمعنى وما تعملون ذلك لكن اللّه خالقه، والأحسن أن تكون «ما» مع الفعل مصدراً، والتقدير واللّه خلقكم وعملكم وهذا مذهب أهل السنة: أن الأفعال خلقٌ للّه عز وجل وٱكتسابٌ للعباد. وفي هذا إبطال مذاهب القَدَرية والجَبْرية، وروى أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن اللّه خالق كل صانع وصنعته ذكره الثعلبي. وخرّجه البيهقي من حديث حُذَيفة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:إن اللّه عز وجل صنع كل صانع وصنعته فهو الخالق وهو الصانع سبحانه وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى.

قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَٰنًا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ ۝٩٧ فَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًا فَجَعَلْنَٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ ۝٩٨

قوله تعالى: {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً} أي تشاوروا في أمره لما غلبهم بالحجة حسب ما تقدّم في «الأنبياء» بيانه. فـ«قَالُوا ٱبْنُوا لَهُ بُنْيَاناً» تملأونه حطباً فتضرمونه، ثم ألقوه فيه وهو الجحيم. قال ٱبن عباس: بَنْوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً، وملأوه ناراً وطرحوه فيها. وقال عبد اللّه بن عمرو بن العاص: فلما صار في البنيان قال: حسبي اللّه ونعم الوكيل. والألف واللام في «الجحِيمِ» تدل على الكناية؛ أي في جحيمه؛ أي في جحيم ذلك البنيان. وذكر الطبري: أن قائل ذلك ٱسمه الهِيزن رجل من أعراب فارس وهم الترك، وهو الذي جاء فيه الحديث:

بينما رجل يمشي في حُلّة له يتبختر فيها فخسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامةواللّه أعلم. {فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً} أي بإبراهيم. والكيد المكر؛ أي ٱحتالوا لإهلاكه. {فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ} المقهورين المغلوبين إذ نفذت حجته من حيث لم يمكنهم دفعها، ولم ينفذ فيه مكرهم ولا كيدهم.

وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ ۝٩٩ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١٠٠ فَبَشَّرْنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٍ ۝١٠١

فيه مسألتان:

الأولى ـ هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة. وأوّل من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام، وذلك حين خلصه اللّه من النار «قَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي» أي مهاجر من بلد قومي ومولدي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي فإنه «سَيَهْدِينِ» فيما نويت إلى الصواب. قال مقاتل: هو أوّل من هاجر من الخلق مع لوط وسارّة، إلى الأرض المقدّسة وهي أرض الشام. وقيل: ذاهب بعملي وعبادتي، وقلبي ونيتي. فعلى هذا ذهابه بالعمل لا بالبدن. وقد مضى بيان هذا في «الكهف» مستوّفى. وعلى الأوّل بالمهاجرة إلى الشام وبيت المقدس. وقيل: خرج إلى حرّان فأقام بها مدّة. ثم قيل: قال ذلك لمن فارقه من قومه؛ فيكون ذلك توبيخاً لهم. وقيل: قاله لمن هاجر من أهله؛ فيكون ذلك منه ترغيباً. وقيل: قال هذا قبل إلقائه في النار. وفيه على هذا القول تأويلان: أحدهما ـ إني ذاهب إلى ما قضاه عليّ ربي. الثاني ـ إني ميّت؛ كما يقال لمن مات: قد ذهب إلى اللّه تعالى؛ لأنه عليه السلام تصوّر أنه يموت بإلقائه في النار، على المعهود من حالها في تلف ما يلقى فيها، إلى أن قيل لها:

{ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا } [الأنبياء: 69] فحينئذٍ سلم إبراهيم منها. وفي قوله: {سَيَهْدِينِ} على هذا القول تأويلان: أحدهما ـ «سَيَهْدِينَ» إلى الخلاص منها. الثاني ـ إلى الجنة. وقال سليمان بن صُرَد وهو ممن أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم: لما أرادوا إلقاء إبراهيم في النار جعلوا يجمعون له الحطب؛ فجعلت المرأة العجوز تحمل على ظهرها وتقول: أذهب به إلى هذا الذي يذكر آلهتنا؛ فلما ذُهِب به ليطرح في النار {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي}. فلما طرح في النار قال: (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل) فقال اللّه تعالى: {يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا} فقال أبو لوط وكان ٱبنَ عمه: إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني. فأرسل اللّه عُنُقاً من النار فأحرقه.

الثانية ـ قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينِ } لما عرّفه اللّه أنه مخلّصه دعا اللّه ليعضُده بولد يأنس به في غُرْبته. وقد مضى في «آل عمران» القول في هذا. وفي الكلام حذف؛ أي هب لي ولداً صالحاً من الصالحين، وحذف مثل هذا كثير. قال الله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ } أي إنه يكون حليماً في كبره فكأنه بُشِّر ببقاء ذلك الولد؛ لأنّ الصغير لا يوصف بذلك، فكانت البشرى على ألسنة الملائكة كما تقدّم في «هود». ويأتي أيضاً في «الذاريات».

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝١٠٢ فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ۝١٠٣ وَنَٰدَيْنَٰهُ أَن يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۝١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٠٥ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ ۝١٠٦ وَفَدَيْنَٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ۝١٠٧ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝١٠٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ۝١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١١٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١١١ وَبَشَّرْنَٰهُ بِإِسْحَٰقَ نَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١١٢ وَبَٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَٰقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ ۝١١٣

فيها سبع عشرة مسألة:

الأولى ـ قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ} أي فوهبنا له الغلام؛ فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمور الدنيا معيناً على أعماله «قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى في الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ». وقال مجاهد: «فَلَمَا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي» أي شبّ وأدرك سعيُه سعَي إبراهيم. وقال الفراء: كان يومئذ ٱبن ثلاث عشرة سنة. وقال ٱبن عباس: هو الاحتلام. قتادة: مشى مع أبيه. الحسن ومقاتل: هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة. ٱبن زيد: هو السعي في العبادة. ٱبن عباس: صام وصلّى، ألم تسمع اللّه عز وجل يقول:

{ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا } [الإسراء: 19].

وٱختلف العلماء في المأمور بذبحه. فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق. وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وٱبنه عبد اللّه وهو الصحيح عنه. روى الثوريّ وٱبن جريج يرفعانه إلى ٱبن عباس قال: الذبيح إسحاق. وهو الصحيح عن عبد اللّه بن مسعود أن رجلاً قال له: يا بن الأشياخ الكرام. فقال عبد اللّه: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح اللّه بن إبراهيم خليل اللّه صلى اللّه عليهم وسلم ـ. وقد روى حماد بن زيد يرفعه إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:

إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وروى أبو الزبير عن جابر قال: الذبيح إسحاق. وذلك مروي أيضاً عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه. وعن عبد اللّه بن عمر: أن الذبيح إسحاق. وهو قول عمر رضي اللّه عنه. فهؤلاء سبعة من الصحابة. وقال به من التابعين وغيرهم عَلْقَمة والشّعبي ومجاهد وسعيد بن جُبير وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعِكرمة والقاسم بن أبي بَزَّة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمن بن سابط والزهريّ والسديّ وعبد اللّه بن أبي الهذيل ومالك بن أنس، كلهم قالوا: الذبيح إسحاق. وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى، واختاره غير واحد منهم النحاس والطبري وغيرهما. قال سعيد بن جبير: أُرِيَ إبراهيمُ ذبح إسحاق في المنام، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى به المنحر من مِنىً؛ فلما صرف اللّه عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه، وسار به مسيرة شهر في رَوْحة واحدة طويت له الأودية والجبال. وهذا القول أقوى في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين. وقال آخرون: هو إسماعيل. وممن قال ذلك أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة. وروي ذلك عن ٱبن عمر وٱبن عباس أيضاً، ومن التابعين سعيد بن المسيّب والشّعبي ويوسف بن مِهْران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القُرَظيّ والكلبي وعلقمة. وسئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد:

إنّ الذبيح هُدِيتَ إسمعيلُنَطقَ الكتابُ بِذاك والتنزيلُ شرفٌ به خصّ الإلٰهُ نبيَّناوأتى به التفسيرُ والتأويلُ إن كنتَ أُمَّتَه فلا تُنْكِرْ لَهُشرفاً به قد خَصّه التفضيلُ

وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي أين عَزَب عنك عقلك! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الذبيح إسماعيل والأوّل أكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وعن التابعين. وٱحتجوا بأن اللّه عز وجل قد أخبر إبراهيم حين فارق قومه، فهاجر إلى الشام مع ٱمرأته سارّة وٱبن أخيه لوط فقال: { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ }[الصافات: 99] أنه دعا فقال: «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ» فقال تعالى: { فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ }[مريم: 49]؛ ولأن اللّه قال: «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» فذكر أن الفداء في الغلام الحليم الذي بُشِّر به إبراهيم وإنما بُشِّر بإسحاق؛ لأنه قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ}، وقال هنا: «بِغُلامٍ حَلِيمٍ» وذلك قبل أن يتزوّج هاجر وقبل أن يولد له إسماعيل، وليس في القرآن أنه بُشر بولد إلا إسحاق. ٱحتج من قال إنه إسماعيل: بأن اللّه تعالى وصفه بالصبر دون إسحاق في قوله تعالى: { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ } [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله: { إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ }[مريم: 54]؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفّى به؛ ولأن اللّه تعالى قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً} فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيًّا، وأيضاً فإن اللّه تعالى قال: { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } [هود: 71] فكيف يؤمر بذبح إسحق قبل إنجاز الوعد في يعقوب. وإيضاً ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدلّ على أن الذبيح إسماعيل، ولو كان إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس. وهذا الاستدلال كله ليس بقاطع؛ أما قولهم: كيف يأمره بذبحه وقد وعده بأن يكون نبيّاً، فإنه يحتمل أن يكون المعنى: وبشرناه بنبوّته بعد أن كان من أمره ما كان؛ قاله ٱبن عباس. وسيأتي. ولعله أُمِر بذبح إسحاق بعد أن ولد لإسحق يعقوب. ويقال: لم يرد في القرآن أن يعقوب يولد من إسحق. وأما قولهم: ولو كان الذبيح إسحق لكان الذبح يقع ببيت المقدس، فالجواب عنه ما قاله سعيد بن جبير على ما تقدّم. وقال الزجاج: اللّه أعلم أيهما الذبيح. وهذا مذهب ثالث.

الثانية ـ قوله تعالى: {قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم عليه السلام ثلاث ليال متتابعات. وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من اللّه تعالى أيقاظاً ورقوداً، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم. وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال صلى الله عليه وسلم:

إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا. وقال ٱبن عباس: رؤيا الأنبياء وَحْيٌ وٱستدل بهذه الآية. وقال السّدي: لما بُشِّر إبراهيم بإسحاق قبل أن يولد قال هو إذاً لله ذبيح. فقيل له في منامه: قد نذرت نذراً فَفِ بنذرك. ويقال: إن إبراهيم رأى في ليلة التروية كأن قائلاً يقول: إن اللّه يأمرك بذبح ٱبنك؛ فلما أصبح رَوَّى في نفسه أي فَكَّر أهذا الحُلْم من اللّه أم من الشيطان؟ فسمّي يوم التَّرْوية. فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضاً وقيل له الوعد، فلما أصبح عرف أن ذلك من اللّه فَسُمِّيَ يوم عرفة. ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فَهمَّ بنحره فسُمِّي يوم النَّحْر. وروي أنه لما ذبحه قال جبريل: اللّه أكبر اللّه أكبر. فقال الذبيح: لا إلٰه إلا اللّه واللّه أكبر. فقال إبراهيم: اللّه أكبر والحمد للّه؛ فبقي سُنة. وقد ٱختلف الناس في وقوع هذا الأَمر وهي:

الثالثة ـ فقال أهل السنة: إن نفس الذبح لم يقع، وإنما وقع الأمر بالذبح قبل أن يقع الذبح، ولو وقع لم يُتصوَّر رفعه، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل؛ لأنه لو حصل الفراغ من ٱمتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفِداء. وقوله تعالى: {قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ}: أي حققت ما نبهناك عليه، وفعلت ما أمكنك ثم ٱمتنعت لما منعناك. هذا أصح ما قيل به في هذا الباب. وقالت طائفة: ليس هذا مما ينسخ بوجه؛ لأن معنى ذبحت الشيء قطعته. وٱستدل على هذا بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم لا تنظر إليّ فترحمني، ولكن ٱجعل وجهي إلى الأرض؛ فأخذ إبراهيم السكين فأمَرَّها على حلقه فانقلبت. فقال له مالَكَ؟ قال: ٱنقلبت السكين. قال ٱطعنّي بها طعناً. وقال بعضهم: كان كلما قطع جزءاً التأم. وقالت طائفة: وجد حَلقه نحاساً أو مغشًّى بنحاس، وكان كلما أراد قطعاً وجد منعاً. وهذا كله جائز في القدرة الإلّهية، لكنه يفتقر إلى نقل صحيح، فإنه أمْر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر. ولو كان قد جرى ذلك لبيَّنه اللّه تعالى تعظيماً لرتبة إسماعيل وإبراهيم صلوات اللّه عليهما، وكان أولى بالبيان من الفِداء. وقال بعضهم: إن إبراهيم ما أُمر بالذبح الحقيقي الذي هو فَرْي الأوداج وإنهار الدم، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي، فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له: «قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا» وهذا كله خارج عن المفهوم. ولا يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما التوهم. وأيضاً لو صحت هذه الأشياء لما ٱحتيج إلى الفداء.

الرابعة ـ قوله تعالى: {فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ} قرأ أهل الكوفة غير عاصم «مَاذَا تُرِي» بضم التاء وكسر الراء من أرِيَ يُرِي. قال الفرّاء: أي فٱنظر ماذا ترى من صبرك وجزعك. قال الزجاج: لم يقل هذا أحد غيره، وإنما قال العلماء ماذا تشير؛ أي ما تريك نفسك من الرأي. وأنكر أبو عبيد: «تُرِي» وقال: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصة. وكذلك قال أبو حاتم. النحاس: وهذا غلط، وهذا يكون من رؤية العين وغيرها وهو مشهور، يقال: أريت فلاناً الصواب، وأريته رشده، وهذا ليس من رؤية العين. الباقون «تَرَى» مضارع رأيت. وقد روي عن الضحاك والأعمش «تُرَى» غير مسمى الفاعل. ولم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر اللّه، وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر اللّه؛ أو لتقرّ عينه إذا رأى من ٱبنه طاعة في أمر اللّه فـ{قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ} أي ما تؤمر به فحذف الجار كما حذف من قوله:

أَمَرْتُكَ الخيَر فَٱفعلْ مَا أمِرتَ بِهِ

فوصل الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذفت الهاء؛ كقوله: { وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ } [النمل: 59] أي ٱصطفاهم على ما تقدّم. و«ما» بمعنى الذي. {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ } قال بعض أهل الإشارة: لما استثنى وفقه اللّه للصبر. وقد مضى الكلام في «يَا أَبَتِ» وكذلك في «يَا بُنَيَّ» في «يوسف» وغيرها.

الخامسة ـ قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} أي ٱنقادا لأمر اللّهِ. وقرأ ٱبن مسعود وٱبن عباس وعليّ رضوان اللّه عليهم «فَلَمَّا سَلَّمَا» أي فوّضا أمرهما إلى اللّه. وقال ابن عباس: ٱستسلما. وقال قتادة: أسلم أحدهما نفسه للّه عز وجل وأسلم الآخر ٱبنه. {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} قال قتادة: كَبّه وحوّل وجهه إلى القبلة. وجواب «لما» محذوف عند البصريين تقديره «فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ للجَبِينِ» فديناه بكبش. وقال الكوفيون: الجواب «نَادَيْنَاهُ» والواو زائدة مقحمة؛ كقوله:

{ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ } [يوسف: 15] أي أوحينا. وقوله: { وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَٱقْتَرَبَ } [الأنبياء: 96] أي ٱقترب. وقوله: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ } [الزمر: 73] أي قال لهم. وقال ٱمرؤ القيس:

فلمّا أَجَزْنَا سَاحَة الْحَيِّ وٱنتحى

أي ٱنتحى، والواو زائدة. وقال أيضاً:

حتّى إذا حَمَلتْ بُطُونُكُمُورأيتُم أبناءَكم شَبُّوا وَقَلَبْتُمُ ظهرَ المِجنِّ لناإن اللّئِيمَ الفاجِر الخِبُّ

أراد قلبتم. النحاس: والواو من حروف المعاني لا يجوز أن تزاد. وفي الخبر: إن الذبيح قال لإبراهيم عليه السلام حين أراد ذبحه: يا ٱبت ٱشدد رباطي حتى لا أضطرب، وٱكفف ثيابك لئلا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، وأسرعْ مَرَّ السكين على حَلْقي ليكون الموت أهون عليّ وٱقذفني للوجه؛ لئلا تنظر إلى وجهي فترحمني، ولئلا أنظر إلى الشفرة فأجزع، وإذا أتيت إلى أمي فأقرئها مني السلام. فلما جَرَّ إبراهيم عليه السلام السكين ضرب اللّه عليه صفيحة من نحاس، فلم تعمل السكين شيئاً، ثم ضرب به على جبينه وحَزَّ في قفاه فلم تعمل السكين شيئاً؛ فذلك قوله تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} كذلك قال ابن عباس: معناه كبه على وجهه فنودي «يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا» فٱلتفت فإذا بكبش؛ ذكره المهدوي. وقد تقدّمت الإشارة إلى عدم صحته، وأن المعنى لما اعتقد الوجوب وتهيأ للعمل؛ هذا بهيئة الذبح، وهذا بصورة المذبوح، أعطيا محلاًّ للذبح فِداء ولم يكن هناك مرّ سكين. وعلى هذا يتصوّر النسخ قبل الفعل على ما تقدّم. واللّه أعلم. قال الجوهري: «وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ» أي صرعه؛ كما تقول: كَبّه لوجهه. الهروي: والتَّلُّ الدفع والصرع؛ ومنه حديث أبي الدرداء رضي اللّه عنه: «وتركوك لِمَتَلِّك» أي لمصرعك. وفي حديث آخر: فجاء بناقة كَوْمَاء فَتلَّها أي أناخها. وفي الحديث:بينا أنا نائم أُتِيت بمفاتيح خزائن الأرض فُتلَّت في يدي قال ٱبن الأنباري: أي فألقيت في يدي؛ يقال: تَلَلْت الرجل إذا ألقيته. قال ٱبن الأعرابي: فصبّت في يدي؛ والتَّلُّ الصبّ؛ يقال: تلّ يتُلُّ إذا صبّ، وتَلّ يتِلّ بالكسر إذا سقط. قلت: وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ؛ فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء» فقال الغلام: لا واللّه، لا أوثر بنصيبي منك أحداً. قال: فتلَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده؛ يريد جعله في يده. وقال بعض أهل الإشارة: إن إبراهيم ٱدعى محبة اللّه، ثم نظر إلى الولد بالمحبة، فلم يرض حبيبه محبة مشتركة؛ فقيل له: يا إبراهيم ٱذبح ولدك في مرضاتي، فشمَّر وأخذ السكين وأضجع ولده، ثم قال: اللهم تقبله مني في مرضاتك. فأوحى اللّه إليه: يا إبراهيم لم يكن المراد ذبح الولد، وإنما المراد أن تردّ قلبك إلينا، فلما رددت قلبك لكُلِّيَّته إلينا رددنا ولدك إليك. وقال كعب وغيره: لما أري إبراهيم ذبح ولده في منامه، قال الشيطان: واللّه لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحداً أبداً. فتمثل الشيطان لهم في صورة الرجل، ثم أتى أم الغلام وقال: أتدرين أين ذهب إبراهيم بٱبنك؟ قالت لا. قال: إنه يذهب به ليذبحه. قالت: كلا هو أرأف به من ذلك. فقال: إنه يزعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فإن كان ربه قد أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه. ثم أتى الغلام فقال: أتدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: لا. قال: فإنه يذهب بك ليذبحك. قال ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قال: فليفعل ما أمره اللّه به، سمعاً وطاعة لأمر اللّه. ثم جاء إبراهيم فقال: أين تريد؟ واللّه إني لأظن أن الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ٱبنك. فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدوّ اللّه؛ فواللّه لأمضين لأمر ربي. فلم يصب الملعون منهم شيئاً. وقال ٱبن عباس: لما أمر إبراهيم بذبح ٱبنه عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حَصَيَات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم مضى إبراهيم لأمر اللّه تعالى. وٱختُلف في الموضع الذي أراد ذبحه (فيه) فقيل: بمكة في المقام. وقيل: في المنحر بمنى عند الجمار التى رمى بها إبليس لعنه اللّه؛ قاله ٱبن عباس وٱبن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيّب. وحكي عن سعيد بن جُبير: أنه ذبحه على الصخرة التي بأصل ثَبِير بِمنىً. وقال ٱبن جريج: ذبحه بالشام وهو من بيت المقدس على ميلين. والأول أكثر؛ فإنه ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة، فدل على أنه ذبحه بمكة. وقال ٱبن عباس: فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام، وإن رأس الكبش لمعلَّق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس. أجاب من قال بأن الذبح وقع بالشام: لعل الرأس حمل من الشام إلى مكة. واللّه أعلم.

السادسة ـ قوله تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} أي نجزيهم بالخلاص من الشدائد في الدنيا والآخرة. {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ } أي النعمة الظاهرة؛ يقال: أبلاه اللّه إبْلاءً وبَلاَءً إذا أنعم عليه. وقد يقال بَلاهُ. قال زهير:

فأَبْلاهما خَيْرَ البلاءِ الذي يَبْلو

فزعم قوم أنه جاء باللغتين. وقال آخرون: بل الثاني من بَلاهُ يَبْلُوهُ إذا ٱختبره، ولا يقال من الاختبار إلا بَلاه يَبْلوه، ولا يقال من الابتلاء يبلوه. وأصل هذا كله من الاختبار أن يكون بالخير والشر؛ قال اللّه عز وجل: { وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً }[الأنبياء: 35]. وقال أبو زيد: هذا من البلاء الذي نزل به في أن يذبح ٱبنه؛ قال: وهذا من البلاء المكروه.

السابعة ـ قوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} الذِّبح ٱسم المذبوح وجمعه ذبوح، كالطحن ٱسم المطحون. والذَّبح بالفتح المصدر. «عظِيمٍ» أي عظيم القدر ولم يرِد عظيم الجثة، وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح؛ أو لأنه متقبَّل. قال النحاس: عظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف. وأهل التفسير على أنه هاهنا للشريف، أو المتقَّبل. وقال ٱبن عباس: هو الكبش الذي تقرَّب به هابيل، وكان في الجنة يرعى حتى فدى اللّه به إسماعيل. وعنه أيضاً: أنه كبش أرسله اللّه من الجنة كان قد رعى في الجنة أربعين خريفاً. وقال الحسن: ما فدِي إسماعيل إلا بتيس من الأَرْوَى هبط عليه من ثبِير، فذبحه إبراهيم فداء عن ٱبنه، وهذا قول علي رضي اللّه عنه. فلما رآه إبراهيم أخذه فذبحه وأعتق ٱبنه. وقال: يا بني اليوم وُهِبت لي. وقال أبو إسحاق الزجاج: قد قيل إنه فَدِي بوَعْل، والوَعْل: التيس الجبلي. وأهل التفسير على أنه فُدِي بكبش.

الثامنة ـ في هذه الآية دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر. وهذا مذهب مالك وأصحابه. قالوا: أفضل الضحايا الفحول من الضأن، وإناث الضأن أفضل من فحل المعز، وفحول المعز خير من إناثها، وإناث المعز خير من الإبل والبقر. وحجتهم قوله سبحانه وتعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} أي ضخم الجثة سمين، وذلك كبش لا جمل ولا بقرة. وروى مجاهد وغيره عن ٱبن عباس أنه سأله رجل: إني نذرت أن أنحر ٱبني؟ فقال: يجزيك كبش سمين، ثم قرأ «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ». وقال بعضهم: لو علم اللّه حيواناً أفضل من الكبش لفدى به إسحق. وضحّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين. وأكثر ما ضحّى به الكباش. وذكر ٱبن أبي شيبة عن ٱبن عُلَيَّة عن الليث عن مجاهد قال: الذِّبح العظيم الشاة.

التاسعة ـ واختلفوا أيما أفضل: الأضحية أو الصدقة بثمنها. فقال مالك وأصحابه: الضحية أفضل إلا بمنىً؛ لأنه ليس موضع الأضحية؛ حكاه أبو عمر. وقال ابن المنذر: روينا عن بلال أنه قال: ما أبالي ألا أضحي إلا بديك ولأن أضعه في يتيم قد تَرِب فيه ـ هكذا قال المحدث ـ أحب إليّ من أن أضحي به. وهذا قول الشعبي إن الصدقة أفضل. وبه قال مالك وأبو ثور. وفيه قول ثانٍ: إن الضحية أفضل؛ هذا قول ربيعة وأبي الزناد. وبه قال أصحاب الرأي. زاد أبو عمر وأحمد بن حنبل قالوا: الضحية أفضل من الصدقة؛ لأن الضحية سنة مؤكدة كصلاة العيد. ومعلوم أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل. وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوّع كله. قال أبو عمر: وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان؛ فمنها ما رواه سعيد بن داود بن أبي زَنْبَر عن مالك عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما من نفقة بعد صلة الرحم أفضل عند اللّه من إهراق الدم قال أبو عمر: وهو حديث غريب من حديث مالك. وعن عائشة قالت: يأيها الناس ضحُّوا وطِيبوا أنفساً؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد توجّه بأضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسناتٍ محضراتٍ في ميزانه يوم القيامة فإن الدم إن وقع في التراب فإنما يقع في حِرْز اللّه حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد. وخرجه الترمذي أيضاً عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:ما عمِل آدميٌّ من عملٍ يوم النحرِ أحبّ إلى اللّه من إهراق الدم إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإنّ الدم ليقعُ من اللّه بمكانٍ قبل أن يقع إلى الأرض فطِيبوا بها نفساً قال: وفي الباب عن عِمْران بن حُصَين وزيد بن أَرْقَم. وهذا حديث حسن.

العاشرة ـ إن الضحية ليست بواجبة ولكنها سنّة ومعروف. وقال عكرمة: كان ٱبن عباس يبعثني يوم الأضحى بدرهمين أشتري له لحماً، ويقول: من لقيتَ فقل هذه أضحية ٱبن عباس. قال أبو عمر: ومحمل هذا وما روي عن أبي بكر وعمر أنهما لا يضحيان عند أهل العلم؛ لئلا يعتقد في المواظبة عليها أنها واجبة فرض، وكانوا أئمة يقتدي بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم؛ لأنهم الواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أمته، فساغ لهم من الاجتهاد في ذلك ما لا يسوغ اليوم لغيرهم. وقد حكى الطحاوي في مختصره: وقال أبو حنيفة: الأضحية واجبة على المقيمين الواجدين من أهل الأمصار، ولا تجب على المسافر. قال: ويجب على الرجل من الأضحية على ولده الصغير مثل الذي يجب عليه عن نفسه. وخالفه أبو يوسف ومحمد فقالا: ليست بواجبة ولكنها سنة غير مرخص لمن وجد السبيل إليها في تركها. قال: وبه نأخذ. قال أبو عمر: وهذا قول مالك؛ قال: لا ينبغي لأحد تركها مسافراً كان أو مقيماً، فإن تركها فبئس ما صنع إلا أن يكون له عذر إلا الحاج بمنىً. وقال الإمام الشافعي: هي سنة على جميع الناس وعلى الحاج بمنىً وليست بواجبة. وقد ٱحتج من أوجبها بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بُرْدة بن نِيَار أن يعيد ضحية أخرى؛ لأن ما لم يكن فرضاً لا يؤمر فيه بالإعادة. ٱحتج آخرون بحديث أمّ سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي قالوا: فلو كان ذلك واجباً لم يجعل ذلك إلى إرادة المضحِّي. وهو قول أبي بكر وعمر وأبي مسعود البدريّ وبلال.

الحادية عشرة ـ والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية: وهي الضأن والمعز والإبل والبقر. قال ٱبن المنذر: وقد حكي عن الحسن بن صالح أنه قال: يضحى ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبي عن رجل. وقال الإمام الشافعي: لو نزا ثور وحشي على بقرة إنسيّة، أو ثور أنسي على بقرة وحشية لا يجوز شيء من هذا أضحية. وقال أصحاب الرأي: جائز؛ لأن ولدها بمنزلة أمه. وقال أبو ثور: يجوز إذا كان منسوباً إلى الأنعام.

الثانية عشرة ـ قد مضى في سورة «الحج» الكلام في وقت الذبح والأكل من الأضحية مستوفى. وفي صحيح مسلم عن أنس قال:

ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمّى وكبّر ووضع رجله على صِفَاحهما وفي رواية قال: ويقول بسم اللّه واللّه أكبر وقد مضى في آخر «الأنعام» حديث عِمران بن حُصَين، ومضى في «المائدة» القول في التذكية وبيانها وما يُذَكَّى به، وأن ذكاة الجنين ذكاة أمّه مستوفىً. وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمر بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتى به ليضحي به» فقال لها:«يا عائشة هَلُمِّي المدية»ثم قال: «اشحذيها بحجر» ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال:«بسم اللّه اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد»ثم ضحى به. وقد ٱختلف العلماء في هذا فكان الحسن البصري يقول في الأضحية: بسم اللّه واللّه أكبر هذا منك ولك تقبل من فلان. وقال مالك: إن فعل ذلك فحسن، وإن لم يفعل وسمى اللّه أجزأه. وقال الشافعي: والتسمية على الذبيحة بسم اللّه، فإن زاد بعد ذلك شيئاً من ذكر اللّه، أو صلّى على محمد عليه السلام لم أكرهه، أو قال اللهم تقبل مني، أو قال تقبل من فلان فلا بأس. وقال النعمان: يكره أن يذكر مع ٱسم اللّه غيره؛ يكره أن يقول: اللهم تقبل من فلان عند الذبح. وقال: لا بأس إذا كان قبل التسمية وقبل أن يضجع للذبح. وحديث عائشة يردّ هذا القول. وقد تقدم أن إبراهيم عليه السلام قال لما أراد ذبح ٱبنه: اللّه أكبر والحمد للّه. فبقي سنة.

الثالثة عشرة ـ روى البَرَاء بن عازِب

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ماذا يُتّقَى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: «أربعاً ـ وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ العرجاء البيّن ظَلَعُها والعوراء البيِّن عَوَرُها والمريضة البيّن مرضُها والعجفاء التي لا تُنْقى» لفظ مالك ولا خلاف فيه. وٱختلف في اليسير من ذلك. وفي الترمذيّ عن عليّ رضي اللّه عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستَشِرف العين والأذن وألاّ نضحِّي بمقابلة ولا مُدَابَرة ولا شَرْقاء ولا خَرْقاء. قال: والمقابلة ما قطع طرف أذنها، والمدَابَرة ما قطِع من جانب الأذن، والشَّرقاء المشقوقة، والخرقاء المثقوبة؛ قال هذا حديث حسن صحيح. وفي الموطإ عن نافع: أن عبد اللّه بن عمر كان يَتَّقي من الضحايا والبدن التي لم تُسْنن والتي نقص من خَلْقها. قال مالك: وهذا أحبّ ما سمعت إلي. قال القتبي: لم تُسنن أي لم تنبت أسنانها كأنها لم تُعَط أسناناً. وهذا كما يقال: فلان لم يُلْبَن أي لم يُعطَ لبناً، ولم يُسمَن أي لم يعط سمناً، ولم يعُسَل أي لم يُعَط عسلاً. وهذا مثل النهي في الأضاحي عن الهتماء. قال أبو عمر: ولا بأس أن يضحي عند مالك بالشاة الهتماء إذا كان سقوط أسنانها من الكبر والهرم وكانت سمينة؛ فإن كانت ساقطة الأسنان وهي فتية لم يجز أن يضحي بها؛ لأنه عيب غير خفيف. والنقصان كله مكروه، وشرحه وتفصيله في كتب الفقه. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. ٱستشرقوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم ذكره الزمخشري.

الرابعة عشرة ـ ودلّت الآية على أن من نذر نحر ٱبنه أو ذبحه أنه يفديه بكبش كما فدى به إبراهيم ٱبنه؛ قاله ٱبن عباس. وعنه رواية أخرى: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ٱبنه؛ روى الروايتين عنه الشعبي. وروى عنه القاسم بن محمد: يجزيه كفارة يمين. وقال مسروق: لا شيء عليه. وقال الشافعي: هو معصية يستغفر اللّه منها. وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة ولا يلزمه في غير ولده شيء. قال محمد: عليه في الحلف بنحر عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ولده إذا حنث. وذكر ٱبن عبد الحكم عن مالك فيمن قال: أنا أنحر ولدي عند مقام إبراهيم في يمين ثم حنث فعليه هديٌ. قال: ومن نذر أن ينحر ٱبنه ولم يقل عند مقام إبراهيم ولا أراده فلا شيء عليه. قال: ومن جعل ٱبنه هَدْياً أهدى عنه؛ قال القاضي ٱبن العربي: يلزمه شاة كما قال أبو حنيفة؛ لأن اللّه تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعاً، فألزم اللّه إبراهيم ذبح الولد، وأخرجه عنه بذبح شاة. وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يلزمه أن يذبح شاة؛ لأن اللّه تعالى قال:

{ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ }[الحج: 78] والإيمان التزام أصليّ، والنذر التزام فرعيّ؛ فيجب أن يكون محمولاً عليه. فإن قيل: كيف يؤمر إبراهيم بذبح الولد وهو معصية والأمر بالمعصية لا يجوز. قلنا: هذا اعتراض على كتاب اللّه، ولا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلام، فكيف بمن يفتي في الحلال والحرام، وقد قال اللّه تعالى: «ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ» والذي يجلو الإلباس عن قلوب الناس في ذلك: أن المعاصي والطاعات ليست بأوصاف ذاتية للأعيان، وإنما الطاعات عبارة عما تعلق به الأمر من الأفعال، والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال؛ فلما تعلق الأمر بذبح الولد إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وٱبتلاء، ولهذا قال اللّه تعالى: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ } [الصافات: 106] في الصبر على ذبح الولد والنفس، ولما تعلق النهي بنا في ذبح أبنائنا صار معصية. فإن قيل: كيف يصير نذراً وهو معصية. قلنا: إنما يكون معصية لو كان يقصد ذبح الولد بنذره ولا ينوي الفداء؟ فإن قيل: فلو وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء؟ قلنا: لو قصد ذلك لم يضره في قصده ولا أثر في نذره؛ لأن نذر الولد صار عبارة عن ذبح الشاة شرعاً.

الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ} أي على إبراهيم ثناء جميلاً في الأمم بعده؛ فما من أمة إلا تصلي عليه وتحبه. وقيل: هو دعاء إبراهيم عليه السلام

{ وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ } [الشعراء: 84]. وقال عكرمة: هو السلام على إبراهيم أي سلاماً منا. وقيل: سلامة له من الآفات مثل «سَلامٌ عَلَى نُوحٍ في الْعَالَمِينَ» حسب ما تقدّم. {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي من الذين أعطوا العبودية حقها حتى استحقوا الإضافة إلى اللّه تعالى

السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} قال ٱبن عباس: بشر بنبوّته وذهب إلى أن البشارة كانت مرتين؛ فعلى هذا الذبيح هو إسحاق بشر بنبوّته جزاء على صبره ورضاه بأمر ربه وٱستسلامه له. {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ} أي ثَنَّينا عليهما النعمة وقيل كثرنا ولدهما؛ أي باركنا على إبراهيم وعلى أولاده، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني إسرائيل من صلبه. وقد قيل: إن الكناية في «عَلَيْهِ» تعود على إسماعيل وأنه هو الذبيح. قال المفضل: الصحيح الذي يدلّ عليه القرآن أنه إسماعيل، وذلك أنه قص قصّة الذبيح، فلما قال في آخر القصّة: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } ثم قال: {سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ} أي على إسماعيل «وَعَلَى إِسْحَاقَ» كنى عنه؛ لأنه قد تقدّم ذكره ثم قال: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا} فدّل على أنها ذرية إسماعيل وإسحاق، وليس تختلف الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة.

قلت: قد ذكرنا أوّلاً ما يدل على أن إسحاق أكبر من إسماعيل، وأن المبشَّر به، هو إسحاق بنص التنزيل؛ فإذا كانت البشارة بإسحاق نصّا فالذبيح لا شك هو إسحاق، وبُشِّر به إبراهيم مرتين؛ الأولى بولادته والثانية بنبوّته؛ كما قال ابن عباس. ولا تكون النبوّة إلا في حال الكبر و«نَبِيًّا» نصب على الحال والهاء في «عليهِ» عائدة إلى إبراهيم وليس لإسماعيل في الآية ذكر حتى ترجع الكناية إليه. وأما ما روى عن طريق معاوية قال: سمعت رجلاً يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يابن الذبيحين؛ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال معاوية: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم، نذر للّه إن سهّل عليه أمرها ليذبحن أحدَ ولده للّه، فسهّل اللّه عليه أمرها، فوقع السهم على عبد اللّه، فمنعه أخواله بنو مخزوم؛ وقالوا: ٱفد ٱبنك؛ ففداه بمائة من الإبل وهو الذبيح، وإسماعيل هو الذبيح الثاني فلا حجة فيه؛ لأن سنده لا يثبت على ما ذكرناه في كتاب «الأعلام في معرفة مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام»؛ ولأن العرب تجعل العم أباً؛ قال اللّه تعالى:

{ قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ }[البقرة: 133] وقال تعالى: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ } [يوسف: 100] وهما أبوه وخالته. وكذلك ما روي عن الشاعر الفرزدق عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لو صح إسناده فكيف والفرزدق في نفسه مقال.

السابعة عشرة ـ قوله تعالى {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ} لما ذكر البركة في الذرية والكثرة قال: منهم محسن ومنهم مسيء، وأن المسيء لا تنفعه بنوة النبوّة؛ فاليهود والنصارى وإن كانوا من ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا بد من الفرق بين المحسن والمسيء والمؤمن والكافر، وفي التنزيل:

{ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } [المائدة: 18] الآية؛ أي أبناء رسل اللّه فرأوا لأنفسهم فضلاً. وقد تقدم.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ