انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة التوبة

تفسير الطبريالآيات 37–47

تفسير سورة التوبة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة التوبة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:10:32

  1. 1 الآيات 34–45في هذه الصفحة 15:04
  2. 2 الآيات 46–59في هذه الصفحة 12:02

التفسير الصوتي لسورة التوبة كاملًا (9 مقاطع)

إِنَّمَا ٱلنَّسِىٓءُ زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُحِلُّونَهُۥ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامًا لِّيُوَاطِـُٔوا۟ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّوا۟ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ أَعْمَٰلِهِمْ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٣٧

يقول تعالى ذكره: ما النسيء إلا زيادة في الكفر، والنسيء مصدر من قول القائل: نسأت في أيامك ونسأ الله في أجلك: أي زاد الله في أيام عمرك ومدة حياتك حتى تبقى فيها حيًّا. وكل زيادة حدثت في شيء، فالشيء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه نسيء ولذلك قيل للبن إذا كثر بالماء نسيء، وقيل للمرأة الحبلى نسوء، ونُسئت المرأة، لزيادة الولد فيها وقيل: نسأت الناقة وأنسأتها: إذا زجرتها ليزداد سيرها. وقد يحتمل أن النسيء فعيل صرف إليه من مفعول، كما قيل: لعين وقتيل، بمعنى: ملعون ومقتول، ويكون معناه: إنما الشهر المؤخر زيادة في الكفر. وكأنَّ القول الأول أشبه بمعنى الكلام، وهو أن يكون معناه: إنما التأخير الذي يؤخره أهل الشرك بالله من شهور الحرم الأربعة وتصييرهم الحرام منهن حلالاً والحلال منهنّ حراما، زيادة في كفرهم وجحودهم أحكام الله وآياته. وقد كان بعض القرّاء يقرأ ذلك: «إنَّمَا النَّسي» بترك الهمز وترك مده: {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا}.

واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة الكوفيين: {يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} بمعنى: يضل الله بالنسيء الذي ابتدعوه وأحدثوه الذين كفروا. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: {يَضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} بمعنى: يزول عن حجة الله التي جعلها لعباده طريقا يسلكونه إلى مرضاته الذين كفروا. وقد حُكي عن الحسن البصري: {يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} بمعنى: يضلّ بالنسيء الذي سنة الذين كفروا، الناس.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هما قراءتان مشهورتان، قد قرأت بكلّ واحدة القرّاء أهل العلم بالقرآن والمعرفة به، وهما متقاربتا المعنى، لأن من أضله الله فهو ضالّ ومن ضلّ فبإضلال الله إياه وخذلانه له ضلّ، فبأيتهما قرأ القارىء فهو للصواب في ذلك مصيب. وأما الصواب من القراء في النسيء، فالهمز، وقراءته على تقدير فعيل، لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار التي لا يجوز خلافها فيما أجمعت عليه.

وأما قوله: {يُحِلُّونَهُ عاماً} فإن معناه: يحلّ الذين كفروا النسيء، والهاء في قوله: {يُحِلُّونَهُ} عائدة عليه.

ومعنى الكلام: يحلون الذين أخروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم عاماً ويحرّمونه عاماً، {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ} يقول: ليوافقوا بتحليلهم ما حللوا من الشهور وتحريمهم ما حرّموا منها، عدّة ما حرّم الله {فَيْحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أعمالِهِمُ} يقول: حسن لهم وحبّب إليهم سيىء أعمالهم وقبيحها وما خولف به أمر الله وطاعته. {وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينِ} يقول: والله لا يوفِّق لمحاسن الأفعال وحلها وما لله فيه رضا، القوم الجاحدين توحيده والمنكرين نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه يخذلهم عن الهدى كما خذل هؤلاء الناس عن الأشهر الحرم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} قال: النسيء: هو أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يْحَابُ ولا يعاب، ألا وإن صفر العام الأوّل حلال فيحلّه الناس، فيحرّم صفر عاماً، ويحرّم المحرّم عاماً، فذلك قوله تعالى: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ...} إلى قوله: {الكَافِرينَ}. وقوله: {إنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} يقول: يتركون المحرّم عاماً، وعاماً يحرّمُونه.

قال أبو جعفر: وهذا التأويل من تأويل ابن عباس يدلّ على صحة قراءة من قرأ «النسي» بترك الهمز وترك المدّ، وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه فعل من قول القائل: نسيت الشيء أنساه، ومن قول الله:

{ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ }بمعنى: تركوا الله فتركهم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} قال: فهو المحرّم كان يحرّم عاماً وصفر عاماً، وزيد صفر آخر في الأشهر الحرم، وكانوا يحرّمون صفراً مرّة ويحلونه مرّة، فعاب الله ذلك، وكانت هوزان وغطفان وبنو سليم تفعله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} قال: كان النسيء رجلاً من بني كنانة، وكان ذا رأي فيهم، وكان يجعل سنة المحرّم صفراً، فيغزون فيه فيغتنمون فيه ويصيبون، ويحرّمه سنة.

قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ...} الآية، وكان رجل من بني كنانة يسمى النسيء، فكان يجعل المحرّم صفر ويستحل فيه الغنائم، فنزلت هذه الآية.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إدريس، قال: سمعت ليثاً، عن مجاهد، قال: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام في الموسم على حمار له، فيقول: أيها الناس إني لا أُعاب ولا أُجاب، ولا مردّ لما أقول إنا قد حرّمنا المحرّم، وأخرنا صفر ثم يجيء العام المقبل بعده، فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفر، وأخرنا المحرّم فهو قوله: {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ} قال: يعني الأربعة، فيحلوا ما حرّم الله لتأخير هذا الشهر الحرام.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} النسيء: المحرّم، وكان يحرّم المحرّم عاما ويحرّم صفراً عاماً، فالزيادة صفر، وكانوا يؤخرون الشهور حتى يجعلون صفر المحرّم، فيحلوا ما حرّم الله، وكانت هوزان وغطفان وبنو سليم يعظمونه، هم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ...} إلى قوله: {الكافِرِينَ} عمد أناس من أهل الضلالة، فزادوا صفراً في الأشهر الحرم، فكان يقوم قائمهم في الموسم، فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرمت العام المحرّم فيحرّمونه ذلك العام. ثم يقول في العام المقبل فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرّمت صفر فيحرّمونه ذلك العام. وكان يقال لهما: الصفران. قال: فكان أوّل من نسأ النسيء بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة: أبو ثمامة صفوان بن أمية أحد بني فقيم بن الحرث، ثم أحد بني كنانة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} قال: فرض الله الحجّ في ذي الحجة. قال: وكان المشركون يسمون الأشهر: ذو الحجة، والمحرّم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، يحجون فيه مرّة ثم يسكتون عن المحرّم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون رمضان شوالاً، ثم يسمون ذا القعدة شوّالاً، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرّم ذا الحجة فيحجون فيه، واسمه عندهم ذو الحجة. ثم عادوا بمثل هذه القصة، فكانوا يحجون في كل شهر عامين، حتى وافق حجة أبي بكر رضي الله عنه الآخر من العامين في ذي القعدة. ثم حجّ النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حجّ، فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته:

إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ والأرْضَ

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} قال: حجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرّم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة. ثم حجّ النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة. فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته:

إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ والأرْضَ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن أبي مالك: {إنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشراً شهراً، فيجعلون المحرّم صفراً، فيستحلون فيه الحرمات. فأنزل الله: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا...} الآية. قال: هذا رجل من بني كنانة يقال له القَلَمَّس، كان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمدّ إليه يده. فلما كان هو، قال: اخرجوا بنا قالوا له: هذا المحرم. فقال: ننسئه العام، هما العام صفران، فإذا كان عام قابل قضينا فجعلناهما محرمين قال: ففعل ذلك. فلما كان عام قابل، قال: لا تغزوا في صفر حرّموه مع المحرّم، هما محرّمان المحرم أنسأناه عاماً أوّل ونقضيه ذلك الإنساء. وقال شاعرهم:

وَمِنَّا مُنْسِيءُ الشَّهْرِ القَلَمَّسْ

وأنزل الله: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ...} إلى آخر الآية.

وأما قوله: {زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} فإن معناه: زيادة كفر بالنسيء إلى كفرهم بالله. وقيل ابتداعهم النسيء كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ} يقول: ازدادوا به كفراً إلى كفرهم.

وأما قوله: {لِيُوَاطِئُوا} فإنه من قول القائل: واطأت فلاناً على كذا أواطئه مواطأة: إذا وافقته عليه، معينا له، غير مخالف عليه.

ورُوي عن ابن عباس في ذلك ما:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ} يقول: يشبهون.

وذلك قريب المعنى مما بيَّنا، وذلك أن ما شابه الشيء فقد وافقه من الوجه الذي شابهه.

وإنما معنى الكلام: أنهم يوافقون بعدة الشهور التي يحرّمونها عدة الأشهر الأربعة التي حرّمها الله، لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها، وإن قدّموا وأخَّروا فذلك مواطأة عدتهم عدّة ما حرّم الله.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْـَٔاخِرَةِ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ۝٣٨

وهذه الآية حثٌّ من الله جلّ ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم، وذلك غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك. يقول جلّ ثناؤه: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله {ما لَكُمْ} أيّ شيء أمركم، {إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلَ اللَّهِ} يقول: إذا قال لكم رسول الله محمد: انفروا أي اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم. وأصل النفر: مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك، ومنه نفور الدابة غير أنه يقال من النفر إلى الغزو: نفر فلان إلى ثغر كذا يَنْفِرُ نَفْراً ونَفِيراً، وأحسب أن هذا من الفروق التي يفرقون بها بين اختلاف المخبر عنه وإن اتفقت معاني الخبر فمعنى الكلام: ما لكم أيها المؤمنون إذ قيل لكم: اخرجوا غزاه في سبيل الله أي في جهاد أعداء اللَّه، {اثَّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ} يقول تثاقلتم إلى لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها. وقيل: «اثَّاقلتم» لأنه أدغم التاء في الثاء. فأحدث لها ألف ليتوصل إلى الكلام بها. لأن التاء مدغمة في الثاء، ولو أسقطت الألف وابتدىء بها لم تكن إلا متحركة، فأحدثت الألف لتقع الحركة بها، كما قال جلّ ثناؤه: حتى إذَا ادّاركُوا فِيهَا جَمِيعاً وكما قال الشاعر:

تُولي الضجيجَ إذا ما اسْتافَها خَصِراًعَذْبَ المَذاقِ إذَا ما اتَّابَعَ القُبَلُ

فهو بني الفعل افتعلتم من التثاقل.

وقوله: {أرَضِيتُمْ بالحَياةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} يقول جلّ ثناؤه، أرضيتم بحظّ الدنيا والدعة فيها عوضاً من نعيم الآخرة وما عند الله للمتقين في جنانه؟ {فَمَا مِتَاعُ الحَياةِ الدّنْيَا فِي الآخِرةِ} يقول: فما الذي يستمتع به المتمتعون في الدنيا من عيشها ولذّاتها في نعيم الآخرة والكرامة التي أعدّها الله لأوليائه وأهل طاعته {إلاَّ قَلِيلٌ} يسير. يقول لهم: فاطلبوا أيها المؤمنون نعيم الآخرة وترف الكرامة التي عند الله لأوليائه بطاعته، والمسارعة إلى الإجابة إلى أمره في النفير لجهاد عدوّه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {ما لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلَ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأرضِ} أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف، وبعد حنين. أمروا بالنفير في الصيف حين خُرِفَت النخل، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشقّ عليهم المخرج.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {يا أيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلَ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأرض...} الآية، قال: هذا حين أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحنين، وبعد الطائف أمرهم بالنفير في الصيف، حين اخْتُرِفَت النخل، وطابت الثمار، واشتهُوا الظلال، وشقّ عليهم المخرج. قال: فقالوا: منا الثقيل، وذو الحجة، والضيَّعة، والشغل، والمنتشر به أمره في ذلك. فأنزل الله كله:

{ انْفِرُوا خفافاً وثَقالاً }}.

إِلَّا تَنفِرُوا۟ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًٔا وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٣٩

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله، متوعدهم على ترك النفر إلى عدوّهم من الروم: إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى من استنفركم رسول الله، يعذّبكم الله عاجلاً في الدنيا بترككم النفر إليهم عذاباً موجعاً. {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْما غيرَكُمْ} يقول: يستبدل الله بكم نبيه قوما غيركم، ينفرون إذا استنفروا، ويجيبونه إذا دعوا، ويطيعون الله ورسوله. {وَلا تَضُرُّوه شَيْئاً} يقول: ولا تضرّوا الله بترككم النفير ومعصيتكم إياه شيئاً، لأنه لا حاجة به إليكم، بل أنتم أهل الحاجة إليه، وهو الغنيّ عنكم وأنتم الفقراء {واللَّهُ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول جلّ ثناؤه: والله على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم وعلى كل ما يشاء من الأشياء قدير. وقد ذكر أن العذاب الأليم في هذا الموضع كان احتباس المطر عنهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثني عبد المؤمن بن خالد الحنفي، قال: ثني نجدة الخراساني، قال: سمعت ابن عباس، سئل عن قوله: {إلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً ألِيماً} قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حيًّا من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم، فذلك قوله: {إلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً ألِيماً}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن نجدة، قال: سألت ابن عباس، فذكر نحوه، إلا أنه قال: فكان عذابهم أن أمسك عنهم المطر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً ألِيماً} استنفر الله المؤمنين في لهبان الحرّ في غزوة تبوك قبل الشأم على ما يعلم الله من الجهد.

وقد زعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصريّ، قالا: قال: {إلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً ألِيماً وقال:

{ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ... }إلى قوله: { { لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ }فنسختها الآية التي تلتها: { ومَا كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً... } إلى قوله: { لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }

قال أبو جعفر: ولا خبر بالذي قال عكرمة والحسن من نسخ حكم هذه الآية التي ذكروا يجب التسليم له، ولا حجة تأتي بصحة ذلك، وقد رأى ثبوت الحكم بذلك عدد من الصحابة والتابعين سنذكرهم بعد. وجائز أن يكون قوله: {إلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً ألِيماً} لخاصّ من الناس، ويكون المراد به من استنفره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينفر على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس. وإذا كان ذلك كذلك، كان قوله:

{ ومَا كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً } نهياً من الله المؤمنين عن إخلاء بلاد الإسلام بغير مؤمن مقيم فيها، وإعلاماً من الله لهم أن الواجب النفر على بعضهم دون بعض، وذلك على من استنفر منهم دون من لم يستنفر. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في إحدى الآيتين نسخ للأخرى، وكان حكم كل واحدة منهما ماضياً فيما عُنِيَتْ به.

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝٤٠

وهذا إعلام من الله أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم أنه المتوكل بنصر رسوله على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم، أعانوه أو لم يعينوه، وتذكير منه لهم فعل ذلك به، وهو من العدد في قلة والعدوّ في كثرة، فكيف به وهو من العدد في كثرة والعدوّ في قلَّة؟ يقول لهم جلّ ثناؤه: إلا تنفروا أيها المؤمنون مع رسولي إذا استنفركم فتنصروه، فالله ناصره ومعينه على عدوّه ومغنيه عنكم وعن معونتكم ونصرتكم كما نصره إذ أخرجه الذين كفروا بالله من قريش من وطنه وداره {ثانِيَ اثْنَيْنِ } يقول: أخرجوه وهو أحد الاثنين: أي واحد من الاثنين، وكذلك تقول العرب: «هُوَ ثانِيَ اثْنَيْنِ» يعني أحد الاثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة، يعني: أحد ثلاثة، وأحد الأربعة، وذلك خلاف قولهم: هو أخو ستة وغلام سبعة، لأن الأخ والغلام غير الستة والسبعة، وثالث الثلاثة: أحد الثلاثة. وإنما عنى جلّ ثناؤه بقوله: {ثانِيَ اثْنَيْنِ} رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، رضي الله عنه، لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش، إذ همّوا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم واختفيا في الغار. وقوله: {إذْ هُما فِي الغارِ} يقول إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رحمة الله عليه في الغار والغار: النقب العظيم يكون في الجبل. {إذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} يقول: إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر: {لا تَحْزَنْ} وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لاَ تَحْزَنْ لأنَّ اللَّهَ مَعَنا، واللَّهُ ناصِرُنا، فَلَنِ يَعْلَمَ المُشْرِكُونَ بِنا، وَلَنْ يَصِلُوا إلَيْنَا يقول جلّ ثناؤه: فقد نصره الله على عدوّه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد، فكيف يخذله ويحوجه إليكم وقد كثر الله أنصاره وعدد جنوده؟.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إلاَّ تَنْصُرُوهُ} ذكر ما كان في أوّل شأنه حين بعثه يقول الله: فأنا فاعل ذلك به وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {إلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} قال: ذكر ما كان في أوّل شأنه حين بعث، فالله فاعل به كذلك ناصره كما نصره إذا ذاك {ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الغارِ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ...} الآية، قال: فكان صاحبه أبو بكر. وأما الغار: فجبل بمكة يقال له ثور.

حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثني أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، وكان لأبي بكر منيحة من غنم تروح على أهله، فأرسل أبو بكر عامر بن فُهيرة في الغنم إلى ثور، وكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على النبي صلى الله عليه وسلم بالغار في ثور، وهو الغار الذي سماه الله في القرآن.

حدثني يعقوب بن إبراهيم بن جبير الواسطي، قال: ثنا عفان وحبان، قالا: ثنا همام، عن ثابت عن أنس، أن أبا بكر رضي الله عنه حدثهم، قال: بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وأقدام المشركين فوق رُءُوسِنَا، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا فقال:

يا أبا بَكْرٍ ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثَهُما

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: مكث أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثاً.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: {إذْ هُما فِي الغارِ} قال: في الجبل الذي يسمى ثوراً، مكث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ثلاث ليال.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحرث، عن أبيه: أن أبا بكر الصديق رحمة الله تعالى عليه حين خطب قال: أيكم يقرأ سورة التوبة؟ قال رجل: أنا، قال: اقرأ فلما بلغ: {إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ} بكى أبو بكر وقال: أنا والله صاحبه.

القول في تأويل قوله تعالى: {فأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَة الَّذِينَ كَفَروُا السُّفْلَى وكلمةٌ اللَّهِ هِيَ العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

يقول تعالى ذكره: فأنزل الله طمأنينته وسكونه على رسوله وقد قيل: على أبي بكر {وأيَّدهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} يقول: وقوّاه بجنود من عنده من الملائكة لم تروها أنتم. {وَجَعَلَ كِلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا} وهي كلمة الشرك {السُّفْلَى} لأنها قُهرت وأذّلت وأبطلها الله تعالى ومحق أهلها، وكلّ مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب والغالب هو الأعلى. {وكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العْلْيَا} يقول: ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلا الله، وهي كلمته العليا على الشرك وأهله، الغاليةُ. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى} وهي: الشرك بالله. {وكَلِمَةُ اللَّهُ هِيَ العُلْيا} وهي لا إله إلا الله.

وقوله: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليا} خبر مبتدأ غير مردود على قوله: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى} لأن ذلك لو كان معطوفاً على الكلمة الأولى لكان نصباً.

وأما قوله: {واللَّهُ عَزِيرٌ حَكِيمٌ} فإنه يعني: والله عزيز في انتقامه من أهل الكفر به، لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب ولا ينصره من عاقبه ناصر، حكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم في مشيئته.

ٱنفِرُوا۟ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٤١

واختلف أهل التأويل في معنى الخفة والثِّقل اللذين أمر الله من كان به أحدهما بالنَّفر معه، فقال بعضهم: معنى الخفة التي عناها الله في هذا الموضع: الشباب، ومعنى الثقل: الشيخوخة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن رجل، عن الحسن، في قوله: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} قال: شيباً وشُباناً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن عمرو، عن الحسن، قال: شيوخاً وشباناً.

قال: ثنا ابن عيينة، عن عليّ بن زيد، عن أنس، عن أبي طلحة: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} قال: كهولاً وشباناً، ما أسمع الله عذرَ أحداً فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن المغيرة بن النعمان، قال: كان رجل من النخع وكان شيخاً بادِنا، فأراد الغزو فمنعه سعد بن أبي وقاص، فقال: إن الله يقول: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} فأذن له سعد، فقتل الشيخ، فسأل عنه بعد عُمر، فقال: ما فعل الشيخ الذي كان من بني هاشم؟ فقالوا قُتِلَ يا أمير المؤمنين.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قال: الشاب والشيخ.

قال: ثنا أبو أسامة، عن مالك بن مغول، عن إسماعيل، عن عكرمة، قال: الشاب والشيخ.

قال: ثنا المحاربيّ، عن جويبر، عن الضحاك: كهولاً وشبانا.

قال: ثنا حَيْوة أبو يزيد، عن يعقوب القُمّي، عن جعفر بن حميد، عن بشر بن عطية: كهولاً وشباناً.

حدثنا الوليد، قال: ثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، في قوله: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} قال: شبانا وكهولاً.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} قال: شباباً وشيوخاً، وأغنياء ومساكين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن: شيوخاً وشباناً.

حدثني سعيد بن عمرو، قال: ثنا بقية، قال: ثنا جريح، قال: ثني حبان بن زيد الشرعبي، قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان والياً على حمص قِبَلَ الأفسوس إلى الجراجمة، فلقيت شيخاً كبيراً هِمًّا، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت عليه فقلت: يا عمّ لقد أعذرَ الله إليك قال: فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافاً وثقالاً، من يحبه الله يبتليه ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالح: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} قال: كل شيخ وشاب.

وقال آخرون: معنى ذلك مشاغيل وغير مشاغيل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار وابن وكيع، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن الحكم، في قوله: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} قال: مشاغيل وغير مشاغيل.

وقال آخرون: معناه: انفروا أغنياء وفقراء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عمن ذكره، عن أبي صالح: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} قال: أغنياء وفقراء.

وقال آخرون: معناه: نِشَاطاً وغير نِشاط. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} يقول: انفروا نِشَاطاً وغير نِشَاط.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {خِفافاً وَثِقالاً} قال: نِشَاطاً وغير نِشاط.

وقال آخرون: معناه: ركبانا ومشاة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو: إذا كان النفر إلى دروب الشأم نفر الناس إليها خفافاً ركباناً، وإذا كان النفر إلى هذه السواحل ونفروا إليها خفافاً وثقالاٍ ركباناً ومشاة.

وقال آخرون: معنى ذلك: ذَا ضَيْعة، وغير ذي ضيعة. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} قال: الثقيل الذي له الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يضيع ضيعته ويخرج، والخفيف الذي لا ضيعة له فقال الله: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً}.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعم حضرميّ أنه ذكر له أن ناساً كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلاً أو كبيراً، فيقول: إني أحسبه قال: أنا لا آثم فأنزل الله: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً}.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن محمد، قال: شهد أبو أيوب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا، ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا وهو في أخرى إلا عاماً واحداً وكان أبو أيوب يقول: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً} فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا جرير، عن عثمان، عن راشد بن سعد، عمن رأى المقداد بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فضل عنه من عظمه، فقلت له: لقد أعذر الله إليك فقال: أتت علينا سورة البحوث {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً}.

حدثنا سعيد بن عمرو السّكونيّ، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: ثنا جرير، قال: ثني عبد الرحمن بن ميسرة، قال: ثني أبو رائد الحبرانيّ، قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، قد فضل عنه من عظمه، يريد الغزو، فقلت له: لقد أعذر الله إليك فقال: أتت علينا سورة البحوث: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً}.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنفر لجهاد أعدائه في سبيله خفافاً وثقالاً وقد يدخل في الخفاف كلّ من كان سهلاً عليه النفر لقوّة بدنه على ذلك وصحة جسمه وشبابه، ومن كان ذا تيسر بمال وفراغ من الاشتغال وقادراً على الظهر والركاب. ويدخل في الثقال كلّ من كان بخلاف ذلك من ضعيف الجسم وعليله وسقيمه، ومن معسر من المال ومشتغل بضيغة ومعاش، ومن كان لا ظهر له ولا ركاب، والشيخ وذو السنّ والعيال. فإذ كان قد يدخل في الخفاف والثقال من وصفنا من أهل الصفات التي ذكرنا ولم يكن الله جلّ ثناؤه خصّ من ذلك صنفاً دون صنف في الكتاب، ولا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نصب على خصوصه دليلاً، وجب أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد في سبيله خفافاً وثقالاً مع رسوله صلى الله عليه وسلم على كلّ حال من أحوال الخفة والثقل.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن مسلم بن صبيح قال: أوّل ما نزل من براءة: {انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، مثله.

حدثنا الحرث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن ابن جرير، عن مجاهد، قال: إن أوّل ما نزل من براءة:

{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرةٍ } قال: يعرّفهم نصره، ويوطنهم لغزوة تبوك.

القول في تأويل قوله تعالى: {وجَاهَدُوا بأمْوَالِكمْ وأنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تعْلَمُونَ}.

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاهدوا أيها المؤمنون الكفار بأموالكم، فأنفقوها في مجاهدتهم على دين الله الذي شرعه لكم، حتى ينقادوا لكم فيدخلوا فيه طوعاً أو كرهاً، أو يعطوكم الجزية عن يد صغاراً إن كانوا أهل كتاب، أو تقتلوهم {وأنْفُسِكُم} يقول: وبأنفسكم فقاتلوهم بأيديكم يخزهم الله وينصركم عليهم. {ذلكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} يقول: هذا الذي آمركم به من النفر في سبيل الله تعالى خفافاً وثقالاً وجهاد أعدائه بأموالكم وأنفسكم خير لكم من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم والخلود إليها والرضا بالقليل من متاع الحياة الدنيا عوضاً من الآخرة، إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بين لكم من فضل الجهاد في سبيل الله على القعود عنه.

لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝٤٢

يقول جلّ ثناؤه للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت جماعة من أصحابه قد استأذنوه في التخلف عنه حين خرج إلى تبوك فأذن لهم: لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك والمستأذنيك في ترك الخروج معك إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه، {عَرَضاً قَرِيباً} يقول: غنيمة حاضرة، {وسَفَراً قاصِداً}، يقول: وموضعاً قريباً سهلاً، {لاتَّبعوكَ} ونفروا معك إليهما ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفراً شاقًّا عليهم، لأنك استنهضتهم في وقت الحرّ وزمان القيظ وحين الحاجة إلى الكنّ. {وسَيَحْلِفُونَ باللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} يقول تعالى ذكره: وسيحلف لك يا محمد هؤلاء المستأذنوك في ترك الخروج معك اعتذارا منهم إليك بالباطل، لتقبل منهم عذرهم، وتأذن لهم في التخلف عنك بالله كاذبين: لو استطعنا لخرجنا معكم يقول: لو أطقنا الخروج معكم بوجود السعة والمراكب والظهور وما لا بدّ للمسافر والغازي منه، وصحة البدن والقوى، لخرجنا معكم إلى عدوّكم. {يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ} يقول: يوجبون لأنفسهم بحلفهم بالله كاذبين الهلاك والعطب، لأنهم يورثونها سخط الله ويكسبونها أليم عقابه. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في حلفهم باللَّهِ لو استطعنا لخرجنا معكم لأنهم كانوا للخروج مطيقين بوجود السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال مما يحتاج إليه الغازي في غزوه والمسافر في سفره وصحة الأبدان وقوى الأجسام.

وبنحو الذي قلنا ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} إلى قوله {لَكَاذِبُونَ} إنهم يستطيعون الخروج، ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم والشيطان وزهادة في الخير.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَلَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً} قال: هي غزوة تبوك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} إي أنهم يستطيعون. ذكر من قال ذلك

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٤٣

وهذا عتاب من الله تعالى ذكره عاتب به نبيه صلى الله عليه وسلم في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم من المنافقين. يقول جلّ ثناؤه: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} يا محمد ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذي استأذنوك في ترك الخروج معك، وفي التخلف عنك من قبل أن تعلم صدقه من كذبه. {لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ} لأيّ شيء أذنت لهم، {حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذبِينَ} يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك، إذ قالوا لك: لو استطعنا لخرجنا معك، حتى تعرف من له العذر منهم في تخلفه ومن لا عذر له منهم، فيكون إذنك لمن أذنت له منهم على علم منك بعذره، وتعلم من الكاذب منهم المتخلف نفاقاً وشكًّا في دين الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ} قال: ناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا...} الآية، عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل الله التي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، فقال:

{ فإذَا اسْتَأذَنُوكَ لبَعْضِ شأْنِهِمْ فأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ } فجعله الله رخصة في ذلك من ذلك.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ...} الآية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: قرأت على سعيد بن أبي عروبة، قال: هكذا سمعته من قتادة، قوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ...} الآية، ثم أنزل الله بعد ذلك في سورة النور:

{ فإذَا اسْتَأذَنُوكَ لبَعْضِ شأْنِهِمْ فأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ... } الآية.

حدثنا صالح بن مسمار، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا موسى بن مروان، قال: سألت مورّقاً، عن قوله:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} قال: عاتبه ربه.

لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ ۝٤٤

وهذا إعلام من الله نبيه صلى الله عليه وسلم سِيما المنافقين أن من علاماتهم التي يعرفون بها تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله باستئذانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركهم الخروج معه إذا استنفروا بالمعاذير الكاذبة. يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد لا تأذننّ في التخلف عنك إذا خرجت لغزو عدوّك لمن استأذنك في التخلف من غير عذر، فإنه لا يستأذنك في ذلك إلا منافق لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فأما الذي يصدّق بالله وبقرّ بوحدانيته وبالبعث والدار الآخرة والثواب والعقاب، فإنه لا يستأذنك في ترك الغزو وجهاد أعداء الله بماله ونفسه. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمُتَّقِينَ} يقول: والله ذو علم بمن خافه فاتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه والمسارعة إلى طاعته في غزو عدوّه وجهادهم بماله ونفسه، وغير ذلك من أمره ونهيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {لا يَسْتأذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ باللَّهِ} فهذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد من غير عذر، وعذر الله المؤمنين، فقال:

{ لم يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ }}.

إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ۝٤٥

يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنما يستأذنك يا محمد في التخلف خلافك، وترك الجهاد معك من غير عذر بين الذين لا يصدّقون بالله، ولا يقرّون بتوحيده. {وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ} يقول: وشكت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله، وفي ثواب أهل طاعته، وعقابه أهل معاصيه. {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتردَّدوَن} يقول: في شكهم متحيرون، وفي ظلمة الحيرة مترددون، لا يعرفون حقًّا من باطل، فيعملون على بصيرة. وهذه صفة المنافقين.

وكان جماعة من أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية التي ذكرت في سورة النور. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قوله:

{ لا يَسْتأذِنُكَ الَّذِينَ يُؤمِنُونَ باللَّهِ... } إلى قوله: {فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} نسختهما الآية التي في النور: { إنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا باللَّهِ... }إلى: { إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }

وقد بيَّنا الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته ههنا.

وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَٰعِدِينَ ۝٤٦

يقول تعالى ذكره: ولو أراد هؤلاء المستأذنوك يا محمد في ترك الخروج معك لجهاد عدوّك الخروج معك. {لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} يقول: لأعدّوا للخروج عدّة، ولتأهبوا للسفر والعدوّ أهبتهما. {وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ} يعني: خروجهم لذلك. {فَثَبَّطَهُمْ} يقول: فثقل عليهم الخروج حتى استخفوا القعود في منازلهم خلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك، فتركوا لذلك الخروج. {وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ} يعني: اقعدوا مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون ومع النساء والصبيان، واتركوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجاهدين في سبيل الله. وكان تثبيط الله إياهم عن الخروج مع رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، لعلمه بنفاقهم، وغشهم للإسلام وأهله، وأنهم لو خرجوا معهم ضرّوهم ولم ينفعوا. وذكر أن الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود كانوا عبد الله بن أبيّ ابن سلول، والجد بن قيس، ومن كان على مثل الذي كانا عليه. كذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان الذين استأذنوه فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافاً في قومهم، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معهم فيفسدوا عليه جنده.

لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّٰعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٧

يقول تعالى ذكره: لو خرج أيها المؤمنون فيكم هؤلاء المنافقون، {ما زَادُوكُمْ إلاَّ خَبالاً} يقول: لم يزيدوكم بخروجهم فيكم إلا فساداً وضرّاً ولذلك ثبطتهم عن الخروج معكم. وقد بيَّنا معنى الخبال بشواهده فيما مضى قبل. {وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ} يقول: ولأسرعوا بركائبهم السير بينكم. وأصله من إيضاع الخيل والركاب، وهو الإسراع بها في السير، يقال للناقة إذا أسرعت السير: وضعت الناقة تضع وضعاً ومَوْضُوعاً، وأوضعها صاحبها: إذا جدّ بها وأسرع يُوضِعُها إيضاعاً ومنه قول الراجز:

يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْأخُبُّ فيها وأضَعْ

وأما أصل الخلال: فهو من الخلل: وهي الفرج تكون بين القوم في الصفوف وغيرها ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ لا يَتَخَلَّلُكُمْ أوْلادُ الحَذَفِ

وأما قوله: {يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ} فإن معنى يبغونكم الفتنة: يطلبون لكم ما تفتنون به عن مخرجكم في مغزاكم، بتثبيطهم إياكم عنه، يقال منه: بغيته الشرّ، وبغيته الخير أبغيه بغاءً: إذا التمسته له، بمعنى: بغيت له، وكذلك عكمتك وحلبتك، بمعنى: حلبت لك وعكمت لك، وإذا أرادوا أعنتك على التماسه وطلبه، قالوا: أبغيتك كذا وأحلبتك وأعكمتك: أي أعنتك عليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ولأَوْضَعُوا خِلالَكُم} بينكم {يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ} بذلك.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ} يقول: ولأوضعوا أسلحتهم خلالكم بالفتنة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ} يبطئونكم. قال: رفاعة بن التابوت، وعبد الله بن أبيّ ابن سلول، وأوس بن قيظي.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله:{ ولأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ } قال: لأسرعوا الأزقة خلالكم. {يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ} يبطئونكم، عبد الله بن نبتل، ورفاعة بن تابوت، وعبد الله بن أبيّ ابن سلول.

قال: حدثنا الحسن، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: {ولأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ} قال: لأسرعوا خلالكم {يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ} بذلك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زَادُوكُمْ إلاَّ خَبالاً} قال: هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك، يُسّليّ الله عنهم نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقال: وما يُحْزِنكم. {ولأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ} الكفر.

وأما قوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: وفيكم سماعون لحديثكم لهم يؤدونه إليهم عيون لهم عليكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} يحدّثون بأحاديثكم، عيونٌ غير منافقين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} قال: محدّثون عيون غير منافقين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} يسمعون ما يؤدونه لعدوّكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيكم من يسمع كلامهم ويطيع لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} وفيكم من يسمع كلامهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبيّ ابن سلولَ والجدّ بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معهم فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم، فقال: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} فعلى هذا التأويل: وفيكم أهل سمع وطاعة منكم لو صحبوكم أفسدوهم عليكم بتثبيطهم إياهم عن السير معكم.

وأما على التأويل الأوّل، فإن معناه: وفيكم منهم سماعون يسمعون حديثكم لهم، فيبلغونهم ويؤدونه إليهم عيون لهم عليكم.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندي في ذلك بالصواب تأويل من قال: معناه: وفيكم سماعون لحديثكم لهم يبلغونه عنكم عيون لهم، لأن الأغلب من كلام العرب في قولهم: سماع، وصف من وصف به أنه سماع للكلام، كما قال الله جلّ ثناؤه في غير موضع من كتابه: سمَّاعُونَ للْكَذِبِ واصفاً بذلك قوماً بسماع الكذب من الحديث. وأما إذا وصفوا الرجل بسماع كلام الرجل وأمره ونهيه وقبوله منه، وانتهائه إليه فإنما تصفه بأنه له سامع ومطيع، ولا تكاد تقول: هو له سماع مطيع.

وأما قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالظَّالِمِينَ} فإن معناه: والله ذو علم بمن يوجه أفعاله إلى غير وجوهها ويضعها في غير مواضعها، ومن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعذر ومن يستأذنه شكًّا في الإسلام ونفاقاً، ومن يسمع حديث المؤمنين ليخبر به المنافقين ومن يسمعه ليسرّ بما سرّ المؤمنين ويساء بما ساءهم، لا يخفى عليه شيء من سرائر خلقه وعلانيتهم. وقد بيَّنا معنى الظلم في غير موضع من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ