انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة التوبة

تفسير البغويالآيات 1–25

تفسير سورة التوبة آية آية، من تفسير البغوي.

بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝١ فَسِيحُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٢

قوله تعالى: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}، أي: هذه: براءة من الله. وهي مصدر كالنَّشاءة والدَّناءة. قال المفسرون: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، كان المنافقون يرجفون الأراجيف وجعل المشركون ينقضون عهوداً كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله عزّ وجلّ بنقض عهودهم، وذلك قوله عزّ وجلّ:

{ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً }الآية [الأنفال: 58].

قال الزَّجَّاج: براءة أي: قد برىء اللّهُ ورسولهُ من إعطائهم العهود والوفاء لهم بها إذا نكثوا.

{إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}، الخطاب مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عاهدهم وعاقدهم، لأنه عاهدهم وأصحابه راضون بذلك، فكأنهم عاقدوا وعاهدوا.

{فَسِيحُواْ فِى ٱلأَرْضِ}، رَجع من الخبر إلى الخطاب، أي: قلْ لهم: سيحوا، أي سيروا في الأرض، مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين أحداً من المسلمين، {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ}، أي: غير فائتين ولا سابقين، {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِى ٱلْكَـٰفِرِينَ}، أي: مذلُّهم بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة.

واختلف العلماء في هذا التأجيل وفي هؤلاء الذي برىء الله ورسوله إليهم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال جماعة: هذا تأجيل من الله تعالى / للمشركين، فمن كانت مدةُ عهده أقلَّ من أربعة أشهر: رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر: حطّه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود: حدّه بأربعة أشهر، ثم هو حرب بعد ذلك لله ورسوله، فيُقتل حيث أدْرك ويؤسر، إلا أن يتوب.

وابتداء هذا الأجل: يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر.

فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحُرُم، وذلك خمسون يوماً. وقال الزهري: الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، لأن هذه الآية نزلت في شوال، والأول هو الأصوب وعليه الأكثرون.

وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان له عهد دون أربعة أشهر، فأتمّ له أربعة أشهر، فأمّا من كان له عهد أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر بإتمام عهده، بقوله تعالى: {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ}. قال الحسن: أمر الله عزّ وجلّ رسولَه صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله من المشركين، فقال: {قَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ}، فكان لا يقاتل إلاّ من قاتله، ثم أمره بقتال المشركين، والبراءة منهم، وأجَّلهم أربعة أشهر، فلم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة أشهر، لا من كان له عهد قبل البراءة ولا من لم يكن له عهد، فكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر، وأحلّ دماءَ جميعهم من أهل العهد وغيرهم بعد انقضاء الأجل.

وقيل: نزلت هذه قبل تبوك.

قال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشاً عام الحديبية على: أن يضعوا الحرب عشر سنين يأْمَنُ فيها الناسُ، ودخلت خزاعةُ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بنو بكر في عهد قريش، ثم عَدَتْ بنوبكر على خزاعة فنالت منها، وأعانتهم قريش بالسلاح، فلما تظاهر بنوبكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

لا هُمَّ إني ناشدٌ محمداًحِلْفَ أَبِيْنا وأَبيه الأَتْلَدَا فانصرْ هداكَ اللَّهُ نصراً أبداًوادعُ عِبَادَ اللّه يأتوا مَدَداً أبيض مثل الشمس يسمو صعداًإن سِيْمَ خَسْفاً وجهُهُ تربَّدا هم بَيَّتُونا بالهَجِيْر هُجَّدَاوقَتَلُونَا رُكَّعَاً وسُجَّدا كنتَ لنا أباً وكنا ولدا ثَمَّتَ أسلمنا ولم نَنْزِعْ يدا فيهم رسولُ اللّه قدْ تجرَّدافي فَيْلَقٍ كالبحر يَجْرِي مُزْبدا إنَّ قريشاً أخْلَفُوك المَوْعِدَاونقضُوا ميثاقَك المؤكَّدا وزَعَمُوا أن لستَ تنجي أحداًوهم أذلُّ وأقلُّ عَدَداً

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"لا نصرتُ إنْ لم أنصركم"، وتجهز إلى مكة سنة ثمان من الهجرة.

فلما كان سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج، ثم قال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة، فبعث أبا بكر تلك السنة أميراً على الموسم ليقيم للناس الحج، وبعث معه بأربعين آيةً من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده علياً، كرَّم الله وجهه، على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر براءة، وأمره أن يُؤذّن بمكة ومنى وعرفة: أن قد بَرِئَتْ ذِمَّةُ الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم من كل مشرك، ألا يطوف بالبيت عريان.

فرجع أبوبكر فقال: يارسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء؟ قال: لا، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلِّغ هذا إلاّ رجل من أهلي، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى يارسول الله.

فسار أبو بكر رضي الله عنه أميراً على الحج، وعلي رضي الله عنه ليُؤذّن ببراءة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب أبو بكر الناس وحدَّثهم عن مناسكهم، وأقام للناس الحج، والعربُ في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فأذّن في الناس بالذي أُمر به، وقرأ عليهم سورة براءة.

وقال زيد بن يُثَيْع سألنا علياً بأي شيء بعثت في تلك الحجة؟ قال: بعثتُ بأربعٍ: لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا.

ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع.

فإن قال قائل: كيف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه ثم عزله وبعث علياً رضي الله عنه؟

قلنا: ذكر العلماء أن رسول الله لم يعزل أبا بكر رضي الله عنه، وكان هو الأمير، وإنما بعث علياً رضي الله عنه لينادي بهذه الآيات، وكان السبب فيه: أن العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العهود ونقضها، أن لا يتولى ذلك إلا سيدهم، أو رجل من رَهْطِه، فبعث علياً رضي الله عنه إزاحةً للعلَّة، لئلا يقولوا: هذا خلاف ما نعرفه فَيُنَافي نقضَ العهد.

والدليل على أن أبا بكر رضي الله عنه كان هو الأمير: ما أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، أخبرني حُمَيْد بن عبدالرحمن أن أبا هريرة قال:

بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجَّة في مؤذِّنين يوم النحر نؤذِّن بمنى: أَلاَ لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وقال حميد بن عبدالرحمن: ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فأمره أن يؤذِّن ببراءة. قال أبو هريرة فأذن معنا علي في أهل منىً يوم النحر: ألا لا يحج بعدَ العام مشركٌ، ولا يطوفُ بالبيت عُرْيان

وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُۥ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٣

قوله عز وجل: {وَأَذَانٌ} عطف على قوله: {بَرَآءَةٌ} أي: إعلام. ومنه الأذان بالصلاة، يقال: آذنته فأذن، أي: أعلمته. وأصله من الأذان، أي: أوقعته في أذنه.

{مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ} واختلفوا في يوم الحج الأكبر: روى عكرمة عن ابن عباس: أنه يوم عرفة، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن الزبير. وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن المسيب.

وقال جماعة: هو يوم النحر. رُوي عن يحيى بن الجزار قال: خرج علي رضي الله عنه يوم النحر على بغلة بيضاء، يريد الجبانة، فجاءه رجل وأخذ بلجام دابته وسأله عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: يومك هذا، خَلِّ سبيلها. ويُروى ذلك عن عبدالله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة. وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والسدي.

وروى ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر حين الحج أيام منى كلها، وكان سفيان الثوري يقول: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها، مثل: يوم صفين ويوم الجمل ويوم بُعاث، يُراد به: الحين والزمان، لأن هذه الحروب دامت أياماً كثيرةً.

وقال عبدالله بن الحارث بن نوفل: يوم الحج الأكبر الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو قول ابن سيرين، لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين، ولم يجتمع قبله ولا بعده.

واختلفوا في الحج الأكبر: فقال مجاهد: الحج الأكبر: القِران، والحج الأصغر: إفراد الحج.

وقال الزهري والشعبي وعطاء: الحج الأكبر: الحج، والحج الأصغر: العمرة؛ قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها.

قوله تعالى: {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}، أي: ورسوله أيضاً بريء من المشركين.

وقرأ يعقوب "ورسولَه" بنصب اللام أي: أَنّ اللّهَ ورسولَه بريءٌ، {فَإِن تُبْتُمْ}: رجعتم من كفركم وأخلصتم التوحيد، {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ}: أعرضتم عن الإِيمان، {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٤

{إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}، هذا استثناء من قوله: {بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدتُم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} إلا مِنْ عَهْد الذين عاهدتم من المشركين، وهم بنو ضُمْرَةَ حيٌّ من كنانة، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر، وكان السبب فيه: أنهم لم ينقضوا العهد، وهذا معنى قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً}، من عهدهم الذي عاهدتموهم عليه، {وَلَمْ يُظَـٰهِرُواْ}، لم يعاونوا، {عَلَيْكُمْ أَحَداً}، من عدوكم. وقرأ عطاء بن يسار: {لَمْ يَنقُضُوكُمْ} بالضاد المعجمة من نقض العهد، {فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ}، فأوفوا لهم بعهدهم، {إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ}، إلى أجلهم الذي عاهدتموهم عليه، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ}.

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٥

قوله تعالى: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ}، انقضى ومضى {ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ}، قيل: هي الأشهر الأربعة: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.

وقال مجاهد وابن إسحاق: هي شهور العهد، فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر، ومن لا عهد له: فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوماً، وقيل لها "حُرُمٌ" لأن الله تعالى حرَّم فيها على المؤمنين دماءَ المشركين والتعرُّضَ لهم.

فإن قيل: هذا القدر بعض الأشهر الحرم والله تعالى يقول: {فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ}؟

قيل: لمّا كان هذا القدر متصلاً بما مضى أُطلق عليه اسم الجمع، ومعناه: مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحُرم.

قوله تعالى: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، في الحل والحرم، {وَخُذُوهُمْ}، وأسروهم، {وَٱحْصُرُوهُمْ}، أي: احبسوهم.

قال ابن عباس رضي الله عنه: يريد إن تَحَصَّنُوا فاحصروهم، أي: امنعوهم من الخروج.

وقيل: امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الإِسلام.

{وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}، أي: على كل طريق، والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، من رصدتُ الشيء أرصده: إذا ترَّقْبتُه، يريد: كونوا لهم رصداً لتأخذوهم من أي وجهٍ توجهوا.

وقيل: اقعدوا لهم بطريق مكة، حتى لا يدخلوها.

{فَإِن تَابُواْ}، من الشرك، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ}، يقول: دعوهم فليتصرفوا في أمصارهم ويدخلوا مكة، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ}، لمن تاب، {رَّحِيمٌ} به.

وقال الحسين بن الفضل: هذه الآية نسخت كل آية في القرآن فيها ذكر الإِعراض والصبر على أذى الأعداء.

وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ ۝٦ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٧

قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ}، أي: وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرتُك بقتالهم وقتلهم، أي: استأمنك بعد انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع كلام الله. {فَأَجِرْهُ}، فأعِذْهُ وآمنه، {حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ}، فيما له وعليه من الثواب والعقاب، {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}، أي: إن لم يسلم أبلغه مأمنه، أي: الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه، فإن قاتلك بعد ذلك ذلك فقدِرْتَ عليه فاقتله، {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}، أي: لا يعلمون دين الله وتوحيده فهم محتاجون إلى سماع كلام الله. قال الحسن: وهذه الآية محكمة إلى يوم القيامة.

قوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ}، هذا على وجه التعجب، ومعناه جحد، أي: لا يكون لهم عهد عند الله، ولا عند رسوله، وهم يغدرون وينقضون العهد، ثم استثنى فقال جلّ وعلا: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}، قال ابن عباس: هم قريش. وقال قتادة: هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية.

قال الله تعالى: {فَمَا ٱسْتَقَـٰمُواْ لَكُمْ}، أي: على العهد، {فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ}، فلم يستقيموا، ونقضوا العهد، وأعانوا بني بكر على خزاعة، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم: إمّا أن يُسْلِمُوا، وإمّا أن يلحقوا بأي بلاد شاؤوا، فأسلموا قبل الأربعة الأشهر.

قال السدي والكلبي وابن إسحاق: هم من قبائل بكر: بنو خُزيمة وبنو مُدْلج وبنو ضُمْرة وبنو الدَّيل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية، فلم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأُمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة.

وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة، فكيف يقول لشيء قد مضى: {فَمَا ٱسْتَقَـٰمُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ}؟ وإنما هم الذين قال عزّ وجلّ: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً} كما نقصتكم قريش، ولم يظاهروا عليكم أحداً كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ}.

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ ۝٨

قوله تعالى: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ}، هذا مردود على الآية الأولى تقديره: كيف يكون لهم عهد عند الله كيف وإن يظهروا عليكم! {لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}، قال الأخفش: كيف لا تقتلونهم وهم إن يظهروا عليكم أي: يظفروا بكم، لا يرقُبُوا: لا يحفظوا؟ وقال الضحاك: لا ينتظروا. وقال قطرب: لا يراعوا فيكم إِلاًّ. قال ابن عباس والضحاك: قرابةً. وقال يمان: رحماً. وقال قتادة: الإِلُّ الحِلْفُ. وقال السدي: هو العهد. وكذلك الذمة، إلاّ أنه كرر لاختلاف اللفظين. وقال أبو مجلز ومجاهد: الإلّ هو الله عزّ وجلّ. وكان عبيد بن عمير يقرأ: "جبر إلّ" بالتشديد، يعني: "عبد الله". وفي الخبر أن ناساً قدِمُوا على أبي بكر من قوم مسيلمة الكذاب، فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرأوا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن هذا الكلام لم يخرج من إلّ، أي: من الله.

والدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة: {لا يرقبون في المؤمن إيلاً} بالياء، يعني: الله عزّ وجلّ. مثل جبرائيل وميكائيل. ولا ذمةً أي: عهداً. {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ}، أي: يُعْطُونكُم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم، {وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ}، الإِيمان، {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ}.

فإن قيل: هذا في المشركين وكلهم فاسقون، فكيف قال: {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ}؟

قيل: أراد بالفسق: نقضَ العهد، وكان في المشركين من وفى بعهده، وأكثرهم نقضوا، فلهذا قال: {وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ}.

ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٩ لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ ۝١٠ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝١١

{ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}، وذلك أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلةٍ أطعمهم إيّاها أبو سفيان. قال مجاهد: أطعم أبو سفيان حلفاءه، {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ}، فمنعوا الناس من الدخول في دين الله. وقال ابن عباس رضي الله عنه: وذلك إن أهل الطائف أمدُّوهم بالأموال ليقوُّوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، {إِنَّهُمْ سَآءَ} بئس {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

{لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}، يقول: لا تُبْقُوا عليهم أيها المؤمنون كما لا يُبْقُونَ عليكم لو ظهروا، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ}، بنقض العهد.

{فَإِن تَابُواْ}، من الشرك، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَانُكُمْ} أي: فهم إخوانكم، {فِى ٱلدِّينِ}، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، {وَنُفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ} ونبيّن الآيات {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة. قال ابن مسعود: أمرتهم بالصلاة والزكاة لمن لم يزك فلا صلاة له.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، حدثنا عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة رضي الله عنه قال:

لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه بعده، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمرت أنْ أُقاتلَ النّاسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله، فَمَنْ قال لا إله إلا الله عَصَمَ منّي مالَهُ ونفسَهُ إلا بحقّهِ وحسابُه على الله"؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عَنَاقاً كانوا يُؤدُّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُهم على مَنْعها. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلاّ أن قد شرح الله صدرَ أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحق.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن عباس، حدثنا ابن المهدي، حدثنا منصور بن سعد عن ميمون بن سِيَاهٍ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من صلّى صلاتَنَا واستقبلَ قِبلتَنَا وأكل ذبيحتنا: فذلك المسلُم الذي له ذِمّةُ الله وذِمّةُ رسوله».

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ۝١٢

قوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَـٰنَهُم}، نقضوا عهودهم، {مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ}، عقدهم، يعني: مشركي قريش، {وَطَعَنُواْ}، قدحوا {فِى دِينِكُمْ} عابوه. فهذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإِسلام ظَاهِراً لا يبقى له عهد، {فَقَـٰتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ}، قرأ أهل الكوفة والشام: "أئمة" بهمزتين حيث كان، وقرأ الباقون: بتليين الهمزة الثانية. وأئمة الكفر: رؤوس المشركين وقادتهم من أهل مكة.

قال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش يومئذٍ للذين نقضوا العهد، وهم الذين همّوا بإخراج الرسول وقال مجاهد: هم أهل فارس والروم.

وقال حذيفة بن اليمان: ما قُوتِلَ أهلُ هذه الآية ولم يأتِ أهلُها بعد {إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَـٰنَ لَهُمْ}، أي: لا عهود لهم، جمع يمين. قال قطرب: لا وفاء لهم بالعهد. وقرأ ابن عامر: {لاَ إِيْمَـٰنَ لَهُم} بكسر الألف، أي: لا تصديق لهم ولا دين لهم. وقيل: هو من الأمان، أي لا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، {لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ}، أي: لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم. وقيل: عن الكفر، ثم حض المسلمين على القتال.

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٣ قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ۝١٤ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝١٥

فقال جلّ ذكره:{أَلاَ تُقَـٰتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَـٰنَهُمْ}، نقضوا عهدهم، وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة. {وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ}، من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة، {وَهُم بَدَءُوكُمْ}، بالقتال، {أَوَّلَ مَرَّةٍ}، يعني: يوم بدر، وذلك أنهم قالوا حين سَلِمَ العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً وأصحابه.

وقال جماعة من المفسرين: أراد أنهم بدأوا بقتال خُزاعةَ حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

{أَتَخْشَوْنَهُمْ}، أتخافونهم فتتركون قتالهم؟ {فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ}، في ترك قتالهم، {إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ}.

{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}، يقتلهم الله بأيديكم، {وَيُخْزِهِمْ}، ويذلهم بالأسر والقهر، {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ}، ويبرىء داء قلوب قوم، {مُّؤُمِنِينَ}، مما كانوا ينالونه من الأذى منهم. وقال مجاهد والسدي: أراد صُدُورَ خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعانت قريش بني بكر عليهم، حتى نكأوا فيهم فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين.

{وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}، كَرْبَها ووَجْدَها بمعونة قريش بني بكراً عليهم، ثم قال مستأنفاً: {وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ}، فيهديه إلى الإِسلام كما فعل بأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة:

ارفعوا السّيفَ إلا خزاعة من بني بكر إلى العصر».

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٦ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ ۝١٧

قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ}، أظننتم {أَن تُتْرَكُواْ}، قيل: هذا خطاب للمنافقين. وقيل: للمؤمنين الذين شقّ عليهم القتال، فقال: أم حسبتم أن تُتركوا فلا تؤمروا بالجهاد، ولا تُمنحوا، ليظهر الصادق من الكاذب، {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ}، ولم يرَ اللّهُ {ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً}، بطانةً وأولياءً يُوالونَهم ويُفشون إليهم أسرارهم. وقال قتادة: وليجة خيانة. وقال الضحاك: خديعة. وقال عطاء: أولياء. وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة، فوليجة الرجل: من يختص بدخيلة أمره دون الناس، يقال: هو وليجتي، وهم وليجتي، للواحد والجمع، {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّهِ} الآية.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أُسر العباسُ يوم بدرٍ عيَّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم، وأغلظ علي رضي الله عنه له القولَ. فقال العباس: مالكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟

فقال له علي رضي الله عنه: ألكم محاسن؟ فقال: نعم، إنّا لَنَعْمرُ المسجدَ الحرام ونحجبُ الكعبةَ ونُسقي الحاج، فأنزل الله عزّ وجلّ رداً على العباس: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّهِ}، أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله.

أوجب على المسلمين منعهم من ذلك، لأن المساجد إنما تعمر لعبادة الله وحده، فمن كان كافراً بالله فليس من شأنه أن يعمرها. فذهب جماعة إلى أنّ المراد منه: العمارة المعروفة من بناء المسجد ومرمَّته عند الخراب فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لا تمتثل. وحمل بعضهم العمارة هاهنا على دخول المسجد والقعود فيه. قال الحسن: ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام.

قرأ ابن كثير وأهل البصرة: {مسجد الله} على التوحيد، وأراد به المسجد الحرام، لقوله تعالى: {وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}، ولقوله تعالى:{فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ}، وقرأ الآخرون: {مَسَاجِدَ اللَّهِ} بالجمع، والمراد منه أيضاً المسجد الحرام. قال الحسن: إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها. قال الفراء: ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد، ألا ترى أن الرجل يركب البِرْذَوْنَ فيقول: أخذت في ركوب البراذين؟ ويقال: فلان كثير الدرهم والدينار، يريد الدراهم والدنانير.

قوله تعالى: {شَـاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ}، أرادَ وهم شاهدون، فلما طرحت "وهم" نصبت، قال الحسن: لم يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر.

وقال الضحاك عن ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، وذلك أن كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد، وكانوا يطوفون بالبيتِ عراة، كلما طافوا شوطاً سجدوا لأصنامهم، ولم يزدادوا بذلك من الله تعالى إلاّ بُعْداً.

وقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يُسأل من أنت؟ فيقول: أنا نصراني، واليهودي يقول: أنا يهودي، ويقال للمشرك: ما دينك؟ يقول: مشرك. قال الله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ}، لأنها لغير الله عزّ وجلّ، {وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: معناه شاهدين على رسولهم بالكفر؛ لأنه ما من بطن وإلا ولدته

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ فَعَسَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ۝١٨

ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَىٰ ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ} ولم يَخَفْ في الدين غيرَ الله، ولم يترك أمر الله لخشية غيره، {فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ}، "وعسى" من الله واجب، أي: فأُولئك هم المهتدون، والمهتدون هم المتمسكون بطاعة الله عزّ وجلّ التي تؤدي إلى الجنة.

أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي، حدثنا أحمد بن الحسين الحيري، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن الفرج الحجازي، حدثنا بقية، حدثنا أبو الحجاج، المهدي، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدُوا له بالإِيمان، فإن الله قال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ}».

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن مطرف، عن يزيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ غَدا إلى المسجد أو راحَ أعدَّ الله نُزُلَه منَ الجنةِ كلّما غَدا أو رَاحَ."

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، حدثني أبي عن محمود بن لبيد، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناسُ ذلك، وأحبُّوا أن يَدَعَهُ، فقال عثمان: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

منْ بنَى للّهِ مسجداً بنى اللّهُ كهيئته في الجنة".

وأخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا محمد بن الحسين القطان، حدثنا علي بن الحسين الدَّارَ ابَجِرْدِيّ، حدثنا أبو عاصم بهذا الإِسناد، قال:

بنَى اللّهُ له بيتاً في الجنّة".

أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٩

قوله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ} الآية.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، حدثنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، حدثنا عبد الله بن حامد بن محمد الوزان، حدثنا أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المعافري، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، حدثنا النعمان بن بشير قال: كنتُ عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أُبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أَسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتما، فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليتُ دخلت فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم به، ففعل فأنزل الله عزّ وجلّ: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}، إلى قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال العباس حين أُسِر يومَ بدرٍ: لئن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد، لقد كنّا نعمر المسجد الحرام، ونُسْقي الحاجّ، فأنزل الله هذه الآية، وأخبر أن عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السقاية لا تنفعهم مع الشرك بالله، والإِيمان بالله والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم خيرٌ مما هم عليه.

وقال الحسن، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، نزلت في عليّ بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن شيبة، افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي: ما أدري ما تقولون لقد صليت إلى القبلة ستّة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ}.

والسقاية: مصدر كالرعاية والحماية.

قوله: {وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ}، فيه اختصار تقديره: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإِيمان من آمن بالله وجهاد من جاهد في سبيل الله؟

وقيل: السقاية والعمارة بمعنى الساقي والعامر. وتقديره: أجعلتم ساقي الحاج وعامرَ المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟ وهذا كقوله تعالى:

{ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ }[طه: 132] أي: للمتقين، يدل عليه قراءة عبد الله بن الزبير وأُبيِّ بن كعب "أجعلتم سُقَاةَ الحاجِّ وعَمَرَة المسجدِ الحرامِ" على جمْع الساقي والعامر.

{كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو أسامة، حدثنا يحيى بن مهلب، عن حسين، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يافضل اذهب إلى أمك فاتِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بشرابٍ من عندها، فقال: اسقني، فقال: يا رسول الله إنّهم يجعلون أيديهم فيه، قال: اسقني، فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال:

اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال:لولا أن تُغْلَبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، وأشار إلى عاتقه.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، حدثني محمد بن منهال الضرير، حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المُزَنِيّ قال: كنتُ جالساً مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمِّكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ أمِنْ حاجةٍ بكم؟ أم مِنْ بُخلٍ؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما بِنا حاجةٌ ولا بُخْلٌ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة بن زيد فاستسقى، فأتيناه بإناءٍ من نبيذ فشرب وسقى فضلَه أسامةَ، وقال:

أحسنتم وأَجْمَلْتُم كذا فاصنعوا، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ۝٢٠ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍ وَجَنَّٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ۝٢١ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝٢٢ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلْإِيمَٰنِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٢٣

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً} فضيلة، {عِندَ ٱللَّهِ}، من الذين افتخروا بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ}، الناجون من النار.

{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ}.

{خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.

{يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ}، قال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها، نزلت في قصة العباس وطلحة وامْتِنَاعِهما من الهجرة.

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: قال: لمّا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من تعلّق به وأهله وولده يقولون: ننشدك بالله أن لا تضيِّعَنا. فيرقّ لهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.

وقال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإِسلام ولحقوا بمكة، فنهى الله عن ولايتهم، فأنزل الله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَٰنَكُمْ أَوْلِيَآءَ} بطانةً وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة، {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ}، اختاروا {ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَـٰنِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ}، فيطلعهم على عورة المسلمين ويُؤثر المقام معهم على الهجرة والجهاد، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، وكان في ذلك الوقت لا يُقبل الإِيمان إلاّ من مهاجر، فهذا معنى قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}.

قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٢٤ لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ۝٢٥

ثم قال تعالى: {قُلْ} يا محمد للمتخلفين عن الهجرة: {إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ}، وذلك أنه لما نزلت الآية الأولى قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إنْ نحنُ هاجرنا ضاعت أموالُنا وذهبت تجاراتُنا وخُرّبتْ دورُنَا وقطعنا أرحامنا، فنزل: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ}، قرأ أبو بكر عن عاصم: "عشيراتكم" بالألف على الجمع، والآخرون بلا ألف على التوحيد، لأن جمع العشيرة عشائر: {وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} اكتسبتموها {وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ}، أي: تستطيبونها يعني القصور والمنازل، {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ}، فانتظروا، {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}، قال عطاء: بقضائه. وقال مجاهد ومقاتل: بفتح مكة وهذا أمر تهديد، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى} لا يُوفّق ولا يُرشد {ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}، الخارجين عن الطاعة.

قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ}، أي مشاهد، {كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ}، وحنين وادٍ بين مكة والطائف. وقال عروة: إلى جنب ذي المجاز.

وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان، ثم خرج إلى حُنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر ألفاً، ـ عشرة آلاف من المهاجرين وألفان من الطلقاء، قال عطاء كانوا ستة عشر ألفاً.

وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف، وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط، والمشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف النَّصْري، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل الثقفي، فلما التقى الجمعان قال رجل من الأنصار يقال له سلمة بن سلامة بن وقش: لن نُغلبَ اليومَ عن قلة، فساء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كلامُه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. وفي رواية: فلم يرض الله قوله، ووَكَلَهم إلى أنفسهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم المشركون وخلوا عن الذراري، ثم نادوا: يا حماة السواد اذكروا الفضائح، فتراجعوا وانكشف المسلمون.

قال قتادة: وذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس فلما انجفل القوم هربوا.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد العزيز أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة عن أبي إسحاق قال:

قال رجل للبراء بن عازب: يا أبا عُمارة فررتُم يومَ حنين؟ قال: لا والله ما ولَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه خرج شُبَّانُ أصحابِه وأَخِفَّاؤُهُم وهم حُسّرٌ ليس عليهم سلاحُ، أو كثيرُ سلاح، فلقوا قوماً رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن وبني نَصْر، فَرَشَقُوهم رَشْقَاً ما يكادون يخطئونَ، فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر وقال: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب، ثم صفَّهُمْ.

ورواه محمد بن إسماعيل عن عبيدالله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق. وزاد قال: فما رُؤي مِنَ الناس يومئذ أشدُّ منه.

ورواه زكريا عن أبي إسحاق. وزاد قال البراء: كنا إذا احمرّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا لَلَّذي يحاذي به ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم. ـ

وروى شعبة عن أبي إسحاق قال: قال البراء: إن هوازن كانوا قوماً رماة، وإنّا لمّا لقيناهم حملنا عليهم، فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم فاستقبلونا بالسِّهام، فأمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفرَّ.

قال الكلبي: كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة من المسلمين وانْهَزَم سائرُ الناسِ.

وقال آخرون: لم يَبْقَ مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ غير: العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، فقتل يومئذ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم ابن الحجاج، قال: حدثنا أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن سرح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس:

شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمتُ أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء أهداها له فروة ابن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يُركِض بغلتَه قِبَلَ الكفار، وأنا آخذٌ بلجام بغلةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أكفُّها إرادةَ أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيْ عبَّاسُ: نادِ أصحابَ السَّمُرة، فقال عباس - وكان رجلاً صيِّتاً - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السّمُرة؟ قال: فوالله لكان عَطْفتَهُمْ حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يالبيك يالبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يامعشر الأنصار يامعشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: هذا حين حَمِيَ الوَطِيْسُ، ثم أخذ رسولُ الله حصياتٍ فرمَى بهنّ وجوهَ الكفار، ثم قال: انهزموا وربِّ محمد، فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فمازلت أرى حَدَّهم كليلاً، وأَمْرَهُمْ مُدْبِراً.

وقال سلمة بن الأكوع:

غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حُنيناً قال فلما غَشُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نزلَ عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجُوه"، فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينه تراباً بتلك القبضة، فَوَلَّوا مُدْبِرين، فهزمهم الله عزّ وجلّ فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين.

قال سعيد بن جبير: أمدَّ الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمِين.

وفي الخبر:

أن رجلاً من بني نضر يقال له شجرة، قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البُلْق والرجال الذين عليهم ثياب بيض، ما كنا نراكم فيهم إلاّ كهيئة الشامة وما كان قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تلك الملائكة.

قال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان بن طلحة قال: استدبرتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وأنا أريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة، وكانا قد قتلا يوم أحد، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ما في نفسي فالتفتَ إليَّ وضرب في صدري وقال أعيذك بالله يا شيبة، فأرْعِدَتْ فرائصي، فنظرت إليه فهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقلت: أشهد أنكَ رسول الله، وإن الله قد أطلعك على ما في نفسي.

فلما هزم الله المشركين وولّوا مدبرين، انطلقوا حتى أتوا أوطاس وبها عيالهم وأموالهم، فبعث رسول الله رجلاً من الأشعريين يقال له أبو عامر وأمَّرَه على جيش المسلمين إلى أوطاس، فسار إليهم فاقتتلوا، وقتل: دريد بن الصَمَّة، وهزم الله المشركين وسبى المسلمون عيالهم، وهرب أميرهم مالك بن عوف النصري، فأتى الطائف فتحصّنَ بها وأُخِذ مالُه، وأهله فيمن أخذ. وقُتل أميرُ المسلمين أبو عامر.

قال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبيّ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر، فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام انصرف عنهم، فأتى الجعرَّانة فأحرم منها بعُمرة وقسّم فيها غنائم حنين وأوطاس، وتألف أناساً منهم: أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فأعطاهم.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا الزهري، أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه

أنّ أناساً من الأنصار قالوا لرسول الله - حين أفاء الله على رسولِه من أموال هوازن ما أفاء، فَطَفِقَ يعطي رجالاً من قريش المائة من الإِبل - فقالوا: يَغْفِرُ الله لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم يُعطي قريشاً يَدَعُنَا وسيوفُنا تَقْطُرُ من دمائِهم؟ قال أنس: فَحُدِّثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمقالتَهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قُبَّةٍ من أَدَمٍ ولم يَدْعُ معهم أحداً غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما كان حديثٌ بلغني عنكم؟ فقال له فقهاؤهم: أمّا ذوُو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئاً، وأما أناسٌ منّا حديثةٌ أسنانُهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطي قريشاً ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأُعْطي رجالاً حديثي عهد بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رجالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم: "إنكم سترون بعدي أَثَرَةً شديدة، فاصبروا حتى تَلْقَوا الله ورسوله على الحوض".

وقال يونس عن ابن شهاب:

"فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بالكفر أتألفهم"، وقال: "فاصبروا حتى تلقَوُا اللّهَ ورسولَه فإني على الحوض"، قالوا: سنصبر.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبدالله بن زيد بن عاصم قال:

لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حُنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئاً، فكأنهم وجدوا إذْ لم يصبهم ما أصابه الناس، فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضُلاّلاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وكنتم عالَةً فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئاً قالوا: اللَّهُ ورسولُه أمَنُّ قال: ما يمنعكم أن تُجيبوا رسولَ الله كلّما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمَنُّ؟ قال: لو شئتُم قلتُم كذا وكذا، أترْضَوْنَ أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امر من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار شِعارٌ والناسُ دِثار، إنكم ستلقون بعدي أثَرَةً فاصْبرُوا حتى تلقوني على الحوض".

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم ابن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن أبي عمر المكي، حدثنا سفيان عن عمر ابن سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج قال: أعطى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أميّة وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإِبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:

فَمَا كانَ حِصْنٌ ولا حَابِسٌيَفُوقَانِ مِرْدَاسَ في المَجْمَعِ أَتَجْعَلُ نَهْبي ونَهْبَ العُبَــــــــيْدِ بَيْنَ عُيَينَةَ والأَقْرَعِ وما كنتُ دونَ امرىءٍ مِنْهُمَاومن تَخْفِضِ اليَوْمَ لا يُرْفَعِ

قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة.

وفي الحديث: أن ناساً من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول الله أنت خيرُ الناس وأَبَرُّ الناس، وقد أُخِذَتْ أبناءنا ونساؤنا وأموالنا.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن عفير، حدثني الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير: أن مروان والمِسْوَر بن مَخْرَمَة أخبراه

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسَبْيَهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن معي من ترون وأحبُّ الحديث إليَّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال. قالوا: فإنّا نختار سَبْيَنَا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى على الله عزّ وجلّ بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أردَّ إليهم سبيهم، فمن أحبّ منكم أن يُطَيِّبَ ذلك لهم فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظ حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فليفعل فقال الناس: قد طَيّبْنا ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا ندري من أذِن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. فأنزل الله تعالى في قصة حنين: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}، حتى قلتم: لن نغلب اليوم من قلة، {فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ}، كثرتُكم، {شَيْئاً}، يعني: إن الظفر لا يكون بالكثرة، {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}، أي: برحبها وسعتها، {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}، منهزمين.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ