انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة التوبة

تفسير الطبريالآيات 101–107

تفسير سورة التوبة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة التوبة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:10:32

  1. 1 الآيات 93–110في هذه الصفحة 18:03

التفسير الصوتي لسورة التوبة كاملًا (9 مقاطع)

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ۝١٠١

يقول تعالى ذكره: ومن القوم الذين حول مدينتكم من الأعراب منافقون، ومن أهل مدينتكم أيضا أمثالهم أقوام منافقون. وقوله:{ مَرَدُوا على النِّفاقِ } يقول: مرنوا عليه ودربوا به، ومنه شيطان مارد ومريد: وهو الخبيث العاتي، ومنه قيل: تمرّد فلان على ربه: أي عتا ومرد على معصيته واعتادها.

وقال ابن زيد في ذلك، ما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَمِنْ أهْلِ المَدِينَةِ مَردُوا على النِّفاقِ } قال: أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب الآخرون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق:{ وَمِنْ أهْلِ المَدِينَةِ مَردُوا على النِّفاقِ } أي لجّوا فيه وأبو غيره. لا تَعْلَمُهُمْ يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعلم يا محمد أنت هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك صفتهم ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة، ولكنا نحن نعلمهم. كما:

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:

{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِن الأعْرَابِ مُنافِقُون... } إلى قوله:{ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} قال: فما بال أقوام يتكلفون علم الناس فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفته الأنبياء قبلك قال نبيّ الله نوح عليه السلام:{ وما عِلْمِي بِمَا كانُوا يَعْمَلُون}، وقال نبي الله شعيب عليه السلام:

{ { بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ وما أنا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } }، وقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام:{ لا تَعْلَمُهُمْ نحْنُ نَعْلَمُهُمْ}.

وقوله:{ سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } يقول: سنعذّب هؤلاء المنافقين مرّتين: إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبر.

ثم اختلف أهل التأويل في التي في الدنيا ما هي فقال بعضهم: هي فضيحتهم فضحهم الله بكشف أمورهم وتبيين سرائرهم للناس على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس، في قول الله:{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُون مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا على النِّفاقِ...} إلى قوله: {عَذَابٍ عَظِيمٍ } قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة، فقال

اخْرُجْ يا فُلانُ فإنَّكَ مُنافِقٌ اخْرُج يا فُلانُ فإنَّك مُنافِقٌ فأخرج من المسجد ناساً منهم فضحهم. فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة، وظنّ أن الناس قد انصرفوا واختبئوا هم من عمر، ظنوا أنه قد علم بأمرهم. فجاء عمر فدخل المسجد، فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر، فقد فضح الله المنافقين اليوم فهذا العذاب الأوّل حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني: عذاب القبر.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك: {سَنُعَذّبُهم مَرَّتَيْنِ } قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فيذكر المنافقين فيعذّبهم بلسانه، قال: وعذاب القبر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قال: القتل والسباء.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } بالجوع، وعذاب القبر. قال:{ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } يوم القيامة.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا جعفر بن عون والقاسم ويحيى بن آدم، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} قال: بالجوع والقتل، وقال يحيى: بالخوف والقتل.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: بالجوع والقتل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك:{ سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قال: بالجوع، وعذاب القبر.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قال: بالجوع والقتل.

وقال آخرون: معنى ذلك: سنعذّبهم عذاباً في الدنيا وعذاباً في الآخرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } عذاب الدنيا وعذاب القبر.{ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسرّ إلى حذيفة باثني عشر رجلاً من المنافقين، فقال:

سِتّة مِنْهم تَكْفِيكَهُمُ الدّبيلة، سِرَاجٌ مِنْ نَارِ جَهَنَّم يأْخُذُ في كَتِفِ أحَدِهِمْ حتى يُفْضي إلى صَدْرِهِ، وسِتّة يموتون مَوْتاًذكر لنا أن عمر بن الخطاب رحمه الله كان إذا مات رجل يرى أنه منهم ونظر إلىٰ حذيفة، فإن صلى عليه صلى عليه وإلا تركه. وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال: لا والله، ولا أؤمن منها أحداً بعدك

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن:{ سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قال: عذاب الدنيا وعذاب القبر.

حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن العلاء، قالا: ثنا بدل بن المحبر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة:{ سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} قال: عذابا في الدنيا وعذابا في القبر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: عذاب الدنيا وعذاب القبر ثم يردونَ إلى عذاب النار.

وقال آخرون: كان عذابهم إحدى المرّتين مصائبهم في أموالهم وأولادهم، والمرّة الأخرى في جهنم. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قال: أما عذاب في الدنيا: فالأموال والأولاد، وقرأ قول الله:{ فَلا تُعْجِبْكَ أمْوَالُهُمْ وَلا أوْلادُهُمْ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لَيُعَذّبُهُمْ بِها فَي الحَياةِ الدُّنْيا } بالمصائب فيهم، هي لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر. قال: وعذاب في الآخرة في النار.{ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } قال: النار.

وقال آخرون: بل إحدى المرّتين: الحدود، والأخرى: عذاب القبر. ذكر ذلك عن ابن عباس من وجه غير مرضيّ.

وقال آخرون: بل إحدى المرّتين: أخذ الزكاة من أموالهم، والأخرى: عذاب القبر. ذُكر ذلك عن سليمان بن أرقم، عن الحسن.

وقال آخرون: بل إحدى المرّتين عذابهم بما يدخل عليهم من الغيظ في أمر الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قال: العذاب الذي وعدهم مرّتين فيما بلغني عنهم ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبر إذ صاروا إليه، ثم العذاب العظيم الذي يردّونَ إليه عذاب الآخرة ويخلدون فيه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبر أنه يعذب هؤلاء الذين مردوا على النفاق مرّتين، ولم يضع لنا دليلاً نتوصل به إلى علم صفة ذينك العذابين وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم، وليس عندنا علم بأيّ ذلك من بأيّ. على أن في قوله جلّ ثناؤه:{ ثُمَّ يِرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } دلالة على أن العذاب في المرّتين كلتيهما قبل دخولهم النار، والأغلب من إحدى المرّتين أنها في القبر. وقوله:{ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } يقول: ثم يردّ هؤلاء المنافقون بعد تعذيب الله إياهم مرّتين إلى عذاب عظيم، وذلك عذاب جهنم.

وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا۟ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا۟ عَمَلًا صَٰلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٠٢

يقول تعالى ذكره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق، ومنهم آخرون اعترفوا بذنوبهم، يقول: أقرّوا بذنوبهم.{ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً} يعني جلّ ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيىء: اعترافهم بذنوبهم وتوبتهم منها، والآخر السيىء هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج غازيا، وتركهم الجهاد مع المسلمين/

فإن قال قائل: وكيف قيل: خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا، وإنما الكلام: خلطوا عملاً صالحا بآخر سيىء؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فكان بعض نحويي البصرة يقول: قيل ذلك كذلك، وجائز في العربية أن يكون بآخر كما تقول: استوى الماء والخشبة أي بالخشبة، وخلطت الماء واللبن. وأنكر آخرون أن يكون نظير قولهم: استوى الماء والخشبة. واعتلّ في ذلك بأن الفعل في الخلط عامل في الأول والثاني، وجائز تقديم كلّ واحد منهما على صاحبه، وأن تقديم الخشبة على الماء غير جائز في قولهم: استوى الماء والخشبة، وكان ذلك عندهم دليلاً على مخالفة ذلك الخلط. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنه بمعنى قولهم: خلطت الماء واللبن، بمعنى خلطته باللبن.

عَسَى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يقول: لعلّ الله أن يتوب عليهم. وعسى من الله واجب، وإنما معناه: سيتوب الله عليهم، ولكنه في كلام العرب على ما وصفت. إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول: إن الله ذو صفح وعفو لمن تاب عن ذنوبه وساتر له عليها رحيم أن يعذّبه بها.

وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الآية والسبب الذي من أجله أنزلت فيه، فقال بعضهم: نزلت في عشرة أنفس كانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، منهم أبو لبابة، فربط سبعة منهم أنفسهم إلى السواري عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم توبة منهم من ذبنهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً} قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع النبي صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممرّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم، فلما رآهم قال:

مَنْ هَؤُلاَءِ المُوَثِّقُونَ أنْفُسَهُمْ بالسَّواري؟قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام:وأنا أُقْسِمُ باللَّهِ لا أُطْلِقُهُمْ وَلا أَعْذِرُهُمْ حتى يَكُونَ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُطْلِقَهُمْ رَغِبُوا عَنِّي وَتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَفلما بلغهم ذلك، قالوا: ونحن بالله لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا فأنزل الله تبارك وتعالى:{ وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وعسى من الله واجب. فلما نزلت. أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأطلقهم وعذرهم.

وقال آخرون: بل كانوا ستة، أحدهم أبو لبابة، ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ... } إلى قوله:{ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة تبوك، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ثم إن أبا لُبابة ورجلين معه تفكروا وندموا وأيقنوا بالهَلَكة، وقالوا: نكون في الكنّ والطمأنينة مع النساء، ورسول الله والمؤمنون معه في الجهاد؟ والله لنوثِقنّ أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يطلقنا ويعذرنا فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد، وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته، وكان طريقه في المسجد، فمرّ عليهم فقال:

مَنْ هَولاءِ المُوثِقُو أنْفُسِهِمْ بالسَّواري؟ فقالوا: هذا أبو لُبابة وأصحاب له تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم، وقد اعترفوا بذنوبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:واللَّهِ لا أُطْلِقُهُمْ حتى أُومَر بإطْلاقِهِمْ، ولا أعْذِرهُمْ حتى يَكُونَ اللَّهُ هُو يَعْذُرُهُمْ، وقَدْ تَخَلَّفُوا عَنِّي وَرَغِبُوا بأنْفُسِهِمْ عَنْ غَزْوِ المُسْلِمِينَ وَجِهَادِهِمْفأنزل الله برحمته: {وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وعسى من الله واجب. فلما نزلت الآية أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم، وتجاوز عنهم.

وقال آخرون: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري كانوا ثمانية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن زيد بن أسلم:{ وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً} إلى {عَسَى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري، منهم كَرْدم ومِرْداس وأبو لْبابة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري: هلال، أبو لُبابة، وكَردم، ومِرْداس، وأبو قيس.

وقال آخرون: كانوا سبعة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } ذُكر لنا أنهم كانوا سبعة رَهْط تخلفوا عن غزوة تبوك، فأما أربعة فخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً: جَدّ بن قيس، وأبو لُبابة، وحَرام، وأوس، وكلهم من الأنصار، وهم الذين قيل فيهم: {خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ... } الآية.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاوآخَرَ سَيِّئاً} قال: هم نفر ممن تخلف عن تبوك: منهم أبو لَبابة، ومنهم جد بن قيس تِيبَ عليهم. قال قتادة: وليسوا بثلاثة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: {وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ } قال: هم سبعة، منهم أبو لبابة كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك، وليسوا بالثلاثة.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقو ل في قوله: {وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً} نزلت في أبي لبابة وأصحابه تخلفوا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته، وكان قريباً من المدينة، ندموا على تخلفهم عن رسول الله، وقالوا: نكون في الظلال والأطعمة والنساء، ونبيّ الله في الجهاد واللأواء؟ والله لنوثقنّ أنفسنا بالسواري ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله صلى الله عليه وسلم يطلقنا ويعذرنا وأوثقوا أنفسهم، وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته، فمرّ في المسجد وكان طريقه، فأبصرهم، فسأل عنهم، فقيل له: أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبيّ الله، فصنعوا بأنفسهم ما ترى، وعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم:

لا أُطْلِقُهُمْ حتى أُومَرَ بإطْلاقِهِمْ، وَلا أعْذُرُهُمْ حتى يَعْذُرُهُمْ اللَّهُ، قَدْ رَغِبُوا بأنْفُسِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ المُسْلِمِينَ ». فأنزل الله: {وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ...} إلى: {عَسَى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} وعسى من الله واجب. فأطلقهم نبي الله وعذرهم.

وقال آخرون: بل عُني بهذه الآية أبو لبابة خاصة وذنبه الذي اعترف به فتيب عليه منه ما كان من أمره في بني قريظة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} قال: نزلت في أبي لبابة قال لبني قريظة ما قال.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ } قال أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال، أشار إلى حلقه: إن محمداً ذابحكم إن نزلتم على حكم الله.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ } فذكره نحوه، إلا أنه قال: إن نزلتم على حكمه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: ربط أبو لبابة نفسه إلى سارية، فقال لا أحلّ نفسي حتى يحلني الله ورسوله قال: فحله النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنزلت هذه الآية:{ وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً... } الآية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد:{ وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ } قال: نزلت في أبي لبابة.

وقال آخرون: بل نزلت في أبي لبابة بسبب تخلفه عن تبوك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الزهري: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية، فقال: والله لا أحلّ نفسي منها ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خرّ مغشيًّا عليه. قال: ثم تاب الله عليه، ثم قيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحلني قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحلّه بيده. ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال:

يَجْزِيكَ يا أبا لُبابَةُ الثُّلُثُ «.

وقال بعضهم: عني بهذه الآية الأعرابُ. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{ وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً} قال: فقال إنهم من الأعراب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن حجاج بن أبي ذئب، قال: سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله: {وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ... } إلى:{ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم الجهاد معه والخروج لغزو الروم حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل فيهم جماعة أحدهم أبو لبابة/

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه قال: وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة غير أبي لبابة وحده. فإذا كان ذلك، وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله:{ وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} بالاعتراف بذنوبهم جماعة، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعة فعلت ذلك فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك صحّ ما قلنا في ذلك، وقلنا: كان منهم أبو لبابة لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.

خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝١٠٣

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها صدقة تطهرهم من دنس ذنوبهم {وتُزَكّيهمْ بِها } يقول: وتنميهم وترفعهم عن خسيس منازل أهل النفاق بها، إلى منازل أهل الإخلاص. {وَصَلّ عَلَيْهِمْ } يقول: وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم،{ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } منها. إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ يقول: إن دعاءك واستغفارك طمأنينة لهم بأن الله قد عفا عنهم وقبل توبتهم. {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يقول: والله سميع لدعائك إذا دعوت لهم ولغير ذلك من كلام خلقه، عليم بما تطلب بهم بدعائك ربك لهم وبغير ذلك من أمور عباده.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: جاءوا بأموالهم يعني أبا لبابة وأصحابة حين أطلقوا فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدّق بها عنا واستغفر لنا قال:

ما أُمِرْتُ أن آخُذَ مِنْ أمْوَالِكُمْ شَيْئاً ». فأنزل الله:{ خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها } يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص. {وَصَلّ عَلَيْهِمْ} يقول: استغفر لهم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: خذ من أموالنا فتصدق به عنا، وصلّ علينا يقولون: استغفر لنا وطهرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا آخُذُ مِنْها شَيْئاً حتى أُومَرَفأنزل الله:{ خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } يقول: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوا. فلما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءا من أموالهم، فتصدّق بها عنهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن زيد بن أسلم، قال: لما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة والذين ربطوا أنفسهم بالسواري، قالوا: يا رسول الله خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها فأنزل الله:{ خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ... } الآية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: قال الذين ربطوا أنفسهم بالسواري حين عفا الله عنهم با نبيّ الله طهر أموالنا فأنزل الله:{ خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها}، وكان الثلاثة إذا اشتكى أحدهم اشتكى الآخران مثله، وكان عمى منهم اثنان، فلم يزل الآخر يدعوا حتى عمى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: الأربعة: جّد بن قيس، وأبو لبابة، وحرام، وأوس، وهم الذين قيل: فيهم:{ خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } أي وقار لهم. وكانوا وعدوا من أنفسهم أن ينفقوا ويجاهدوا ويتصدّقوا.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، قال: لما أطلق نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وأصحابه، أتوا نبيّ الله بأموالهم، فقالوا: يا نبيّ الله خذ من أموالنا فتصدّق به عنا، وطهرنا وصل علينا يقولون: استغفر لنا. فقال نبيّ الله:

لا آخُذُ مِنْ أمْوَالِكُمْ شَيْئاً حتى أُومَرَ فِيها. فأنزل الله عزّ وجلّ: {خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ } من ذنوبهم التي أصابوا. {وَصَلّ عَلَيْهِمْ } يقول: استغفر لهم. ففعل نبيّ الله عليه الصلاة والسلام ما أمره الله به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله:{ خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} أبو لبابة وأصحابه. {وَصَلّ عَلَيْهِمْ } يقول: استغفر لهم لذنوبهم التي كانوا أصابوا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } قال: هؤلاء ناس من المنافقين ممن كان تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، اعترفوا بالنفاق وقالوا: يا رسول الله قد ارتبنا ونافقنا وشككنا، ولكن توبة جديدة وصدقة نخرجها من أموالنا فقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام:{ خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها} بعد ما قال: {وَلا تُصَلّ عَلى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ}.

واختلف أهل العربية في وجه رفع «تزكيهم»، فقال بعض نحويي البصرة: رفع «تزكيهم بها» في الابتداء وإن شئت جعلته من صفة الصدقة، ثم جئت بها توكيداً، وكذلك «تطهرهم». وقال بعض نحويي الكوفة: إن كان قوله:{ تُطَهِّرُهُمْ} للنبيّ عليه الصلاة والسلام فالاختيار أن تجزم بأنه لم يعد على الصدقة عائد،{ وَتُزَكِّيهِمْ } مستأنف، وإن كانت الصدقة تطهرهم وأنت تزكيهم بها جاز أن تجزم الفعلين وترفعهما.

قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول أن قوله:{ تُطَهِّرُهُمْ } من صلة «الصدقة»، لأن القرّاء مجمعة على رفعها، وذلك دليل على أنه من صلة الصدقة. وأما قوله:{ وَتُزَكِّيهِم بها } فخبر مستأنف، بمعنى: وأنت تزكيهم بها، فلذلك رفع.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:{ إنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } فقال بعضهم: رحمة لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس:{ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } يقول: رحمة لهم.

وقال آخرون: بل معناه: إن صلاتك وقار لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}: أي وقار لهم.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء المدينة«إنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ » بمعنى دعواتك. وقرأ قرّاء العراق وبعض المكيين:{ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } بمعنى إن دعاءك. وكأن الذين قرءوا ذلك على التوحيد رأوا أن قراءته بالتوحيد أصحّ لأن في التوحيد من معنى الجمع وكثرة العدد ما ليس في قوله: « إنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ » إذ كانت الصلوات هي جمع لما بين الثلاث إلى العشر من العدد دون ما هو أكثر من ذلك، والذي قالوا من ذلك عندنا كما قالوا. وبالتوحيد عندنا القراءة لا لعلة أن ذلك في العدد أكثر من الصلوات، ولكن المقصود منه الخبر عن دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم وصلاته أنه سكن لهؤلاء القوم لا الخبر عن العدد، وإذا كان ذلك كذلك كان التوحيد في الصلاة أولى.

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٠٤

وهذا خبر من الله تعالى ذكره أخبر المؤمنين به أن قبول توبة من تاب من المنافقين وأخذ الصدقة من أموالهم إذا أعطوها ليسا إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، وأن نبيّ الله حين أبى أن يطلق من ربط نفسه بالسواري من المتخلفين عن الغزو معه وحين ترك قبول صدقتهم بعد أن أطلق الله عنهم حين أذن له في ذلك إنما فعل ذلك من أجل أن ذلك لم يكن إليه صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك إلى الله تعالى ذكره دون محمد، وأن محمداً إنما يفعل ما يفعل من ترك وإطلاق وأخذ صدقة وغير ذلك من أفعاله بأمر الله. فقال جلّ ثناؤه: ألم يعلم هؤلاء المتخلفون عن الجهاد مع المؤمنين الموثقو أنفسهم بالسواري، القائلون لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا، السائلو رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصدقة أموالهم أن ذلك ليس إلى محمد، وأن ذلك إلى الله، وأن الله هو الذي يقبل من تاب عباده أو يردّها، ويأخذ صدقة من تصدق منهم، أو يردّها عليه دون محمد، فيوجهوا توبتهم وصدقتهم إلى الله، ويقصدوا بذلك قصد وجهه دون محمد وغيره، ويخلصوا التوبة له ويريدوه بصدقتهم، ويعلموا أن الله هو التوّاب الرحيم؟ يقول: المرجع بعبيده إلى العفو عنه إذا رجعوا إلى طاعته، الرحيم بهم إذا هم أنابوا إلى رضاه من عقابه.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال الآخرون، يعني الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء يعني الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون، فما لهم، فقال الله:{ إنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وأنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني رجل كان يأتي حمادا ولم يجلس إليه قال شعبة: قال العوّام بن حوشب: هو قتادة، أو ابن قتادة، رجل من محارب قال سمعت عبد الله بن السائب وكان جاره، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما من عبد تصدّق بصدقة إلا وقعت في يد الله، فيكون هو الذي يضعها في يد السائل. وتلا هذه الآية:{ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة المحاربي، عن عبد الله بن مسعود قال: ما تصدّق رجل بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل وهو يضعها في يد السائل. ثم قرأ:{ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن ابن مسعود، بنحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة، قال: قال عبد الله: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية: {هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عباد بن منصور، عن القاسم، أنه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَة، ويَأْخُذَها بِيَمينِهِ، فَيُرَبِّيها لأحَدِكُمْ كمَا يُرَبّي أحَدُكُمْ مُهْرَهُ، حتى إنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ وتصديق ذلك في كتاب الله:{ أن اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} و{ يَمْحَقُ اللَّهُ الرّبا ويُرْبي الصَّدَقاتِ}.

حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع الربى، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن عباد بن منصور، عن القاسم، عن أبي هريرة، ولا أراه إلا قد رفعه، قال:

إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ »، ثم ذكر نحوه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد عن أبي هريرة قال: إن الله يقبل الصدقة إذا كانت من طيب، ويأخذها بيمينه، وإن الرجل يتصدّق بمثل اللقمة، فيربيها الله له، كما يربى أحدكم فصيله أو مهره، فتربو في كفّ الله أو قال في يد الله حتى تكون مثل الجبل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويأْخُذُ الصَّدَقَاتِ } ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

والَّذِي نَفْسُ محَمَّد بِيَدِهِ، لا يَتَصَدَّق رَجُلٌ بِصَدَقَة فَتَقَعَ فِي يَدِ السَّائِلِ حتى تَقَعَ فِي يَدِ اللَّهِ ».

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: {وأن اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } يعني إن استقاموا.

وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝١٠٥

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَقُلْ } يا محمد لهؤلاء الذين اعترفوا لك بذنوبهم من المتخلفين عن الجهاد معك:{ اعْمَلُوا} لله بما يرضيه من طاعته وأداء فرائضه، {فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُهُ } يقول: فسيرى الله إن عملتم عملكم، ويراه رسوله. {وَالمُؤْمِنُونَ } في الدنيا {وَسَترَدُّونَ } يوم القيامة إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم، فلا يخفى عليه شيء من باطن أموركُمْ وظواهرها. {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يقول: فيخبركم بما كنتم تعملون، وما منه خالصاً وما منه رياء وما منه طاعة وما منه لله معصية، فيجازيكم على ذلك كله جزاءكم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد:{ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ } قال: هذا وعيد.

وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝١٠٦

يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المتخلفين عنكم شخصتم لعدوّكم أيها المؤمنون آخرون. ورفع قوله آخرون عطفاً على قوله:

{ { وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيّئاً } }. {وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ } يعني مرجئون لأمر الله وقضائه، يقال منه أرجأته أرجئه إرجاءً وهو مُرْجَأٌ بالهمز وترك الهمز، وهما لغتان معناهما واحد، وقد قرأت القرّاء بهما جميعاً. وقيل: عنى بهؤلاء الآخرين نفر ممن كان تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فندموا على ما فعلوا ولم يتعذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مقدمه، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فأرجأ الله أمرهم إلى أن صحت توبتهم، فتاب عليهم وعفا عنهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: وكان ثلاثة منهم يعني من المتخلفين عن غزوة تبوك لم يوثقوا أنفسهم بالسواري أرجئوا سبتة لا يدرون أيعذّبون أو يتاب عليهم. فأنزل الله:

{ { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ على النَّبِيّ وَالمْهاجِرِينَ } }... إلى قوله: { { إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } }.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية يعني قوله:{خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها} أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أموالهم يعني من أموال أبي لبابة وصاحبيه فتصدّق بها عنهم، وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة، ولم يوثقوا، ولم يذكروا بشيء، ولم ينزل عذرهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وهم الذين قال الله: {وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلَيمٌ حَكِيمٌ } فجعل الناس يقولون: هلكوا إذا لم ينزل لهم عذر وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم فصاروا مرجئين لأمر الله، حتى نزلت:

{ { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ على النَّبِيّ وَالمْهاجِرِينَ والأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوه فِي ساعَة العُسْرَةِ } } الذين خرجوا معه إلى الشام { { مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبِ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمُ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } }. ثم قال: { { وَعلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } } يعني المرجئين لأمر الله نزلت عليهم التوبة فعُمُّوا بها، فقال: { { حتى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ } }... إلى قوله: { { إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة:{ وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ } قال: هم الثلاثة الذين خلفوا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ } قال: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك من الأوس والخزرج.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ } هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك من الأوس والخزرج.

قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ } هم الثلاثة الذين خلفوا عن التوبة يريد غير أبي لبابة وأصحابه ولم ينزل الله عذرهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: فرقة تقول: هلكوا حين لم ينزل الله فيهم ما أنزل في أبي لبابة وأصحابه، وتقول فرقة أخرى: عسى الله أن يعفو عنهم وكانوا مرجئين لأمر الله. ثم أنزل الله رحمته ومغفرته، فقال:{ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ على النَّبِيّ وَالمْهاجِرِينَ...} الآية، وأنزل الله: {وَعلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا...} الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ } قال: كنا نُحَدَّثُ أنهم الثلاثة الذين خلفوا: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، رهط من الأنصار.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ } قال: هم الثلاثة الذين خلفوا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق:{ وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ إمَّا يُعَذّبُهُمْ وإمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} وهم الثلاثة الذين خلوا، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم حتى أتتهم توبتهم من الله.

وأما قوله:{ إمَّا يُعَذّبُهُمْ } فإنه يعني: إما أن يحجزهم الله عن التوبة بخذلانه إياهم فيعذّبهم بذنوبهم التي ماتوا عليها في الآخرة. {وإمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } يقول: وإما يوفقهم للتوبة فيتوبوا من ذنوبهم، فيغفر لهم.{ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يقول: والله ذو علم بأمرهم وما هم صائرون إليه من التوبة والمقام على الذنب، حكيم في تدبيرهم وتدبير من سواهم من خلقه، لا يدخل حكمه خلل.

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًۢا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝١٠٧

يقول تعالى ذكره: والذين ابتنوا مسجدا ضرارا، وهم فيما ذكرنا اثنا عشر نفسا من الأنصار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني من تبوك حتى نزل بذي أوان، بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار. وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلَى لنا فيه فقال:

إنِّي على جَناحِ سَفَر وَحالِ شُغْلٍأو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلموَلَوْ قَدْ قَدِمْنا أتَيْناكُمْ إنْ شاءَ اللَّهُ فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ ». فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عديّ أو أخاه عاصم بن عديّ أخا بني العجلان، فقال:انْطَلِقا إلى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمَاهُ وَحَرّقاهُفخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي فدخل أهله فأخذ سعفاً من النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدّان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرّقاه وهدماه، وتفرّقوا عنه. ونزل فيهم من القرآن ما نزل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وكُفْرا إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلاً: خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وهو إلى بني أمية بن زيد، ومعتب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأزعر من بني ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف عمرو بن عوف، وجارية بن عامر وأبناه: مجمع بن جارية، وزيد بن جارية، ونبتل بن الحرث وهم من بني ضبيعة، وبَخْدَج وهو إلى بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر..

فتأويل الكلام: والذين ابتنوا مسجداً ضراراً لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرا بالله لمحادّتهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفرّقوا به المؤمنين ليصلي فيه بعضهم دون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيختلفوا بسبب ذلك ويفترقوا. {وَإرْصَاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} يقول: وإعدادا له، لأبي عامر الكافر الذي خالف الله ورسوله، وكفر بهما وقاتل رسول الله مِنْ قَبْلُ يعني من قبل بنائهم ذلك المسجد. وذلك أن أبا عامر هو الذي كان حَزَّبَ الأحزاب، يعني حَزَّبَ الأحزاب لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خذله الله، لحق بالروم يطلب النصر من ملكهم على نبيّ الله، وكتب إلى أهل مسجد الضرار يأمرهم ببناء المسجد الذي كانوا بنوه فيما ذكر عنه ليصلي فيه فيما يزعم إذا رجع إليهم ففعلوا ذلك. وهذا معنى قول الله جلّ ثناؤه:{ وَإرْصَاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلاَّ الحُسْنَى} يقول جلّ ثناؤه: وليحلفنّ بانوه إن أردنا إلا الحسنى ببنائناه إلا الرفق بالمسلمين والمنفعة والتوسعة على أهل الضعف والعلة وعن عجز عن المسير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه. وتلك هي الفعلة الحسنة. {واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبوُنَ} في حلفهم ذلك، وقيلهم ما بنيناه إلا ونحن نريد الحسنى، ولكنهم بنوه يريدون ببنائه السوآى ضراراً لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفراً بالله وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لأبي عامر الفاسق.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً} وهم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم، واستعدوا بما استطعتم من قوّة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمداً وأصحابه فلما فرغوا من مسجدهم أتُوا النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحبّ أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله فيه:{ لا تَقُمْ فِيهِ أبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ على التَّقْوَى مِنْ أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ...} إلى قوله:{ واللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً وكُفْراً وَتَفْريقاً بينَ المُؤْمِنِينَ }قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، خرج رجال من الأنصار منهم بخدج جدّ عبد الله بن حنيف، ووديعة بن حزام، ومجمع بن جارية الأنصاري، فبنوا مسجد النفاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبخدج:

وَيْلَكْ ما أرَدْتَ إلى ما أرَى؟فقال: يا رسول الله، والله ما أردت إلا الحسنى وهو كاذب. فصدّقه رسول الله وأراد أن يعذره، فأنزل الله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً وكُفْراً وتَفْرِيقاً بينَ المُؤْمِنِينَ وَإرْصَاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ًيعني رجلاً منهم يقال له أبو عامر كان محارباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد انطلق إلى هرقل، فكانوا يرصدون أبا عامر أن يصلي فيه، وكان قد خرج من المدينة محارباً لله ورسوله. {وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلاَّ الحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس:{ وَإرْصَادا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ } قال: أبو عامر الراهب انطلق إلى قيصر، فقالوا: إذا جاء يصلي فيه. كانوا يرون أنه سيظهر على محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً وكُفْراً} قال المنافقون لمن حارب الله ورسوله لأبي عامر الراهب.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

قال: ثنا أبو إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً وكُفْراً وَتَفْرِيقاً بينَ المُؤْمِنِينَ } قال: نزلت في المنافقين. وقوله:{ وَإرْصَاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ } قال: هو أبو عامر الراهب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً وكُفْراً} قال: هم بنو غنم بن عوف.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً وكُفْراً} قال: هم حيّ يقال لهم بنو غنم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب عن سعيد بن جبير، في قوله:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً وكُفْراً} قال: هم حيّ يقال لهم بنو غنم.

قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت:{ وَإرْصَاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } أبو عامر الراهب انطلق إلى الشأم، فقال الذين بنوا مسجد الضرار: إنما بنيناه ليصلي فيه أبو عامر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً...} الآية، عمد ناس من أهل النفاق، فابتنوا مسجدا بقباء ليضاهوا به مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعثوا إلى رسول الله ليصلي فيه. ذكر لنا أنه دعا بقميصه ليأتيهم حتى أطلعه الله على ذلك. وأما قوله:{ وَإرْصَاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فإنه كان رجلاً يقال له أبو عامر، فرّ من المسلمين فلحق بالمشركين فقتلوه بإسلامه، قال: إذا جاء صلى فيه، فأنزل الله:{ لا تَقُمْ فِيهِ أبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ على التَّقُوَى...} الآية.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً وكُفْراً} هم ناس من المنافقين بنوا مسجداً بقباء يضارّون به نبيّ الله والمسلمين. {وَإرْصَاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } كانوا يقولون: إذا رجع أبو عامر من عند قيصر من الروم صلى فيه. وكانوا يقولون: إذا قدم ظهر على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً وكُفْراً وتَفرِيقاً بينَ المُؤْمِنِينَ وَإرْصَاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ } قال مسجد قباء، كانوا يصلون فيه كلهم، وكان رجل من رؤساء المنافقين يقال له أبو عامر أبو حنظلة غسيل الملائكة وضيفي وأخيه، وكان هؤلاء الثلاثة من خيار المسلمين. فخرج أبو عامر هارباً هو وابن بالين من ثقيف وعلقمة بن علاثة من قيس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لحقوا بصاحب الروم. فأما علقمة وابن بالين فرجعا فبايعا النبي صلى الله عليه وسلم وأسلما، وأما أبو عامر فتنصر وأقام. قال: وبنى ناس من المنافقين مسجد الضرار لأبي عامر، قالوا: حتى يأتي أبو عامر يصلي فيه وتفريقا بين المؤمنين يفرّقون بين جماعتهم لأنهم كانوا يصلون جميعا في مسجد قباء. وجاءوا يخدعون النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ربما جاء السيل يقطع بيننا وبين الوادي ويحول بيننا وبين القوم فنصلي في مسجدنا فإذا ذهب السيل صلينا معهم قال: وبنوه على النفاق. قال: وأنهار مسجدهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وألقى الناس عليه النتن والقمامة. فأنزل الله:{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجداً ضِرَاراً وكُفْراً وَتَفْرِيقاً بينَ المُؤْمِنِينَ } لئلا يصلي في مسجد قباء جميع المؤمنين،{ وَإرْصَاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ } أبي عامر،{ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنَا إلاَّ الحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن أبي جعفر، عن ليث: أن شقيقاً لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا بعد فقال: لا أُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فإنَّه بُنيَ على ضِرَار، وكلّ مسجد بني ضراراً أو رياء أو سمعة فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بُني على ضرار.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ