انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة التوبة

تفسير الطبريالآيات 61–74

تفسير سورة التوبة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة التوبة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:10:32

  1. 1 الآيات 60–74في هذه الصفحة 18:17

التفسير الصوتي لسورة التوبة كاملًا (9 مقاطع)

وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٦١

يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين جماعة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبونه، ويقولون: هو أذن سامعة، يسمع من كلّ أحد ما يقول فيقبله ويصدّقه. وهو من قولهم: رجل أذنة مثل فعلة: إذا كان يسرع الاستماع والقبول، كما يقال: هو يَقَنٌ ويَقِنٌ: إذا كان ذا يقين بكلّ ما حدّث. وأصله من أذِنَ له يأْذَنُ: إذا استمع له، ومنه الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:

ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كأَذَنِهِ لِنَبيّ يَتَغَنَّى بالقُرآنِومنه قول عديّ بن زيد:

أيُّها القَلْبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْإنَّ هَمّي فِي سَماعٍ وأَذَنْ

وذكر أن هذه الآية نزلت في نبتل بن الحرث.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذكر الله عيبهم، يعني المنافقين، وأذاهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ...} الآية، وكان الذي يقول تلك المقالة فيما بلغني نبتل بن الحرث أخو بني عمرو بن عوف، وفيه نزلت هذه الآية، وذلك أنه قال: إنما محمد أذُن، من حدّثه شيئاً صدّقه يقول الله: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ}: أي يستمع الخير ويصدّق به.

واختلف القرّاء في قراءة قوله: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} بإضافة الأذن إلى الخير، يعني: قل لهم يا محمد: هو أذن خير لا أذن شرّ. وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ» بتنوين «أذن»، ويصير «خير» خبراً له، بمعنى: قل من يسمع منكم أيها المنافقون ما تقولون ويصدّقكم إن كان محمد كما وصفتموه من أنكر إذا آذيتموه فأنكرتم ما ذكر له عنكم من أذاكم إياه وعيبكم له سمع منكم وصدّقكم، خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل منكم ما تقولون. ثم كذّبهم فقال: بل لا يقبل إلا من المؤمنين، {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِينَ}.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندي في ذلك، قراءة من قرأ: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} بإضافة «الأذن» إلى «الخير»، وخفض «الخير»، يعني: قل هو أذن خير لكم، لا أذن شرّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} يسمع من كل أحد.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} قال: كانوا يقولون: إنما محمد أذن لا يحدّث عنا شيئاً إلا هو أذن يسمع ما يقال له.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن نجيح، عن مجاهد: {وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} نقول ما شئنا، ونحلف فيصدّقنا.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {هُوَ أُذُنٌ} قال: يقولون: نقول ما شئنا، ثم نحلف له فيصدّقنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

وأما قوله: {يُؤْمِنُ باللَّهِ} فإنه يقول: يصدّق بالله وحده لا شريك له. وقوله: {وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِينَ} يقول: ويصدّق المؤمنين لا الكافرين ولا المنافقين. وهذا تكذيب من الله للمنافقين الذين قالوا: محمد أذن، يقول جلّ ثناؤه: إنما محمد صلى الله عليه وسلم مستمع خير، يصدّق بالله وبما جاءه من عنده، ويصدّق المؤمنين لا أهل النفاق والكفر بالله. وقيل: {ويُؤْمِنُ للمُؤْمِنِينَ} معناه: ويؤمن المؤمنين، لأن العرب تقول فيما ذكر لنا عنها: آمنت له وآمنته، بمعنى: صدّقته، كما قيل:

{ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } ومعناه: ردفكم، وكما قال: { للَّذِينَ هُمْ لِربِّهِمْ يَرْهَبُونَ }ومعناه: للذين هم ربهم يرهبون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِينَ} يعني: يؤمن بالله ويصدّق المؤمنين.

وأما قوله: {وَرَحْمَةٌ للَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} فإنّ القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأ ذلك عامة الأمصار: {وَرَحْمَةٌ للَّذِينَ آمَنُوا} بمعنى: قل هو أذن خير لكم، وهو رحمة للذين آمنوا منكم. فرفع «الرحمة» عطفا بها على «الأذن». وقرأه بعض الكوفيين: «وَرَحْمَةٍ» عطفاً بها على «الخير»، بتأويل: قل أذن خير لكم، وأذن رحمة.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ {وَرَحْمَةٌ} بالرفع عطفاً بها على «الأذن»، بمعنى: وهو رحمة للذين آمنوا منكم، وجعله الله رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه وصدّق بما جاء به من عند ربه، لأن الله استنقذهم به من الضلالة وأورثهم باتباعه جناته.

القول في تأويل قوله تعالى: {والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ ألِيم}.

يقول تعالى ذكره: لهؤلاء المنافقين الذين يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: هو أذن وأمثالهم من مكذّبيه، والقائلين فيه الهجر والباطل، عذاب من الله موجع لهم في نار جهنم.

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٦٢

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله صلى الله عليه وسلم: يحلف لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون بالله ليرضوكم فيما بلغكم عنهم من أذاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرهم إياه، بالطعن عليه والعيب له، ومطابقتهم سرّاً أهل الكفر عليكم بالله، والأيمان الفاجرة أنهم ما فعلوا ذلك وإنهم لعلى دينكم ومعكم على من خالفكم، يبتغون بذلك رضاكم. يقول الله جلّ ثناؤه: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ} بالتوبة والإنابة مما قالوا ونطقوا، {إنْ كانُوا مُؤْمِنينَ} يقول: إن كانوا مصدّقين بتوحيد الله، مقرّين بوعده ووعيده.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يَحْلِفُونَ بالله لكم لِيُرْضُوكُمْ...} الآية، ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنَا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقاً، لهم شرّ من الحمير قال: فسمعها رجل من المسلمين، فقال: والله إن ما يقول محمد حقّ، ولأنت شرّ من الحمار فسعى بها الرجل إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى الرجل فدعاه، فقال له:

ما حَمَلَكَ على الذي قُلْتَ؟فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، قال: وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صَدِّق الصادق وكذّب الكاذب فأنزل الله في ذلك: {يَحْلِفُونَ باللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ واللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ}.

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدًا فِيهَا ذَٰلِكَ ٱلْخِزْىُ ٱلْعَظِيمُ ۝٦٣

يقول تعالى ذكره: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يحلفون بالله كذباً للمؤمنين ليرضوهم وهم مقيمون على النفاق، أنه من يحارب الله ورسوله ويخالفهما فيناوئهما بالخلاف عليهما، {فأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ} في الآخرة، {خالِداً فِيها} يقول: لابثاً فيها، مقيماً إلى غير نهاية. {ذلكَ الخِزْيُ العَظِيمُ} يقول: فلبثه في نار جهنم وخلوده فيها هو الهوان والذلّ العظيم. وقرأت القرّاء: {فَأنَّ} بفتح الألف من «أن» بمعنى: ألم يعلموا أن لمن حادّ الله ورسوله نار جهنم، وإعمال «يعلموا» فيها، كأنهم جعلوا «أن» الثانية مكرّرة على الأولى، واعتمدوا عليها، إذ كان الخبر معها دون الأولى. وقد كانت بعض نحويي البصرة يختار الكسر في ذلك على الابتداء بسبب دخول الفاء فيها، وأن دخولها فيها عنده دليل على أنها جواب الجزاء، وأنها إذا كانت جواب الجزاء كان الاختيار فيها الابتداء. والقراءة التي لا أستجيز غيرها فتح الألف في كلام الحرفين، أعني «أن» الأولى والثانية، لأن ذلك قراءة الأمصار، وللعلة التي ذكرت من جهة العربية.

يَحْذَرُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ ٱسْتَهْزِءُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ۝٦٤

يقول تعالى ذكره: يخشى المنافقون أن تنزل فيهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، يقول: تظهر المؤمنين على ما في قلوبهم. وقيل: إن الله أنزل هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المنافقين كانوا إذا عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا شيئاً من أمره وأمر المسلمين، قالوا: لعلّ الله لا يفشي سرّنا فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: استهزءوا، متهدّداً لهم متوعداً، {إنَّ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ}.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ} قال: يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي سرّنا علينا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله، إلا أنه قال: سرنا هذا.

وأما قوله: {إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذرُونَ} فإنه يعني: إن الله مظهر عليكم أيها المنافقون ما كنتم تحذرون أن تظهروه، فأظهر الله ذلك عليهم وفضحهم، فكانت هذه السورة تدعى الفاضحة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كانت تسمى هذه السورة الفاضحة فاضحة المنافقين.

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ۝٦٥

يقول تعالى جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب، ليقولنّ لك: إنما قلنا ذلك لعباً، وكنا نخوض في حديث لعباً وهزواً. يقول الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزءون.

وكان ابن إسحاق يقول: الذي قال هذه المقالة كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان الذي قال هذه المقالة فيما بلغني وديعة بن ثابت، أخو بني أمية بن زيد من بني عمرو بن عوف.

حدثنا عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم: أن رجلاً من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: ما لقرّائنا هؤلاء أرغبنا بطوناً وأكذبنا ألسنةً وأجبننا عند اللقاء فقال له عوف: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فقال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنكبه الحجارة، يقول: {إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} فيقول له النبيّ صلى الله عليه وسلم: {أبا للَّهِ وآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ} ما يزيده.

قال: ثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس، ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {أباللَّهِ وآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ}.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة، في قوله: {وَلَئِنْ سألْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ....} إلى قوله:

{ بأنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ }قال: فكان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهمّ إني أسمع آية أنا أُعْنَى بها، تقشعرّ منها الجلود، وتَجِلُ منها القلوب، اللهمّ فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت قال: فأصيب يوم اليمامة، فما من أحد من المسلمين إلا وجد غيره.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَئِنْ سألْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ....} الآية، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوته إلى تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين، فقال: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم:

احْبِسُوا عَليَّ هَؤلاءِ الرَّكْبَفأتاهم فقال:قُلْتُمْ كَذَا؟ قُلْتُمْ كَذَا؟قالوا: يا نبيّ الله إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله تبارك وتعالى فيها ما تسمعون.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَلَئِنْ سألْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} قال: بينما النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ورَكْبٌ من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظنّ هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال:

عليّ بِهَؤلاءِ النَّفَرِفدعاهم فقال:قُلْتُمْ كَذَا وكَذَا؟فحلفوا: ما كنا إلا نخوض ونلعب.

حدثنا الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب وغيره، قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قرّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب فقال: {أبا للَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ....} إلى قوله: مُجْرِمِينَ وإن رجليه لتسفعان بالحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بنسعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} قال: قال رجل من المنافقين: يحدّثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وما يدريه ما الغيب

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.

لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ ۝٦٦

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الذين وصفت لك صفتهم: {لا تَعْتَذِرُوا} بالباطل، فتقولوا كنا نخوض ونلعب. {قَدْ كَفَرْتُمْ} يقول: قد جحدتم الحقّ بقولكم ما قلتم في رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به {بَعْدَ إيمَانِكُمْ} يقول: بعد تصديقكم به وإقراركم به. {إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذّبْ طائِفَةً} وذُكر أنه عنى بالطائفة في هذا الموضع رجل واحد.

وكان ابن إسحاق يقول فيما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان الذي عفي عنه فيما بلغني مخشي بن حمير الأشجعي حليف بني سلمة، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حبان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: {إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ} قال: طائفة: رجل.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: إن نَعْفُ عن طائفة منكم بإنكاره ما أنكر عليكم من قبل الكفر، نعذّب طائفة بكفره واستهزائه بآيات الله ورسوله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال بعضهم: كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث، فيسير مجانباً لهم، فنزلت: {إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذّبْ طائِفَةً} فسمي طائفة وهو واحد.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن تتب طائفة منكم فيعفو الله عنه، يعذّب الله طائفة منكم بترك التوبة.

وأما قوله: {إنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ} فإن معناه: نعذّب طائفة منهم باكتسابهم الجرم، وهو الكفر بالله، وطعنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٦٧

يقول تعالى ذكره: {المُنافِقُونَ وَالمُنافِقاتُ} وهم الذين يظهرون للمؤمنين الإيمان بألسنتهم ويسرّون الكفر بالله ورسوله {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} يقول: هم صنف واحد، وأمرهم واحد، في إعلانهم الإيمان واستبطانهم الكفر، يأمرون من قبل منهم بالمنكر، وهو الكفر بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به وتكذيبه. {ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ} يقول: وينهونهم عن الإيمان بالله ورسوله وبما جاءهم به من عند الله.

وقوله: {وَيَقْبِضُونَ أيْديهُمْ} يقول: ويمسكون أيديهم عن النفقة في سبيل الله ويكّفونها عن الصدقة، فيمنعون الذين فرض الله لهم في أموالهم ما فرض من الزكاة حقوقهم. كما:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ} قال: لا يبسطونها بنفقة في حقّ.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ}: لا يبسطونها بخير.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ} قال: يقبضون أيديهم عن كلّ خير.

وأما قوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} فإن معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته.

وقد دللنا فيما مضى على أن معنى النسيان الترك بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.

وكان قتادة يقول في ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} نُسُوا من الخير، ولم ينسوا من الشرّ.

قوله: {إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ} يقول: إن الذين يخادعون المؤمنين بإظهارهم لهم بألسنتهم الإيمان بالله، وهم للكفر مستبطنون، هم المفارقون طاعة الله الخارجون عن الإيمان به وبرسوله.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ۝٦٨

يقول تعالى ذكره: {وَعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفَّارَ} بالله {نارَ جَهنمَ} أن يصليهموها جميعاً. {خالِدِينَ فِيها} يقول: ماكثين فيها أبداً، لا يحيون فيها ولا يموتون. {هِي حَسْبُهُمْ} يقول: هي كافيتهم عقاباً وثواباً على كفرهم بالله. {ولَعَنَهُمُ اللَّهُ} يقول: وأبعدهم الله وأسحقهم من رحمته. {ولهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ} يقول: وللفريقين جميعاً، يعني من أهل النفاق والكفر عند الله، عذاب مقيم دائم، لا يزول ولا يبيد.

كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوٓا۟ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَٰلًا وَأَوْلَٰدًا فَٱسْتَمْتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمْ فَٱسْتَمْتَعْتُم بِخَلَٰقِكُمْ كَمَا ٱسْتَمْتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَٰقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِى خَاضُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٦٩

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب: أبا لله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزءون، كالذين من قبلكم من الأمم الذين فعلوا فعلكم فأهلكهم الله، وعجَّل لهم في الدنيا الخزي مع ما أعدّ لهم من العقوبة والنكال في الآخرة؟ يقول لهم جل ثناؤه: واحذروا أن يحلّ بكم من عقوبة الله مثل الذي حلّ بهم، فإنهم كانوا أشدّ منكم قوّة وبطشاً، وأكثر منكم أموالاً وأولاداً. {فاسْتَمْتَعُوا بخَلاقِهِمْ} يقول: فتمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم، ورضوا بذلك من نصيبهم في الدنيا عوضاً من نصيبهم في الآخرة. وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم، يقول: فعلتم بدينكم ودنياكم كما استمتع الأمم الذين كانوا من قبلكم الذين أهلكتهم بخلافهم أمري، بخلاقهم، يقول: كما فعل الذين من قبلكم بنصيبهم من دنياهم ودينهم، وخضتم في الكذب والباطل على الله كالذي خاضوا، يقول: وخضتم أنتم أيها المنافقون كخوض تلك الأمم قبلكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

لَتَأْخُذُنَّ كمَا أخَذَ الأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ، ذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، وَشِبْراً بِشِبْرٍ، وَباعاً بِباعٍ حتى لَوْ أنَّ أحَداً مِنْ أُولَئِكَ دَخَلَ جَحْرَ ضَبّ لَدَخَلْتُمُوهُ. قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم القرآن: {كالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أشَدَّ مِنْكُمْ قَوَّةً وأكْثَرَ أمْوَالاً وأوَلاداً فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا} قالوا: يا رسول الله، كما صنعت فارس والروم؟ قال:فَهَلِ النَّاسُ إلاَّ هُمْ

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج عن عمر بن عطاء، عن عكرمة عن ابن عباس، قوله: {كالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ....} الآية. قال: قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة {كالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم حُجْرَ ضبّ لدخلتموه

قال ابن جريج: وأخبرنا زياد بن سعد، عن محمد بن زيد بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بذِرَاعٍ، وَباعاً بباعٍ حتى لَوْ دَخَلُوا حُجْرَ ضَبّ لَدَخَلْتُمُوهُ قالوا: وَمن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال:فمن فَمَهُ؟

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال أبو سعيد الخدريّ إنه قال: فمن.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ} قال: بدينهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

حِذْرَكُمْ أنْ تُحْدِثُوا في الإسْلامِ حَدَثاوقد علم أنه سيفعل ذلك أقوام من هذه الأمة، فقال الله في ذلك: {فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا} وإنما حسبوا أن لا يقع بهم من الفتنة ما وقع ببني إسرائيل قبلهم، وإن الفتنة عائدة كما بدت.

وأما قوله: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعمالُهُمْ} فإن معناه: هؤلاء الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب، وفعلوا في ذلك فعل الهالكين من الأمم قبلهم، {حبطت أعمالهم} يقول: ذهبت أعمالهم باطلاً، فلا ثواب لها إلا النار، لأنها كانت فيما يسخط الله ويكرهه. {وأُولَئكَ هُمُ الخاسِرُونَ} يقول: وأولئك هم المغبونون صفقتهم ببيعهم نعيم الآخرة، بخلاقهم من الدنيا اليسير الزهيد.

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَٰهِيمَ وَأَصْحَٰبِ مَدْيَنَ وَٱلْمُؤْتَفِكَٰتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٧٠

يقول تعالى ذكره: ألم يأت هؤلاء المنافقين الذين يسرّون الكفر بالله، وينهون عن الإيمان به وبرسوله {نَبأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يقول: خبر الأمم الذين كانوا من قبلهم حين عصوا رسلنا، وخالفوا أمرنا ماذا حلّ بهم من عقوبتنا؟ ثم بين جلّ ثناؤه من أولئك الأمم التي قال لهؤلاء المنافقين ألم يأتهم نبؤهم، فقال: {قَوْمُ نُوحٍ} ولذلك خفض «القوم» لأنه ترجم بهم عن «الذين»، و«الذين» في موضع خفض.

ومعنى الكلام: ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر قوم نوح وصنيعي بهم، إذ كذّبوا رسولي نوحا وخالفوا أمري، ألم أغرقهم بالطوفان؟ {وعادٍ} يقول: وخبر عاد إذ عصوا رسولي هودا، ألم أهلكهم بريح صرصر عاتية؟ وخبر ثمود إذ عصوا رسولي صالحاً، ألم أهلكهم بالرجفة، فأتركهم بأفنيتهم خمودا؟ وخبر قوم إبراهيم إذ عصوه، وردّوا عليه ما جاءهم به من عند الله من الحقّ، ألم أسلبهم النعمة وأهلك ملكهم نمروذ؟ وخبر أصحاب مدين بن إبراهيم، ألم أهلكهم بعذاب يوم الظلة، إذ كذّبوا رسولي شعيباً؟ وخبر المنقلبة بهم أرضهم، فصار أعلاها أسفلها، إذ عصوا رسولي لوطاً وكذّبوا ما جاءهم به من عندي من الحقّ. يقول تعالى ذكره: أفأمن هؤلاء المنافقون الذين يستهزءون بالله وبآياته ورسوله، أن يسلك بهم في الانتقام منهم وتعجيل الخزي والنكال لهم في الدنيا سبيل أسلافهم من الأمم، ويحلّ بهم بتكذيبهم رسولي محمداً صلى الله عليه وسلم ما حلّ بهم في تكذيبهم رسلنا، إذ أتتهم بالبينات.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَالمُؤْتَفِكاتِ} قال: قوم لوط انقلبت بهم أرضهم، فجعل عاليها سافلها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَالمُؤْتَفِكاتِ} قال: هم قوم لوط.

فإن قال قائل: فإن كان عني بالمؤتفكات قوم لوط، فكيف قيل: المؤتفكات، فجمعت ولم توحد؟ قيل: إنها كانت قريات ثلاثاً، فجمعت لذلك، ولذلك جمعت بالتاء على قول الله:

{ والمؤتفِكةَ أهْوَى }

فإن قال: وكيف قيل: أتتهم رسلهم بالبينات، وإنما كان المرسل إليهم واحداً؟ قيل: معنى ذلك: أتى كل قرية من المؤتفكات رسول يدعوهم إلى الله، فتكون رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم إليهم للدعاء إلى الله عن رسالته رسلاً إليهم، كما قالت العرب لقوم نسبوا إلى أبي فديك الخارجي الفديكات وأبو فديك واحد، ولكن أصحابه لما نسبوا إليه وهو رئيسهم دعوا بذلك ونسبوا إلى رئيسهم فكذلك قوله: {أتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبَيِّناتِ}. وقد يحتمل أن يقال: معنى ذلك: أتت قوم نوح وعاد وثمود وسائر الأمم الذين ذكرهم الله في هذه الآية رسلهم من الله بالبينات.

وقوله: {فَمَا كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} يقول جلّ ثناؤه: فما أهلك الله هذه الأمم التي ذكر أنه أهلكها إلا بإجرامها وظلمها أنفسها واستحقاقها من الله عظيم العقاب، لا ظلماً من الله لهم ولا وضعاً منه جلّ ثناؤه عقوبة في غير من هو لها أهل لأن الله حكيم، لا خلل في تدبيره ولا خطأ في تقديره، ولكن القوم الذين أهلكهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله وتكذيبهم رسله حتى أسخطوا عليهم ربهم فحق عليهم كلمة العذاب فعذّبوا.

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝٧١

يقول تعالى ذكره: وأما المؤمنون والمؤمنات، وهم المصدّقون بالله ورسوله وآيات كتابه، فإن صفتهم أن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم. {يَأْمُرُونَ بالمَعْرُوفِ} يقول: يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وبما جاء به من عند الله. {وَيُقيِمُونَ الصَّلاةَ} يقول: ويؤدّون الصلاةَ المفروضة. {وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ} يقول: ويعطون الزكاة المفروضة أهلها. {وَيُطيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيأتمرون لأمر الله ورسوله وينتهون عما نهيناهم عنه. {أُولَئِكَ سَيرْحَمُهُمُ اللَّهُ} يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم الذين سيرحمهم الله، فينقذهم من عذابه ويدخلهم جنته، لا أهل النفاق والتكذيب بالله ورسوله، الناهون عن المعروف، الآمرون بالمنكر، القابضون أيديهم عن أداء حقّ الله من أموالهم. {إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} يقول: إن الله ذو عزّة في انتقامه ممن انتقم من خلقه على معصيته وكفره به، لا يمنعه من الانتقام منه مانع ولا ينصره منه ناصر، حكيم في انتقامه منهم في جميع أفعاله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: كلّ ما ذكره الله في القرآن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف: دعاء من الشرك إلى الإسلام، والنهي عن المنكر: النهي عن عبادة الأوثان والشياطين.

قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {يُقِيمُونَ الصَّلاةَ} قال: الصلوات الخمس.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٧٢

يقول تعالى ذكره: وعد الله الذين صدقوا الله ورسوله وأقرّوا به وبما جاء به من عند الله من الرجال والنساء {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهَارُ} يقول: بساتين تجري تحت أشجارها الأنهار، {خالِدِينَ فِيها} يقول: لابثين فيها أبداً مقيمين لا يزول عنهم نعيمها. ولا يبيد. وَمَساكِنَ طَيِّبَةً يقول: ومنازل يسكنونها طيبة.

و«طيبها»، أنها فيما ذُكر لنا كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، عن الحسن، قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن آية في كتاب الله تبارك وتعالى: {وَمَساكِنَ طَيِّبَةٍ في جَنَّاتٍ عَدْنٍ} فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

قَصْرٌ فِي الجَنَّةِ مِنْ لُؤْلُؤٍ، فِيهِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ ياقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، في كُلّ دارٍ سَبْعُونَ بَيْتاً مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، في كُلّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً

حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا قرة بن حبيب، عن حسن بن فرقد، عن الحسن، عن عمران بن حصين وأبي هريرة، قالا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} قال:

قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ، فِي ذلكَ القَصْرِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ ياقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، فِي كُلُّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتاً مِنْ زَبَرْجَدَة خَضْرَاءَ، في كُلّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً، على كُلّ سَرِيرٍ فِرَاشاً مِنْ كُلّ لَوْنٍ، على كُلّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الحُورِ العِينِ، في كُلّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مائِدَةً، على كُلّ مائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْناً مِنْ طَعامٍ، في كُلّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصِيفَةً وَيُعْطَى المُؤْمِنُ مِنَ القُوَّةِ في غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ ما يَأتي على ذلكَ كُلِّه أجْمَعُ

وأما قوله: {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} فإنه يعني: وهذه المساكن الطيبة التي وصفها جلّ ثناؤه في جنات عدن وفي من صلة مساكن. وقيل: جنات عدن، لأنها بساتين خلد وإقامة لا يظعن منها أحد. وقيل: إنما قيل لها جنات عدن، لأنها دار الله التي استخلصها لنفسه ولمن شاء من خلقه، من قول العرب: عدن فلان بأرض كذا، إذا أقام بها وخلد بها، ومنه المعدن، ويقال: هو في معدن صدق، يعني به أنه في أصل ثابت وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى:

وَإنْ تَسْتَضِيفُوا إلى حُكْمِهِ تُضَافُوا إلى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ

وينشد: «قد وزن».

وكالذي قلنا في ذلك، كان ابن عباس وجماعة معه فيما ذكر يتأوّلونه.

حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: {جَنَّاتِ عَدْنِ} قال: معدن الرجل الذي يكون فيه.

حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الكندي، سعد عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ الذّكْرَ ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ: في السَّاعَةِ الأُولى مِنْهُنَّ يَنْظُرُ فِي الكِتَابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غيرُهُ فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْزِلُ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ إلى جَنَّةِ عَدْنِ، وَهيَ دَارُهُ التي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرْ على قَلْبِ بَشَرٍ، وَهِيَ مَسْكَنُهُ، وَلا يَسْكُنُ مَعُهُ مِنْ بَنِي آدَمِ غيرَ ثلاثَة: النَّبِيِّينَ وَالصّدّيقينَ والشُّهَدَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: طُوبَى لِمَنْ دَخَلَكِ وَذَكَرَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ.

حدثني موسى بن سهل، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: ثنا زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عَدْنٌ دارُهُيعني دار اللهالتي لم ترها عَيْنٌ ولم تَخْطُرْ على قَلْبٍ بَشَرٍ، وهي مَسْكَنُهُ، ولا يسكنها معه من بني آدم غَيْرُ ثلاثٍ: النبيين، والصدّيقين، والشهداء، يقول الله تبارك وتعالى: طُوبَى لمن دَخَلَكَ

وقال آخرون: معنى {جَنَّاتِ عَدْنٍ}: جنات أعناب كروم. ذكر من قال ذلك:

حدثني أحمد بن أبي سريج الرازي، قال: ثنا زكريا بن عديّ، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد ابن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحرث، أن ابن عباس سأل كَعَباً عن جنات عدن، فقال: هي الكروم والأعناب بالسريانية.

وقال آخرون: هي اسم لُبْطَنان الجنة ووسطها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: عدن: بُطْنان الجنة.

حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان وشعبة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، في قوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} قال: بُطْنان الجنة. قال ابن بشار في حديثه: فقلت: ما بطنانها؟ وقال ابن المثنى، في حديثه: فقلت للأعمش: ما بطنان الجنة؟ قال: وسطها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة وأبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} قال: بُطْنان الجنة.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، بمثله.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدّي، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، مثله.

حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى وعبد الله بن مرّة عنهما جميعا، أو عن أحدهما، عن مسروق، عن عبد الله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} قال: بُطْنان الجنة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود في قول الله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} قال: بُطْنان الجنة.

وقال آخرون: عدن: اسم لقصر. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبدة أبو غسان، عن عون بن موسى الكناني، عن الحسن، قال: جنات عدن، وما أدراك ما جنات عدن قصر من ذهب لا يدخله إلا نبيّ أو صدّيق أو شهيد أو حكم عدل. ورفع به صوته.

حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال: ثنا عبد الله بن عاصم، قال: ثنا عون بن موسى، قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن، يقول: جنات عدن، وما أدراك ما جنات عدن قصر من ذهب، لا يدخله إلا نبيّ أو صدّيق، أو شهيد، أو حكم عدل ورفع الحسن به صوته.

حدثنا أحمد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن في الجنة قصرا يقال له: عدن، حوله البروج والروح، له خمسون ألف باب على كل باب حِبَرَة، لا يدخله إلا نبيّ أو صدّيق.

حدثنا الحسن بن ناجح، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت يعقوب بن عاصم يحدّث، عن عبد الله بن عمرو: أن في الجنة قصرا يقال له عدن، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حِبَرَة، لا يدخله إلا نبيّ أو صدّيق أو شهيد.

وقيل: هي مدينة الجنة. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن عبد الرحمن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: {في جَنَّاتِ عَدْنٍ} قال: هي مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها.

وقيل: إنه اسم نهر. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن المحاربي، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن عطاء، قال: عدن: نهر في الجنة، جناته على حافتيه.

وأما قوله: {وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ} فإن معناه ورضا الله عنهم أكبر من ذلك كله، وبذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وَسَعْدَيْكَ فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولونَ: ومَا لَنا لا نَرْضَى وَقَدْ أعْطَيْتَنَا ما لَمْ تُعْطِ أحَداً مِنْ خَلْقِكَ فَيَقول أنا أعْطِيكُمْ أفْضَلَ مِنْ ذلكَ قالُوا: يا رَبّ وأيُّ شَيْ أفْضَلُ مِنْ ذلكَ؟ قال: أُحِلّ عَلَيْكُمْ رِضْوَاني فَلا أسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أبَداً

حدثنا ابن حميد، قال: ثني يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب إلى الرجل، حين ينشقّ عنه قبره، فيقول: أبشر بكرامة الله، أبشر برضوان الله فيقول مثلك من يبشر بالخير ومن أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي كنت أسْهِر ليلك، وأظمىء نهارك. فيحمله على رقبته، حتى يوافى به ربّه، فيمثل بين يديه، فيقول: يا ربّ عبدك هذا اجزه عني خيراً، فقد كنت أسهر ليله، وأظمىء نهاره، وآمره فيطيعني، وأنهاه فيطيعني فيقول الربّ تبارك وتعالى: فله حلة الكرامة فيقول: أي ربّ زده، فإنه أهل ذلك فيقول: فله رضواني قال: ورضوان من الله أكبر.

وابتدىء الخبر عن رضوان الله للمؤمنين والمؤمنات أنه أكبر من كلّ ما ذكر جلّ ثناؤه، فرفع، وإن كان الرضوان فيما قد وعدهم، ولم يعطف به في الإعراب على الجنات والمساكن الطيبة، ليعلم بذلك تفضيل الله رضوانه عن المؤمنين على سائر ما قسم لهم من فضله وأعطاهم من كرامته، نظير قول القائل في الكلام الآخر أعطيتك ووصلتك بكذا، وأكرمتك، ورضاي بعد عنك أفضل ذلك.

{ذلكَ هُوَ الفَوُزُ العَظِيمُ} هذه الأشياء التي وعدت المؤمنين والمؤمنات، هو الفوز العظيم، يقول: هو الظفر العظيم والنجاء الجسيم، لأنهم ظفروا بكرامة الأبد، ونجوا من الهوان في السفر، فهو الفوز العظيم الذي لا شيء أعظم منه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝٧٣

يقول تعالى ذكره: يا أيها النبيّ جاهد الكفار بالسيف والسلاح والمنافقين.

واختلف أهل التأويل في صفة الجهاد الذي أمر الله نبيه به في المنافقين، فقال بعضهم: أمره بجاهدهم باليد واللسان، وبكل ما أطاق جهادهم به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن ويحيى بن آدم، عن حسن بن صالح، عن عليّ بن الأقمر، عن عمرو بن جندب، عن ابن مسعود، في قوله تعالى: {جاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ} قال: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فليكفهرّ في وجهه.

وقال آخرون: بل أمره بجهادهم باللسان. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله تعالى: {يا أيّها النّبي جاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} فأمره الله بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم.

حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {جاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ} قال: الكفار بالقتال، والمنافقين: أن تغلظ عليهم بالكلام.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {جاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} يقول: جاهد الكفار بالسيف، وأغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم.

وقال آخرون: بل أمره بإقامة الحدود عليهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {جاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ} قال: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحدود، أقم عليهم حدود الله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيُّها النَّبِي جاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين في الحدود.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ما قال ابن مسعود، من أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم من جهاد المنافقين، بنحو الذي أمره به من جهاد المشركين.

فإن قال قائل: فكيف تركهم صلى الله عليه وسلم مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم؟ قيل: إن الله تعالى ذكره إنما أمر بقتال من أظهر منهم كلمة الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك. وأما من إذا اطلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأخذ بها، أنكرها ورجع عنها وقال: إني مسلم، فإن حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه، أن يحقن بذلك له دمه وماله وإن كان معتقدا غير ذلك، وتوكل هو جلّ ثناؤه بسرائرهم، ولم يجعل للخلق البحث عن السرائر فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بهم وإطلاع الله إياه على ضمائرهم واعتقاد صدورهم، كان يقرّهم بين أظهر الصحابة، ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبه الحرب على الشرك بالله لأن أحدهم كان إذا اطلع عليه أنه قد قال قولاً كفر فيه بالله ثم أخذ به أنكره، وأظهر الإسلام بلسانه، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يأخذه إلا بما أظهر له من قوله عند حضوره إياه وعزمه على إمضاء الحكم فيه، دون ما سلف من قول كان نطق به قبل ذلك، ودون اعتقاد ضميره الذي لم يبح الله لأحد الأخذ به في الحكم وتولَّى الأخذ به هو دون خلقه.

وقوله: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} يقول تعالى ذكره: واشدد عليهم بالجهاد والقتال والإرعاب. وقوله: {ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ} يقول: ومساكنهم جهنم وهي مثواهم ومأواهم. {وَبِئْسَ المَصِيرُ} يقول: وبئس المكان الذي يصار إليه جهنم.

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُوا۟ وَلَقَدْ قَالُوا۟ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُوا۟ بَعْدَ إِسْلَٰمِهِمْ وَهَمُّوا۟ بِمَا لَمْ يَنَالُوا۟ وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ فَإِن يَتُوبُوا۟ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا۟ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝٧٤

اختلف أهل التأويل في الذي نزلت فيه هذه الآية، والقول الذي كان قاله، الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله. فقال بعضهم: الذي نزلت فيه هذه الآية: الجُلاس بن سويد بن الصامت.

وكان القول الذي قاله ما:

حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: {يَحْلِفُونَ باللَّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ} قال: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقًّا، لنحن أشرّ من الحمير فقال له ابن امرأته: والله يا عدوّ الله، لأخبرنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت، فإني إن لا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤاخذ بخطيئتك فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الجلاس، فقال:

يا جلاس أقلت كذا وكذا؟فحلف ما قال، فأنزل الله تبارك وتعالى: {يَحْلِفُونَ باللَّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلاَمِهِمْ وهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ومَا نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: نزلت هذه الآية: {يَحْلِفُونَ باللَّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلاَمِهِمْ} في الجلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقًّا، لنحن أشرّ من حميرنا هذه التي نحن عليها فقال مصعب: أما والله يا عدوّ الله لأخبرنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وخشيت أن ينزل في القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط، قلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أؤاخذ بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك قال: فدعا الجلاس، فقال له:

يا جلاسُ أقُلْت الَّذِي قالَ مُصْعَبُ؟قال: فحلف، فأنزل الله تبارك وتعالى: {يَحْلِفُونَ باللَّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلاَمِهِمْ...} الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان الذي قال تلك المقالة فيما بلغني الجلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عنه رجل كان في حجره يقال له عمير بن سعيد، فأنكر، فحلف بالله ما قالها فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {كَلِمَةَ الكُفْرِ} قال أحدهم: لئن كان ما يقول محمد حقًّا لنحن شرّ من الحمير فقال له رجل من المؤمنين: إن ما قال لحقّ ولأنت شرّ من حمار قال: فهمّ المنافقون بقتله، فذلك قوله: {وهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظلّ شجرة، فقال:

إنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ إنْسانٌ فَيَنْظُرُ إلَيْكُمْ بِعَيْنَي شَيْطَانٍ، فإذا جاءَ فَلا تُكَلِّمُوهُ فلم يلبث أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «عَلاَمَ تَشْتُمُني أنْتَ وأصْحَابُكَ؟فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا وما فعلوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله: {يَحْلِفُونَ باللَّهِ ما قَالُوا} ثم نعتهم جميعاً، إلى آخر الآية.

وقال آخرون: بل نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلولَ، قالوا: والكلمة التي قالها ما:

حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يَحْلِفُونَ باللَّهِ ما قَالُوا...} إلى قوله: {مِنْ وَلِيّ وَلا نَصِيرٍ} قال: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا، أحدهما من جهينة والآخر من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار. وظهر الغفاريّ على الجهني، فقال عبد الله ابن أبيّ للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك وقال: لَئِنْ رَجعْنَا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الأعَزّ مِنْها الأذَلّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم. فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله تبارك وتعالى: {يَحْلِفُونَ باللَّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ}.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يَحْلِفُونَ باللَّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ} قال: نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلولَ.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنهم يحلفون بالله كذباً على كلمة كفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها. وجائز أن يكون ذلك القول ما رُوي عن عروة أن الجلاس قاله، وجائز أن يكون قائله عبد الله بن أبي بن سلول. والقول ما ذكره قتادة عنه أنه قال ولا علم لنا بأن ذلك من أيّ، إذ كان لا خبر بأحدهما يوجب الحجة ويتوصل به إلى يقين العلم به، وليس مما يُدرك علمه بفطرة العقل، فالصواب أن يقال فيه كما قال الله جلّ ثناؤه: {يَحْلِفُونَ باللَّهِ ما قَالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلاَمِهِمْ}.

وأما قوله: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} فإن أهل التأويل اختلفوا في الذي كان همّ بذلك وما الشيء الذي كان همّ به. فقال بعضهم: هو رجل من المنافقين، وكان الذي همّ به قَتْلَ ابن امرأته الذي سمع منه ما قال وخشي أن يفشيه عليه. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: همّ المنافق بقتله، يعني قتل المؤمن الذي قال له أنت شرّ من الحمار. فذلك قوله: {وهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد به

وقال آخرون: كان الذي همّ رجلاً من قريش، والذي همّ به قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا شبل، عن جابر، عن مجاهد، في قوله: {وَهَمّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} قال: رجل من قريش همّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له الأسود.

وقال آخرون: الذي همّ عبد الله بن أبيّ بن سلولَ، وكان همه الذي لم ينله قوله:

{ لَئِنْ رَجعْنَا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الأعَزّ مِنْها الأذَلّ }من قول قتادة وقد ذكرناه.

وقوله: {ومَا نَقَمُوا إلاَّ أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} ذكر لنا أن المنافق الذي ذكر الله عنه أنه قال كلمة الكفر كان فقيرا، فأغناه الله بأن قتل له مولى، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته. فلما قال ما قال، قال الله تعالى: {ومَا نَقَمُوا} يقول: ما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، {إلاَّ أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: {ومَا نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} وكان الجلاس قتل له مولى له، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته، فاستغنى، فذلك قوله: {ومَا نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}.

قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية اثني عشر ألفاً في مولى لبني عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال: قضى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالدية اثنى عشر ألفاً في مولى لبني عديّ بن كعب، وفيه أنزلت هذه الآية: {ومَا نَقَمُوا إلاَّ أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ومَا نَقَمُوا إلاَّ أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} قال: كانت لعبد الله بن أبي دية، فأخرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم له.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، قال: ثنا عمرو، قال: سمعت عكرمة: أن مولى لبني عديّ بن كعب قتل رجلاً من الأنصار، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية اثني عشر ألفاً، وفيه أنزلت: {ومَا نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} قال عمرو: لم أسمع هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من عكرمة، يعني الدية اثني عشر ألفا.

حدثنا صالح بن مسمار، قال: ثنا محمد بن سنان العوفي، قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألفا، فذلك قوله: {ومَا نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} قال: بأخذ الدية.

وأما قوله: {فإنْ يَتُوبُوا يَكَ خَيْراً لَهُمْ} يقول تعالى ذكره: فإن يتب هؤلاء القائلون كلمة الكفر من قيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه، يك رجوعهم وتوبتهم من ذلك خيراً لهم من النفاق. {وإنْ يَتَوَلَّوْا} يقول: وإن يدبروا عن التوبة فيأبوها، ويصرّوا على كفرهم {يُعَذّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً ألِيماً} يقول: يعذّبهم عذاباً موجعاً في الدنيا، إما بالقتل، وإما بعاجل خزي لهم فيها، ويعذّبهم في الآخرة بالنار.

وقوله: {ومَا لَهُمْ فِي الأرْضِ من وَلِيّ وَلا نَصِيرٍ} يقول: وما لهؤلاء المنافقين إن عذّبهم الله في عاجل الدنيا، من وليّ يواليه على منعه من عقاب الله، ولا نصير ينصره من الله، فينقذه من عقابه وقد كانوا أهل عزّ ومنعة بعشائرهم وقومهم يمتنعون بهم ممن أرادهم بسوء، فأخبر جلّ ثناؤه أن الذين كانوا يمنعونهم ممن أرادهم بسوء من عشائرهم وحلفائهم، لا يمنعونهم من الله ولا ينصرونهم منه إذ احتاجوا إلى نصرهم. وذُكر أن الذي نزلت فيه هذه الآية تاب مما كان عليه من النفاق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: {فإنْ يَتُوبُوا يكُ خَيْرا لَهُمْ} قال: قال الجلاس: قد استثنى الله لي التوبة، فأنا أتوب فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: {فإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ...} الآية، فقال الجلاس: يا رسول الله إني أرى الله قد استثنى لي التوبة، فأنا أتوب فتاب، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منه.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ