انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة التوبة

تفسير الطبريالآيات 4–17

تفسير سورة التوبة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة التوبة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:10:32

  1. 1 الآيات 1–18في هذه الصفحة 17:21

التفسير الصوتي لسورة التوبة كاملًا (9 مقاطع)

إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٤

يقول تعالى ذكره:

{ وأذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَريءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ }، إلاَّ من عهد {الَّذَينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ} أيها المؤمنون، {ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً} من عهدكم الذي عاهدتموهم، {ولَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَداً} من عدوّكم، فيعينوهم بأنفسهم وأبدانهم، ولا بسلاح ولا خيل ولا رجال. {فأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ} يقول: قفوا لهم بعهدهم الذي عاهدتموهم عليه، ولا تنصبوا لهم حربا إلى انقضاء أجل عهدهم الذي بينكم وبينهم. {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ} يقول: إن الله يحبّ من اتقاه بطاعته بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدِهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ} يقول: إلى أجلهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إلاَّ الَّذَينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ}: أي العهد الخاصّ إلى الأجل المسمى. {ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئا...} الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إلاَّ الَّذَينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ولَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَداً...} الآية، قال: هم مشركو قريش الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية. وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر الله نبيه أن يوفي لهم بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرّم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمره بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: مدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر من يوم أذن ببراءة إلى عشر من شهر ربيع الآخر، وذلك أربعة أشهر، فإن نقض المشركون عهدهم وظاهروا عدوًّا فلا عهد لهم، وإن وفوا بعهدهم الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يظاهروا عليه عدوًّا، فقد أمر أن يؤدي إليهم عهدهم ويفي به.

فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٥

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ} فإذا انقضى ومضى وخرج، يقال منه: سلخنا شهر كذا نسلخه سَلْخاً وسُلُوخاً، بمعنى: خرجنا منه، ومنه قولهم: شاة مسلوخة، بمعنى: المنزوعة من جلدها المخرجة منه ويعني بالأشهر الحرم: ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرّم، أو إنما أريد في هذا الموضع انسلاخ المحرّم وحده، لأن الأذان كان ببراءة يوم الحجّ الأكبر، فمعلوم أنهم لم يكونوا أجلوا الأشهر الحرم كلها وقد دللنا على صحة ذلك فيما مضى. ولكنه لما كان متصلاً بالشهرين الآخرين قبله الحرامين وكان هولهما ثالثا وهي كلها متصل بعضها ببعض، قيل: فإذا انسلخ الأشهر الحرم.

ومعنى الكلام: فإذا انقضت الأشهر الحرم الثلاثة عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد، فنقضوا عهدهم بمظاهرتهم الأعداء على رسول الله وعلى أصحابه، أو كان عهدهم إلى أجل غيره معلوم {فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ} يقول: فاقتلوهم {حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} يقول: حيث لقيتوهم من الأرض في الحرم وغير الحرم في الأشهر الحُرم وغير الأشهر الحرم. {وَخُذُوهُمْ} يقول: وأسروهم {وَاحْصُرُوهُمْ} يقول: وامنعوهم من التصرف في بلاد الإسلام ودخول مكة. {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلِّ مَرْصَدٍ} يقول: واقعدوا لهم بالطلب لقتلهم أو أسرهم كلّ مرصد، يعني: كلّ طريق ومرقب، وهو مفعل من قول القائل رصدت فلاناً أرصُده رَصْداً، بمعنى: رقبته. {فإنْ تابُوا} يقول: فإن رجعوا عما نهاهم عليه من الشرك بالله وجحود نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، دون الآلهة والأنداد، والإقرار بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم {وأقامُوا الصَّلاةَ} يقول: وأدّوا ما فرض الله عليهم من الصلاة بحدودها وأعْطُوا الزَّكاةَ التي أوجبها الله عليهم في أموالهم أهلها. {فخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} يقول: فدعوهم يتصرّفون في أمصاركم ويدخلون البيت الحرام. {إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لمن تاب من عباده، فأناب إلى طاعته بعد الذي كان عليه من معصيته، ساتر على ذنبه، رحيم به أن يعاقبه على ذنوبه السالفة قبل توبته، بعد التوبة. وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في الذين أُجّلوا إلى انسلاخ الأشهر الحرم.

وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسديّ، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا على الإخْلاص للَّهِ وَحْدَهُ وَعِبَادَتِهِ لا يُشْرِكُ بهِ شَيْئاً، فَارَقها والله عَنْهُ رَاضٍ قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله: {فإنْ تَابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ثم قال في آية أخرى: { فإنْ تَابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ فإخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ }

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} حتى ختم آخر الآية. وكان قتادة يقول: خلوا سبيل من أمركم الله أن تخلوا سبيله، فإنما الناس ثلاثة رهط: مسلم عليه الزكاة، ومشرك عليه الجزية، وصاحب حرب يأمن بتجارته في المسلمين إذا أعطى عشور ماله.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ} وهي الأربعة التي عددت لك، يعني عشرين من ذي الحجة والمحرّم وصفر وربيعاً الأول وعشراً من شهر ربيع الآخر.

وقال قائلوا هذه المقالة: قيل لهذه الأشهر الحرم لأن الله عزّ وجلّ حرّم على المؤمنين فيها دماء المشركين والعَرْض لهم إلا بسبيل خير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي بكر، أنه أخبره، عن مجاهد وعمرو بن شعيب، في قوله: {فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ} أنها الأربعة التي قال الله:

{ فَسِيحُوا في الأرْضِ } قال: هي الحرم من أجل أنهم أومنوا فيها حتى يسيحوها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:

{ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذَينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ } قال: ضرب لهم أجل أربعة أشهر، وتبرأ من كلّ مشرك، ثم أمر إذا انسلخت تلك الأشهر الحرم {فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلِّ مَرْصَدٍ} لا تتركوهم يضربون في البلاد، ولا يخرجون للتجارة، ضيقوا عليهم. بعدها أمر بالعفو: {فإنْ تَابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ} يعني الأربعة التي ضرب الله لهم أجلاً لأهل العهد العام من المشركين. {فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كْلِّ مَرْصَدٍ...} الآية.

وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ ۝٦

يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك يا محمد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم أحد ليسمع كلام الله منك، وهو القرآن الذي أنزله الله عليه. {فأجرُهْ} يقول: فأمنه، {حتَّى يَسمعَ كلامِ اللَّهِ} وتتلوه عليه. {ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} يقول: ثم ردّه بعد سماعه كلام الله إن هو أبى أن يسلم ولم يتعظ لما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن إلى مأمنه، يقول: إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك حتى يلحق بداره وقومه من المشركين. {ذلكَ بأنَّهُمْ قَوُمٌ لا يَعْلَمُونَ} يقول: تفعل ذلك بهم من إعطائك إياهم الأمان، ليسمعوا القرآن، وردّك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم، من أجل أنهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله حجة ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا وما عليهم من الوزر والإثم بتركهم الإيمان بالله.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجاركَ}: أي من هؤلاء الذين أمرتك بقتالهم، {فأجِرْهُ}.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فَأجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} أما كلام الله: فالقرآن.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجاركَ فَأجِرْهُ} قال: إنسان يأتيك فيسمع ما تقول ويسمع ما أنزل عليك فهو آمن حتى يأتيك فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا، فلقي العدوّ، وأخرج المسلمون رجلاً من المشركين وأشرعوا فيه الأسنة، فقال الرجل: ارفعوا عني سلاحكم، وأسمعوني كلام الله تعالى فقالوا: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وتخلع الأنداد وتتبرأ من اللات والعُزّى؟ فقال: فإني أشهدكم أني قد فعلت.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} قال: إن لم يوافقه ما تقول عليه وتحدّثه، فأبلغه. قال: وليس هذا بمنسوخ.

واختلف في حكم هذه الآية، وهل هو منسوخ أو هو غير منسوخ؟ فقال بعضهم: هو غير منسوخ، وقد ذكرنا قول من قال ذلك.

وقال آخرون: هو منسوخ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك:

{ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ }نسختها: { فإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً }

قال: ثنا سفيان، عن السديّ، مثله.

وقال آخرون: بل نسخ قوله:

{ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ }قوله: { فإمَّا مَنًّا بَعْدُ }. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة: حَتَّى إذَا أثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثاقَ نسخها قوله:

{ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ }

وقال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: ليس ذلك بمنسوخ، وقد دللنا على أن معنى النسخ هو نفي حكم قد كان ثبت بحكم آخر غيره، ولم تصحّ حجة بوجوب حكم الله في المشركين بالقتل بكلّ حال ثم نسخه بترك قتلهم على أخذ الفداء ولا على وجه المنّ عليهم. فإذا كان ذلك كذلك فكان الفداء والمنّ والقتل لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أولّ حرب حاربهم، وذلك من يوم بدر كان معلوماً أن معنى الآية: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم للقتل أو المن أو الفداء واحصروهم، وإذا كان ذلك معناه صحّ ما قلنا في ذلك دون غيره.

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَٰمُوا۟ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُوا۟ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٧

يقول تعالى ذكره: أنى يكون أيها المؤمنون بالله ورسوله، وبأيّ معنى يكون للمشركين بربهم عهد وذمة عند الله وعند رسوله، يوفي لهم به، ويتركوا من أجله آمنين يتصرفون في البلاد وإنما معناه: لا عهد لهم، وأن الواجب على المؤمنين قتلهم حيث وجدوهم إلا الذين أعطوا العهد عند المسجد الحرام منهم، فإن الله جلّ ثناؤه أمر المؤمنين بالوفاء لهم بعهدهم والاستقامة لهم عليه، ما داموا عليه للمؤمنين مستقيمين.

واختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بقوله: {إلاَّ الَّذَينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسّجِدِ الحَرَامِ} فقال بعضهم: هم قوم من جذيمة بن الديل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {كَيْفَ يَكُونُ للْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إلاَّ الَّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} هم بنو جذيمة بن الديل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، قوله:

{ إلاَّ الَّذَينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ }قال: هم جذيمة بكر من كنانة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {كَيْفَ يَكُونُ للْمُشْرِكِينَ} الذين كانوا وأنتم على العهد العام بأن لا تمنعوهم ولا يمنعوكم من الحرم ولا في الشهر الحرام، {عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إلاَّ الَّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} وهي قبائل بني بكر الذين كانوا دخلوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلم يكن نقضَها إلا هذا الحيّ من قريش وبنو الديل من بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض عهده من بني بكر إلى مدته {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ...} الآية.

وقال آخرون: هم قريش. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: {إلاَّ الَّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} هم قريش.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: {إلاَّ الَّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} يعني: أهل مكة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {إلاَّ الَّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} يقول: هم قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم مدة، ولا ينبغي لمشرك أن يدخل المسجد الحرام ولا يعطي المسلم الجزية. {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} يعني: أهل العهد من المشركين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إلاَّ الَّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} قال: هؤلاء قريش. وقد نسخ هذا الأشهر التي ضربت لهم، وغدروا بهم فلم يستقيموا، كما قال الله فضرب لهم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم: إما أن يسلموا، وإما أن يلحقوا بأيّ بلاد شاءوا قال: فأسلموا قبل الأربعة الأشهر، وقبل قَتْلٍ.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر عن قتادة: {إلا الَّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} قال: هم قوم جذيمة. قال: فلم يستقيموا، نقضوا عهدهم أي أعانوا بني بكر حلف قريش على خزاعة حلف النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: هم قوم من خزاعة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن مجاهد: {إلاَّ الَّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} قال: أهل العهد من خزاعة.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: هم بعض بني بكر من كنانة، ممن كان أقام على عهده ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش حين نقضوه بمعونتهم حلفاءهم من بني الديل على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة.

وإنما قلت هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لأن الله أمر نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام، ما استقاموا على عهدهم. وقد بينا أن هذه الآيات إنما نادى بها عليّ في سنة تسع من الهجرة، وذلك بعد فتح مكة بسنة، فلم يكن بمكة من قريش ولا خزاعة كافر يومئذ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده، لأن من كان منهم من ساكني مكة كان قد نقض العهد وحورب قبل نزول هذه الآيات.

وأما قوله: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ} فإن معناه: إن الله يحبّ من اتقى وراقبه في أداء فرائضه، والوفاء بعهده لمن عاهده، واجتناب معاصيه، وترك الغدر بعهوده لمن عاهده.

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ ۝٨

يعني جلّ ثناؤه بقوله: كيف يكون لهؤلاء المشركين الذين نقضوا عهدهم أو لمن لا عهد له منهم منكم أيها المؤمنون عهد وذمة، وهم إن يظهروا عليكم يغلبوكم، لا يرقبوا فيكم إلاًّ ولا ذمة. واكتفى ب «كيف» دليلاً على معنى الكلام، لتقدم ما يراد من المعنى بها قبلها وكذلك تفعل العرب إذا أعادت الحرف بعد مضي معناه استجازوا حذف الفعل، كما قال الشاعر:

وخَبَّرْتُمَانِي أنَّمَا المَوْتُ فِي القُرَىفَكَيْفَ وَهَذِي هَضْبَةٌ وكَثِيبُ

فحذف الفعل بعد كيف لتقدم ما يراد بعدها قبلها.

ومعنى الكلام: فكيف يكون الموت في القرى وهذي هضبة وكثيب لا ينجو فيهما منه أحد.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاّ وَلا ذمَّةً} فقال بعضهم: معناه: لا يراقبوا الله فيكم ولا عهداً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:

{ لاَ يَرْقَبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ }قال الله.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سليمان، عن أبي مجلز، في قوله:

{ لاَ يَرْقَبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ وَلا ذِمَّةً }قال: مثل قوله جبرائيل ميكائيل إسرافيل، كأنه يقال: يضاف «جبر» و «ميكا» و «إسراف» إلى «إيل»، يقول: عبد الله { لاَ يَرْقَبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ }كأنه يقول: لا يرقبون الله.

حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثني محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إلاّ وَلا ذِمَّةً} لا يرقبون الله ولا غيره.

وقال آخرون: الإلّ: القرابة. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:

{ لاَ يَرْقَبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ وَلا ذِمَّةً }يقول: قرابة ولا عهداً. وقوله: {وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاًّ وَلا ذِمَّةً} قال: الإلّ: يعني القرابة، والذمة: العهد.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {لاَ يَرْقَبُوا إلاّ وَلا ذِمَّةً} الإلّ: القرابة، والذمة: العهد. يعني: أهل العهد من المشركين، يقول: ذمتهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، وعبدة عن حوشب، عن الضحاك: الإلّ: القرابة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا محمد بن عبد الله، عن سلمة بن كهيل، عن عكرمة، عن ابن عباس:

{ لاَ يَرْقَبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ وَلاَ ذِمَّةً }قال: الإلّ: القرابة، والذمة: العهد.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:

{ لاَ يَرْقَبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ وَلاَ ذِمَّةً }الإلّ: القرابة، والذمة: الميثاق.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {كَيْفَ وَإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} المشركون، لا يرقبوا فيكم عهداً ولا قرابة ولا ميثاقاً.

وقال آخرون: معناه: الحلف. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لاَ يَرْقَبُوا فِيكُمْ إلاًّ ولاَ ذِمَّةً} قال: الإلّ: الحلف، والذمة: العهد.

وقال آخرون: الإلّ: هو العهد ولكنه كرّر لما اختلف اللفظان وإن كان معناهما واحدا. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إلاًّ} قال: عهداً.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لاَ يَرْقُبُوا فِيْكُمْ إلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} قال: لا يرقبوا فيكم عهداً ولا ذمة. قال: إحداهما من صاحبتها كهيئة «غفور رحيم»، قال: فالكلمة واحدة وهي تفترق، قال: والعهد هو الذمة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن خصيف، عن مجاهد: {وَلا ذِمَّةً} قال: العهد.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيس، عن خصيف، عن مجاهد: {وَلاَ ذِمَّةً} قال: الذمة العهد.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المشركين الذين أمر نبيه والمؤمنين بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم وحصرهم والقعود لهم على كلّ موصد أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم إلاًّ، والإلّ: اسم يشتمل على معان ثلاثة: وهي العهد والعقد، والحلف، والقرابة، وهو أيضا بمعنى الله. فإذ كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة، ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى، فالصواب أن يعمّ ذلك كما عمّ بها جلّ ثناؤه معانيها الثلاثة، فيقال: لا يرقبون في مؤمن الله، ولا قرابة، ولا عهداً، ولا ميثاقاً. ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل:

أفْسَدَ النَّاسَ خُلُوفٌ خَلَفُواقَطَعُوا الإلّ وأعْرَاقَ الرَّحِمْ

بمعنى: قطعوا القرابة وقول حسان بن ثابت:

لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍكإلّ السَّقْبِ مِنْ رَألِ النَّعامِ

وأما معناه: إذا كان بمعنى العهد. فقول القائل:

وَجَدْنَاهُمُ كاذِباً إلُّهُمْوذُو الإلّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ

وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين، أن الإلّ والعهد والميثاق واليمين واحد، وأن الذمة في هذا الموضع: التذمم ممن لا عهد له، والجمع: ذمم. وكان ابن إسحاق يقول: عنى بهذه الآية: أهل العهد العام.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {كَيْفَ وَإنْ يَظهَرُوا عَلَيْكُمْ} أي المشركون الذين لا عهد لهم إلى مدة من أهل العهد العام {لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}.

وأما قوله: {يَرْضُونَكُمْ بأفْوَاهِهِمْ} فإنه يقول: يعطونكم بألسنتهم من القول خلاف ما يضمرونه لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء. {وتَأْبَى قُلُوبُهُمْ}: أي تأبى عليهم قلوبهم أن يذعنوا لكم بتصديق ما يبدونه لكم بألسنتهم. يحذر جلّ ثناؤه أمرهم المؤمنين ويشحذهم على قتلهم واجتياحهم حيث وجدوا من أرض الله، وألا يقصروا في مكروههم بكل ما قدروا عليه. {وأكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} يقول: وأكثرهم مخالفون عهدكم ناقصون له، كافرون بربهم خارجون عن طاعته.

ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٩

يقول جلّ ثناؤه: ابتاع هؤلاء المشركون الذين أمركم الله أيها المؤمنون بقتلهم حيث وجدتموهم بتركهم اتباع ما احتجّ الله به عليهم من حججه يسيرا من العوض قليلاً من عرض الدنيا وذلك أنهم فيما ذكر عنهم كانوا نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلة أطعمهموها أبو سفيان بن حرب.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {اشْتَرُوا بآياتِ اللَّهِ ثَمَنا قَلِيلاً} قال: أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه، وترك حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وأما قوله: {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} فإن معناه: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام، وحاولوا ردّ المسلمين عن دينهم. {إنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْلَمُونَ} يقول جلّ ثناؤه: إن هؤلاء المشركين الذين وصفت صفاتهم، ساء عملهم الذي كانوا يعملون من اشترائهم الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى، وصدّهم عن سبيل الله من آمن بالله ورسوله أو من أراد أن يؤمن.

لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ ۝١٠

يقول تعالى ذكره: لا يتقي هؤلاء المشركون الذين أمرتكم أيها المؤمنون بقتلهم حيث وجدتموهم في قتل مؤمن لو قدورا عليه {إلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} يقول: فلا تبقوا عليهم أيها المؤمنون، كما لا يبقون عليكم لو ظهروا عليكم. {وأُلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ} يقول: المتجاوزون فيكم إلى ما ليس لهم بالظلم والاعتداء.

فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَنُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝١١

يقول جلّ ثناؤه: فإن رجع هؤلاء المشركون الذين أمرتكم أيها المؤمنون بقتلهم عن كفرهم وشركهم بالله إلى الإيمان به وبرسوله وأنابوا إلى طاعته وأقاموا الصلاة المكتوبة فأدّوها بحدودها وآتوا الزكاة المفروضة أهلها {فإخْوَانُكُمْ في الدّينِ} يقول: فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم الله به، وهو الإسلام. {وَنْفَصّلُ الآياتِ} يقول: ونبين حجج الله وأدلته على خلقه، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ما بين لهم فنشرحها لهم مفصلة دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإنْ تَابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فإخْوَانَكُمْ فِي الدّينِ} يقول: إن تركوا اللات والعُزَّى، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله {فإخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ ونُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن رجل، عن ابن عباس: {فإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ} قال: حرّمت هذه الآية دماء أهل القبلة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً لم يفرق بينهما وقرأ: {فإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فإخْوَانُكُمْ في الدّين} وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال: رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: أمرتم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن لم يزكّ فلا صلاة له.

وقيل: {فإخْوَانُكُمْ} فرفع بضمير: فهم إخوانكم، إذ كان قد جرى ذكرهم قبل، كما قال:

{ فإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فإخْوَانكمْ فِي الدِّينِ }}.

وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ۝١٢

يقول تعالى ذكره: فإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم من قريش عهودهم من بعد ما عاقدوكم، أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحداً من أعدائكم {وَطَعَنُوا فِي دينِكُمْ} يقول: وقدحوا في دينكم الإسلام، فثلموه وعابوه. {فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ} يقول: فقاتلوا رؤساء الكفر بالله. {إنَّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ} يقول: إن رؤساء الكفر لا عهد لهم. {لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم.

وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف بينهم في المعنيين بأئمة الكفر، فقال بعضهم: هم أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب ونظراؤهم. وكان حذيفة يقول: لم يأت أهلها بعد. ذكر من قال هم من سمّيت:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَإنْ نَكَثُوا أيمَانَهُمْ مَنْ بَعْد عَهْدِهِمْ...} إلى: {لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} يعني: أهل العهد من المشركين، سماهم أئمة الكفر، وهم كذلك. يقول الله لنبيه: وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم فقاتل أئمة الكفر، لأنهم لا أيمان لهم، لعلهم ينتهون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَإنْ نَكَثُوا أيمَانَهُمْ مَنْ بَعْد عَهْدِهِمْ...} إلى: {يَنْتَهُونَ}، فكان من أئمة الكفر: أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وسهيل بن عمرو، وهم الذين هموا بإخراجه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: أئمة الكفر: أبو سفيان، وأبو جهل، وأمية بن خلف، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن ربيعة.

حدثنا ابن وكيع وابن بشار، قال ابن وكيع: ثنا غندر، وقال ابن بشار: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد: {فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ أنَّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ} قال أبو سفيان منهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَإنْ نَكَثُوا أيمَانَهُمْ...} إلى: {يَنْتَهُونَ} هؤلاء قريش، يقول: إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام وطعنوا فيه، فقاتلوهم.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ} يعني: رأس المشركين أهل مكة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ} أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهمّوا بإخراج الرسول، وليس والله كما تأوّله أهل الشبهات والبدع والفِرَي على الله وعلى كتابه.

ذكر الرواية عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة: {فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ} قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا حبيب بن حسان، عن زيد بن وهب، قال: كنت عند حذيفة، فقرأ هذه الآية: {فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ} فقال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: قرأ حذيفة: {فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ} قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر: {إنَّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ} لا عهد لهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {وَإنْ نَكَثُوا أيمَانَهُمْ} قال: عهدهم.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَإنْ نَكَثُوا أيمَانَهُمْ} عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار بن ياسر، في قوله: {لا أيمَانَ لَهُمْ} قال: لا عهد لهم.

حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة في قوله: {فَقاتِلُوا أئمَّةَ الكُفْرِ إنَّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ} قال: لا عهد لهم.

وأما النكث فإن أصله: النقض، يقال منه: نكث فلان قوي حبله إذا نقضها، والأيمان: جمع اليمين.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {إنَّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ} فقرأه قرّاء الحجاز والعراق وغيرهم: {إنَّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ} بفتح الألف من «أيمان» بمعنى: لا عهود لهم على ما قد ذكرنا من قول أهل التأويل فيه. وذُكر عن الحسن البصريّ أنه كان يقرأ ذلك: «إنَّهُمْ لا إيمَانَ لَهُمْ» بكسر الألف، بمعنى: لا إسلام لهم. وقد يتوجه لقراءته كذلك وجه غير هذا، وذلك أن يكون أراد بقراءته ذلك كذلك: أنهم لا أمان لهم: أي لا تؤمنوهم، ولكن اقتلوهم حيث وجدتموهم، كأنه أراد المصدر من قول القائل: آمنته، فأنا أومنه إيماناً.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءات في ذلك الذي لا أستجيز القراءة بغيره، قراءة من قرأ بفتح الألف دون كسرها، لإجماع الحجة من القراء على القراءة به ورفض خلافه، ولإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من أن تأويله لا عهد لهم. والأيمان التي هي بمعنى العهد، لا تكون إلا بفتح الألف، لأنها جمع «يمين» كانت على عقدٍ كان بين المتوادعين.

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٣

يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله حاضّا لهم على جهاد أعدائهم من المشركين: ألا تقاتلون أيها المؤمنون هؤلاء المشركين الذين نقضوا العهد الذي بينكم وبينهم وطعنوا في دينكم وظاهروا عليكم أعداءكم وهموا بإخراج الرسول من بين أظهرهم فأخرجوه وهم {بَدَءُوكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ} بالقتال، يعني فعلهم ذلك يوم بدر. وقيل: قتالهم حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة. {أتَخْشَوْنَهُمْ} يقول: أتخافونهم على أنفسهم، فتتركوا قتالهم خوفاً على أنفسكم منهم؟ {فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ} يقول: فالله أولى بكم أن تخافوا عقوبته بترككم جهادهم، وتحذروا سخطه عليكم من هؤلاء المشركين الذين لا يملكون لكم ضرّاً ولا نفعاً إلا بإذن الله. {إنْ كُنْتُمْ مُؤمِنينَ} يقول: إن كنتم مقرّين أن خشية الله لكم أولى من خشية هؤلاء المشركين على أنفسكم.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {ألا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أيمَانَهُمْ مَنْ بَعْد عَهْدِهِمْ وَهَمُّوا بإخْرَاج الرَّسُول} يقول: همّوا بإخراجه فأخرجوه. {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ} بالقتال.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ} قال: قتال قريش حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أمر الله رسوله بجهاد أهل الشرك ممن نقض من أهل العهد ومن كان من أهل العهد العام بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلاً، إلا أن يعودوا فيها على دينهم فيقبل بعد. ثم قال: {ألا تُقاتِلوُنَ قَوْماً نَكَثُوا أيمَانَهُمْ وَهَمُّوا بإخْرَاجِ الرَّسُول... } إلى قوله:

{ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }}.

قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ۝١٤

يقول تعالى ذكره: قاتلوا أيها المؤمنون بالله ورسوله هؤلاء المشركين الذين نكثوا أيمانهم ونقضوا عهودهم بينكم وبينهم، وأخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم. {يُعَذّبْهُمُ اللَّهُ بأيْدِيكُم} يقول: يقتلهم الله بأيديكم. {ويُخْزِهِمْ} يقول: ويذلهم بالأسر والقهر. {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} فيعطيكم الظفر عليهم والغلبة. {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} يقول: ويبرىء داء صدور قوم مؤمنين بالله ورسوله بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم وإذلالكم وقهركم إياهم، وذلك الداء هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموجدة بما كانوا ينالونهم به من الأذى والمكروه. وقيل: إن الله عنى بقوله: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}: صدور خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قريشاً نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعونتهم بكراً عليهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى وابن وكيع قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في هذه الآية: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} قال: خزاعة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط، عن السديّ: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} قال خزاعة يشف صدورهم من بني بكر.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} خزاعة حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} قال: حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝١٥

يقول الله تعالى ذكره: ويذهب وجد قلوب هؤلاء القوم المؤمنين من خزاعة، على هؤلاء القوم الذين نكثوا أيمانهم من المشركين وغمها وكربها بما فيها من الوجد عليهم، بمعونتهم بكراً عليهم. كما:

حدثني ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط، عن السديّ: {وَيُذْهبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} حين قتلهم بنو بكر وأعانتهم قريش.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، مثله، إلا أنه قال: وأعانهم عليهم قريش.

وأما قوله: {وَيَتُوبُ اللَّهُ على مَنْ يَشاءُ} فإنه خبر مبتدأ، ولذلك رفع وجزم الأحرف الثلاثة قبل ذلك على وجه المجازاة، كأنه قال: قاتلوهم فإنكم إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم. ثم ابتدأ فقال: {وَيَتُوبُ اللَّهُ على مَنْ يَشاءُ} لأن القتال غير موجب لهم التوبة من الله، وهو موجب لهم العذاب من الله والخزي وشفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم، فجزم ذلك شرطاً وجزاءً على القتال، ولم يكن موجباً القتال التوبة، فابُتِدىء الحكم به ورُفع.

ومعنى الكلام: ويمنّ الله على من يشاء من عباده الكافرين، فيقبل به إلى التوبة بتوفيقه إياه، والله عليم بسرائر عباده ومن هو للتوبة أهل فيتوب عليه، ومن منهم غير أهل لها فيخذله، حكيم في تصريف عباده من حال كفر إلى حال إيمان بتوفيق من وفقه لذلك، ومن حال إيمان إلى كفر بخذلانه من خذل منهم عن طاعته وتوحيده، وغير ذلك من أمرهم.

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٦

يقول تعالى ذكره للمؤمنين الذين أمرهم بقتال هؤلاء المشركين، الذين نقضوا عهدهم الذي بينهم وبينه بقوله:

{ قاتِلوُهُمْ يُعْذّبْهُمُ اللَّهُ بأيْديكُمْ... }الآية، حاضًّا على جهادهم: أم حسبتم أيها المؤمنون أن يترككم الله بغير محنة يمتحنكم بها وبغير اختبار يختبركم به، فيعرف الصادق منكم في دينه من الكاذب فيه. {وَلمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا} يقول: أحسبتم أن تتركوا بغير اختبار يعرف به أهل ولايته المجاهدين منكم في سبيله، من المضيعين أمر الله في ذلك المفرِّطين. {ولَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُون اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ} يقول: ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، والذين لم يتخذوا من دون الله ولا من دون رسوله، ولا من دون المؤمنين {وَلِيجَةً} هو الشيء يدخل في آخر غيره، يقال منه: ولج فلان في كذا يَلِجُهُ فهو وليجة. وإنما عنى بها في هذا الموضع: البطانة من المشركين، نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوّهم من المشركين أولياء يفشون إليهم أسرارهم. {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} يقول: والله ذو خبرة بما تعملون من اتخاذكم من دون الله ودون رسوله والمؤمنين به أولياء وبطانة بعد ما قد نهاكم عنه، لا يخفى ذلك عليه ولا غيره من أعمالكم، والله مجازيكم على ذلك إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً.

وبنحو الذي قلت في معنى الوليجة قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَلا المُؤمِنِينَ وَلِيجَةَ} يتولجها من الولاية للمشركين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع: {وَلِيجَةً} قال: دَخَلاً.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا} إلى قوله: {ولِيَجَةً} قال: أبي أن يعدهم دون التمحيص، وقرأ:

{ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ } وقرأ: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم }} { { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وَلمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ... }الآيات كلها، أخبرهم أن لا يتركهم حتى يمحصهم ويختبرهم، وقرأ: { الم أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ }لا يختبرون { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلْيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلْيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ } أبى الله إلا أن يمحص.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {وَلِيجَةً} قال: هو الكفر والنفاق، أو قال أحدهما.

وقيل: {أمْ حَسِبْتُمْ} ولم يقل: «أحسبتم»، لأنه من الاستفهام المعترض في وسط الكلام، فأدخلت فيه «أم» ليفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ وقد بيَّنت نظائر ذلك في غير موضع من الكتاب.

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ أُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ ۝١٧

يقول تعالى ذكره: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر. يقول: إن المساجد إنما تعمر لعبادة الله فيها لا للكفر به، فمن كان بالله كافراً فليس من شأنه أن يعمر مساجد الله.

وأما شهادتهم على أنفسهم بالكفر، فإنها كما:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {ما كانَ للْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ على أنْفُسِهِمْ بالكُفْرِ} يقول: ما ينبغي لهم أن يعمروها. وأما {شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ بالكُفْرِ} فإن النصرانيّ يسأل: ما أنت؟ فيقول: نصراني، واليهودي، فيقول: يهودي، والصابىء، فيقول: صابىء، والمشرك يقول إذا سألته: ما دينك؟ فيقول: مشرك لم يكن ليقوله أحد إلا العرب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو العنقزي، عن أسباط، عن السديّ: {ما كانَ للْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ} قال: يقول: ما كان ينبغي لهم أن يعمروها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ: {شاهِدِينَ على أنْفُسِهِمْ بالكُفْرِ} قال: النصراني يقال له: ما أنت؟ فيقول: نصراني، واليهودي يقال له: ما أنت؟ فيقول: يهودي، والصابىء يقال له: ما أنت؟ فيقول: صابىء.

وقوله: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعمالُهُمْ} يقول: بطلت وذهبت أجورها، لأنها لم تكن لله، بل كانت للشيطان. {وفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ} يقول: ماكثون فيها أبداً، لا أحياءً ولا أمواتاً.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {ما كانَ للْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ} فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والكوفة: {مَساجِدَ اللَّهِ} على الجمع. وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: «مَسْجِدَ اللَّهِ» على التوحيد، بمعنى المسجد الحرام. وهم جميعاً مجمعون على قراءة قوله: {مَساجِدَ اللَّهِ} على الجمع، لأنه إذا قرىء كذلك احتمل معنى الواحد والجمع، لأن العرب قد تذهب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد، كقولهم: عليه ثوب أخلاق.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ