انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة التوبة

تفسير الطبريالآيات 75–82

تفسير سورة التوبة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة التوبة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:10:32

  1. 1 الآيات 75–92في هذه الصفحة 14:37

التفسير الصوتي لسورة التوبة كاملًا (9 مقاطع)

وَمِنْهُم مَّنْ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءَاتَىٰنَا مِن فَضْلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٧٥ فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضْلِهِۦ بَخِلُوا۟ بِهِۦ وَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ۝٧٦ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُۥ بِمَآ أَخْلَفُوا۟ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ ۝٧٧

يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم {مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} يقول: أعطى الله عهدا، {لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ} يقول: لئن أعطانا الله من فضله، ورزقنا مالاً، ووسع علينا من عنده {لَنَصَّدَّقَنَّ} يقول: لنخرجنّ الصدقة من ذلك المال الذي رزقنا ربنا، {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} يقول: ولنعملنّ فيها بعمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرحم به وإنفاقه في سبيل الله. يقول الله تبارك وتعالى فرزقهم الله وآتاهم من فضله، {فلما آتاهم} الله {من فَضْلِه بخلوا به} بفضل الله الذي آتاهم، فلم يصدقوا منه، ولم يصلوا منه بقرابة، ولم ينفقوا في حق الله. {وَتَوَلَّوْا} يقول: وأدبروا عن عهدهم الذي عاهدوه الله، {وهُمْ مُعْرِضُونَ} عنه. {فَأعْقَبَهُمُ} الله {نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ} ببخلهم بحقّ الله الذي فرضه عليهم فيما آتاهم من فضله، وإخلافهم الوعد الذي وعدوا الله، ونقضهم عهده في قلوبهم {إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أخْلَفُوا الله ما وَعَدُوهُ} من الصدقة والنفقة في سبيله، {وبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} في قيلهم، وحرّمهم التوبة منه لأنه جلّ ثناؤه اشترط في نفاقهم أنه أعقبهموه {إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} وذلك يوم مماتهم وخروجهم من الدنيا.

واختلف أهل التأويل في المعنى بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها رجل يقال له ثعلبة بن حاطب من الأنصار. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ...} الآية، وذلك أن رجلاً يقال له ثعلبة بن حاطب من الأنصار، أتى مجلساً فأشهدهم، فقال: لئن آتاني الله من فضله، آتيت منه كلّ ذي حقّ حقه، وتصدّقت منه، ووصلت منه القرابة فابتلاه الله فآتاه من فضله، فأخلف الله ما وعده، وأغضب الله بما أخلف ما وعده، فقصّ الله شأنه في القرآن: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ...} الآية، إلى قوله: {يَكْذِبُونَ}.

حدثني المثنى، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا محمد بن شعيب، قال: ثنا معاذ بن رفاعة السُّلَمي، عن أبي عبد الملك عليّ بن يزيد الإلهاني، أنه أخبره عن القاسم بن عبد الرحمن، أنه أخبره عن أبي أمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يرزقني مالاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَيحَكَ يا ثَعْلَبَة، قَلِيلٌ تُؤَدّى شُكْرَهُ، خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهقال: ثم قال مرّة أخرى، فقال:أما تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ؟ فَوَالَّذِي نَفُسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْتُ أنْ تَسِيرَ مَعي الجِبَالُ ذَهَباً وَفِضَّةً لَسارَتْقال: والذي بعثك بالحقّ، لئن دعوت الله فرزقني مالاً لأعطينّ كل ذي حقّ حقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالاً. قال: فاتخذ غنما، فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها، فنزل وادياً من أدويتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة. فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة يسألهم عن الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ما فَعَلَ ثَعْلَبَةُ؟فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره فقال:يا ويْحَ ثَعْلَبَةُ يا ويْحَ ثَعْلَبَةُ يا ويْحَ ثَعْلَبَةُقال: وأنزل الله: { خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً... }الآية. ونزلت عليه فرائض الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة، رجلاً من جهينة، ورجلاً من سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما:مُرَّا بثعلبة، وبفلان رجل من بني سليم فخُذَا صَدَقَاتِهمَافخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرغا ثم عودوا إليّ فانطلقا، وسمع بهما السلميّ، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها، فلما رأوها، قالوا: ما يجب عليك هذا، وما تريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى فخذوه فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي لي فأخذوها منه، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، وانطلقا حتى أرى رأيي، فأنطلقا حتى أتيا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فلما رآهما قال: يا ريح ثعلبة قبل أن يكلمهما، ودعا للسلميّ بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، والذي صنع السلميّ، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لنصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ...} إلى قوله: {وبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يقبل منه صدقته. فقال:إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَفجعل يحثي على رأسه التراب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:هَذَا عَمَلُكَ، قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي. فلما أبى أن يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجع إلى منزله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئاً. ثم أتى أبا بكر حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقبلها؟ فقُبض أبو بكر ولم يقبضها. فلما ولي عمر أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، وأنا لا أقبلها منك فقُبض ولم يقبلها. ثم ولي عثمان رحمة الله عليه، فأتاه فسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر رضوان الله عليهما وأنا لا أقبلها منك فلم يقبلها منه، وهَلك ثعلبة في خلافة عثمان رحمة الله عليه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ...} الآية: ذُكر لنا أن رجلاً من الأنصار أتى على مجلس من الأنصار، فقال لئن آتاه الله مالاً، ليؤدّينّ إلى كلّ ذي حقّ حقه فآتاه الله مالاً، فصنع فيه ما تسمعون. قال: {فَمَا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ...} إلى قوله: {وبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} ذُكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حدّث أن موسى عليه الصلاة والسلام لمَّا جاء بالتوراة إلى بني إسرائيل قالت بنو إسرائيل: إن التوراة كثيرة، وإنا لا نفرغ لها، فسل لنا ربك جماعاً من الأمر نحافظ عليه ونتفرّغ فيه لمعايشنا قال: يا قوم مهلاً مهلاً، هذا كتاب الله، ونور الله، وعصمة الله. قال: فأعادوا عليه، فأعاد عليهم، قالها ثلاثاً. قال: فأوحى الله إلى موسى: ما يقول عبادي؟ قال: يا ربّ يقولون: كيت وكيت. قال: فإني آمرهم بثلاث إن حافظوا عليهنّ دخلوا بهنّ الجنة: أن ينتهوا إلى قسمة الميراث فلا يظلموا فيها، ولا يدخلوا أبصارهم البيوت حتى يؤذن لهم، وأن لا يطعموا طعاماً حتى يتوضؤوا وضوء الصلاة. قال: فرجع بهنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه، ففرحوا ورأوا أنهم سيقومون بهنّ، قال: فوالله ما لبث القوم إلا قليلاً حتى جنحوا، وانقطع بهم فلما حدّث نبيّ الله بهذا الحديث عن بني إسرائيل، قال:

تكَفَّلُوا لي بستّ أتكفل لكم بالجنةقالوا: ما هنّ يا رسول الله؟ قال:إذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وإذا اؤتمنتم فلا تخونوا، وكفوا أبصاركم وأيديكم وفروجكم وأبصاركم عن الخيانة وأيديكم عن السرقة وفروجكم عن الزنا

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:

ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ صَارَ مُنافِقاً وإنْ صَامَ وصَلَّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا اؤتُمِنَ خانَ، وَإذَا وَعَدَ أخْلَفَ

وقال آخرون: بل المعنيّ بذلك: رجلان: أحدهما ثعلبة، والآخر معتب بن قشير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ...} إلى الآخر، وكان الذي عاهد الله منهم ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، هما من بني عمرو بن عوف.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ} قال: رجلان خرجا على ملإ قعود، فقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدَّقَنَّ فلما رزقهم الله بخلوا به.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ} رجلان خرجا على ملإ قعود، فقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدّقنّ فلما رزقهم بخلوا به، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه حين قالوا: لنصدّقنّ فلم يفعلوا.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن نجيح، عن مجاهد نحوه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَّنَّ...} الآية، قال: هؤلاء صنف من المنافقين، فلما آتاهم ذلك بخلوا به فلما بخلوا بذلك أعقبهم بذلك نفاقاً إلى يوم يلقونه، ليس لهم منه توبة ولا مغفرة ولا عفو، كما أصاب إبليس حين منعه التوبة.

وقال أبو جعفر: في هذه الآية الإبانة من الله جلّ ثناؤه عن علامة أهل النفاق، أعني في قوله: {فأعْقَبَهُم نِفَاقاً في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أخْلَفُوا الله ما وَعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ}.

وبنحو هذا القول كان يقول جماعة من الصحابة والتابعين، ووردت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله: اعتبروا المنافق بثلاث: إذ حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر. وأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ...} إلى قوله: {يَكْذِبُونَ}.

حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن السماك، عن صبيح بن عبد الله بن عميرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: ثلاث من كنّ فيه كان منافقاً: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. قال: وتلا هذه الآية: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ...} إلى آخر الآية.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت صبيح بن عبد الله القيسي يقول: سألت عبد الله بن عمرو، عن المنافق، فذكر نحوه.

حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا أبو هشام المخززمي، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا عثمان بن حكيم، قال: سمعت محمد بن كعب القُرظَيّ، يقول: كنت أسمع أن المنافق يعرف بثلاث: بالكذب، والإخلاف، والخيانة. فالتمستها في كتاب الله زماناً لا أجدها. ثم وجدتها في آيتين من كتاب الله، قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ...} حتى بلغ: {وبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، وقوله:

{ إنَّا عَرَضْنا الأمانَةَ على السَّمَوَاتِ والأرْضِ }هذه الآية.

حدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال: ثنا أسامة، قال: ثنا محمد المخرمي، قال: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنافِقٌ وَإنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤتُمِنَ خانَفقلت للحسن: يا أبا سعيد لئن كان لرجل عليّ دين فلقيني، فتقاضاني وليس عندي، وخفت أن يحبسني ويهلكني، فوعدته أن أقضيه رأس الهلال فلم أفعل، أمنافق أنا؟ قال: هكذا جاء الحديث. ثم حدّث عن عبد الله بن عمرو أن أباه لما حضره الموت، قال: زوّجوا فلاناً فإني وعدته أن أزوجه، لا ألقى الله بثلث النفاق قال: قلت: يا أبا سعيد ويكون ثلث الرجل منافقاً وثلثاه مؤمن؟ قال: هكذا جاء الحديث. قال: فحججت فلقيت عطاء بن أبي رباح، فأخبرته الحديث الذي سمعته من الحسن، وبالذي قلت له وقال لي. فقال: أعجزت أن تقول له: أخبرني عن إخوة يوسف عليه السلام، ألم يَعِدوا أباهم فأخلفوه وحدّثوه فكذَبوه وأتمنهم فخانوه، أفمنافقين كانوا؟ ألم يكونوا أنبياء أبوهم نبيّ وجدّهم نبيّ؟ قال: فقلت لعطاء: يا أبا محمد حدثني بأصل النفاق، وبأصل هذا الحديث فقال: حدثني جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا الحديث في المنافقين خاصة الذين حدّثوا النبيّ فكذبوه، وأتمنهم على سرّه فخانوه، ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه. قال: وخرج أبو سفيان من مكة، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:إنَّ أبا سُفْيانَ فِي مَكانِ كَذَا وكَذَا، فاخْرُجُوا إلَيْهِ وَاكْتُمُواقال: فكتب رجل من المنافقين إليه أن محمداً يريديكم، فخذوا حذركم، فأنزل الله: {لاَ تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وأنزل في المنافقين: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضله...}، إلى {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} فإذا لقيت الحسن فاقرئه السلام وأخبره بأصل هذا الحديث وبما قلت لك فقدمت على الحسن فقلت له إن أخاك عطاء يقرئك السلام فأخبرته بالحديث الذي حدّث وما قال لي. فأخذ الحسن بيدي فأمالها وقال: يا أهل العراق أعجزتم أن تكونوا مثل هذا؟ سمع مني حديثا فلم يقبله حتى استنبط أصله، صدق عطاء هكذا الحديث، وهذا في المنافقين خاصة.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا يعقوب، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَإنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ مُنافِقٌ. فقيل له: ما هي يا رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام:إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإذَا اؤتُمِنَ خَانَ

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: ثنا ميسرة، عن الأوزاعي عن هارون بن رباب، عن عبد الله بن عمرو بن وائل، أنه لما حضرته الوفاة، قال: إن فلانا خطب إليّ ابنتي، وإني كنت قلت له فيها قولاً شبيهاً بالعِدة، والله لا ألقى الله بثلث النفاق، وأشهدكم أني قد زوّجته

وقال قوم: كان العهد الذي عاهد الله هؤلاء المنافقون شيئاً نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: سمعت معتمر بن سليمان التيمي يقول: ركبت البحر فأصابنا ريح شديدة، فنذر قوم منا نذورا، ونويت أنا لم أتكلم به. فلما قدمت البصرة، سألت أبي سليمان، فقال لي يا بنيّ: فُهْ به.

قال معتمر، وثنا كهمس عن سعيد بن ثابت، قال: قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ...} الآية، قال: إنما هو شيء نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به، ألم تسمع إلى قوله:

{ ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنجْواهُمْ وأنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ }}؟.

أَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ۝٧٨ ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِى ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٩

يقول تعالى ذكره: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله ورسوله سرًّا، ويظهرون الإيمان بهما لأهل الإيمان بهما جهراً، أن الله يعلم سرّهم الذي يسرونه في أنفسهم من الكفر به وبرسوله، {وَنَجْوَاهُمْ} يقول: ونجواهم إذا تناجوا بينهم بالطعن في الإسلام وأهله وذكرهم بغير ما ينبغي أن يذكروا به، فيحذروا من الله عقوبته أن يحلها بهم وسطوته أن يوقعها بهم على كفرهم بالله وبرسوله وعيبهم للإسلام وأهله، فينزعوا عن ذلك ويتوبوا منه. {وأنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} يقول: ألم يعلموا أن الله علام ما غاب عن اسماع خلقه وابصارهم وحواسهم مما أكنته نفوسهم، فلم يظهر على جوارحهم الظاهرة، فينهاهم ذلك عن خداع أوليائه بالنفاق والكذب ويزجرهم عن اضمار غير ما يبدونه، واظهار خلاف ما يعتقدونه.

يقول تعالى ذكره: الذين يلمزون المطوّعين في الصدقة على أهل المسكنة والحاجة، بما لم يوجبه الله عليهم في أموالهم، ويطعنون فيها عليهم بقولهم: إنما تصدّقوا به رياء وسمعة، ولم يريدوا وجه الله، ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدّقون به إلا جهدهم، وذلك طاقتهم، فينتقصونهم ويقولون: لقد كان الله عن صدقة هؤلاء غنيًّا سخرية منهم وبهم. {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} وقد بينا صفة سخرية الله بمن يسخر به من خلقه في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ههنا. {وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} يقول: ولهم من عند الله يوم القيامة عذاب موجع مؤلم.

وذُكر أن المعنيّ بقوله: {المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنينَ} عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عديّ الأنصاري، وأن المعنيّ بقوله: {والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ} أبو عقيل الأراشي أخو بني أنيف. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {والَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء وقالوا: إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يجدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الناس يوماً فنادى فيهم: أن اجْمَعُوا صَدَقَاتِكُمْ فجمع الناس صدقاتهم. ثم جاء رجل من أحوجهم بمنّ من تمر، فقال: يا رسول الله هذا صاع من تمر، بتّ ليلتي أجرّ بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقات. فسخر منه رجال وقالوا: والله إن الله ورسوله لغنيان عن هذا، وما يصنعان بصاعك من شيء ثم إن عبد الرحمن بن عوف رجل من قريش من بني زهرة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل بقي من أحد من أهل هذه الصدقات؟ فقال:

لافقال عبد الرحمن بن عوف: إن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات. فقال له عمر بن الخطاب: أمجنون أنت؟ فقال: ليس بي جنون. فقال: أتعلم ما قلت؟ قال: نعم، مالي ثمانية آلاف: أما أربعة فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ وَفِيما أعْطَيْتَوكره المنافقون فقالوا: والله ما أعطي عبد الرحمن عطيته إلا رياء وهم كاذبون، إنما كان به متطوعاً. فأنزل الله عذره، وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر، فقال الله في كتابه: {والَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ...} الآية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بصدقة ماله أربعة آلاف، فلمزه المنافقون، وقالوا: راءى. {والَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ} قال: رجل من الأنصار، آجر نفسه بصاع من تمر لم يكن له غيره، فجاء به فلمزوه، وقالوا: كان الله غنيًّا عن صاع هذا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ...} الآية، قال: أقبل عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله، فتقرّب به إلى الله، فلمزه المنافقون، فقالوا: ما أعطى ذلك إلا رياءً وسمعة فأقبل رجل من فقراء المسلمين يقال له: حبحاب أبو عقيل، فقال: يا نبي الله، بتّ أجر الجرير على صاعين من تمر: أما صاع فأمسكته لأهلي، وأما صاع فها هو ذا. فقال المنافقون: والله إن الله ورسوله لغنيان عن هذا فأنزل الله في ذلك القرآن: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ}.. الآية.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ} قال: تصدّق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينار، فتصدّق بأربعة آلاف دينار، فقال ناس من المنافقين: إن عبد الرحمن بن عوف لعظيم الرياء فقال الله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ} وكان لرجل صاعان من تمر، فجاء بأحدهما، فقال ناس من المنافقين: إن كان الله عن صاع هذا لغنيًّا فكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون بهم، فقال الله: {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ولَهُمْ عَذابَّ ألِيمٌ}.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال الأنماطي، قال: ثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

تَصَدَّقُوا فإنّي أُرِيدُ أنْ أبْعَثَ بَعْثاًقال: فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، إن عندي أربعة آلاف: ألقين أقرضهما الله، وألفين لعيالي. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتُ، وبَارَكَ لَكَ فِيما أمْسَكْتَفقال رجل من الأنصار: وإن عندي صاعين من تمر، صاعاً لربي، وصاعاً لعيالي قال: فلمز المنافقون، وقالوا: ما أعطى ابن عوف هذا إلا رياءً وقالوا: أو لم يكن الله غنيًّا عن صاع هذا فأنزل الله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ...} إلى آخر الآية.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد. قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، في قوله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ} قال: أصاب الناس جهد شديد، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدّقوا، فجاء عبد الرحمن بأربعمائة أوقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اللَّهُم بارِكْ لَهُ فيما أمْسَكَفقال المنافقون: ما فعل عبد الرحمن هذا إلا رياءً وسمعه وقال: وجاء رجل بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله آجرت نفسي بصاعين، فانطلقت بصاع منهما إلى أهلي وجئت بصاع من تمر. فقال المنافقون: إن الله غنيّ عن صاع هذا فأنزل الله هذه الآية: {والَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ...} الآية، وكان من المطَّوّعين من المؤمنين في الصدقات: عبد الرحمن بن عوف، تصدّق بأربعة آلاف دينار وعاصم بن عدّي أخو بني عجلان. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغَّب في الصدقة وحضّ عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدّق بأربعة آلاف درهم، وقام عاصم بن عدّي فتصدّق بمائة وسق من تمر. فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء وكان الذي تصدّق بجهده أبو عقيل، أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر، فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا: إن الله لغنيّ عن صاع أبي عقيل.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله، قال: ثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل قال أبو النعمان: كنا نعمل قال: فجاء رجل فتصدّق بشيء كثير، قال: وجاء رجل فتصدق بصاع تمر، فقالوا: إن الله لغنيّ عن صاع هذا فنزلت: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، قال: ثني خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أبيه، قال: بتّ أجر الجرير على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلَّغون به، وجئت بالآخر أتقرّب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال:

انْثُرْهُ في الصَّدَقَةِفسخر المنافقون منه وقالوا: لقد كان غنيًّا عن صدقة هذا المسكين فأنزل الله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ...} الآيتين.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا الجريري عن أبي السليل، قال: وقف على الحيّ رجل، فقال: ثني أبي أو عمي، فقال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

مَنْ يَتَصَدَّق اليَوْمَ بصَدَقَةٍ أشْهَدْ لَهُ بِها عِنْدَ الله يَوْمَ القِيامَةِ . قال: وعليّ عمامة لي، قال: فنزعت لَوْثا أو لوثين لأتصدق بهما قال ثم أدركني ما يدرك ابن آدم، فعصبت بها رأسي. قال: فجاء رجل لا أرى بالبقيع رجلاً اقصر قمه، ولا اشدّ سواداً، ولا اذم لعيني منه، يقود ناقة لا أرى بالبقيع أحسن منها، ولا أجمل منها، قال: أصدقة هي يا رسول الله قال: نعم. قال: فدونكها، فألقى بخطامها أو بزمامها. قال: فلمزه رجل جالس، فقال: والله إنه ليتصدّق بها ولهي خير منه فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:بَلْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ومِنْها. يقول ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، يقول: الذي تصدّق بصاع التمر فلمزه المنافقون، أبو خيثمة الأنصاريّ.

حدثني المثنى، قال: ثنا محمد بن رجاء أبو سهل العباداني قال: ثنا عامر بن يِساف اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف، جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بارَكَ اللَّهُ فِيما أعْطَيْتَ وَفِيما أمْسَكْتَوجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله، بتّ الليلة أجر الماء على صاعين، فأما أحدهما فتركت لعيالي، وأما الآخر فجئتك به، اجعله في سبيل الله فقال:بارَكَ اللَّهُ فِيما أعْطَيْتَ وَفِيما أمْسَكْتَفقال ناس من المنافقين: والله ما أعطى عبد الرحمن إلا رياء وسمعة، ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع فلان فأنزل الله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ} يعني عبد الرحمن بن عوف، {والَّذِينَ لاَ يَجِدُون إلاَّ جُهْدَهُمْ} يعني صاحب الصاع، {فَيَسْخَرُونَ منْهُمْ سَخَرَ اللَّهُ منْهُمْ ولَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال ابن عباس: أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يجمعوا صدقاتهم، وإذا عبد الرحمن بن عوف قد جاء بأربعة آلاف، فقال: هذا مالي أقرضه الله وقد بقي لي مثله فقال له:

بُورِكَ لك فِيما أعْطَيْتَ وَفِيما أمْسَكْتَفقال المنافقون: ما أعطي إلا رياء، وما أعطى صاحب الصاع إلا رياء، إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا وما يصنع الله بصاع من شيء؟

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ...} إلى قوله: {ولَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} قال: أمر النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين أن يتصدقوا، فقام عمر بن الخطاب فألقى مالاً وافراً، فأخذ نصفه قال: فجئت أحمل مالاً كثيراً، فقال له رجل من المنافقين: ترائي يا عمر؟ فقال عمر: أرائي الله ورسوله، وأما غيرهما فلا. قال: ورجل من الأنصار لم يكن عنده شيء، فآجر نفسه ليجر الجرير على رقبته بصاعين ليلته، فترك صاعاً لعياله وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين: إن الله ورسوله عن صاعك لغنيان فذلك قول الله تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ} هذا الأنصاري، {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ}.

وقد بينا معنى اللمز في كلام العرب بشواهده وما فيه من اللغة والقراءة فيما مضى وأما قوله: {المُطَّوّعِينَ} فإن معناه: المتطوّعين، أدغمت التاء في الطاء، فصارت طاء مشددة، كما قيل: وَمَنْ يَطَّوَّعْ خَيْراً يعني يتطوّع. وأما الجهد فإن للعرب فيه لغتين، يقال: أعطاني من جُهده بضم الجيم، وذلك فيما ذكر لغة أهل الحجاز، ومن جَهْدٍ بفتح الجيم، وذلك لغة نجد. وعلى الضم قراءة الأمصار، وذلك هو الاختيار عندنا لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وأما أهل العلم بكلام العرب من رواة الشعر وأهل العربية، فإنهم يزعمون أنها مفتوحة ومضمومة بمعنى واحد. وإنما اختلاف ذلك لاختلاف اللغة فيه كما اختلفت لغاتهم في الوُجد والوَجْد بالضم والفتح من «وجدت».

ورُوي عن الشعبي في ذلك ما:

حدثنا أبو كريب. قال: ثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة، عن الشعبيّ، قال: الجُهْد في العمل، والْجَهْد في القوت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن عيسى بن المغيرة، عن الشعبي، مثله.

قال: ثنا ابن إدريس، عن عيسى بن المغيرة، عن الشعبيّ، قال: الجُهْد في العمل، والجَهْد في المعيشة.

ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٨٠

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ادع الله لهؤلاء المنافقين الذين وصف صفاتهم في هذه الآيات بالمغفرة، أو لا تدع لهم بها. وهذا كلام خرج مخرج الأمر، وتأويله الخبر، ومعناه: إن استغفرت لهم يا محمد أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. وقوله: {إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} يقول: إن تسأل لهم أن تستر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها وترك فضيحتهم بها، فلن يستر الله عليهم، ولن يعفو لهم عنها ولكنه يفضحهم بها على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. {ذلكَ بأنَّهُمْ كَفَرُوا باللَّهِ وَرَسُولِهِ} يقول جلّ ثناؤه. هذا الفعل من الله بهم، وهو ترك عفوه لهم عن ذنوبهم، من أجل أنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله. {وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ} يقول: والله لا يوفق للإيمان به وبرسوله من آثر الكفر به والخروج عن طاعته على الإيمان به وبرسوله.

ويُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حين نزلت هذه الآية، قال:

لأَزِيدَنَّ فِي الاِسْتِغْفار لَهُمْ على سَبْعِينَ مَرَّةٍرجاء منه أن يغفر الله لهم، فنزلت { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ }

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله. وهو القائل:

{ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْها الأذَلَّ }، فأنزل الله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:لأَزِيدَنَّ على السَّبْعِينَفأنزل الله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} فأبى الله تبارك وتعالى أن يغفر لهم.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن مغيرة، عن شباك، عن الشعبي، قال: دعا عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ابن سلولَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى جنازة أبيه، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:

مَنْ أنْتَ؟قال: حباب بن عبد الله بن أبيّ. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:بَلْ أنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيّ ابْنَ سَلُولَ، إنَّ الحُبابَ هُوَ الشَّيْطانُ. ثم قال النبيّ عليه الصلاة والسلام:إنَّهُ قَدْ قِيلَ لي اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، فأنا أسْتَغْفِرُ لَهُمْ سَبْعِينَ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِينَوألبسه النبيّ صلى الله عليه وسلم قميصه وهو عَرِقٌ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً}، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

سأزِيدُ على سَبْعِينَ اسْتِغْفارَةًفأنزل الله في السورة التي يذكر فيها المنافقون: {لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} عزماً.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

قال: ثنا الحسن، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن الشعبيّ، قال: لما ثقل عبد الله بن أبيّ، انطلق ابنه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: إن أبي قد احتضر، فأحبّ أن تشهده وتصلي عليه فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

ما اسْمُكَ؟قال: الحباب بن عبد الله، قال:بَلْ أنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيّ، إنَّ الحبُابَ اسْمُ شَيْطانٍ. قال: فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عَرِقٌ، وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه وهو منافق؟ فقال:إنَّ اللَّهَ قالَ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ وَلأسْتَغْفِرَنَّ لَهُ سَبْعِينَ وسَبْعِين. قال هشيم: وأشكّ في الثالثة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ...} إلى قوله: {القَوْمَ الفاسِقِينَ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:

أسْمَعُ رَبّي قَدْ رَخَّصَ لِي فِيهِمْ، فَوَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ أكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَلَعَلَّ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُمْفقال الله من شدّة غضبه عليهم: { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ اسْتَغْفِرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ }

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ} فقال نبيّ الله:

قَدْ خَيَّرَنِي رَبّي فَلأَزِيدَنَّهُمْ على سَبْعِينَفأنزل الله {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ...} الآية/

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: لما نزلت: {إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

لأَزِيدَنَّ على سَبْعِينَفقال الله: { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ }}.

فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ ۝٨١

يقول تعالى ذكره: فرح الذين خلفهم الله عن الغزو مع رسوله والمؤمنين به وجهاد أعدائه بمقعدهم {خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ} يقول: بجلوسهم في منازلهم خلاف رسول الله، يقول: على الخلاف لرسول الله في جلوسه ومقعده. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالنفر إلى جهاد أعداء الله، فخالفوا أمره وجلسوا في منازلهم. وقوله: {خِلاف} مصدر من قول القائل: خالف فلان فلاناً فهو يخالفه خلافاً فلذلك جاء مصدره على تقدير فعال، كما يقال: قاتله فهو يقاتله قتالاً، ولو كان مصدراً من خلَفه، لكانت القراءة: «بمقعدهم خلف رسول الله»، لأن مصدر خلفه خلفٌ، لا خِلاف، ولكنه على ما بينت من أنه مصدر خالف، فقرىء: {خِلافَ رَسُولِ الله} وهي القراءة التي عليها قراءة الأمصار، وهي الصواب عندنا. وقد تأوّل بعضهم ذلك، بمعنى: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد على ذلك بقول الشاعر:

عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهُمْ فَكأنمَابَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا

وذلك قريب لمعنى ما قلنا، لأنهم قعدوا بعده على الخلاف له.

وقوله: {وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بأمُوَالِهِمْ وأنْفُسِهمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يقول تعالى ذكره: وكره هؤلاء المخلفون أن يغزوا الكفار بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله يعني: في دين الله الذي شرعه لعباده لينصروه، ميلاً إلى الدَّعَة والخَفْض، وإيثاراً للراحة على التعب والمشقة، وشُحًّا بالمال أن ينفقوه في طاعة الله. {وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرّ} وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم استنفرهم إلى هذه الغزوة، وهي غزوة تبوك في حرّ شديد، فقال المنافقون بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحرّ فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد نار جهنم التي أعدّها الله لمن خالف أمره وعصى رسوله، أشدّ حرّاً من هذا الحرّ الذي تتواصون بينكم أن لا تنفروا فيه. يقول: الذي هو أشدّ حرّاً أحرى أن يحذر ويتقي من الذي هو أقلهما أذى. {لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ} يقول: لو كان هؤلاء المنافقون يفقهون عن الله وعظه ويتدبرون آي كتابه، ولكنهم لا يفقهون عن الله، فهم يحذرون من الحرّ أقله مكروها وأخفه أذى، ويوافقون أشدّه مكروهاً وأعظمه على من يصلاه بلاء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهمْ خلافَ رَسُولِ اللَّهِ...} إلى قوله: {يَفْقَهُونَ}، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله، الحرّ شديد ولا نستطيع الخروج، فلا تنفر في الحرّ فقال الله: {قلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرّاً لو كانوا يفقهون } فأمره الله بالخروج.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور،عن معمر،عن قتادة، في قوله:{بمقعدهم خلاف رسول الله}قال:من غزوة تبوك.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره، قالوا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرّ شديد إلى تبوك، فقال رجل من بني سلمة: لا تنفروا في الحرّ فأنزل الله: {قُلْ نارُ جَهَنَّمَ...} الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، وأجمع السير إلى تبوك على شدّة الحرّ وجدب البلاد، يقول الله جلّ ثناؤه: {وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الحرّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرّاً}.

فَلْيَضْحَكُوا۟ قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا۟ كَثِيرًا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٨٢

يقول تعالى ذكره: فرح هؤلاء المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله، فليضحكوا فرحين قليلاً في هذه الدنيا الفانية بمقعدهم خلاف رسول الله ولهوهم عن طاعة ربهم، فإنهم سيبكون طويلاً في جهنم مكان ضحكهم القليل في الدنيا {جَزَاءً} يقول: ثواباً منالهم على معصيتهم بتركهم النفر إذ استنفروا إلى عدوّهم وقعودهم في منازلهم خلاف رسول الله. {بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ} يقول: بِما كانوا يجترحون من الذنوب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي رزين: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً} قال: يقول الله تبارك وتعالى: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا بكاءً لا ينقطع، فذلك الكثير.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن منصور، عن أبي رزين، عن الربيع بن خيثم: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً} قال: في الدنيا، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً قال: في الآخرة.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن ويحيى، قالا: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين، في قوله: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً} قال: في الآخرة.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي رزين، أنه قال في هذه الآية: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً} قال: ليضحكوا في الدنيا قليلاً، وليبكوا في النار كثيراً، وقال في هذه الآية:

{ وَإذاً لا تُمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِيلاً }قال: أجلهم أحد هذين الحديثين رفعه إلى ربيع بن خيثم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً} قال: ليضحكوا قليلاً في الدنيا، {وَلْيَبْكُوا كَثِيراً} في الآخرة في نار جهنم، {جَزَاءً بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً}: أي في الدنيا، {وَلْيَبْكُوا كَثِيراً}: أي في النار. ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، قال:

وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً ذُكر لنا أنه نودي عند ذلك، أو قيل له: لا تُقْنِط عبادي

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، عن الربيع بن خيثم {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً} قال: في الدنيا، {وَلْيَبْكُوا كَثِيراً} قال: في الآخرة.

قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً} قال: في الدنيا فإذا صاروا إلى الآخرة بكوا بكاءً لا ينقطع، فذلك الكثير.

حدثنا عليّ بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً} قال: هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا دينهم هزواً ولَعباً يقول الله تبارك وتعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً} في الدنيا، {وَلْيَبْكُوا كَثِيراً} في النار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فَلْيَضْحَكُوا} في الدنيا {قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا} يوم القيامة {كَثِيراً}. وقال:

{ إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ }حتى بلغ: { هَلْ ثُوّبَ الكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ }}.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ