انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة التوبة

تفسير الطبريالآيات 83–100

تفسير سورة التوبة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة التوبة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:10:32

  1. 1 الآيات 75–92في هذه الصفحة 14:37
  2. 2 الآيات 93–110في هذه الصفحة 18:03

التفسير الصوتي لسورة التوبة كاملًا (9 مقاطع)

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا۟ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَٰتِلُوا۟ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْخَٰلِفِينَ ۝٨٣

يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن ردّك الله يا محمد إلى طائفة من هؤلاء المنافقين من غزوتك هذه، فاستأذنوك للخروج معك في أخرى غيرها، فقل لهم: {لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعيَ عَدُوّا إنَّكُمْ رَضِيُتمْ بالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ} وذلك عند خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى تبوك {فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ} يقول: فاقعدوا مع الذين قعدوا من المنافقين خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنكم منهم، فاقتدوا بهديهم واعملوا مثل الذي عملوا من معصية الله، فإن الله قد سخط عليكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رجل: يا رسول الله، الحرّ شديد ولا نستطيع الخروج، فلا تنفر في الحرّ وذلك في غزوة تبوك، فقال الله: {قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرّاً لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ} فأمره الله بالخروج، فتخلف عنه رجال، فأدركتهم نفوسهم، فقالوا: والله ما صنعنا شيئاً فانطلق منهم ثلاثة، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أتوه تابوا ثم رجعوا إلى المدينة، فأنزل الله: {فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ...} إلى قوله: {وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هَلَكَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوافأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهُمْ لَما تابُوا، فقال: { لَقَدْ تابَ اللَّهُ على النَّبِيّ والمُهاجِرِينَ والأنْصَارِ... }إلى قوله: { إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }. وقال: { إنَّه بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ منْهُمْ...} إلى قوله: {فاقْعُدُوا مَعَ الخالفينَ}: أي مع النساء. ذُكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، فقيل فيهم ما قيل.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: {فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ} والخالفون: الرجال.

قال أبو جعفر: والصواب من التأويل في قوله {الخالِفِينَ} ما قال ابن عباس. فأما ما قال قتادة من أن ذلك النساء، فقول لا معنى له لأن العرب لا تجمع النساء إذا لم يكن معهنّ رجال بالياء والنون، ولا بالواو والنون. ولو كان معنياً بذلك النساء، لقيل: «فاقعدوا مع الخوالف»، أو «مع الخالفات»، ولكن معناه ما قلنا من أنه أريد به: فاقعدوا مع مرضى الرجال وأهل زمانتهم والضعفاء منهم والنساء. وإذا اجتمع الرجال والنساء في الخبر، فإن العرب تغلِّب الذكور على الإناث، ولذلك قيل: {فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ} والمعنى ما ذكرنا. ولو وجِّه معنى ذلك إلى: فاقعدوا مع أهل الفساد، من قولهم: خلف الرجال عن أهله يخلف خلوفاً، إذا فسد، ومن قولهم: هو خلف سوء كان مذهباً. وأصله إذا أريد به هذا المعنى من قولهم خَلَف اللبن يخَلُف خلوفاً إذا خَبُث من طول وضعه في السقاء حتى يفسد، ومن قولهم: خَلَف فَمُ الصائم: إذا تغيرت ريحه.

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ إِنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ فَٰسِقُونَ ۝٨٤

يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تصلّ يا محمد على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبداً. {وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ} يقول: ولا تتولّ دفنه وتقبره من قول القائل: قام فلان بأمر فلان: إذا كفاه أمره. {إنَّهُمْ كَفَرُوا باللَّهِ} يقول إنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله، وماتوا وهم خارجون من الإسلام مفارقون أمر الله ونهيه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت حين صلى النبيّ صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبيّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى وسفيان بن وكيع، وسوّار بن عبد الله، قالوا: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال: جاء ابن عبد الله بن أبيّ ابن سلولَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات أبوه، فقال: أعطني قميصك حتى أكفنه فيه، وصلّ عليه واستغفر له فأعطاه قميصه، وقال:

إذَا فَرَغْتُمْ فَآذِنُونِيفلما أراد أن يصلي عليه، جذبه عمر وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال:بَلْ خَيَّرَنِي وقالَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفرْ لَهُمْقال: فصلي عليه. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلا تُصَلّ على أحَدٍ منْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ} قال: فترك الصلاة عليهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن ابن عمر، قال: لما توفي عبد الله بن أبيّ ابن سلول، جاء ابنه عبد الله إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه. ثم سأله أن يصلي عليه. فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخذ بثوب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال ابنَ سلول أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

إنَّمَا خَيَّرَنِي رَبّي، فقالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} وسأزِيدُ على سَبْعِينَ . فقال: إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وَلا تُصَلّ على أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ}.

حدثنا سوار بن عبد الله العنبريّ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن مجالد، قال: ثني عامر، عن جابر بن عبد الله، أن رأس المنافقين مات بالمدينة، فأوصى أن يصلَّى عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأن يكفن في قميصه. فكفنه في قميصه، وصلى عليه، وقام على قبره، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلا تُصَلّ على أحَدٍ منْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ}.

حدثني أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سلمة، عن يزيد الرَّقاشيِّ، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي علي عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فأخذ جبريل عليه السلام بثوبه فقال: {وَلا تُصَلّ على أحَدٍ منْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر، قال: جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبيّ وقد أدخل حفرته، فأخرجه، فوضعه على ركبتيه وألبسه قميصه وتفل عليه من ريقه، والله أعلم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ ابن سلول، دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة، تحوّلت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على عدوّ الله عبد الله بن أبيّ القائل يوم كذا كذا وكذا، أعدّد أيامه، ورسول الله عليه الصلاة والسلام يتبسمّ. حتى إذا أكثرت عليه، قال:

اخِّرْ عَنِّيِ يا عُمَرُ إنّي خُيِّرْتُ فاخْتَرْتُ، وَقَدْ قِيلَ لي {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لهم} فلو أني أعلم أنين إن زدت على السبعين غفر له لزدتقال ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه قال: اتعجب لي وجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلاَّ يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان {ولا تصلِّ على أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً } فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: لما مات عبد الله بن أبيّ، أتي ابنه عبد الله بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله قميصه، فأعطاه، فكفَّن فيه أباه.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب، قال: لما مات عبد الله بن أبيّ، فذكر مثل حديث ابن حميد، عن سلمة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا تُصَلّ على أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً، وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ...} الآية، قال: بعث عبد الله بن أبيّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض ليأتيه، فنهاه عن ذلك عمر، فأتاه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل عليه قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم:

أهْلَكَكَ حُبُّ اليَهُودِ. قال: فقال: يا نبيّ الله إني لم أبعث إليك لتؤنبني، ولكن بعثت إليك لتستغفر لي وسأله قميصه أن يكفن فيه، فأعطاه إياه، فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات، فكفن في قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفث في جلده ودلاّه في قبره. فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلا تُصَلّ على أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً...} الآية. قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كلم في ذلك، فقال:وَما يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي مِنَ اللَّهِ أوْ رَبِّي وَصَلاتي عَلَيْهِ؟ وإنّي لأرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِهِ ألْفٌ مِنْ قَوْمِهِ

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: أرسل عبد الله بن أبيّ ابن سلول وهو مريض إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فلما دخل عليه، قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:

أهْلَكَكَ حُبُّ يَهُودَ. قال: يا رسول الله، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتؤنبني. ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه، فأعطاه إياه وصلى عليه، وقام على قبره، فأنزل الله تعالى ذكره: {وَلا تُصَلّ على أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً، وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ}.

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِى ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ ۝٨٥

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تعجبك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين وأولادهم فتصلي على أحدهم إذا مات وتقوم على قبره من أجل كثرة ماله وولده، فإني إنما أعطيته ما أعطيته من ذلك لأعذّبه بها في الدنيا بالغموم والهموم، بما ألزمه فيها من المؤن والنفقات والزكوات وبما ينوبه فيها من الرزايا والمصيبات. {وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ} يقول: وليموت فتخرج نفسه من جسده، فيفارق ما أعطيته من المال والولد، فيكون ذَلك حسرة عليه عند موته ووبالاً عليه حينئذ ووبالاً عليه في الآخرة بموته، جاحداً توحيد الله ونبوّة نبينه محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن السديّ: {وَتَزْهَقُ أنْفُسُهُمْ} في الحياة الدنيا.

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُوا۟ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُو۟لُوا۟ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا۟ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ ٱلْقَٰعِدِينَ ۝٨٦

يقول تعالى ذكره: وإذا أنزل عليك يا محمد سورة من القرآن، بأن يقال لهؤلاء المنافقين: {آمِنُوا باللَّهِ} يقول: صدّقوا بالله {وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ} يقول: اغزوا المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، {اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ} يقول: استأذنك ذوو الغنى والمال منهم في التخلف عنك والقعود في أهله {وَقالُوا ذَرْنا} يقول: وقالوا لك: دعنا نكن ممن يقعد في منزله مع ضعفاء الناس ومرضاهم ومن لا يقدر على الخروج معك في السفر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عليّ بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ} قال: يعني أهل الغنى.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ} يعني: الأغنياء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وَإذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا باللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ} كان منهم عبد الله بن أبيّ والجد بن قيس، فنعى الله ذلك عليهم.

رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ۝٨٧

يقول تعالى ذكره: رضي هؤلاء المنافقون الذين إذا قيل لهم: آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله، استأذنك أهل الغنى منهم في التخلف عن الغزو والخروج معك لقتال أعداء الله من المشركين، أن يكونوا في منازلهم كالنساء اللواتي ليس عليهنّ فرض الجهاد، فهن قعود في منازلهنّ وبيوتهنّ. {وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ} يقول: وختم الله على قلوب هؤلاء المنافقين، فهم لا يفقهون عن الله مواعظه فيتعظون بها. وقد بيَّنا معنى الطبع وكيف الختم على القلوب فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {رَضُوا بأنْ يَكُونُوا مَعَ الخوَالِفِ} قال: والخوالف: هنّ النساء.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {رَضُوا بأنْ يَكُونُوا مَعَ الخوَالِفِ} يعني: النساء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حبوية أبو يزيد، عن يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية: {رَضُوا بأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ} قال: النساء.

قال: ثنا المحاربيّ، عن جويبر، عن الضحاك: {مع الخوالف} قال: مع النساء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {رَضُوا بأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ} أي مع النساء.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والحسن: {رَضُوا بأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ} قالا: النساء.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {رَضُوا بأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ} قال: مع النساء.

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٨٨

يقول تعالى ذكره: لم يجاهد هؤلاء المنافقون الذين اقتصصت قصصهم المشركين، لكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والذين صدّقوا الله ورسوله معه هم الذين جاهدوا المشركين بأموالهم وأنفسهم، فأنفقوا في جهادهم أموالهم وأتعبوا في قتالهم أنفسهم وبذلوها. {وأولَئِكَ} يقول: وللرسول وللذين آمنوا معه الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم الخيرات، وهي خيرات الآخرة، وذلك نساؤها وجناتها ونعيمها، واحدتها: خَيْرة، كما قال الشاعر:

وَلَقَدْ طَعَنْتُ مَجَامعَ الرَّبلاَتِرَبلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الملَكاتِ

والخيرة من كلّ شيء: الفاضلة. {وأُولَئكَ هُمُ المُفْلحُونَ} يقول: وأولئك هم المخلدون في الجنات الباقون فيها الفائزون بها.

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٨٩

يقول تعالى ذكره: أعدّ الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وللذين آمنوا معه جنات، وهي البساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار. {خالدينَ فيهَا} يقول: لابثين فيها، لا يموتون فيها، ولا يظعنون عنها. {ذلكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} يقول: ذلك النجاء العظيم والحظّ الجزيل.

وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٩٠

يقول تعالى ذكره: {وَجاءَ} رسول الله صلى الله عليه وسلم {المُعَذّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ ليُؤْذَنَ لَهُمْ} في التخلف. {وَقَعَدَ} عن المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه {الَّذِينَ كَذَّبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وقالوا الكذب، واعتذروا بالباطل فيهم. يقول تعالى ذكره: سيصيب الذين جحدوا توحيد الله ونبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم منهم عذاب أليم.

فإن قال قائل: فكيف قيل:{ وَجَاءَ المُعَذّرُونَ } وقد علمت أن المعذِّر في كلام العرب إنما هو الذي يُعَذِّر في الأمر، فلا يبالغ فيه ولا يُحكمه، وليست هذه صفة هؤلاء، وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا في طلب ما ينهضون به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوّهم، وحرصوا على ذلك، فلم يجدوا إليه السبيل، فهم بأن يوصفوا بأنهم قد أعذروا أولى وأحقّ منهم بأن يوصفوا بأنهم عذروا. إذا وصفوا بذلك.

فالصواب في ذلك من القراءة ما قرأه ابن عباس، وذلك ما:

حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي حماد، قال: ثنا بشر بن عمار، عن أبي روق عن الضحاك، قال: كان ابن عباس يقرأ: {وّجاء المُعْذِرُونَ} مخففة، ويقول: هم أهل العذر.

مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه؟ قيل: إن معنى ذلك على غير ما ذهبت إليه، وإن معناه: وجاء المعتذرون من الأعراب ولكن التاء لما جاورت الذال أدغمت فيها، فصُيرتا ذالاً مشددة لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى، كما قيل: يَذَّكَّرون في يتذكرون، ويذَّكر في يتذكر. وخرجت العين من المعذرين إلى الفتح، لأن حركة التاء من المعتذرين وهي الفتحة نقلت إليها فحركت بما كانت به محركة، والعرب قد توجه في معنى الاعتذار إلى الإعذار، فتقول: قد اعتذر فلان في كذا، يعني: أعذر، ومن ذلك قول لبيد:

إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُماوَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فقدِ اعْتَذَرْ

فقال: فقد اعتذر، بمعنى: فقد أعذر.

على أن أهل التأويل، قد اختلفوا في صفة هؤلاء القوم الذين وصفهم الله بأنهم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم معذِّرين، فقال بعضهم: كانوا كاذبين في اعتذارهم، فلم يعذرهم الله. ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو عبيدة عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثني أبي، عن الحسين، قال: كان قتادة يقرأ: {وجَاءَ المُعَذَّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ} قال: اعتذروا بالكتب.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد: {وجَاءَ المُعَذَّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ} قال نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله.

فقد أخبر من ذكرنا من هؤلاء أن هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحقّ. فغير جائز أن يوصفوا بالإعذار إلا أن يوصفوا بأنهم أعذروا في الاعتذار بالباطل. فأما بالحقّ على ما قاله من حكينا قوله من هؤلاء، فغير جائز أن يوصفوا به. وقد كان بعضهم يقول: إنما جاءوا معذرين غير جادّين، يعرضون ما لا يريدون فعله. فمن وجهه إلى هذا التأويل فلا كلفة في ذلك، غير أني لا أعلم أحداً من أهل العلم بتأويل القرآن وجّه تأويله إلى ذلك، فأستحبّ القول به.

وبعد، فإن الذي عليه من القراءة قرّاء الأمصار التشديد في الذال، أعني من قوله: {المُعَذّرُونَ} ففي ذلك دليل على صحة تأويل من تأوّله بمعنى الاعتذار لأن القوم الذين وصفوا بذلك لم يكلفوا أمراً عذروا فيه، وإنما كانوا فرقتين إما مجتهد طائع وإما منافق فاسق لأمر الله مخالف، فليس في الفريقين موصوف بالتعذير في الشخوص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو معذر مبالغ، أو معتذر. فإذا كان ذلك كذلك، وكانت الحجة من القرّاء مجمعة على تشديد الذال من «المعذرين»، علم أن معناه ما وصفناه من التأويل. وقد ذكر عن مجاهد في ذلك موافقة ابن عباس.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن حميد، قال: قرأ مجاهد: «وَجاءَ المُعْذِرُونَ» مخففة، وقال: هم أهل العلم العذر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان المعذرون.

لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا۟ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٩١

يقول تعالى ذكره: ليس على أهل الزمانة وأهل العجز عن السفر والغزو، ولا على المرضى، ولا على من لا يجد نفقة يتبلغ بها إلى مغزاه حرج، وهو الإثم يقول: ليس عليهم إثم إذا نصحوا الله ولرسوله في مغيبهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. {ما عَلى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} يقول: ليس على من أحسن فنصح لله ورسوله في تخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جهاد معه لعذر يعذر به طريق يتطرّق عليه فيعاقب من قبله. {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يقول: والله ساتر على ذنوب المحسنين، يتغمدها بعفوه لهم عنها، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها.

وذُكر أن هذه الآية نزلت في عائذ بن عمرو المزني. وقال بعضهم: في عبد الله بن مغفل. ذكر من قال نزلت في عائذ بن عمرو:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لَيْسَ على الضُّعَفَاءِ ولاَ على المَرْضى وَلا على الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ} نزلت في عائذ بن عمرو.

ذكر من قال نزلت في ابن مغفل:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لَيْسَ على الضُّعَفاءِ وَلا على المَرْضَى...} إلى قوله:

{ حَزَناً أنْ لا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ }وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل المزني، فقالوا: يا رسول الله احملنا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:وَاللَّهُ ما أجِدُ ما أحْمِلكُمْ عَلَيْهِفتولوا ولهم بكاء، وعزّ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا مَحملاً. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله، أنزل عذرهم في كتابه، فقال: {لَيْسَ على الضّعَفاءِ وَلا على المَرْضى ولا على الذين لا يجدون ما ينقفون حرج }إلى قوله: { فهم لا يعلمون }}.

وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا۟ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا۟ مَا يُنفِقُونَ ۝٩٢

تعالى ذكره ولا سبيل أيضا على النفر الذين إذا ما جاءوك لتحملهم يسألونك الحُمْلان ليبلغوا إلى مغزاهم لجهاد أعداء الله معك يا محمد، قلت لهم: لا أجد حمولة أحملكم عليها {تَوَلَّوْا} يقول: أدبروا عنك، {وأعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً} وهم يبكون من حزن على أنهم لا يجدون ما ينفقون ويتحملون به للجهاد في سبيل الله.

وذكر بعضهم أن هذه الآية نزلت في نفر من مُزينة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَلا على الَّذِينَ إذَا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أجدُ ما أحْمِلكُمْ عَلَيْهِ} قال: هم من مُزَينة.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلا على الَّذِينَ إذَا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} قال: هم بنو مقرّن من مزينة.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قراءة عن مجاهد في قوله: {وَلا على الَّذِينَ إذَا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ...} إلى قوله: {حزَنَاً أن لا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ} قال: هم بنو مقرن من مزينة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَلا على الَّذِينَ إذَا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} قال: هم بنو مُقَرِّن من مزينة.

قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن عروة، عن ابن مغفل المزني، وكان أحد النفر الذين أنزلت فيهم: {وَلا على الَّذِينَ إذَا أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ...} الآية.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن ابن جريج عن مجاهد، في قوله: {تَوَلَّوْا وأعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً} قال: منهم ابن مُقَرِّن. وقال سفيان: قال الناس: منهم عِرْباض بن سارية.

وقال آخرون: بل نزلت في عِرْباض بن سارية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن عبد الرحمن بن عمرو والسُّلَمِي، وحُجْر بن حُجْر الكَلاعي، قالا: دخلنا على عِرْباض بن سارية، وهو الذي أنزل فيه: {وَلا على الَّذِينَ إذَا أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ...} الآية.

حدثني المثنى، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن، قال: ثنا الوليد، قال: ثنا ثور، عن خالد، عن عبد الرحمن بن عمرو، وحجر بن حجر بنحوه.

وقال آخرون: بل نزلت في نفر سبعة من قبائل شتى. ذكر من قال ذلك:

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب وغيره، قال جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه، فقال:

لا أجِدُ ما أحْمِلُكُمْ عَلَيْهِفأنزل الله: {وَلا على الَّذِينَ إذَا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ...} الآية، قال: هم سبعة نفر من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، ومن بنى واقف: حِرْميّ بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب، يكنى أبا ليلى، ومن بني المُعلَّى: سَلْمان بن صخر، ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد أبو عبلة، وهو الذي تصدّق بعرضه فقبله الله منه، ومن بني سَلِمة: عمرو بن غنمة، وعبد الله بن عمرو المزني.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: {وَلا على الَّذِينَ إذَا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} إلى قوله: {حَزَناً} وهم البكاءون كانوا سبعة، والله أعلم.

إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُوا۟ بِأَن يَكُونُوا۟ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٩٣

يقول تعالى ذكره: ما السبيل بالعقوبة على أهل العُذر يا محمد، ولكنها على الذين يستأذنوك في التخلف خلافك وترك الجهاد معك وهم أهل غنى وقوّة وطاقة للجهاد والغزو، نفاقاً وشكًّا في وعد الله ووعيده. رَضُوا بأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ يقول: رضوا بأن يجلسوا بعدك مع النساء وهنّ الخوالف خلفَ الرجال في البيوت، ويتركوا الغزو معك. {وَطَبَعَ اللَّهُ على قُلُوبِهمْ } يقول: وختم الله على قلوبهم بما كسبوا من الذنوب.{ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} سوء عاقبتهم بتخلفهم عنك وتركهم الجهاد معك وما عليهم من قبيح الثناء في الدنيا وعظيم البلاء في الآخرة.

يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٩٤

يقول تعالى ذكره يعتذر إليكم أيها المؤمنون بالله هؤلاء المتخلفون خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، التاركون جهاد المشركين معكم من المنافقين بالأباطيل والكذب إذا رجعتم إليهم من سفركم وجهادكم قل لهم يا محمد:{ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ }يقول: لن نصدقكم على ما تقولون. {قَدْ نَبَّأنا الله مِنْ أخْبارِكُمْ } يقول: قد أخبرنا الله من أخباركم، وأعلمنا من أمركم ما قد علمنا به كذبكم. {وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } يقول: وسيرى الله ورسوله فيما بعد عملكم، أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه {ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادةِ } يقول: ثم ترجعون بعد مماتكم إلى عالم الغيب والشهادة يعني الذي يعلم السرّ والعلانية الذي لا يخفى عليه بواطن أموركم وظواهرها. {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} فيخبركم بأعمالكم كلها سيئها وحسنها، فيجازيكم بها الحسن منها بالحسن والسيىء منها بالسيىء.

سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٩٥

يقول تعالى ذكره: سيحلف أيها المؤمنون بالله لكم هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله،{ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ } يعني: إذا انصرفتم إليهم من غزوكم، {لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ } فلا تؤنبوهم.{ فأعْرِضُوا عَنْهُمْ } يقول جلّ ثناؤه للمؤمنين: فدعوا تأنيبهم وخلوهم، وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق. {إنَّهُمْ رِجْسٌ ومَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} يقول: إنهم نجس ومأواهم جهنم، يقول: ومصيرهم إلى جهنم وهي مسكنهم الذي يأوونه في الآخرة. {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسَبُونَ } يقول: ثوابا بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من معاصي الله. وذكر أن هذه الآية نزلت في رجلين من المنافقين قالا ما:

حدثنا به محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {سَيَحْلِفُون باللَّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتَعْرِضُوا...} إلى:{ بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: ألا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب بنت عظيم الروم، فإنهم حِسَانٌ فقال رجلان: قد علمت يا رسول الله أن النساء فتنة، فلا تفتنا بهنّ، فأذن لنا فأذن لهما فلما انطلقا، قال أحدهما: إن هو إلا شحمة لأوّل آكل. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه:

{ { لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوك وَلَكِنْ بَعُدَتُ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ } }، ونزل عليه: { { عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ } }، ونزل عليه: { { لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ } }، ونزل عليه: { { إنَّهُمْ رِجْسٌ وَمأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ } } فسمع ذلك رجل ممن غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم وهم خلفهم، فقال: تعلمون أن قد أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدكم قرآن، قالوا: ما الذي سمعت؟ قال ما أدري، غير أني سمعت أنه يقول: إنهم رجس، فقال رجل يدعى مخشيًّا: والله لوددت أني أجلد مئة جلدة وأني لست معكم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك؟ فقال: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسفعه الريح وأنا في الكنّ، فأنزل الله عليه: وَمِنْهُمْ مَنُ يَقُولُ ائْذَنْ لي وَلا تَفْتِنى وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرّ ونزل عليه في الرجل الذي قال: لوددت أني أجلد مئة جلدة، قول الله: { { يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ } } فقال رجل مع رسول الله: لئن كان هؤلاء كما يقولون ما فينا خير. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له:أنت صاحب الكلمة التي سمعت؟فقال: لا والذي أنزل عليك الكتاب فأنزل الله فيه: { { وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ } } وأنزل فيه: { { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالظَّالِمِينَ }}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب، قال: سمعت كعب بن مالك يقول: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله وصدقته حديثي. فقال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قَطُّ بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي، شَرَّ ما قال لأحد:{ سَيَحْلِفُونَ باللَّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إنَّهُمْ رِجْسٌ وَمأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون...} إلى قوله: {فإنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَن القَوْمِ الفاسِقِينَ}.

يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٩٦

يقول تعالى ذكره: يَحْلِفُ لَكُمْ أيها المؤمنون بالله هؤلاء المنافقون اعتذاراً بالباطل والكذب{ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فإنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فإنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ } يقول: فإن أنتم أيها المؤمنون رضيتم عنهم وقبلتم معذرتهم، إذا كنتم لا تعلمون صدقهم من كذبهم، فإن رضاكم عنهم غير نافعهم عند الله لأن الله يعلم من سرائر أمرهم ما لا تعلمون، ومن خفيّ اعتقادهم ما تجهلون، وأنهم على الكفر بالله، يعني أنهم الخارجون من الإيمان إلى الكفر بالله ومن الطاعة إلى المعصية.

ٱلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا۟ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٩٧

..

يقول تعالى ذكره: الأعراب أشدّ جحودا لتوحيد الله وأشدّ نفاقاً من أهل الحضر في القرى والأمصار. وإنما وصفهم جلّ ثناؤه بذلك لجفائهم وقسوة قلوبهم وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبا وأقلّ علما بحقوق الله. وقوله:{ وأجْدَرُ أنْ لا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ على رَسُولِهِ } يقول: وأخلق أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله وذلك فيما قال قتادة: السُّنَن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وأجّدَرُ ألاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ على رَسُولِهِ} قال: هم أقلّ علماً بالسُّنن.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مُقَرِّن عن الأعمش، عن إبراهيم، قال جلس أعرابي إلى زيد بن صُوْحان وهو يحدّث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني فقال زيد: وما يريبك من يدي، إنها الشِّمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري أليمينَ يقطعون أم الشمال؟ فقال زيد بن صُوحان: صدق الله:{ الأعْرَابُ أشَدّ كُفْراً وَنِفاقاً وأجْدَرُ أنْ لا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ على رَسُولِهِ}.

وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يقول: والله عليم بمن يعلم حدود ما أنزل على رسوله، والمنافق من خلقه والكافر منهم، لا يخفى عليه منهم أحد، حكيم في تدبيره إياهم، وفي حلمه عن عقابهم مع علمه بسرائرهم وخداعهم أولياءه.

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝٩٨

يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يَعُدُّ نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك أو في معونة مسلم أو في بعض ما ندب الله إليه عباده {مَغْرماً} يعني غُرْماً لزمه لا يرجو له ثواباً ولا يدفع به عن نفسه عقاباً. {وَيَترَبَّص بِكُمُ الدَّوَائِرَ } يقول: وينتظرون بكم الدوائر أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروه ونفي محبوب، وغلبة عدوّ لكم. يقول الله تعالى ذكره:{ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ }يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم، ونزول المكروه بهم لا عليكم أيها المؤمنون، ولا بكم، والله سميع لدعاء الداعين، عليم بتدبيرهم وما هو بهم نازل من عقاب الله وما هم إليه صائرون من أليم عقابه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله:{ ومِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ } قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء اتقاء أن يغزوا، أو يحاربوا، أو يقاتلوا، ويرون نفقتهم مَغْرما، إلا تراه يقول:{ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأ عامة أهل المدينة والكوفة: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} بفتح السين، بمعنى النعت للدائرة، وإن كانت الدائرة مضافة إليه، كقولهم: هو رجل السوء، وامرؤ الصدق، كأنه إذا فتح مصدر من قولهم: سؤته أسوءة سَوْءا ومساءة ومَسَائِيةً. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: «عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوء» بضمّ السين كأنه جعله اسما، كما يقال عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوءِ } فضمّ، لم يقل هذا رجل السُّوء بالضمّ، والرجل السُّوء، وقال الشاعر:

وكُنْتَ كَذِئْبَ السَّوْءِ لَمَّا رأى دَماًبِصَاحِبِه يَوْماً أحالَ عَلى الدَّم

والصواب من القراءة في ذلك عندنا بفتح السين، بمعنى: عليهم الدائرة التي تسوءهم سَوْءاً كما يقال هو رجلٌ صِدْقٌ على وجه النعت.

وَمِنَ ٱلْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٩٩

يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يصدق الله ويقرّ بوحدانيته وبالبعث بعد الموت والثواب والعقاب، وينوي بما ينفق من نفقة في جهاد المشركين وفي سفره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ } القربات: جمع قُرْبة، وهو ما قربه من رضا الله ومحبته. {وَصَلوَاتِ الرَّسُولِ،} يعني بذلك: ويبتغي بنفقة ما ينفق مع طلب قربته من الله دعاء الرسول واستغفاره له.

وقد دللنا فيما مضى من كتابنا على أن من معاني الصلاة الدعاء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ وَصَلوَاتِ الرَّسُولِ } يعني استغفار النبيّ عليه الصلاة والسلام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ ومِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ } قال: دعاء الرسول، قال: هذه ثنية الله من الأعراب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله:{ وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ} قال: هم بنو مقرن من مزينة، وهم الذين قال الله فيهم:

{ { وَلا على الَّذِينَ إذَا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكُمْ علَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْع حَزَناً } } قال: هم بنو مُقَرن من مزينة.

قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله:{ الأعْرَابُ أشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً} ثم استثنى فقال:{ وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ... } الآية.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا جعفر، عن البختري بن المختار العبدي، قال: سمعت عبد الله بن مُغَفَّل قال: كنا عشرة ولد مُقَرِّن، فنزلت فينا: {وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ... } إلى آخر الآية.

قال الله:{ أَلاَ إنهَا قُرْبةٌ لَهُمْ } يقول تعالى ذكره: ألا إن صلوات الرسول قربة لهم من الله، وقد يحتمل أن يكون معناه: ألا إن نفقته التي ينفقها كذلك قربة لهم عند الله. {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رحْمَتِهِ } يقول: سيدخلهم الله فيمن رحمه فأدخله برحمته الجنة، إن الله غفور لما اجترموا، رحيم بهم مع توبتهم وإصلاحهم أن يعذبهم.

وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝١٠٠

يقول تعالى ذكره: والذين سبقوا الناس أولاً إلى الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا منازلهم وأوطانهم، والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله:{ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بإحْسانٍ } يقول: والذين سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، طَلَبَ رضا الله،{ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}.

واختلف أهل التأويل في المعنى بقوله:{ والسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ } فقال بعضهم: هم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أو أدركوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن إسماعيل، عن عامر:{ والسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ } قال: من أدرك بيعة الرضوان.

قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عامر، قال:{ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ } من أدرك البيعة تحت الشجرة.

حدثنا ابن بشار، قال ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال:{ المُهاجِرُونَ الأوَّلون} الذين شهدوا بيعة الرضوان.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن مطرف، عن الشعبيّ، قال: المهاجرون الأوّلون: من كان قبل البيعة إلى البيعة فهم المهاجرون الأولون، ومن كان بعد البيعة فليس من المهاجرين الأوّلين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل ومطرِّف عن الشعبي، قال: {السَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ } هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن داود، عن عامر، قال: فصل ما بين الهجرتين بيعة الرضوان، وهي بيعة الحُديبية.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ومطرِّف، عن الشعبي، قال: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبثر أبو زبيد، عن مطرف، الشعبي، قال: المهاجرون الأوّلون: من أدرك بيعة الرضوان.

وقال آخرون: بل هم الذين صلوا القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن عثمان الثقفي، عن مولى لأبي موسى، عن أبي موسى، قال: المهاجرون الأوّلون: مَنْ صلى القبلتين مع النبي صلى الله عليه وسلم.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن مولى لأبي موسى، قال: سألت أبا موسى الأشعري، عن قوله: {السَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ} قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي هلال، عن أبي قتادة، قال: قلت لسعيد بن المسيب: لم سموا المهاجرين الأوّلين؟ قال: من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم القبلتين جميعاً، فهو من المهاجرين الأوّلين.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: المهاجرون الأوّلون: الذين صلوا القبلتين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّبِ، قوله:{ السَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ } قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عباس بن الوليد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن بعض أصحابه، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، وعن أشعث، عن ابن سيرين في قوله:{والسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ } قال: هم الذين صلوا القبلتين.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن معاذ، قال: ثنا ابن عون، عن محمد، قال: المهاجرون الأوّلون: الذين صلوا القبلتين.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:{ السَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ } قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً.

وأما الذين اتبعوا المهاجرون الأوّلين والأنصار بإحسان، فهم الذين أسلموا لله إسلامهم وسلكوا منهاجهم في الهجرة والنصرة وأعمال الخير. كما:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب، قال: مرّ عمر برجل وهو يقرأ هذه الآية:{السَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصَارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بإحْسانٍ } قال: من أقرأك هذه الآية؟ قال أقرأنيها أبيّ بن كعب. قال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه فأتاه فقال: أنت أقرأت هذا هذه الآية؟ قال نعم، قال: وسمعَتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لقد كنت أرانا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا. قال: وتصديق ذلك في أوّل الآية التي في أوّل الجمعة، وأوسط الحشر، وآخر الأنفال أما أوّل الجمعة:

{ { وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } }، وأوسط الحشر: { { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنَ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمَانِ } }، وأما آخر الأنفال: { { والَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وجَاهَدُوا مَعَكُمْ فأولَئِكَ مِنْكُمْ } }.

حدثنا أبو كريب، ثنا الحسن بن عطية، قال: ثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: مرّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ:{ السَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصَارِ... } حتى بلغ:{ وَرَضُوا عَنْهُ } قال: وأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبيّ بن كعب. فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم، قال: أنت سمعَتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: لقد كنت أظن أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أبيّ: بلى تصديق هذه الآية في أوّل سورة الجمعة:

{ { وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } } ... إلى: { { وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } }، وفي سورة الحشر: { { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنَ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإِيمَانِ } }، وفي الأنفال: { { والَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وجَاهَدُوا مَعَكُمْ فأُولَئِكَ مِنْكُمْ } }... إلى آخر الآية.

ورُوِي عن عمر في ذلك ما:

حدثني به أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن حبيب بن الشهيد، وعن ابن عامر الأنصاري، أن عمر بن الخطاب قرأ: «السَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بإحْسانٍ» فرفع «الأنصار» ولم يلحق الواو في «الذين»، فقال له زيد بن ثابت: «والذين اتبعوهم بإحسان»، فقال عمر: «الذين اتبعوهم بإحسان». فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم فقال عمر: ائتوني بأبيّ بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك، فقال أبي:{ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بإحْسانٍ } فقال عمر: إذا نُتابع أبيًّا.

والقراءة على خفض «الأنصار» عطفا بهم على «المهاجرين». وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ: «الأنصارُ» بالرفع عطفا بهم على «السابقين».

والقراءة التي لا أستجيز غيرها الخفض في «الأنصار»، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأن السابق كان من الفريقين جميعاً من المهاجرين والأنصار. وإنما قصد الخبر عن السابق من الفريقين دون الخبر عن الجميع، وإلحاق الواو في «الذين اتبعوهم بإحسان»، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين جميعاً، على أن التابعين بإحسان غير المهاجرين والأنصار. وأما السابقون فإنهم مرفوعون بالعائد من ذكرهم في قوله:{ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ ورضُوا عَنْهُ } ومعنى الكلام: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه وإيمانهم به وبنبيه عليه الصلاة والسلام، وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار يدخلونها خالدين فيها لابثين فيها أبداً لا يموتون فيها ولا يخرجون منها،{ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ