انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الزمر

تفسير البغويالآيات 56–75

تفسير سورة الزمر آية آية، من تفسير البغوي.

أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ۝٥٦ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٥٧ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٥٨ بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٥٩ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ۝٦٠ وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٦١ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ۝٦٢ لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٦٣ قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَٰهِلُونَ ۝٦٤ وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٦٥ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝٦٦ وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦ وَٱلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٦٧

{أَن تَقُولَ نَفْسٌ}، يعني: لئلا تقول نفس، كقوله:

{ وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ }[النحل: 15] أي: لئلا تميد بكم، قال المبرد: أي بادرُوا واحذرُوا أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون هذا القول، {يٰحَسْرَتَىٰ} يا ندامتا، والتحسر الإغتمام على ما فات، وأراد: يا حسرتي، على الإِضافة، لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة، فتقول: يا حسرتا ويا ندامتا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإِضافة، وكذلك قرأ أبو جعفر يا (حسرتاي)، وقيل: معنى قوله "يا حسرتا" يا أيتها الحسرة هذا وقتك، {عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللهِ}، قال الحسن: قصرت في طاعة الله. وقال مجاهد: في أمر الله. وقال سعيد بن جبير: في حق الله. وقيل: ضيعت في ذات الله. وقيل: معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضاء الله. والعرب تسمي الجنب جانباً. {وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ}، المستهزئين بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعته.

{أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللهَ هَدَانِى لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ}، عياناً، {لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً}، رجعة إلى الدنيا، {فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، الموحدين.

ثم يقال لهذا القائل: {بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَـٰتِى}، يعني: القرآن، {فَكَذَّبْتَ بِهَا}، وقلت إنها ليست من الله، {وَٱسْتَكْبَرْتَ}، تكبرت عن الإيمان بها، {وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}.

{وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللهِ}، فزعموا أن له ولداً وشريكاً، {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ}، عن الإِيمان.

{وَيُنَجِّى ٱللهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ}، قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: "بمفازاتهم" بالألف على الجمع، أي: بالطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة، وقرأ الآخرون: "بمفازتهم" على الواحد لأن المفازة بمعنى الفوز، أي: ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. قال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز، والجمع حسن كالسعادة والسعادات. {لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ}، لا يصيبهم المكروه، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

{ٱللهُ خَـٰلِقُ كُـلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُل شَىْءٍ وَكِيلٌ}، أي: الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها. {لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، مفاتيح خزائن السموات والأرض، واحدها مقلاد، مثل مفتاح، ومقليد مثل منديل ومناديل. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة. وقال الكلبي: خزائن المطر وخزائن النبات. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ}.

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللهِ تَأْمُرُونِّىۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ}؟ قال مقاتل: وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه. قرأ أهل الشام "تأمرونَنِي" بنونين خفيفتين على الأصل، وقرأ أهل المدينة بنون واحدة خفيفة على الحذف، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام.

{وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنّ عَمَلُكَ}، الذي عملته قبل الشرك وهذا خطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد منه غيره. وقيل: هذا أدب من الله عزّ وجلّ لنبيه وتهديد لغيره، لأن الله تعالى عصمه من الشرك. {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}.

{بَلِ ٱللهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ}، لإنعامه عليك.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللهَ حَقَّ قَدْرِهِ}، ما عظَّموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، ثم أخبر عن عظمته فقال: {وَٱلأَرْضُ جميعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وٱلسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سَبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا شيبان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبدالله بن مسعود قال: جاء حبْرٌ من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد إنَّا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ: {وَمَا قَدَرُواْ ٱللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جميعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.

ورواه مسلم بن الحجاج عن أحمد بن عبدالله بن يونس عن فضيل ابن عياض عن منصور، وقال: "والجبال والشجر على إصبع، وقال ثم يهزهن هزاً، فيقول (أنا الملك أنا الله)".

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن فنجويه، حدثنا عمر بن الخطاب، حدثنا عبد الله بن الفضل، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبدالله، أخبرني عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يطوي اللهُ السمواتِ يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون. هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة الكشميهني، حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك، عن يونس عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض».

وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ۝٦٨ وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ وَجِا۟ىٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٦٩ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ۝٧٠ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧١ قِيلَ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ۝٧٢ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ۝٧٣

قوله عزّ وجلّ: {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ}، ماتوا من الفزع، وهي النفخة الأولى، {إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللهُ}، اختلفوا في الذين استثناهم الله عزّ وجلّ، وقد ذكرناهم في سورة النمل، قال الحسن: إلا من شاء الله يعني الله وحده، {ثُمَّ نُفِخَ فيهِ}، أي: في الصور، {أُخْرَىٰ}، أي: مرة أخرى، {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ}، من قبورهم ينتظرون أمر الله فيهم..

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما بين النفختين أربعون، قالوا: أربعون يوماً؟ قال: «أبيت»، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: «أبيت»، قالوا: أربعون سنة؟ قال: «أبيت»، قال: "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإِنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب ومنه يتركب الخلق يوم القيامة".

قوله عزّ وجلّ: {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ}، أضاءت، {بِنُورِ رَبِّهَا} بنور خالقها، وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، فما يتضارون في نوره كما لا يتضارون في الشمس في اليوم الصحو. وقال الحسن والسدي: بعدلِ ربِّها، وأراد بالأرض عرصات القيامة، {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ}، أي كتاب الأعمال، {وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّينَ وَٱلشُّهَدَآءِ}، قال ابن عباس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء: يعني الحفظة، يدل عليه قوله تعالى:

{ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ }[ق: 21]، {وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ}، أي: بالعدل، {وهم لاَ يُظْلَمُونَ}، أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم.

{وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ}، أي: ثواب ما عملت، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ}، قال عطاء: يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد.

{وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} سوقاً عنيفاً، {زُمَراً}، أفواجاً بعضها على إثر بعض، كل أمة على حدة. قال أبو عبيدة والأخفش: "زمراً" أي جماعات في تفرقة، واحدتها زمرة. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا}، السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك، قرأ أهل الكوفة "فُتِحَتْ، وفُتِحَتْ" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ}، توبيخاً وتقريعاً لهم، {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ}، من أنفسكم، {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ}، وجبت، {كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ}، وهو قوله عزَّ وجلَّ:

{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وٱلنَّاسِ أَجْمَعِين }[هود: 119].

{قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ * وَسِيقَ الذين اتقَوا ربَّهم إلى الجنة زُمَراً حَتَّىٰ إذا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا}، قال الكوفيون: هذه الواو زائدة حتى تكون جواباً لقوله:{حَتَّىٰ إذا جَآءُوهَا} كما في سَوْق الكفار، وهذا كما قال الله تعالى:

{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً }[الأنبياء: 48]، [أي ضياء]، والواو زائدة.

وقيل: الواو واو الحال، مجازه: وقد فتحت أبوابها، فأدخل الواو لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفها في الآية الأولى لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم.

فإذا لم تجعل الواو زائدة في قوله: "وفتحت" اختلفوا في جواب قوله:

{وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا}، والواو فيه ملغاة تقديره: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها.

وقال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف، تقديره: {حَتَّىٰ إذا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا. وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ}، دخلوها فحذف "دخلوها" لدلالة الكلام عليه.

{وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ}، يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليهم ويقولون: طبتم. قال ابن عباس: طاب لكم المقام. قال قتادة: هم إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هُذِّبوا وطيّبوا أدخلوا الجنة، فقال لهم رضوان وأصحابه: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ}.

وروي عن علي عليه السلام قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيغتسل المؤمن من إحداهما فيطهر ظاهره، ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه، وتلقيهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ}.

وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُۥ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ ۝٧٤ وَتَرَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٧٥

{وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ}، أي: أرض الجنة. وهو قوله عزّ وجلّ:

{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ }[الأنبياء: 105]. {نَتَبَوَّأُ}، ننزل، {مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ}، قال الله تعالى: {فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ}، ثواب المطيعين.

{وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ}، أي: محدقين محيطين بالعرش، مطيفين بحوافيه أي: بجوانبه، {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}، قيل: هذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم، {وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ}، أي: قضي بين أهل الجنة والنار بالعدل، {وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ للهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلمِِينَ}، يقول أهل الجنة: شكراً لله، حين تم وعدُ الله لهم.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان, حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا عبيد الله بن موسى, حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلاً فمرّ بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات, فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب منه وأعجب, فقيل له: إن مثل الغيث الأول مثل عُظْم القرآن, وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل الـ حـمۤ في القرآن.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا أبو محمد الرومي, حدثنا أبو العباس السراج، حدثنا قتيبة, حدثنا ابن لهيعة, عن يزيد بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عباس قال: لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم. وقال ابن مسعود: إذا وقعت في آل حۤـمۤ وقعت في روضات دمثات أتأنّق فيهن. وقال سعد بن إبراهيم: كن - آل حۤـمۤ - يسمين العرائس.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ