انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة مريم

تفسير الطبريالآيات 16–26

تفسير سورة مريم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة مريم

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 49:31

  1. 1 الآيات 1–21في هذه الصفحة 11:16
  2. 2 الآيات 22–58في هذه الصفحة 19:21

التفسير الصوتي لسورة مريم كاملًا (3 مقاطع)

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ۝١٦ فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ۝١٧

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا مـحمد فـي كتاب الله الذي أنزله علـيك بـالـحقّ مريـم ابنة عمران، حين اعتزلت من أهلها، وانفردت عنهم، وهو افتعل من النَّبذ، والنَّبذ: الطَّرْح، وقد بـيَّنا ذلك بشواهده فـيـما مضى قبلُ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {وَاذْكُرْ فِـي الكِتابِ مَرْيَـمَ إذِ انْتَبَذَتْ} أي انفردت من أهلها.

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصَّلْت، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {إذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أهْلِها مَكاناً شَرْقِـيًّا} قال: خرجت مكاناً شرقـياً.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: خرجت مريـم إلـى جانب الـمـحراب لـحيض أصابها، وهو قوله: فـانتبذت من أهلها مكاناً شرقـياً: فـي شرقـيّ الـمـحراب.

وقوله: مَكاناً شَرْقِـيًّا يقول: فتنـحت واعتزلت من أهلها فـي موضع قِبَلَ مَشرق الشمس دون مَغربها، كما:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: مَكاناً شَرْقِـيًّا قال: من قِبَل الـمشرق.

حدثنـي إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عبـاس، قال: إنـي لأعلـم خـلق الله لأيّ شيء اتـخذت النصارى الـمشرق قبلة؟ لقول الله: فـانتبذت من أهلها مكاناً شرقـياً، فـاتـخذوا ميلاد عيسى قبلة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: أخبرنا مـحمد بن الصَّلْت، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: إن أهل الكتاب كتب علـيهم الصلاة إلـى البـيت، والـحجّ لله، وما صرفهم عنهما إلا قـيـل ربك {فانْتَبَذَتْ مِنْ أهْلِها مَكاناً شَرْقِـيًّا} فصلوا قبل مطلع الشمس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة إذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أهْلِها مَكاناً شَرْقِـيًّا قال: شاسعاً متنـحياً، وقـيـل: إنها إنـما صارت بـمكان يـلـي مشرق الشمس، لأن ما يـلـي الـمشرق عندهم كان خيراً مـما يـلـي الـمغرب، وكذلك ذلك فـيـما ذُكر عند العرب.

وقوله: {فـاتَّـخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابـاً} يقول: فـاتـخذت من دون أهلها ستراً يسترها عنهم وعن الناس. وذُكر عن ابن عبـاس، أنها صارت بـمكان يـلـي الـمشرق، لأن الله أظلها بـالشمس، وجعل لها منها حجابـاً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {انْتَبَذَتْ مِنْ أهْلِها مَكاناً شَرْقِـيًّا} قال: مكاناً أظلتها الشمس أن يراها أحد منهم.

وقال غيره فـي ذلك ما.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فـاتَّـخَذَتْ مِنْ دونِهِمْ حِجابـاً} من الـجدران.

وقوله: {فأرْسَلْنا إلَـيْها رُوحَنا} يقول تعالـى ذكره: فأرسلنا إلـيها حين انتبذت من أهلها مكاناً شرقـياً، واتـخذت من دونهم حجابـاً: جبريـل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأرْسَلْنا إلَـيْها رُوحَنا} قال: أرسل إلـيها فـيـما ذُكر لنا جبريـل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: وجدت عندها جبريـل قد مثله الله بشراً سوياً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: فأرْسَلْنا إلَـيْها رُوحَنا قال: جبريـل.

حدثنـي مـحمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل بن أخي وهب، قال: سمعت وهب بن منبه، قال: أرسل الله جبريـل إلـى مريـم، فَمَثَلَ لها بشراً سوياً.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: فلـما طهرت، يعنـي مريـم من حيضها، إذا هي برجل معها، وهو قوله: {فأرْسَلْنا إلَـيْها رُوحَنا فَتَـمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا} يقول تعالـى ذكره: فتشبه لها فـي صورة آدميّ سويّ الـخـلق منهم، يعنـي فـي صورة رجل من بنـي آدم معتدل الـخـلق.

قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ۝١٨ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمًا زَكِيًّا ۝١٩

يقول تعالـى ذكره: فخافت مريـم رسولنا، إذ تـمثَّل لها بشراً سوياً، وظنته رجلاً يريدها علـى نفسها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله {إنّـي أعُوذُ بـالرَّحْمَنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِـيًّا} قال: خشيت أن يكون إنـما يريدها علـى نفسها.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فَتَـمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيًّا} فلـما رأته فزعت منه وقالت: {إنّـي أعُوذُ بـالرَّحْمَنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِـيَّا}.

فقالت: إنـي أعوذ أيها الرجل بـالرحمن منك، تقول: أستـجير بـالرحمن منك أن تنال منـي ما حرّمه علـيك إن كنت ذا تقوى له تتقـي مـحارمه، وتـجتنب معاصيه لأن من كان لله تقـياً، فإنه يجتنب ذلك. ولو وجه ذلك إلـى أنها عَنَت: إنـي أعوذ بـالرحمن منك إن كنت تتقـي الله فـي استـجارتـي واستعاذتـي به منك كان وجهاً. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه {قالَتْ إنّـي أعُوذُ بـالرَّحْمَنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِـيًّا} ولا ترى إلا أنه رجل من بنـي آدم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، قال: قال ابن زيد: وذكر قَصَص مريـم فقال: قد علـمت أن التقـيّ ذو نُهية حين قالت: {إنّـي أعُوذُ بـالرَّحْمَنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِـيًّا قالَ إنّـمَا أنا رَسُولُ رَبِّكِ}.

يقول تعالـى ذكره: فقال لها روحنا: إنـما أنا رسول ربك يا مريـم أرسلنـي إلـيك {لأَهَبَ لكِ غُلاماً زكياً}.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الـحجاز والعراق غير أبـي عمرو: {لأهَبَ لَكِ} بـمعنى: إنـما أنا رسول ربك: يقول: أرسلنـي إلـيك لأهب لك {غُلاَماً زَكِيًّا} علـى الـحكاية. وقرأ ذلك أبو عمرو بن العلاء: «لِـيَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا» بـمعنى: إنـما أنا رسول ربك أرسلنـي إلـيك لـيهب الله لك غلاماً زكياً.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فـي ذلك، ما علـيه قرّاء الأمصار، وهو {لأَهَبَ لَكِ} بـالألف دون الـياء، لأن ذلك كذلك فـي مصاحف الـمسلـمين، وعلـيه قراءة قديـمهم وحديثهم، غير أبـي عمرو، وغير جائز خلافهم فـيـما أجمعوا علـيه، ولا سائغ لأحد خلاف مصاحفهم، والغلام الزكيّ: هو الطاهر من الذنوب وكذلك تقول العرب: غلام زاكٍ وزكيّ، وعال وعلـيّ.

قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ۝٢٠ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ۝٢١

يقول تعالى ذكره: قالت مريـم لـجبريـل: {أنَّـي يَكُونُ لـي غُلامٌ} من أيّ وجه يكون لـي غلام؟ أمن قِبَل زوج أتزوّج، فأرزقه منه، أم يبتدىء الله فـيّ خـلقه ابتداء {ولَـمْ يَـمْسَسْنِـي بَشَرٌ} من ولد آدم بنكاح حلال {ولَـمْ أكُ} إذ لـم يـمسسنـي منهم أحد علـى وجه الـحلال {بَغِيًّا} بغيت ففعلت ذلك من الوجه الـحرام، فحملته من زنا، كما:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {ولَـمْ أكُ بَغِيًّا} يقول: زانـية.

{قالَ كَذلكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلـيَّ هَيِّنٌ} يقول تعالـى ذكره: قال لها جبريـل: هكذا الأمر كما تصفـين، من أنك لـم يـمسسك بشر ولـم تكونـي بغياً، ولكن ربك قال: هو علـيّ هين: أي خَـلْق الغلام الذي قلت أن أهبه لك علـيّ هين لا يتعذّر علـيّ خـلقه وهبته لك من غير فحل يفتـحلك.

وقوله {وَلِنَـجْعَلَهُ آيَةً للنَّاسِ} يقول: وكي نـجعل الغلام الذي نهبه لك علامة وحجة علـى خـلقـي أهبه لك. {وَرَحْمَةً مِنَّا} يقول: ورحمة منا لك، ولـمن آمن به وصدّقه أخـلقه منك {وكانَ أمْراً مَقْضِيًّا} يقول: وكان خـلقه منك أمراً قد قضاه الله، ومضى فـي حكمه وسابق علـمه أنه كائن منك. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي من لا أتهم، عن وهب بن منبه {وكانَ أمْراً مَقْضِيًّا} أي إن الله قد عزم علـى ذلك، فلـيس منه بدّ.

فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًا قَصِيًّا ۝٢٢ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ۝٢٣

وفـي هذا الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه

{ فَنَفَخْنا فِـيهِ مِنْ رُوحِنا }بغلام {فحَمَلَتْهُ فـانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصيًّا} وبذلك جاء تأويـل أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقِل ابن أخي وهب بن منبه، قال: سمعت وهبـاً قال: لـما أرسل الله جبريـل إلـى مريـم تـمثَّل لها بشراً سوياً فقالت له:

{ إنّـي أعُوذُ بـالرَّحْمَنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِـيًّا } ثم نفخ فـي جيب درعها حتـى وصلت النفخة إلـى الرحم فاشتـملت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه الـيـمانـي، قال: لـما قال ذلك، يعنـي لـما قال جبريـل

{ قالَ كذلكِ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلـيَّ هَيِّنٌ... }الآية استسلـمت لأمر الله، فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: طرحَتْ علـيها جلبـابها لـما قال جبريـل ذلك لها، فأخذ جبريـل بكميها، فنفخ فـي جيب درعها، وكان مشقوقاً من قُدامها، فدخـلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكريا لـيـلة تزورها فلـما فتـحت لها البـاب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريـم أشعرت أنـي حبلـى، قالت مريـم: أشعرت أيضاً أنـي حُبلـى، قالت امرأة زكريا: إنـي وجدت ما فـي بطنـي يسجد لـما فـي بطنك، فذلك قوله

{ مُصَدّقاً بكَلِـمَةٍ مِنَ اللَّهِ }

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: يقولون: إنه إنـما نفخ فـي جيب درعها وكمها.

وقوله: {فـانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا} يقول: فـاعتزلت بـالذي حملته، وهو عيسى، وتنـحَّت به عن الناس {مكانا قَصِيا} يقول: مكاناً نائياً قاصياً عن الناس، يقال: هو بـمكان قاص، وقصيّ بـمعنى واحد، كما قال الراجز:

لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القَصِيِّمِنِّـي ذي القاذُورَةِ الـمَقْلِـيّ

يقال منه: قصا الـمكان يقصو قصوا: إذا تبـاعد، وأقصيت الشيء: إذا أبعدته وأخَّرته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فـانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا} قال: مكانا نائيا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {مَكاناً قَصِيًّا} قال: قاصيا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما بلغ أن تضع مريـم، خرجت إلـى جانب الـمـحراب الشرقـي منه فأتت أقصاه.

وقوله: {فأجاءَها الـمَخاضُ إلـى جِذْعِ النَّـخْـلَةِ} يقول تعالـى ذكره: فجاء بها الـمخاض إلـى جذع النـخـلة، ثم قـيـل: لـما أسقطت البـاء منه أجاءها، كما يقال: أتـيتك بزيد، فإذا حذفت البـاء قـيـل آتـيتك زيداً، كما قال جلّ ثناؤه:

{ آتُونِـي زُبُرَ الـحَدِيدِ } والـمعنى: ائتونـي بزُبَر الـحديد، ولكن الألف مُدّت لـما حذفت البـاء، وكما قالوا: خرجت به وأخرجته، وذهبت به وأذهبته، وإنـما هو أفعل من الـمـجيء، كما يقال: جاء هو، وأجأته أنا: أي جئت به، ومثل من أمثال العرب: «شرّ ما أجاءنـي إلـى مُخَّة عرقوب»، وأشاء ويقال: شرّ ما يُجِيئك ويُشِيئك إلـى ذلك ومنه قول زهير:

وَجارٍ سارَ مُعْتَـمِداً إلَـيْكُمْأجاءَتْهُ الـمَـخافَةُ وَالرَّجاءُ

يعنـي: جاء به، وأجاءه إلـينا وأشاءك: من لغة تـميـم، وأجاءك من لغة أهل العالـية، وإنـما تأوّل من تأوّل ذلك بـمعنى: ألـجأها، لأن الـمخاض لـما جاءها إلـى جذع النـخـلة، كان قد ألـجأها إلـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فأجاءَها الـمَخاضُ} قال: الـمخاض ألـجأها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: ألـجأها الـمخاض. قال ابن جريج: وقال ابن عبـاس: ألـجأها الـمخاض إلـى جذع النـخـلة.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فأجاءَها الـمَخاضُ إلـى جِذْعِ النَّـخْـلَةِ} يقول: ألـجأها الـمخاض إلـى جذع النـخـلة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأجاءَها الـمَخاضُ إلـى جِذْعِ النَّـخْـلَةِ} قال: اضطرّها إلـى جذع النـخـلة.

واختلفوا فـي أيّ الـمكان الذي انتبذتْ مريـم بعيسى لوضعه، وأجاءها إلـيه الـمخاض، فقال بعضهم: كان ذلك فـي أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشأم، وذلك أنها هربت من قومها لـما حملت، فتوجهت نـحو مصر هاربة منهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقِل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: لـما اشتـملت مريـم علـى الـحمل، كان معها قَرابة لها، يقال له يوسف النـجَّار، وكانا منطلقـين إلـى الـمسجد الذي عند جبل صِهْيَون، وكان ذلك الـمسجد يؤمئذ من أعظم مساجدهم، فكانت مريـم ويوسف يخدمان فـي ذلك الـمسجد، فـي ذلك الزمان، وكان لـخدمته فضل عظيـم، فرغبـا فـي ذلك، فكانا يـلـيان معالـجته بأنفسهما، تـحبـيره وكناسته وطهوره، وكلّ عمل يعمل فـيه، وكان لا يعمل من أهل زمانهما أحد أشدّ اجتهاداً وعبـادة منهما، فكان أوّل من أنكر حَمْل مريـم صاحُبها يوسف فلـما رأى الذي بها استفظعه، وعظُم علـيه، وفُظِع به، فلـم يدر علـى ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لـم تغب عنه ساعة قطّ وإذا أراد أن يبرئها، رأى الذي ظهر علـيها فلـما اشتدّ علـيه ذلك كلَّـمها، فكان أوّل كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث فـي نفسي من أمرك أمر قد خشيته، وقد حَرَصت علـى أن أميته وأكتـمه فـي نفسي، فغلبنـي ذلك، فرأيت الكلام فـيه أشفـى لصدري، قالت: فقل قولاً جميلاً، قال: ما كنت لأقول لك إلا ذلك، فحدثـينـي، هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألـم تعلـم أن الله تبـارك وتعالـى أنبت الزرع يوم خـلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنـما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر أو لـم تعلـم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خـلق كلّ واحد منهما وحده، أم تقول: لن يقدر الله علـى أن ينبت الشجر حتـى استعان علـيه بـالـماء، ولولا ذلك لـم يقدر علـى إنبـاته؟ قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكنـي أعلـم أن الله تبـارك وتعالـى بقدرته علـى ما يشاء يقول لذلك كن فـيكون، قالت مريـم: أو لـم تعلـم أن الله تبـارك وتعالـى خـلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر؟ قال: بلـى، فلـما قالت له ذلك، وقع فـي نفسه أن الذي بها شيء من الله تبـارك وتعالـى، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لـما رأى من كتـمانها لذلك.

ثم تولـى يوسف خدمة الـمسجد، وكفـاها كلّ عمل كانت تعمل فـيه، وذلك لـما رأى من رقة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوّ بطنها، وضعف قوّتها، ودأب نظرها، ولـم تكن مريـم قبل ذلك كذلك فلـما دنا نفـاسها أوحى الله إلـيها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلـى أختها، وأختها حينئذ حُبلـى، وقد بشرت بـيحيى، فلـما التقـيا وجدت أمّ يحيى ما فـي بطنها خرَّ لوجهه ساجداً معترفـاً لعيسى، فـاحتـملها يوسف إلـى أرض مصر علـى حمار له لـيس بـينها حين ركبت وبـين الإكاف شيء، فـانطلق يوسف بها حتـى إذا كان متاخماً لأرض مصر فـي منقطع بلاد قومها، أدرك مريـم النفـاس، ألـجأها إلـى آريّ حمار، يعنـي مدود الـحمار، وأصل نـخـلة، وذلك فـي زمان أحسبه برداً أو حرّاً «الشكّ من أبـي جعفر»، فـاشتدّ علـى مريـم الـمخاض فلـما وجدت منه شدّة التـجأت إلـى النـخـلة فـاحتضنتها واحتوشتها الـملائكة، قاموا صفوفـاً مـحدقـين بها.

وقد رُوي عن وهب بن منبه قول آخر غير هذا، وذلك ما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لايتهم، عن وهب بن منبه، قال: لـما حضر ولادُها، يعنـي مريـم، ووجدت ما تـجد الـمرأة من الطلق، خرجت من الـمدينة مغربة من إيـلـياء، حتـى تدركها الولادة إلـى قرية من إيـلـياء علـى ستة أميال يقال لها بـيت لـحم، فأجاءها الـمخاض إلـى أصل نـخـلة إلـيها مدود بقرة تـحتها ربـيع من الـماء، فوضعته عندها.

وقال آخرون: بل خرجت لـما حضر وضعها ما فـي بطنها إلـى جانب الـمـحراب الشرقـي منه، فأتت أقصاه فألـجأها الـمخاض إلـى جِذع النـخـلة، وذلك قول السدي، وقد ذكرت الرواية به قبل.

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرنـي الـمغيرة بن عثمان، قال: سمعت ابن عبـاس يقول: ما هي إلا أن حملت فوضعت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: وأخبرنـي الـمغيرة بن عثمان بن عبد الله أنه سمع ابن عبـاس يقول: لـيس إلا أن حملتْ فولدتْ.

وقوله: {يا لَـيْتَنِـي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} ذكر أنها قالت ذلك فـي حال الطلق استـحياء من الناس، كما:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قالت وهي تطلق من الـحبل استـحياء من الناس: {يا لَـيْتَنِـي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا}.

تقول: يا لـيتنـي متّ قبل هذا الكرب الذي أنا فـيه، والـحزن بولادتـي الـمولود من غير بَعْل، وكنت نِسياً منسياً: شيئاً نُسي فُترك طلبه كخرق الـحيض التـي إذا ألقـيت وطرحت لـم تطلب ولـم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك ولـم يطلب فهو نسيّ. ونسي بفتـح النون وكسرها لغتان معروفتان من لغات العرب بـمعنى واحد، مثل الوَتر والوِتر، والـجَسر والـجِسر، وبأيتهما قرأ القاريء فمصيب عندنا وبـالكسر قرأت عامة قرّاء الـحجاز والـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة وبـالفتـح قرأه أهل الكوفة ومنه قول الشاعر:

كأنَّ لَهَا فِـي الأرْضِ نِسْياً تَقُصُّهُإذَا ما غَدَتْ وَإنْ تُـحَدّثْكَ تَبْلَتِ

ويعنـي بقوله: تقصه: تطلبه، لأنها كانت نسيته حتـى ضاع، ثم ذكرته فطلبته، ويعنـي بقوله: تبلت: تـحسن وتصدّق، ولو وجه النسي إلـى الـمصدر من النسيان كان صوابـاً، وذلك أن العرب فـيـما ذكر عنها تقول: نسيته نسياناً ونسياً، كما قال بعضهم من طاعة الربّ وعصي الشيطان، يعنـي وعصيان، وكما تقول أتـيته إتـياناً وأتـياً، كما قال الشاعر:

أَتُـىُّ الفَوَاحِشِ فِـيهِمُ مَعْرُوفَةٌويَرَوْنَ فِعْلَ الـمَكْرُماتِ حَرَامَا

وقوله {مَنْسِيًّا} مفعول من نسيت الشيء كأنها قالت: لـيتنـي كنت الشيء الذي ألقـي، فترك ونسي.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عطاء الـخراسانـي عن ابن عبـاس، قوله: {يا لَـيْتَنِـي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا} لـم أخـلق، ولـم أك شيئاً.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا} يقول: نِسياً: نُسي ذكري، ومنسياً: تقول: نسي أثري، فلا يُرى لـي أثر ولا عين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا}: أي شيئاً لا يعرف ولا يذكر.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله {وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا} قال: لا أعرف ولا يدري من أنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس {نَسْياً مَنْسِيًّا} قال: هو السقط.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يا لَـيْتَنِـي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا} لـم أكن فـي الأرض شيئاً قط.

فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ۝٢٤ وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ۝٢٥

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والعراق {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها} بـمعنى: فناداها جبرائيـل من بـين يديها علـى اختلاف منهم فـي تأويـله فمن متأوّل منهم إذا قرأه {مِنْ تـحْتِها} كذلك ومن متأوّل منهم أنه عيسى، وأنه ناداها من تـحتها بعد ما ولدته. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة: «فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها» بفتـح التاءين من تـحت، بـمعنى: فناداها الذي تـحتها، علـى أن الذي تـحتها عيسى، وأنه الذي نادى أمه. ذكر من قال: الذي ناداها من تـحتها الـمَلَك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، قال: سمعت ابن عبـاس قرأ: {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها} يعنـي: جبرائيـل.

حدثنـي عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عبَثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميـمون الأَوْديّ، قال: الذي ناداها الـملك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة، أنه قرأ: فخاطبها من تـحتها.

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة. أنه قرأ: فخاطبها من تـحتها.

حدثنا الرفـاعي، قال: ثنا وكيع، عن أبـيه، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن علقمة أنه قرأها كذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفـيان، عن جويبر، عن الضحاك {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها} قال: جبرائيـل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفـيان، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها}: أي من تـحت النـخـلة.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فَنادَاها} جبرائيـل {مِنْ تَـحْتِها أنْ لا تَـحْزَنِـي}.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها} قال: الـمَلَك.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها} يعنـي: جبرائيـل كان أسفل منها.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها} قال: ناداها جبرائيـل ولـم يتكلـم عيسى حتـى أتت قومها.

ذكر من قال: ناداها عيسى صلى الله عليه وسلم:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها} قال: عيسى بن مريـم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها} ابنها.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال الـحسن: هو ابنها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه {فَنادَاها} عيسى {مِنْ تَـحْتِها أنْ لا تَـحْزَنِـي}.

حدثنـي أبو حميد أحمد بن الـمغيرة الـحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا مـحمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبـير، قوله {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها} قال عيسى: أما تسمع الله يقول:

{ فأشارَتْ إلَـيْهِ }

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها} قال: عيسى ناداها: {أنْ لا تَـحْزَنِـي قَدْ جَعل رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا}.

حُدثت عن عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية الرياحيّ، عن أبـيّ بن كعب قال: الذي خاطبها هو الذي حملته فـي جوفها ودخـل من فـيها.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيـل، فردّه علـى الذي هو أقرب إلـيه أولـى من ردّه علـى الذي هو أبعد منه، ألا ترى فـي سياق قوله

{ فحَمَلَتْهُ فـانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا } يعنـي به: فحملت عيسى فـانتبذت به، ثم قـيـل: فناداها نسقاً علـى ذلك من ذكر عيسى والـخبر عنه. ولعلة أخرى، وهي قوله: { فأشارَتْ إلَـيْهِ } ولـم تشر إلـيه إن شاء الله إلا وقد علـمت أنه ناطق فـي حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بـمخاطبته إياها بقوله لها: {أنْ لا تَـحْزَنِـي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إلـيه، ولو كان ذلك قولاً من جبرائيـل، لكان خـلـيقاً أن يكون فـي ظاهر الـخبر، مبـيناً أن عيسى سينطق، ويحتـجّ عنها للقوم، وأمر منه لها بأن تشير إلـيه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.

فإذا كان ذلك هو الصواب من التأويـل الذي بـيَّنا، فبـين أن كلتا القراءتـين، أعنـي {مِنْ تَـحْتِها} بـالكسر، و«مَنْ تَـحْتَها» بـالفتـح صواب. وذلك أنه إذا قرىء بـالكسر كان فـي قوله {فَنادَاها} ذكر من عيسى: وإذا قرىء {مِنْ تَـحْتِها} بـالفتـح كان الفعل لـمن وهو عيسى. فتأويـل الكلام إذاً: فناداها الـمولد من تـحتها أن لا تـحزنـي يا أمه {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {فَنادَاها مِنْ تَـحْتِها أنْ لا تَـحْزَنِـي} قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج فأقول ومن زوج، ولا مـملوكة فأقول من سيدي، أيّ شيء عذري عند الناس

{ يا لَـيْتَنِـي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا }فقال لها عيسى: أنا أكفـيك الكلام.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بـالسريّ فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: عنـي به: النهر الصغير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن البراء بن عازب {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} قال: الـجدول.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول فـي هذه الآية {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} قال: الـجدول.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} وهو نهر عيسى.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} قال: السريّ: النهر الذي كان تـحت مريـم حين ولدته كان يجري يسمى سَريا.

حدثنـي أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميـمون الأَوْدِيّ، قال فـي هذه الآية: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} قال: السريّ: نهر يُشرب منه.

حدثنا يعقوب وأبو كريب، قالا: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميـمون، فـي قوله: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} قال: هو الـجدول.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {سَرِيًّا} قال: نهر بـالسريانـية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله، قال ابن جريج: نهر إلـى جنبها.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الـحسن، فـي قوله {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} قال: كان سريا فقال حميد بن عبد الرحمن: إن السريّ: الـجدول، فقال: غلبتنا علـيك الأمراء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} قال: هو الـجدول، النهر الصغير، وهو بـالنبطية: السريّ.

حدثنـي أبو حميد الـحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا مـحمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان قال: سألت سعيد بن جبـير، عن السريّ، قال: نهر.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: النهر الصغير.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيـم، أنه قال: هو النهر الصغير: يعنـي الـجدول، يعنـي قوله {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك، قال: جدول صغير بـالسريانـية.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {تَـحْتَكِ سَرِيًّا}: الـجدول الصغير من الأنهار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} والسريّ: هو الـجدول، تسميه أهل الـحجاز.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، فـي قوله {سَرِيًّا} قال: هو جدول.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم وعن وهب بن منبه {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} يعنـي ربـيع الـماء.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} والسريّ: هو النهر.

وقال آخرون: عنى به عيسى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} والسريّ: عيسى نفسه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَـحْتَكِ سَرِيًّا} يعنـي نفسه، قال: وأيّ شيء أسرى منه، قال: والذين يقولون: السريّ: هو النهر لـيس كذلك النهر، لو كان النهر لكان إنـما يكون إلـى جنبها، ولا يكون النهر تـحتها.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قـيـل من قال: عنى به الـجدول، وذلك أنه أعلـمها ما قد أعطاها الله من الـماء الذي جعله عندها، وقال لها {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ تُساقِطْ عَلَـيْكِ رُطَبـاً جَنِـيًّا فَكُلِـي} من هذا الرطب

{ وَاشْرَبِـي }من هذا الـماء { وَقَرّي عَيْناً } بولدك، والسريّ معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير ومنه قول لبـيد:

فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيّ وَصَدَّعامَسْجُورَةً مُتَـجاوِراً قُلاَّمُها

ويُروى: مثلما مسجورة، ويُروى أيضاً: فغارا.

وقوله: {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ} ذكر أن الـجذع كان جذعاً يابساً، وأمرها أن تهزّه، وذلك فـي أيام الشتاء، وهزّها إياه كان تـحريكه، كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ} قال: حركيها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ} قال: كان جذعاً يابساً، فقال لها: هزّيه {تُساقِطْ عَلَـيْكِ رُطَبـاً جَنِـيًّا}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، قال: سمعت أبـا نهيك يقول: كانت نـخـلة يابسة.

حدثنـي مـحمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول فـي قوله: {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ} فكان الرطب يتساقط علـيها وذلك فـي الشتاء.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ}: وكان جذعاً منها مقطوعاً فهزّته، فإذا هو نـخـلة، وأُجري لها فـي الـمـحراب نهر، فتساقطت النـخـلة رطبـاً جنـياً فَقال لها:

{ كُلِـي وَاشْرَبِـي وَقَرّي عَيْناً }

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزّي إلـيك بـالنـخـلة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، قال: قال مـجاهد {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ} قال: النـخـلة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن عيسى بن ميـمون، عن مـجاهد، فـي قوله {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ} قال: العجوة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميـمون، أنه تلا هذه الآية: {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ تُساقِطْ عَلَـيْكِ رُطَبـاً جَنِـيًّا} قال: فقال عمرو: ما من شيء خير للنفساء من التـمر والرطب.

وأدخـلت البـاء فـي قوله: {وَهُزّي إلَـيْكِ بِجِذْعِ النَّـخْـلَةِ} كما يقال: زوجتك فلانة، وزوّجتك بفلانة وكما قال

{ تَنْبُتُ بِـالدُّهْنِ }بـمعنى: تنبت الدهن. وإنـما تفعل العرب ذلك، لأن الأفعال تكنى عنها بـالبـاء، فـيقال إذا كنـيت عن ضربت عمراً: فعلت به، وكذلك كلّ فعل، فلذلك تدخـل البـاء فـي الأفعال وتـخرِج، فـيكون دخولها وخروجها بـمعنى، فمعنى الكلام: وهزّي إلـيك جذع النـخـلة وقد كان لو أن الـمفسرين كانوا فسروه كذلك: وهزّي إلـيك رطبـاً بجذع النـخـلة، بـمعنى: علـى جذع النـخـلة، وجهاً صحيحاً، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك. ومن الشاهد علـى دخول البـاء فـي موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر:

بِوَادٍ يَـمانٍ يُنْبِتُ السِّدْرَ صَدْرُهُوأسْفَلُهُ بـالـمَرْخِ والشَّبَهانِ

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {تُسَاقِطْ} فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـمدينة والبصرة والكوفة: «تَسَّاقَطُ» بـالتاء من تساقط وتشديد السين، بـمعنى: تتساقط علـيك النـخـلة رطبـاً جنـياً، ثم تُدغم إحدى التاءين فـي الأخرى فتشدد، وكأن الذين قرأوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلـي: وهزّي إلـيك بجذع النـخـلة تساقط النـخـلة علـيك رطبـاً. وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفة: «تَساقَطُ» بـالتاء وتـخفـيف السين، ووجه معنى الكلام، إلـى مثل ما وجه إلـيه مشدّدوها، غير أنهم خالفوهم فـي القراءة. ورُوي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك: «يُساقِط» بـالـياء.

حدثنـي بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن أبـي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلـي: وهزّي إلـيك بجذع النـخـلة يتساقط الـجذع علـيك رطبـاً جنـياً.

ورُوي عن أبـي نهيك أنه كان يقرؤه: «تُسْقِطُ» بضمّ التاء وإساقط الألف.

حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، قال: سمعت أبـا نَهِيك يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلـي: تسقط النـخـلة علـيك رطبـاً جنـياً.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعنـي تَسَّاقَطُ بـالتاء وتشديد السين، وبـالتاء وتـخفـيف السين، وبـالـياء وتشديد السين، قراءات متقاربـات الـمعانـي، قد قرأ بكل واحدة منهنّ قرّاء أهل معرفة بـالقرآن، فبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب الصواب فـيه، وذلك أن الـجذع إذا تساقط رطبـاً، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النـخـلة رطبـاً، وإذا تساقطت النـخـلة رطبـاً، فقد تساقطت النـخـلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النـخـلة ما دامت قائمة علـى أصلها، فإنـما هي جذع وجريد وسعف، فإذا قطعت صارت جذعاً، فـالـجذع الذي أمرت مريـم بهزّه لـم يذكر أحد نعلـمه أنه كان جذعاً مقطوعاً غير السديّ، وقد زعم أنه عاد بهزّها إياه نـخـلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان الـمتساقط علـيها رطبـاً نـخـلة واحدةً، فتبـين بذلك صحة ما قلنا.

وقوله: {جَنِـيًّا} يعنـي مـجنـياً وإنـما كان أصله مفعولاً فصرف إلـى فعيـل والـمـجنـي: الـمأخوذ طرياً، وكل ما أخذ من ثمرة، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتنـي، ولذلك قـيـل: فلان يجتنـي الكمأة ومنه قول ابن أخت جذيـمة:

هَذَا جَنايَ وخِيارُهُ فِـيهْإذْ كُلُّ جانٍ يَدُهُ إلـى فِـيهْ

فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا ۝٢٦

يقول تعالـى ذكره: فكلـي من الرطب الذي يتساقط علـيك، واشربـي من ماء السريّ الذي جعله ربك تـحتك، لا تـخشي جوعاً ولا عطشاً {وَقَرّي عَيْناً} يقول: وطيبـي نفسا وَافرحي بولادتك إياي ولا تـحزنـي. ونصبت العين لأنها هي الـموصوفة بـالقرار. وإنـما معنى الكلام: ولتقرِر عينك بولدك، ثم حوّل الفعل عن العين إلـى الـمرأة صاحبة العين، فنصبت العين إذ كان الفعل لها فـي الأصل علـى التفسير، نظير ما فعل بقوله:

{ فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً }وإنـما هو: فإن طابت أنفسهن لكم. وقوله: { وَضَاقَ بِهِم ذَرْعاً }ومنه قوله: «يُساقِطْ عَلَـيْكِ رُطُبـاً جَنِـيًّا» إنـما هو يساقط علـيك رطب الـجذع، فحوّل الفعل إلـى الـجِذع، فـي قراءة من قرأه بـالـياء. وفـي قراءة من قرأه: { تُساقِطْ }بـالتاء، معناه: يساقط علـيك رطب النـخـلة، ثم حوّل الفعل إلـى النـخـلة.

وقد اختلفت القراء فـي قراءة قوله: {وقَرّي} فأما أهل الـمدينة فقرأوه: {وَقَرِّي} بفتـح القاف علـى لغة من قال: قَرِرت بـالـمكان أَقَرّ به، وقَرِرت عينا، أَقَرّ به قُروراً، وهي لغة قريش فـيـما ذكر لـي وعلـيها القراءة. وأما أهل نـجد فإنها تقول قررت به عينا أقربه قراراً وقررت بـالـمكان أقر به، فـالقراءة علـى لغتهم: «وَقرِي عَيْناً» بكسر القاف، والقراءة عندنا علـى لغة قريش بفتـح القاف.

وقوله: {فإمَّا تَرِيَنَّ مِنَ البَشَرِ أحَداً} يقول: فإن رأيت من بنـي آدم أحدا يكلـمك أو يسائلك عن شيء من أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتكه {فَقُولـي إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً} يقول: فقولـي: إنـي أوجبت علـى نفسي لله صمتاً ألاّ أكلـم أحداً من بنـي آدم الـيوم {فَلَنْ أُكَلِّـمَ الـيَوْمَ إنْسِيًّا}.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى الصوم، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، قال: سمعت أنس بن مالك يقول فـي هذه الآية {إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً} صمتاً.

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنـي الـمغيرة بن عثمان، قال: سمعت أنس بن مالك يقول {إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً} قال: صمتاً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً} قال: يعنـي بـالصوم: الصمت.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن سلـيـمان التـيـميّ، قال: سمعت أنسا قرأ: «إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً وَصَمْتاً».

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً} أما قوله: {صَوْماً} فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً} قال: كان من بنـي إسرائيـل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام، إلا مِن ذكر الله، فقال لها ذلك، فقالت: إنـي أصوم من الكلام كما أصوم من الطعام، إلا من ذكر الله فلـما كلـموها أشارت إلـيه، فقالوا:

{ كَيْفَ نُكَلِّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا }فأجابهم فقال: { إنّـي عَبْدُ اللَّهِ آتانِـيَ الكِتابَ }حتـى بلغ { ذلكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمْ قَوْلَ الـحَقِّ الَّذِي فِـيهِ يَـمترُونَ }

واختلفوا فـي السبب الذي من أجله أمرها بـالصوم عن كلام البشر، فقال بعضهم: أمرها بذلك لأنه لـم يكن لها حجة عند الناس ظاهرة، وذلك أنها جاءت وهي أيِّـم بولد بـالكفّ عن الكلام لـيكفـيها فأمرت الكلام ولدها.. ذكر من قال ذلك:

حدثنا هارون بن إسحاق الهمدانـي، قال: ثنا مصعب بن الـمقدام، قال: ثنا إسرائيـل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلـم أحدهما ولـم يسلـم الآخر، فقال: ما شأنك؟ فقال أصحابه: حلف أن لا يكلـم الناس الـيوم، فقال عبد الله: كلـم الناس وسلـم علـيهم، فإن تلك امرأة علـمت أن أحداً لا يصدّقها أنها حملت من غير زوج، يعنـي بذلك مريـم علـيها السلام.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد لـما قال عيسى لـمريـم {لا تَـحْزَنِـي} قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مـملوكة، أيّ شيء عذري عند الناس

{ يا لَـيْتَنِـي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا }فقال لها عيسى: أنا أكفـيك الكلام {فإمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَداً فقُولـي إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّـمَ الـيَوْمَ إنْسِيًّا} قال: هذا كله كلام عيسى لأمه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه {فإمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَداً فَقُولـي إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّـمَ الـيَوْمَ إنْسِيًّا} فإنـي سأكفـيك الكلام.

وقال آخرون: إنـما كان ذلك آية لـمريـم وابنها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً} قال فـي بعض الـحروف: صمتاً، وذلك أنك لا تلقـي امرأة جاهلة تقول: نذرت كما نذرت مريـم، ألا تكلـم يوما إلـى اللـيـل، وإنـما جعل الله تلك آية لـمريـم ولابنها، ولا يحلّ لأحد أن ينذر صمت يوم إلـى اللـيـل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فقرأ: {إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً} وكانت تقرأ فـي الـحرف الأوّل: صمتاً، وإنـما كانت آية بعثها الله لـمريـم وابنها.

وقال آخرون: بل كانت صائمة فـي ذلك الـيوم، والصائم فـي ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأذن لـمريـم فـي قدر هذا الكلام ذلك الـيوم وهي صائمة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فإمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَداً} يكلـمك {فَقُولـي إنّـي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلـمَ الـيَوْمَ إنْسِيًّا} فكان من صام فـي ذلك الزمان لـم يتكلـم حتـى يـمسي، فقـيـل لها: لا تزيدي علـى هذا.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ