انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة مريم

تفسير البغويالآيات 1–65

تفسير سورة مريم آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

كٓهيعٓصٓ ۝١ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ ۝٢

قوله عزّ وجلّ: {كۤهيعۤصۤ} قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وضدُّه ابنُ عامرٍ، وحمزة، وبكسرهما: الكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما.

ويظهِرُ الدال عند الذال من "صاد ذكر" ابنُ كثيرٍ، ونافع، وعاصم [ويعقوب]، والباقون بالإِدغام.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو اسم من أسماء الله تعالى

وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن.

وقيل: اسم للسورة. وقيل: هو قَسَمٌ أقسم الله به.

ويروىٰ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {كۤهيعۤصۤ} قال: الكاف من كريم وكبير، والهاء من هادٍ، والياء من رحيم، والعين من عليم، وعظيم، والصاد من صادق.

وقال الكلبي: معناه: كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريتَّهِ، صادق في وعده.

{ذِكْرُ}، رفع بالمضمر، أي: هذا الذي نتلوه عليك ذكر {رَحْمَتِ رَبِّكَ}، [وفيه تقديم وتأخير] معناه: ذكر ربك، {عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ}، برحمته.

إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّا ۝٣ قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا ۝٤ وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ۝٥ يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ۝٦

{إِذْ نَادَىٰ}، دعا، {رَبَّهُ}، في محرابه، {نِدَآءً خَفِيّاً}، دعا سراً من قومه في جوف الليل.

{قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ}، ضَعُفَ ورقَّ، {ٱلْعَظْمُ مِنِّى}، من الكِبَر. قال قتادة: اشتكىٰ سقوط الأضراس، {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ}، أي: ابيضَّ شعر الرأس، {شَيْباً}، شمطاً، {وَلَمْ أَكُن بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً}، يقول: عوّدتني الإِجابة فيما مضى ولم تخيِّبني.

وقيل: معناه لما دعوتني إلى الإِيمان آمنت ولم أشقَ بترك الإِيمان.

{وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ}، و"الموالي": بنو العم. قال مجاهد: العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وقال الكلبي: الورثة. {مِن وَرَآءِى} أي: من بعد موتي.

قرأ ابن كثير: {من ورائي} بفتح الياء، والآخرون بإسكانها.

{وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا}، لا تلد، {فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ}، أعطني من عندك {وَلِيّاً} ابناً.

{يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ}، قرأ أبو عمرو، والكسائي: بجزم الثاء فيهما، على جواب الدعاء، وقرأ الآخرون بالرفع على الحال والصفة، أي: ولياً وارثاً.

واختلفوا في هذا الإِرث؛ قال الحسن: معناه يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة والحبورة.

وقيل: أراد ميراث النبوة والعلم.

وقيل: أراد إرث الحبورة، لأن زكريا كان رأس الأحبار.

قال الزجاج: والأَوْلى أن يحمل على ميراث غير المال لأنه يبعد أن يشفق زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يرثه بنو عمه ماله.

والمعنى: أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما كان شاهده من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه ولياً صالحاً يأمنه على أُمّتِهِ، ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين. وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما.

{وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}، أي بَرّاً تقياً مرضياً.

يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ۝٧

قوله عزّ وجلّ: {يَا زَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ}، وفيه اختصار، معناه: فاستجاب الله دعاءه، فقال: يازكريا إنا نبشرك، {بِغُلَـٰمٍ}، بولد ذكر، {ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً}، قال قتادة والكلبي: لم يُسمَّ أحد قبله يحيـى.

وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبهاً ومثلاً، كما قال الله تعالى: "هل تعلم له سميّاً"، أي مثلاً.

والمعنى: أنه لم يكن له مثل، لأنه لم يعص ولم يهمَّ بمعصية قط.

وقيل: لم يكن له مثل في أمر النساء، لأنه كان سيداً وحصوراً.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي لم تلد العواقر مثله ولداً.

وقيل: لم يرد الله به اجتماع الفضائل كلها ليحيـى، إنما أراد بعضها، لأن الخليل والكليم كانا قبله، وهما أفضل منه.

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا ۝٨ قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا ۝٩ قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ۝١٠

{قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ}، من أين، {يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِراً} أي: وامرأتي عاقر. {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}، أي يبساً، قال قتادة: يريد نحولَ العظمِ، يقال: عَتَا الشيخ يَعْتُو عِتِيَّاً وعِسِيَّاً: إذا انتهى سنُّه وكبر، وشيخ عاتٍ وعاسٍ: إذا صار إلى حالة اليبس والجفاف.

وقرأ حمزة والكسائي: عتياً وبكياً وصلياً وجثياً بكسر أوائلهن، والباقون برفعها، وهما لغتان.

{قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ}، يسير، {وَقَدْ خَلَقْتُكَ}، قرأ حمزة والكسائي {خلقناك} بالنون والألف على التعظيم، {مِن قَبْلُ}، أي من قبل يحيـى، {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}.

{قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّى ءَايَةً}، دلالة على حمل امرأتي، {قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيّاً}، أي: صحيحاً سليماً من غير ما بأس ولا خَرَس.

قال مجاهد: أي لا يمنعك من الكلام مرض.

وقيل: ثلاث ليال سويّاً أي متتابعات، والأول أصح.

وفي القصة: أنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ذكر الله تعالى انطلق لسانه.

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ۝١١ يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا ۝١٢ وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً وَكَانَ تَقِيًّا ۝١٣

قوله عزّ وجلّ: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ}، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون، إذْ خرج عليهم زكريا متغيِّراً لونه فأنكروه، فقالوا: مالك يا زكريا؟ {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} فأومأ إليهم، قال مجاهد: كتب لهم في الأرض، {أَن سَبِّحُواْ}، أي: صلُّوا لله، {بُكْرَةً}، غدوة، {وَعَشِيّاً}، ومعناه: أنه كان يخرج على قومه بكرةً وعشياً فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت حمل امرأته ومنع الكلام حتى خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة.

قوله عزّ وجلّ: {يَٰيَحْيَىٰ}، قيل: فيه حذف معناه: ووهبنا له يحيـى وقلنا له: يا يحيـى، {خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ}، يعني التوراة، {بِقُوَّةٍ}، بجد، {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: النبوّة، {صَبِيّاً}، وهو ابن ثلاث سنين.

وقيل: أراد بالحكم فهم الكتاب، فقرأ التوراة وهو صغير.

وعن بعض السلف: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبياً.

{وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا}، رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:

تَحنَّنْ عليَّ هَدَاكَ المَلِيْكُ فإنَّ لكلِّ مقامٍ مَقَالاً

أي: ترحّمْ.

{وَزَكَوٰةً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بالزكاة الطاعة والإِخلاص.

وقال قتادة رضي الله عنه: هي العمل الصالح، وهو قول الضحاك.

ومعنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا وتحنناً على العباد، ليدعوهم إلى طاعة ربهم ويعمل عملاً صالحاً في إخلاص.

وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق الله بها على أبويه.

{وَكَانَ تَقِيًّا}، مسلماً ومخلصاً مطيعاً، وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا همّ بها.

وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا ۝١٤ وَسَلَٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ۝١٥ وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ۝١٦

{وَبَرًّا بِوَٰلِدَيْهِ}، أي باراً لطيفاً بهما محسناً إليهما. {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً}، و"الجبَّار": المتكبر، وقيل: "الجبار": الذي يضرب ويقتل على الغضب، و"العَصِيُّ": العاصي.

{وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ}، أي: سلامة له، {يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً}، قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الإِنسان في هذه الأحوال: يوم ولد فيخرج مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يرَ مثله، فخصَّ يحيـى بالسلامة في هذه المواطن.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ}، في القرآن، {مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ}، تنحَّتْ واعتزلت، {مِنْ أَهْلِهَا}، من قومها، {مَكَاناً شَرْقِيّاً}، أي: مكاناً في الدار مما يلي المشرق، وكان يوماً شاتياً شديد البرد، فجلست في مشرقة تفلي رأسها.

وقيل: كانت طهرت من المحيض، فذهبت لتغتسل.

قال الحسن: ومن ثم اتخذت النصارى المشرقَ قبلةً.

فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ۝١٧ قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ۝١٨ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمًا زَكِيًّا ۝١٩ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ۝٢٠

{فَٱتَّخَذَتْ}، فضربتْ، {مِن دُونِهِمْ حِجَاباً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ستراً.

وقيل: جلست وراء جدار. وقال مقاتل: وراء جبل.

وقال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي تغتسل من المحيض قد تجردت، إذْ عرض لها جبريل في صورة شابٍّ أمرد، وضيء الوجه، جعد الشعر، سويِّ الخلق، فذلك قوله:

{فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا}، يعني: جبريل عليه السلام، {فتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً}، وقيل: المراد من الروح عيسى عليه السلام، جاء في صورة بشر فحملت به. والأول أصح فلما رأت مريم جبريل يقصد نحوها نادته من بعيد، فـ: {قَالَتْ إِنِّىۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} مؤمناً مطيعاً.

فإن قيل: إنما يستعاذ من الفاجر، فكيف قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً؟

قيل: هذا كقول القائل: إن كنت مؤمناً فلا تظلمني. أي: ينبغي أن يكون إيمانك مانعاً من الظلم، وكذلك هاهنا.

معناه: ينبغي أن تكون تقواك مانعاً لك من الفجور.

{قَالَ}، لها جبريل: {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَِهَبَ لَكِ}، قرأ نافع وأهل البصرة: "ليهب لك" بالياء، أي: ليهب لك ربُّك، وقرأ الآخرون: "لأهب لك" أسند الفعل إلى الرسول، وإن كانت الهبة من الله تعالى، لأنه أرسل به.

{غُلَـٰماً زَكِيّاً}، ولداً صالحاً طاهراً من الذنوب.

{قَالَتْ}، مريم: {أَنَّىٰ}، من أين، {يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ}، لم يقربني زوج، {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً}، فاجرةً؟ تريد أن الولد إنما يكون من نكاح أو سفاح، ولم يكن هنا واحد منهما.

قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ۝٢١ فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًا قَصِيًّا ۝٢٢

{قَالَ}، جبريل: {كَذَٰلِكِ}، قيل: معناه كما قلت يامريم ولكن، {قَالَ رَبُّك}. وقيل هكذا قال ربك، {هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ}، أي: خَلْق ولد بلا أب، {وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً}، علامة، {لِّلْنَّاسِ}، ودلالة على قدرتنا، {وَرَحْمَةً مِّنَّا}، ونعمة لمن تبعه على دينه، {وَكَانَ} ذلك، {أَمْراً مَّقْضِيّاً}، محكوما مفروغاً منه لا يُرَدُّ ولا يبدَّل.

قوله عزّ وجلّ: {فَحَمَلَتْهُ}، قيل: إن جبريل رفع عنها درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبست.

وقيل: مدَّ جيب درعها بأصبعه ثم نفخ في الجيب.

وقيل: نفخ في كم قميصها. وقيل: في فيها.

وقيل: نفخ جبريل عليه السلام نفخاً من بعيد فوصل الريح إليها فحملت بعيسى في الحال، {فَٱنتَبَذَتْ بِهِ}، أي: تنحَّتْ بالحمل، وانفردت، {مَكَاناً قَصِيّاً}، بعيداً من أهلها.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، فراراً من قومها أن يعيِّروها بولادتها من غير زوج.

واختلفوا في مدة حملها ووقت وضعها؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة.

وقيل: كان مدة حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء.

وقيل: كان مدة حملها ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى لأنه لا يعيش ولد يولد لثمانية أشهر، وولد عيسى لهذه المدة وعاش.

وقيل: ولدت لستة أشهر.

وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة، وصوِّر في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين، وكانت قد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.

فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ۝٢٣

{فَأَجَآءَهَا}، أي ألجأها وجاء بها، {ٱلْمَخَاضُ}، وهو وجع الولادة، {إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} وكانت نخلة يابسة في الصحراء، في شدة الشتاء، لم يكن لها سعف.

وقيل: التجأت إليها لتستند إليها وتتمسك بها على وجع الولادة، {قَالَتْ يَٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا}، تمنت الموت استحياءً من الناس وخوف الفضيحة، {وَكُنتُ نَسْياً}، قرأ حمزة وحفص {نَسْيَاً} بفتح النون، [والباقون بكسرها]، وهما لغتان، مثل: الوَتْر والوِتْر، والجسْر والجَسْر، وهو الشيء المنسي، و"النسيُّ" في اللغة: كل ما أُلقي ونُسي ولم يذكر لحقارته.

{مَّنسِيّاً}، أي: متروكاً قال قتادة: شيء لا يعرف ولا يذكر. قال عكرمة والضحاك ومجاهد: جيفة ملقاة. وقيل: يعني لم أخلق.

فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ۝٢٤

{فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ}، قرأ أبو جعفر، ونافع، وحمزة، والكسائي، وحفصٌ: {مِنْ تحتِها} بكسر الميم والتاء، يعني جبريل عليه السلام، وكانت مريم على أَكَمَةٍ، وجبريل وراء الأكمة تحتها فناداها.

وقرأ الآخرون بفتح الميم والتاء، وأراد جبريل عليه السلام أيضاً، ناداها من سفح الجبل.

وقيل: هو عيسى لما خرج من بطن أمه ناداها: {أَلاَّ تَحْزَنِى}، وهو قول مجاهد والحسن.

والأول قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والسدي، وقتادة، والضحاك، وجماعة: أن المنادي كان جبريل لما سمع كلاهما وعرف جزعها ناداها ألاّ تحزني.

{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}، و"السَّرِيّ": النهر الصغير.

وقيل: تحتك أي جعله الله تحت أمرك إن أمرتيه أن يجري جرى، وإن أمرتيه بالإِمساك أمسك.

قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ضرب جبريل عليه السلام ـ ويقال: ضرب عيسى عليه الصلاة والسلام ـ برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى.

وقيل: كان هناك نهر يابس أجرى الله سبحانه وتعالى فيه الماء وحييت النخلة اليابسة، فأورقت وأثمرت وأرطبت.

وقال الحسن: "تحتك سريّاً" يعني: عيسى، وكان واللهِ عبداً سرياً، يعني: رفيعاً.

وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ۝٢٥ فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا ۝٢٦

{وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ}، يعني قيل لمريم: حرّكي {بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ}، تقول العرب: هزَّه وهزَّ به، كما يقول: حزّ رأسه وحزّ برأسه، وأَمْدَدَ الحبل وأمدَدَ به، {تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ}، القراءة المعروفة بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أي: تتساقط، فأُدغمتْ إحدى التاءين في السين أي: تسقط عليك النخلة رطباً، وخفف حمزة السين وحذف التاء التي أدغمها غيره.

وقرأ حفص بضم التاء وكسر القاف خفيف على وزن تُفاعِل. وتساقط بمعنى أسقط، والتأنيث لأجل النخلة.

وقرأ يعقوب: "يساقط" بالياء مشددة ردّه إلى الجذع.

{رُطَباً جَنِيّاً}، مجنياً. وقيل: الجني هو الذي بلغ الغاية، وجاء أوان اجتنائه. قال الربيع بن خُيَثْم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل.

قوله سبحانه وتعالى: {فَكُلِى وَٱشْرَبِى}، أي: فكلي يامريم من الرُّطَبِ، وٱشربي من ماء النهر، {وَقَرِّى عَيْناً}، أي: طيبي نفساً. وقيل: قري عينك بولدك عيسى. يقال: أقر الله عينك أي: صادف فؤادك ما يرضيك، فتقر عينك من النظر إلى غيره. وقيل: أقر الله عينه: يعني أنامها، يقال: قرّ يقرّ إذا سكن.

وقيل: إن العين إذا بكت من السرور فالدمع بارد، وإذا بكت من الحزن فالدمع يكون حاراً، فمن هذا قيل: أقرَّ الله عينه وأسخن الله عينه.

{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً}، أي: تري، فدخل عليه نون التأكيد فكسرت الياء لالتقاء الساكنين.

معناه: فإما ترين من البشر أحداً فيسألك عن ولدك {فَقُولِىۤ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً}، أي: صمتاً، وكذلك كان يقرأ ابن مسعود رضي الله عنه

والصوم في اللغة الإمساك عن الطعام والشراب والكلام.

قال السدي: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي.

وقيل: إن الله تعالى أمرها أن تقول هذا إشارة.

وقيل: أمرها أن تقول هذا القدر نطقاً، ثم تمسك عن الكلام بعده.

{فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً}، يقال: كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإِنس.

فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ قَالُوا۟ يَٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا ۝٢٧ يَٰٓأُخْتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ۝٢٨

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ}، قيل: إنها ولدته، ثم حملته في الحال إلى قومها.

وقال الكلبي: حمل يوسف النجار مريم وابنها عيسى [عليهما السلام] إلى غار، ومكثت أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها، ثم حملته مريم عليها السلام إلى قومها. فكلمها عيسى عليه السلام في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بَكَوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين، {قَالُواْ يَٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً}، عظيماً منكراً، قال أبو عبيدة: كل أمر فائق من عجب أو عمل فهو فَرِيّ.

قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمر: «فلم أرَ عبقرياً يفري فريه»أي: يعمل عمله.

{يَٰأُخْتَ هَـٰرُونَ}، يريد يا شبيهة هارون، قال قتادة وغيره: كان هارون رجلاً صالحاً عابداً في بني إسرائيل. روي أنه اتبع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى "هارون" من بني إسرائيل سوى سائر الناس، [شبهوها به على] معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح. وليس المراد منه الأخوّة في النسب، كما قال الله تعالى:

{ إِنَّ ٱلْمُبَذرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ } [الإسراء: 27]، أي أشباههم.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا ابن إدريس عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل،

عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني، فقالوا: إنكم تقرؤون: {يَٰأُخْتَ هَـٰرُونَ} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا!، فلمّا قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتُه عن ذلك فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم».

وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها، وكان أمْثل رجل في بني إسرائيل.

وقال السدي: إنما عنوا به هارون أخا موسى، لأنها كانت من نسله، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم.

وقيل: كان هارون رجلاً فاسقاً في بني إسرائيل عظيم الفسق فشبهوها به.

{مَا كَانَ أَبُوكِ}، عمران، {ٱمْرَأَ سَوْءٍ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: زانياً، {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ}، حنَّة، {بَغِيّاً}، أي زانية، فمن أين لك هذا الولد؟.

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا ۝٢٩

{فَأَشَارَتْ}، مريم، {إِلَيْهِ}، أي إلى عيسى عليه السلام: أن كلِّموه.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: لما لم يكن لها حجة أشارت إليه، ليكون كلامه حجةً لها.

وفي القصة: لما أشارت إليه غضب القوم، وقالوا مع ما فعلت تسخرين بنا؟

{قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} أي: من هو في المهد، وهو في حجرها.

وقيل: هو المهد بعينه، "وكان" بمعنى: هو. وقال أبو عبيدة: "كان" صلة، أي: كيف نكلم صبياً في المهد. وقد يجيء "كان" حشواً في الكلام لا معنى له كقوله

{ هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً }[الإسراء: 93] أي: هل أنا؟

قال السدي: فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم.

وقيل: لما أشارت إليه ترك الثدي واتكأ على يساره، وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه:

قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا ۝٣٠ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ۝٣١ وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا ۝٣٢ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ۝٣٣

{قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ}، وقال وهب: أتاها زكريا عند مناظرتها اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك عيسى عليه السلام وهو ابن أربعين يوماً ـ وقال مقاتل: بل هو يوم ولد ـ: إني عبد الله، أقرّ على نفسه بالعبودية لله عزّ وجلّ أول ما تكلم لئلا يتخذ إلهاً، {ءَاتَانِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً}، قيل: معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبياً.

وقيل: هذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: متى كنت نبياً؟ قال:

كنتُ نبياً وآدم بين الروح والجسد

وقال الأكثرون أوتيَ الإِنجيل وهو صغير طفل، وكان يعقل عقل الرجال.

وعن الحسن: أنه قال: أُلْهِم التوراة وهو في بطن أمه.

{وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ}، أي نفّاعاً حيث ما توجهت. وقال مجاهد: معلماً للخير. وقال عطاء: أدعو إلى الله وإلى توحيده وعبادته. وقيل: مباركاً على من تبعني.

{وَأَوْصَانِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ}، أي: أمرني بهما.

فإن قيل: لمْ يكن لعيسى مال فكيف يؤمر بالزكاة؟

قيل: معناه بالزكاة لو كان لي مال وقيل: بالاستكثار من الخير.

{مَا دُمْتُ حَيّاً}.

{وَبَرّاً بِوَالِدَتِى} أي وجعلني براً بوالدتي، {وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً}، أي عاصياً لربه. قيل: "الشَّقِيُّ": الذي يذنب ولا يتوب.

{وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ}، أي: السلامة عند الولادة من طعن الشيطان. {وَيَوْمَ أَمُوتُ}، أي عند الموت من الشرك، {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}، من الأهوال. ولما كلَّمهم عيسى بهذا علموا براءة مريم، ثم سكت عيسى عليه السلام، فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان.

ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ۝٣٤ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَٰنَهُۥٓ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٣٥ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ۝٣٦ فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝٣٧

{ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ}، [قال الزجاج: أي ذلك الذي قال إني عبد الله عيسى ابن مريم]، {قَوْلَ ٱلْحَقِّ}، قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: {قولَ الحق} بنصب اللام وهو نصب على المصدرُ أي: قالَ: قَوْلَ الحقِّ، {ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ} أي: يختلفون، فقائل يقول: هو ابن الله، وقائل يقول: هو الله، وقائل يقول: هو ساحر كاذب.

وقرأ الآخرون برفع اللام، يعني: هو قولُ الحق، أي هذا الكلام هو قولُ الحق، أضاف القولَ إلى الحق، كما قال: "حق اليقين"، و"وعْد الصدق".

وقيل: هو نعت لعيسى ابن مريم، يعني ذلك عيسى ابن مريم كلمة الله والحق هو الله {ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ} يشكُّون، ويختلفون، ويقولون غير الحق. ثم نفى عن نفسه الولد، ثم عظّم نفسه فقال:

{مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ}، أي ما كان من صفته اتخاذ الولد. وقيل: اللام منقولة أي ما كان الله ليتخذ من ولد، {سُبْحَـٰنَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً}، إذا أراد أن يحدث أمراً، {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.

{وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ}، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو {أن الله} بفتح الألف، يرجع إلى قوله: {وَأَوْصَانِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ} وبأن الله ربي وربكم، وقرأ أهل الشام والكوفة ويعقوب بكسر الألف على الاستئناف {فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.

{فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ}، يعني: النصارى، سُمُّوا أحزاباً لأنهم تحزَّبوا ثلاث فرقٍ في أمر عيسى: النسطورية، والملكانية، واليعقوبية. {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، يعني يوم القيامة.

أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٣٨ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٣٩

{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ}، أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم السمع والبصر! أخبرَ أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم يسمعوا ولم يبصروا في الدنيا.

قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله تعالى لعيسى:

{ أَءَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ }[المائدة: 116]. {يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}، أي: في خطأ بيّنٍ.

قوله عزّ وجلّ: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلأَمْرُ}، فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وذبح الموت.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص بن غياث، أخبرنا أبي أنبأنا الأعمش، أخبرنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح فينادي منادٍ: يا أهل الجنة فيشرفون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلُّهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار فيشرفون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موتثم قرأ: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.

ورواه أبو عيسى عن أحمد بن منيع، عن النضر بن إسماعيل، عن الأعمش بهذا الإِسناد، وزاد:

فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء لماتوا فرحاً، ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار الحياة والبقاء لماتوا ترحاً.«

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا معاذ بن أسد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن محمد بن زيد عن أبيه أنه حدثه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا صار أهلُ الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار. ثم يذبح ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم.«

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يدخل أحدٌ الجنة إلاَّ أُري مقعدَه من النار لو أساء ليزداد شكراً، ولا يدخل النار أحدٌ إلاَّ أُري مقعدَه من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة.«

أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا الحسين بن الحسن، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا يحيـى بن عبيد الله قال: سمعت أبي قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما من أحد يموت إلاَّ ندم»، قالوا: فما ندمه يا رسول الله؟ قال: «إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع».

قوله عزّ وجلّ: {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ}، أي: عمّا يُفعل بهم في الآخرة، {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، لا يصدقون.

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ۝٤٠ وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِبْرَٰهِيمَ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ۝٤١

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} أي: نميت سكان الأرض ونهلكهم جميعاً، ويبقى الربُّ وحده فيرثهم، {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}، فنجزيهم بأعمالهم.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} "الصدّيق": الكثير الصدق القائم عليه. وقيل: من صَدَّق الله في وحدانيته، وصدّق أنبياءه ورسله، وصدَّق بالبعث، وقام بالأوامر فعمل بها، فهو الصديق. و"النبيُّ": العالي في الرتبة بإرسال الله تعالى إيّاه.

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا ۝٤٢ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا ۝٤٣ يَٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَٰنَ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا ۝٤٤ يَٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَٰنِ وَلِيًّا ۝٤٥ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا ۝٤٦

{إِذْ قَالَ}، إبراهيم، {لأَِبِيهِ}، آزر وهو يعبد الأصنام، {يَٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ}، صوتاً، {وَلاَ يُبْصِرُ}، شيئاً، {وَلاَ يُغْنِى عَنكَ}، أي لا يكفيك، {شَيْئاً}.

{يَٰأَبَتِ إِني قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ}، بالله والمعرفة، {مَا لَمْ يَأْتِك فَٱتَّبِعْنِي}، على ديني، {أَهْدِكَ صِرَٰطاً سَوِيّاً}، مستقيماً.

{يَٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ}، لا تطعه فيما يزيَّن لك من الكفر والشرك، {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً}: عاصياً، "كان" بمعنى الحال، أي: هو كذلك. {يَٰأَبَتِ إِنِّىۤ أَخَافُ}، أي أعلم، {أَن يَمَسَّكَ}، يصيبك، {عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي: إن أقمتَ على الكفر، {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيّاً}، قريناً في النار.

{قَالَ} أبوه مجيباً له: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِى يَٰإِبْرَٰهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ}، لئن لم تسكت وترجع عن عيبك آلهتنا وشتمك إيّاها، {لأَرْجُمَنَّكَ}، قال الكلبي، ومقاتل، والضحاك: لأشتمنّك، ولأُبْعِدَنّك عني بالقول القبيح.

قال ابن عباس: لأضربنّك. وقال عكرمة: لأقتلنّك بالحجارة.

{وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً}، قال الكلبي: اجنبني طويلاً. وقال مجاهد وعكرمة: حيناً.

وقال سعيد بن جبير: دهراً. وأصل "الحين": المكث، ومنه يقال: فمكثت حيناً، "والمَلَوان": الليل والنهار.

وقال قتادة وعطاء: سالماً. وقال ابن عباس: اعتزلني سالماً لا تصيبك مني معرّة، يقال: فلان ملي بأمر كذا: إذا كان كافياً.

قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا ۝٤٧ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا ۝٤٨

{قَالَ} إبراهيم {سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ}، أي: سلمت مني لا أصيبك بمكروه، وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره.

وقيل: هذا سلام هجران ومفارقة. وقيل: سلام برٍّ ولطفٍ، وهو جواب الحليم للسفيه. قال الله تعالى:

{ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً }[الفرقان: 63].

قوله تعالى: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ}، قيل: إنه لما أعياه أَمَرَهُ ووعده أن يراجع الله فيه، فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له. معناه: سأسأل الله تعالى لك توبة تنال بها المغفرة.

{إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً}، برّاً لطيفاً. قال الكلبي: عالماً يستجيب لي إذا دعوته. قال مجاهد: عوَّدني الإِجابة لدعائي.

{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، أي: أعتزل ما تعبدون من دون الله: قال مقاتل: كان اعتزاله إيّاهم أنه فارقهم من "كوثىٰ"، فهاجر منها إلى الأرض المقدسة، {وَأَدْعُواْ رَبِّى}، أي أعبدُ ربي، {عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا}، أي: عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته، كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام.

وقيل: عسى أن يجيبني إذا دعوته ولا يخيبني.

فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ۝٤٩ وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ۝٥٠ وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مُوسَىٰٓ إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ۝٥١ وَنَٰدَيْنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَٰهُ نَجِيًّا ۝٥٢

{فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، فذهب مهاجراً، {وَهَبْنَا لَهُ} بعد الهجرة {إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ} آنسنا وحشته [من فراقهم]، وأقررنا عينه، بأولادٍ كرام على الله عز، {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً} يعني: إسحاق ويعقوب.

{وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا}. قال الكلبي: المال والولد، وهو قول الأكثرين، قالوا: ما بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق. وقيل: الكتاب والنبوّة.

{وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً}، يعني ثناءً حسناً رفيعاً في كل أهل الأديان، فكلُّهم يتولَّونهم، ويثنون عليهم.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً}، غير مُرَاءٍ، أخلص العبادة والطاعة لله عزّ وجلّ. وقرأ أهل الكوفة {مخلَصاً} بفتح اللام أي: مختاراً اختاره الله عزّ وجلّ. وقيل: أخلصه الله من الدنس. {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً}.

{وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ}، يعني: يمين موسى، والطور: جبل بين مصر ومدين. ويقال: اسمه "الزَّبِيْر" وذلك حين أقبل من مدين ورأى النار نودي

{ أَن يَٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ }[القصص: 30].

{وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً}، أي: مناجياً، فالنجي المناجي، كما يقال: جليس ونديم.

قال ابن عباس: معناه: قرَّبه فكلَّمه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامه.

وقيل: رفعه على الحجب حتى سمع صرير القلم.

وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيًّا ۝٥٣ وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِسْمَٰعِيلَ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ۝٥٤ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا ۝٥٥ وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ۝٥٦

{وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً}، وذلك حين دعا موسى فقال:

{ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي }[طه: 29-30]، فأجاب الله دعاءه وأرسل هارون، ولذلك سماه هبة له.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِسْمَاعِيل}، وهو إسماعيل بن إبراهيم جدُّ النبي صلى الله عليه وسلم {إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ}، قال مجاهد: لم يَعِدْ شيئاً إلاَّ وفَّىٰ به.

وقال مقاتل: وعد رجلاً أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه الرجل، فأقام إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد حتى رجع إليه الرجل.

وقال الكلبي: انتظره حتى حَالَ عليه الحَوْل.

{وَكَانَ رَسُولاً}، إلى جُرْهُم، {نَّبِيّاً}، مخبراً عن الله عزّ وجلّ.

{وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ} أي: قومه. وقيل: أهله وجميع أمته، {بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ}، قال ابن عباس: يريد التي افترضها الله تعالى عليهم، وهي الحنيفية التي افترضت علينا، {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً}، قائماً بطاعته. قيل: رضيه الله عزّ وجلّ لنبوته ورسالته.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ}، وهو جَدّ أبي نوح، واسمه "أخنوخ"، سمي إدريس لكثرة درسه الكتب. وكان خياطاً وهو أول من خطّ بالقلم، وأول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وكانوا من قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح، وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم النجوم والحساب، {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً}.

وَرَفَعْنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ۝٥٧

{وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}، قيل: يعني الجنة. وقيل: هي الرفعة بعلو الرتبة في الدنيا.

وقيل: هو أنه رفع إلى السماء الرابعة.

روى أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج.

وكان سبب رفع إدريس إلى السماء على ما قاله كعب وغيره: أنه سارَ ذات يومٍ في حاجة فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب أنا مشيت يوماً، فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد! اللّهمَّ خفِّفْ عنه من ثقلها وحرّها، فلما أصبح المَلَك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف. فقال: يا رب ما الذي قضيت فيه؟ فقال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته، فقال: رب اجعل بيني وبينه خُلَّة، فأذن له حتى أتى إدريس، فكان يسأله إدريس، فقال: إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند مَلَك الموت، فاشفع لي إليه ليؤخر، أجلي، فأزداد شكراً وعبادة، فقال الملك: لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها، وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت فقال لي حاجة إليك؛ صديقٌ لي من بني آدم تشفَّع بي إليك لتؤخر أجله، قال: ليس ذلك إليَّ ولكن إن أحببت أعلمته أجله، فيقدم لنفسه، قال: نعم، فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً، قال: وكيف؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: فإني أتيتك وتركته هناك، قال: فانطلق فلا أراك تجده إلاَّ وقد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء، فرجع الملك فوجده ميتاً.

واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت؟ فقال قوم: هو ميت، وقال قوم: هو حي، وقالوا: أربعة من الأنْبياء في الأحياء اثنان في الأرض: الخضر وإلياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى.

وقال وهب: كان يرفع لإِدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربَّه عزّ وجلّ في زيارته، فأذن له فأتاه في صورة بني آدم، وكان إدريس يصوم الدهر، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه، ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس، فقال له الليلة الثالث: إني أريد أن أعلم من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت استأذنت ربّي أن أصحبك، قال: فلي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: تقبض روحي، فأوحى الله إليه أن أقبض روحه، فقبض روحه وردها إليه بعد ساعة، قال له ملك الموت: ما في سؤالك من قبض الروح؟ قال لأذوق كرب الموت وغمته فأكون أشد استعداداً له، ثم قال إدريس له: إن لي إليك حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار، فأذن الله في رفعه، فلما قرب من النار قال لي حاجة أخرى، قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكاً أن يفتح لي أبوابها فأردها ففعل، ثم قال: فما أريتني النار فأرني الجنة، فذهب به إلى الجنة فاستفتح فأوحى الله إليه أن اقبض روحه، فقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة، قال له ملك الموت: ما في ففتحت أبوابها، فأدخله الجنة، ثم قال ملك الموت: أخرج لتعود إلى مقرك، فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها، فبعث الله ملكاً حكيماً بينهما، فقال له الملك: مالك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال:

{ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ }[آل عمران:185]، وقد ذقتُه، وقال: { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }[مريم: 71]، وقد وردتُها، وقال: { وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ }[الحجر: 48]، فلست أخرج، فأوحى الله إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبأمري لا يخرج، فهو حي هناك، ذلك قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُ ٱلرَّحْمَٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۝٥٨ فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ۝٥٩

{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ}، يعني: إدريس ونوحاً، {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ}، أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة، يريد إبراهيم؛ لأنه ولد من سام بن نوح، {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ}، يريد إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب.

قوله: {وَإِسْرَٰءِيلَ}، أي ومن ذرية إسرائيل، وهم موسى، وهارون، وزكريا، ويحيـى، وعيسى.

قوله: {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ}، هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا، {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً}، "سُجَّداً": جمع ساجد، "وبكياً": جمع باكٍ، أخبر الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سجدوا وبكوا.

قوله عزّ وجلّ: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}، أي: من بعد النبيين المذكورين خَلفْ، وهم قوم سوء، و"الخَلَفُ" ـ بالفتح ـ الصالح، وبالجزم الطالح.

قال السدي: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم.

وقال مجاهد وقتادة: هم قوم في هذه الأمة.

{أَضَاعُواْ ٱلصَّلَـوٰةَ}، تركوا الصلاة المفروضة.

وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخّروها عن وقتها.

وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس.

{وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ}، أي: المعاصي، وشرب الخمر، يعني آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة.

{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً}، قال وهب: "الغيُّ" نهر في جهنم، بعيدٌ قعره، خبيث طعمه.

وقال ابن عباس: "الغي" وادٍ في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ حرَّه، أُعد للزاني المصرِّ عليه، ولشارب الخمر المدمن عليها، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور.

وقال عطاء: "الغيّ": وادٍ في جهنم يسيل قيحاً ودماً.

وقال كعب: هو وادٍ في جهنم أبعدها قعراً، وأشدها حراً، في بئر تسمى "الهيم"، كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فيسعر بها جهنم.

أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد الحارثي، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن هشيم بن بشير، أخبرنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبي أمامة الباهلي يقول: "إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفاً من حَجَرٍ يهوي، أو قال صَخْرَةٍ تهوي عظمها كعشر عشراوات عظام سمان، فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم غي وآثام".

وقال الضحاك: غياً وخسراناً. وقيل: هلاكاً. وقيل: عذاباً.

وقوله: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} ليس معناه يرون فقط، بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية.

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا ۝٦٠ جَنَّٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّا ۝٦١ لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَٰمًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ۝٦٢

{إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً}.

{جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ}، ولم يروها، {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً}، يعني: آتياً، مفعول بمعنى فاعل.

وقيل: لم يقل آتياً لأن كل من أتاك فقد أتيته، والعرب لا تفرق بين قول القائل: أتت عليّ خمسون سنة وبين قوله: أتيت على خمسين سنة، ويقول: وصل إليَّ الخير ووصلت إلى الخير.

وقال ابن جرير: "وعده" أي: موعده، وهو الجنة، "مأتياً" يأتيه أولياؤه أهل الجنة، وأهل طاعته.

{لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا}، في الجنة {لَغْواً}، باطلاً وفحشاً وفضولاً من الكلام.

وقال مقاتل: هو اليمين الكاذبة.

{إِلاَّ سَلَـٰماً}، استثناءٌ من غير جنسه، يعني: بل يسمعون فيها سلاماً. أي: قولاً يسلمون منه، "والسلام" اسم جامع للخير، لأنه يتضمن السلامة.

معناه: إن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم، إنما يسمعون ما يسلمهم.

وقيل: هو تسليم بعضهم على بعض، وتسليم الملائكة عليهم.

وقيل: هو تسليم الله عليهم.

{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً}، قال أهل التفسير: ليس في الجنة ليل يعرف به البكرة والعشي، بل هم في نور أبداً، ولكنهم يأتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار.

وقيل: إنهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب.

وقيل: المراد منه رفاهية العيش، وسعة الرزق من غير تضييق.

وكان الحسن البصري يقول: كانت العرب لا تعرف من العيش أفضل من الرزق بالبكرة والعشي، فوصف الله عزّ وجلّ جنته بذلك.

تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ۝٦٣ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ۝٦٤ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَٰدَتِهِۦ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا ۝٦٥

{تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا} أي: نعطي وننزل. وقيل: يورث عباده المؤمنين المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا، {مَن كَانَ تَقِيّاً}، أي: المتقين من عباده.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا خلاد بن يحيـى، أخبرنا عمر بن ذر قال: سمعت أبي يحدِّث عن سعيد بن جبير،

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا» فنزلت: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} الآية: قال: كان هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم.

وقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، والكلبي:

احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، فقال أخبركم غداً، ولم يقل: إن شاء الله، حتى شقَّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك»، فقال له جبريل: إني كنت أَشْوَق، ولكني عبد مأمور، إذا بُعثت نزلت، وإذا حُبست احتبست، فأنزل الله {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} وأنزل: "والضحى والليل إذا سجى ما ودّعك ربّك وما قلى".

{لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}، أي: له علم ما بين أيدينا. واختلفوا فيه: فقال سعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا}: من أمر الآخرة والثواب والعقاب، {وَمَا خَلْفَنَا}: ما مضى من الدنيا {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة.

وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا}: ما بقي من الدنيا، {وَمَا خَلْفَنَا}: ما مضى منها، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: أي: ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة.

وقيل: {ما بين أيدينا} ما بقي من الدنيا، {وَمَا خَلْفَنَا}: ما مضى منها، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: مدة الحياة.

وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا}: بعد أن نموت، {وَمَا خَلْفَنَا}: قبل أن نخلق، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: مدة الحياة.

وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا}: الأرض إذا أردنا النزول إليها، {وَمَا خَلْفَنَا}: السماء إذا نزلنا منها، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ}: الهواء يريد: أن ذلك كله لله عزّ وجلّ، فلا نقدر على شيء إلاّ بأمره.

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}، أي: ناسياً، يقول: ما نسيك ربك، أي: ما تركك، والناسي التارك.

{رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ}، أي: اصبر على أمره ونهيه، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: مِثْلاً.

وقال الكلبي: هل تعلم أحداً يُسمىٰ "اللهُ" غيره؟

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ