انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة مريم

تفسير الطبريالآيات 72–93

تفسير سورة مريم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة مريم

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 49:31

  1. 1 الآيات 59–98في هذه الصفحة 18:54

التفسير الصوتي لسورة مريم كاملًا (3 مقاطع)

ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ۝٧٢

يقول تعالـى ذكره: {ثم ننـجي} من النار بعد ورود جميعهم إياها، {الذين اتقوا} فخافوه، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه {وَنَذَرُ الظَّالِـمِينَ فِـيها جِثِـيًّا} يقول جلّ ثناؤه: وندع الذين ظلـموا أنفسهم، فعبدوا غير الله، وعصَوا ربهم، وخالفوا أمره ونهيه من النار، جثـياً، يقول: بروكاً علـى ركبهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَنَذَرُ الظَّالِـمِينَ فِـيها جثِـياً} علـى ركبهم.

حدثنا الـحسن ابن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {وَنَذَرُ الظَّالِـمينَ فِـيها جِثِـيًّا} علـى ركبهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَنَذَرُ الظَّالِـمِينَ فِـيها جِثِـيًّا} قال: الـجُثِـيّ: شرّ الـجلوس، لا يجلس الرجل جاثـيا إلاَّ عند كرب ينزل به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ثُمَّ نُنَـجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِـمِينَ فِـيها جِثِـيًّا} إن الناس وردوا جهنـم وهي سوداء مظلـمة، فأما الـمؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم، فأنـجوا منها. وأما الكفـار فأوبقتهم أعمالهم، واحْتُبِسوا بذنوبهم.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ۝٧٣

يقول تعالـى ذكره: {وإذا تتلـى} علـى الناس {آياتنا} التـي أنزلناها علـى رسولنا مـحمد {بـينات}، يعنـي واضحات لـمن تأمَّلها وفكَّر فـيها أنها أدلة علـى ما جعلها الله أدلة علـيه لعبـاده، {قال الذين كفروا} بـالله وبكتابه وآياته، وهم قريش، {للذين آمنوا} فصدّقوا به، وهم أصحاب مـحمد {أيُّ الفَرِيقَـيْنِ خَيْرٌ مَقاماً} يَعْنـي بـالـمَقام: موضع إقامتهم، وهي مساكنهم ومنازلهم {وأحْسَنُ نَدِيًّا} وهو الـمـجلس، يقال منه: ندوت القوم أندوهم نَدْوا: إذا جمعتهم فـي مـجلس، ويقال: هو فـي نديّ قومه وفـي ناديهم: بـمعنى واحد. ومن النديّ قول حاتـم:

ودُعِيتُ فِـي أُولـى النَّدِيّ ولَـمْيُنْظَرْ إلـيَّ بأعْيُنٍ خُزْرِ

وتأويـل الكلام: وإذا تُتلـى علـيهم آياتنا بـيِّنات، قال الذين كفروا للذين آمنوا: أيّ الفريقـين منا ومنكم أوسع عيشاً، وأنعم بـالاً، وأفضل مسكناً، وأحسن مـجلساً، وأجمع عدداً وغاشية فـي الـمـجلس، نـحن أم أنتـم؟ وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي ظبـيان، عن ابن عبـاس، قوله: {خَيْرٌ مَقاماً وأحْسَنُ نَدِيًّا} قال: الـمقام: الـمنزل، والنديّ: الـمـجلس.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن سلـيـمان، عن أبـي ظَبْـيان، عن ابن عبـاس بـمثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَإذَا تُتْلَـى عَلَـيْهِمْ آياتُنا بَـيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا للَّذِينَ آمَنُوا أيّ الفَرِيقَـيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا}؟ قال: الـمقام: الـمسكن، والنديّ: الـمـجلس والنَّعمة والبهجة التـي كانوا فـيها، وهو كما قال الله لقوم فرعون، حين أهلكهم وقصّ شأنهم فـي القرآن فقال:

{ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتِ وَعُيُونٍ وكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيـمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِـيها فـاكِهِينَ }فـالـمقام: الـمسكن والنعيـم، والنديّ: الـمـجلس والـمـجمع الذي كانوا يجتـمعون فـيه، وقال الله فـيـما قصّ علـى رسوله فـي أمر لوط إذ قال { وَتأتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكُرَ }، والعرب تسمي الـمـجلس: النادي.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وأحْسَنُ نَدِيًّا} يقول: مـجلساً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {أيُّ الفَرِيقَـيْنِ} قال: قريش تقولها لأصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم {وأحْسَنُ نَدِيًّا} قال: مـجالسهم، يقولونه أيضاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذَا تُتْلَـى عَلَـيْهمْ آياتُنا بَـيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا للَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَـينِ خَيْرٌ مَقاماً وأحْسَنُ نَدِيًّا} رأوا أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي عيشهم خشونة، وفـيهم قَشافة، فَعَرَّض أهل الشرك بـما تسمعون قوله {وأحْسَنُ نَدِيًّا} يقول: مـجلساً.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {أيُّ الفَرِيقَـيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وأحْسَنُ نَدِيًّا} قال: النديّ: الـمـجلس، وقرأ قول الله تعالـى:

{ فَلْـيَدْعُ نادِيَهْ } قال: مـجلسه.

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَٰثًا وَرِءْيًا ۝٧٤

يقول تعالـى ذكره: وكم أهلكنا يا مـحمد قبل هؤلاء القائلـين من أهل الكفر للـمؤمنـين، إذا تُتلـى علـيهم آيات الرحمن، أيّ الفريقـين خير مقاماً، وأحسن ندياً، مـجالس من قرن هم أكثر متاع منازل من هؤلاء، وأحسن منهم منظراً وأجمل صوراً، فأهلكنا أموالهم، وغيرنا صورهم ومن ذلك قول علقمة بن عبدة:

كُمَيْتٌ كَلَوْنِ الأُرْجُوَانِ نَشَرْتهُلبَـيْعِ الرّئيِ فِـي الصّوَانِ الـمُكَعَّبِ

يعنـي بـالصوان: التـخت الذي تصان فـيه الثـياب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي ظبـيان، عن ابن عبـاس {أحْسَنُ أثاثاً وَرِئْياً} قال: الرئي: الـمنظر، والأثاث: الـمتاع.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ عن شعبة عن سلـيـمان عن أبـي ظبـيان عن ابن عبـاس قال: الرئي الـمنظر.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {أحْسَنُ أثاثاً وَرِئْياً} يقول: منظراً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {أحْسَنُ أثاثاً وَرِئْياً} الأثاث: الـمال، والرِّئي: الـمنظر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن، فـي قوله {أثاثاً وَرِئْياً} قال: الأثاث: أحسن الـمتاع، والرِّئي: قال: الـمال.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، يقول الله تبـارك وتعالـى: {وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ منْ قَرْنٍ هُمْ أحْسَنُ أثاثاً وَرِئْياً}: أي أكثر متاعاً وأحسن منزلة ومستقرًّا، فأهلك الله أموالهم، وأفسد صورهم علـيهم تبـارك وتعالـى.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله {أحْسَنُ أثاثاً وَرِئْياً} قال: أحسن صوراً، وأكثر أموالاً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أثاثاً} قال: الـمتاع {وَرِئْياً} قال: فـيـما يرى الناس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا ابن حميد وبشر بن معاذ، قالا: ثنا جرير بن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: الأثاث: الـمال، والرِّئي: الـمنظر الـحسن.

حدثنا القاسم، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس {وَرِئْياً}: منظراً فـي اللون والـحسن.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أحْسَنُ أثاثاً وَرِئْياً} قال: الرئي: الـمنظر، والأثاث: الـمتاع، أحسن متاعا، وأحسن منظرا.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول فـي قوله: {أحْسَنُ أثاثاً} يعنـي الـمال {وَرِئْياً} يعنـي: الـمنظر الـحسن.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة: «وَرِيًّا» غير مهموز، وذلك إذا قرىء كذلك يتوجه لوجهين: أحدهما: أن يكون قارئه أراد الهمزة، فأبدل منها ياء، فـاجتـمعت الـياء الـمُبدلة من الهمز والـياء التـي هي لام الفعل، فأدغمتا، فجعلتا ياء واحدة مشددة لـيُـلْـحِقُوا ذلك، إذ كان رأس آية، بنظائره من سائر رؤوس الآيات قبله وبعده والآخر أن يكون من رويت أروي روية وريًّا، وإذا أريد به ذلك كان معنى الكلام: وكم أهلكنا قبلهم من قرن، هم أحسن متاعاً، وأحسن نظراً لـماله، ومعرفة لتدبـيره وذلك أن العرب تقول: ما أحسن رؤية فلان فـي هذا الأمر إذا كان حسن النظر فـيه والـمعرفة به. وقرأ ذلك عامة قرّاء العراق والكوفة والبصرة {وَرِئْياً} بهمزها، بـمعنى: رؤية العين، كأنه أراد: أحسن متاعاً ومَرآة. وحُكي عن بعضهم أنه قرأ: «أحسن أثاثاً وزياً»، بـالزاي، كأنه أراد أحسن متاعاً وهيئة ومنظراً، وذلك أن الزيّ هو الهيئة والـمنظر من قولهم: زيَّـيت الـجارية، بـمعنى: زينتها وهيأتها.

قال أبو جعفر: وأولـى القراءات فـي ذلك بـالصواب، قراءة من قرأ {أثاثاً وَرِئْياً} بـالراء والهمز، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن معناه: الـمنظر، وذلك هو من رؤية العين، لا من الروية، فلذلك كان الـمهموز أولـى به، فإن قرأ قارىء ذلك بترك الهمز، وهو يريد هذا الـمعنى، فغير مخطىء فـي قراءته. وأما قراءته بـالزاي فقراءة خارجة، عن قراءة القرّاء، فلا أستـجيز القراءة بها لـخلافها قراءتهم، وإن كان لهم فـي التأويـل وجه صحيح.

واختلف أهل العربـية فـي الأثاث أجمع هو أم واحد، فكان الأحمر فـيـما ذُكر لـي عنه يقول: هو جمع، واحدتها أثاثه، كما الـحمام جمع واحدتها حمامة، والسحاب جمع واحدتها سحابة. وأما الفراء فإنه كان يقول: لا واحد له، كما أن الـمتاع لا واحد له. قال: والعرب تـجمع الـمتاع: أمتعة، وأماتـيع، ومتع. قال: ولو جمعت الأثاث لقلت: ثلاثة آثَّةٍ وأثث. وأما الرئي فإن جمعه: آراء.

قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا ۝٧٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين بربهم، القائلـين: إذا تتلـى علـيهم آياتنا، أيّ الفريقـين منا ومنكم خير مقاماً وأحسن ندياً، من كان منا ومنكم فـي الضلالة جائراً عن طريق الـحقّ. سالكاً غير سبـيـل الهدى، {فلـيـمدد له الرحمن مدًّا} يقول: فلـيطوِّل له الله فـي ضلالته، ولـيـمله فـيها إملاء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {فِـي الضَّلالَةِ فَلْـيَـمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} فلـيَدعْه الله فـي طغيانه.

وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقوله: {حتـى إذَا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمَّا العَذَابَ وإمَّا السَّاعَةَ} يقول تعالـى ذكره: قل لهم: من كان منا ومنكم فـي الضلالة، فلـيـمدد له الرحمن فـي ضلالته إلـى أن يأتـيهم أمر الله، إما عذاب عاجل، أو يـلقوا ربهم عند قـيام الساعة التـي وعد الله خـلقه أن يجمعهم لها، فإنهم إذا أتاهم وعد الله بأحد هذين الأمرين {فَسَيَعْلَـمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً} ومسكنا منكم ومنهم {وأضْعَفُ جُنْداً} أهم أم أنتـم؟ ويتبـينون حينئذٍ أيّ الفريقـين خير مقاماً، وأحسن ندياً.

وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًى وَٱلْبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ۝٧٦

يقول تعالـى ذكره: ويزيد الله من سلك قصد الـمـحجة، واهتدى لسبـيـل الرشد، فآمن بربه، وصدّق بآياته، فعمل بـما أمره به، وانتهى عما نهاه عنه هدى بـما يتـجدّد له من الإيـمان بـالفرائض التـي يفرضها علـيه. ويقرّ بلزوم فرضها إياه، ويعمل بها، فذلك زيادة من الله فـي اهتدائه بآياته هدى علـى هداه، وذلك نظير قوله:

{ وإذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيـماناً فأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيـمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ }. وقد كان بعضهم يتأوّل ذلك: ويزيد الله الذين اهتدوا هُدىً بناسخ القرآن ومنسوخه، فـيؤمن بـالناسخ، كما آمن من قبل بـالـمنسوخ، فذلك زيادة هدىً من الله له علـى هُداه من قبل {وَالبـاقِـياتُ الصّالـحات خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابـاً} يقول تعالـى ذكره: والأعمال التـي أمر الله بها عبـاده ورضيها منهم. البـاقـيات لهم غير الفـانـيات الصالـحات، خير عند ربك جزاء لأهلها {وَخَيْرٌ مَرَدًّا} علـيهم من مقامات هؤلاء الـمشركين بـالله، وأنديتهم التـي يفتـخرون بها علـى أهل الإيـمان فـي الدنـيا.

وقد بـيَّنا معنى البـاقـيات الصالـحات، وذكرنا اختلاف الـمختلفـين فـي ذلك، ودللنا علـى الصواب من القول فـيه فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبـي كثـير عن أبـي سلـمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: جلس النبـيّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فأخذ عوداً يابساً، فحطّ ورقه ثم قال:

إنَّ قَوْلَ لا إلهَ إلاَّ اللّهُ، وَاللّهُ أكْبَرُ، والـحَمْدُ لِلّهِ وَسُبْحانَ اللّهِ، تَـحطُّ الـخَطايا، كمَا تَـحُطُّ وَرَقَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الرّيحُ، خُذْهُنَّ يا أبـا الدَّرْدَاءِ قَبْلَ أنْ يُحالَ بَـيْنَكَ وَبَـيْنَهُنَّ، هُنَّ البـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ، وَهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الـجَنَّةِ، قال أبو سلـمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الـحديث قال: لأهللنّ الله، ولأكبرنّ الله، ولأسبحنّ الله، حتـى إذا رآنـي الـجاهل حسب أنـي مـجنون.

أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ۝٧٧ أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ۝٧٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {أفَرأيْتَ} يا مـحمد {الَّذِي كَفَرَ بآياتِنا} حججنا فلـم يصدّق بها، وأنكر وعيدنا من أهل الكفر {وَقالَ} وهو بـالله كافر وبرسوله {لأُوتَـينَّ} فـي الآخرة {مالاً وَوَلَداً}. وذُكر أن هذه الآيات أنزلت فـي العاص بن وائل السهمي أبـي عمرو بن العاص. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا أبو السائب وسعيد بن يحيى، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلـم، عن مسروق، عن خبـاب، قال: كنت رجلاً قَـيْنا، وكان لـي علـى العاص بن وائل دين، فأتـيته أتقاضاه، فقال: والله لا أقضيك حتـى تكفر بـمـحمد، فقلت: والله لا أكفر بـمـحمد حتـى تـموت ثم تبعث، قال: فقال: فإذا أنا متّ ثم بُعثت كما تقول، جئتنـي ولـي مال وولد، قال: فأنزل الله تعالـى: {أفَرأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقالَ لاَوتَـينَّ مالاً وَوَلَدا أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّـخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً... } إلـى قوله:

{ ويَأْتـينا فَرْداً }

حدثني به أبو السائب، وقرأ فـي الـحديث: وولداً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، أن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون العاصَ بن وائل السَّهْمِيّ بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستـم تزعمون أن فـي الـجنة فضة وذهبـا وحريرا، ومن كلّ الثمرات؟ قالوا: بلـى، قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتـينّ مالاً وولداً، ولأوتـينَّ مثل كتابكم الذي جئتـم به، فضرب الله مثله فـي القرآن، فقال: {أفَرأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقالَ لأُوتَـينَّ مالاً...} إلـى قوله

{ ويَأْتِـينا فَرْداً }

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {لأُوتَـينَّ مالاً وَوَلَداً} قال: العاصُ بن وائل يقوله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفَرأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقالَ لأُوتَـينَّ مالاً وَوَلَداً} فذُكر لنا أن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتوا رجلاً من الـمشركين يتقاضونه دينا، فقال: ألـيس يزعم صاحبكم أن فـي الـجنة حريراً وذهبـاً؟ قالوا: بلـى، قال فميعادكم الـجنة، فوالله لا أومن بكتابكم الذي جئتـم به، استهزاء بكتاب الله، ولأُوتـينّ مالاً وولداً. يقول الله: {أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّـخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً}؟

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن الأعمش، عن أبـي الضحى، عن مسروق، قال: قال خَبَّـاب بن الأَرَتّ: كنت قَـيْنا بـمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، فـاجتـمعت لـي علـيه دراهم، فجئت لأتقاضاه، فقال لـي: لا أقضيك حتـى تكفر بـمـحمد، قال: قلت: لا أكفر بـمـحمد حتـى تـموت ثم تبعث، قال: فإذا بُعثت كان لـي مال وولد، قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تبـارك وتعالـى: {أفَرأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بآياتِنا وَقالَ لأُوتَـينَّ مالاً وَوَلَداً...} إلـى

{ وَيأْتِـيَنا فَرْداً }

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله {وَوَلداً} فقرأته عامَّة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: {وَوَلَداً} بفتـح الواو من الولد فـي كلّ القرآن، غير أن أبـا عمرو بن العلاء خَصّ التـي فـي سورة نوح بـالضمّ، فقرأها: "مالُهُ وَوُلْدُه". وأما عامَّة قرّاء الكوفة غير عاصم، فإنهم قرأوا من هذه السورة من قوله {مالاً وَوَلَداً} إلـى آخر السورة، واللتـين فـي الزخرف، والتـي فـي نوح، بـالضمّ وسكون اللام.

وقد اختلف أهل العربـية فـي معنى ذلك إذا ضمت واوه، فقال بعضهم: ضمها وفتـحها واحد، وإنـما هما لغتان، مثل قولهم العُدْم والعَدَم، والـحُزْن والـحَزَن. واستشهدوا لقـيـلهم ذلك بقول الشاعر:

فَلَـيْتَ فُلاناً كانَ فـي بَطْنِ أُمِّهِوَلَـيْتَ فُلاناً كانَ وُلْدَ حِمارِ

ويقول الـحارث بن حِلِّزة:

وَلَقَدْ رأيْتُ مَعاشِراًقَدْ ثَمَّرُوا مالاً وَوُلْدَاً

وقول رُؤْبة:

الْـحَمْد لِلّهِ العَزِيزِ فَرْدَالَـمْ يَتَّـخِذْ مِنْ وُلْدِ شَيْءٍ وُلْدَا

وتقول العرب فـي مثلها: وُلْدُكِ مِن دَمَّى عَقِبَـيْكِ، قال: وهذا كله واحد، بـمعنى الولد. وقد ذُكر لـي أن قـيساً تـجعل الوُلْد جمعاً، والوَلد واحداً. ولعلّ الذين قرأوا ذلك بـالضمّ فـيـما اختاروا فـيه الضمّ، إنـما قرأوه كذلك لـيفرقوا بـين الـجمع والواحد.

قال أبو جعفر: والذي هو أولـى بـالصواب من القول فـي ذلك عندي أن الفتـح فـي الواو من الوَلد والضمّ فـيها بـمعنى واحد، وهما لغتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب، غير أن الفتـح أشهر اللغتـين فـيها. فـالقراءة به أعجبُ إلـيّ لذلك.

وقوله: {أطَّلَعَ الغَيْبَ} يقول عزّ ذكره: أعلِـمَ هذا القائل هذا القول علـم الغيب، فعلـم أن له فـي الآخرة مالاً وولداً بـاطلاعه علـى علـم ما غاب عنه {أمِ اتَّـخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} يقول: أم آمن بـالله وعمل بـما أمر به، وانتهى عما نهاه عنه، فكان له بذلك عند الله عهداً أن يؤتـيه ما يقول من الـمال والولد، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَـخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} بعمل صالـح قدّمه.

كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّا ۝٧٩ وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ۝٨٠

يعني تعالى ذكره بقوله {كلا}: لـيس الأمر كذلك، ما اطلع الغيب، فعلـم صدق ما يقول، وحقـيقة ما يذكر، ولا اتـخذ عند الرحمن عهدا بـالإيـمان بـالله ورسوله، والعمل بطاعته، بل كذب وكفر. ثم قال تعالـى ذكره: {سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ}: أي سنكتب ما يقول هذا الكافر بربه، القائل

{ لأُوتـيَنَّ } فـي الآخرة { مالاً وَوَلَداً ونَـمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا } يقول: ونزيده من العذاب فـي جهنـم بقـيـله الكذب والبـاطل فـي الدنـيا، زيادة علـى عذابه بكفره بـالله.

وقوله: {وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ} يقول عزّ ذكره: ونسلب هذا القائل: لأوتـينّ فـي الآخرة مالاً وولداً، ماله وولده، ويصير لنا ماله وولده دونه، ويأتـينا هو يوم القـيامة فردا، وحدَه لا مال معه ولا ولد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى «ح» وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ}: ماله وولده، وذلك الذي قال العاصي بن وائل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِـينا فَرْداً}: لا مال له ولا ولد.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَنَرثُهُ ما يَقُولُ} قال: ما عنده، وهو قوله

{ لأُوتَـينَّ مالاً وَوَلَداً }وفـي حرف ابن مسعود: ونرثه ما عنده.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ} قال: ما جمع من الدنـيا وما عمل فـيها. قال {ويَأْتِـينا فَرْداً} قال: فردا من ذلك، لا يتبعه قلـيـل ولا كثـير.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ}: نرثه.

وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا۟ لَهُمْ عِزًّا ۝٨١ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ۝٨٢

يقول تعالـى ذكره: واتـخذ يا مـحمد هؤلاء الـمشركون من قومك آلهة يعبدونها من دون الله، لتكون هؤلاء الآلهة لهم عزّاً، يـمنعونهم من عذاب الله، ويتـخذون عبـادتهموها عند الله زُلْفَـى.

وقوله: {كَلاّ} يقول عزّ ذكره: لـيس الأمر كما ظنوا وأمَّلُوا من هذه الآلهة التـي يعبدونها من دون الله، فـي أنها تنقذهم من عذاب الله، وتنـجيهم منه، ومن سوء إن أراده بهم ربُّهم. وقوله: {سَيَكْفُرُونَ بِعِبـادَتِهِمْ} يقول عزّ ذكره: ولكن سيكفر الآلهة فـي الآخرة بعبـادة هؤلاء الـمشركين يوم القـيامة إياها، وكفرهم بها قـيـلهم لربهم: تبرأنا إلـيك ما كانوا إيانا يعبدون، فجحدوا أن يكونوا عبدوهم أو أمروهم بذلك، وتبرّأوا منهم، وذلك كفرهم بعبـادتهم. وأما قوله: {وَيَكُونُونَ عَلَـيْهِمْ ضِدّاً} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: معنى ذلك: وتكون آلهتهم علـيهم عوناً، وقالوا: الضدّ: العون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وَيَكُونُونَ عَلَـيْهِمْ ضِدّاً} يقول: أعواناً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى «ح» وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَيَكُونُونَ عَلَـيْهِمْ ضِدّاً} قال: عونا علـيهم تـخاصمهم وتكذّبهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {وَيَكُونُونَ عَلَـيْهِمْ ضِدّاً} قال: أوثانهم يوم القـيامة فـي النار.

وقال آخرون: بل عنى بـالضدّ فـي هذا الـموضع: القُرَناء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَيَكُونُونَ عَلَـيْهِمْ ضِدّاً} يقول: يكونون علـيهم قرناء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَكُونُونَ عَلَـيْهِمْ ضِدّاً} قرناء فـي النار، يـلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {ضِدّاً} قال: قرناء فـي النار.

وقال آخرون: معنى الضدّ ههنا: العدوّ. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا مُعاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {وَيَكُونُونَ عَلَـيْهِمْ ضِدّاً} قال: أعداء.

وقال آخرون: معنى الضدّ فـي هذا الـموضع: البلاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَيَكُونُونَ عَلَـيْهِمْ ضِدّاً} قال: يكونون علـيهم بلاء.

الضدّ: البلاء، والضدّ فـي كلام العرب: هو الـخلاف، يقال: فلان يضادّ فلاناً فـي كذا، إذا كان يخالفه فـي صنـيعه، فـيفسد ما أصلـحه، ويصلـح ما أفسده، وإذ كان ذلك معناه، وكانت آلهة هؤلاء الـمشركين الذين ذكرهم الله فـي هذا الـموضع يتبرّؤون منهم، وينتفعون يومئذٍ، صاروا لهم أضداداً، فوصفوا بذلك.

وقد اختلف أهل العربـية فـي وجه توحيد الضدّ، وهو صفة لـجماعة. فكان بعض نـحويِّـي البصرة يقول: وحد لأنه يكون جماعة، وواحداً مثل الرصد والأرصاد. قال: ويكون الرَّصَد أيضاً لـجماعة. وقال بعض نـحويـي الكوفة وحَّد، لأن معناه عوناً، وذكر أن أبـا نهيك كان يقرأ ذلك، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، قال: سمعت أبـا نهيك الأزدي يقرأ: {كَلاَّ سَيَكْفُرُون} يعنـي الآلهة كلها أنهم سيكفرون بعبـادتهم.

أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ۝٨٣ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ۝٨٤

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ألـم تر يا مـحمد أنا أرسلنا الشياطين علـى أهل الكفر بـالله {تَوزُّهُمْ} يقول: تـحرّكهم بـالإغواء والإضلال، فتزعجهم إلـى معاصي الله، وتغريهم بها حتـى يواقعوها {أزّاً} إزعاجاً وإغواء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أزّاً} يقول: تغريهم إغراء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: تؤز الكافرين إغراء فـي الشرك: امضِ امضِ فـي هذا الأمر، حتـى توقعهم فـي النار، امضوا فـي الغيّ امضوا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو إدريس، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله {تَوزُّهُمْ أزّاً} قال: تغريهم إغراء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {تَوزُّهُمْ أزّاً} قال: تزعجهم إزعاجاً فـي معصية الله.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا ابن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة فـي قول الله {تَوزُّهُمْ أزّاً} قال: تزعجهم إلـى معاصي الله إزعاجاً.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {تَوزُّهُمْ أزّاً} قال تزعجهم إزعاجا فـي معاصي الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ألَـمْ تَرَ أنَّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ علـى الكافرِينَ تَوزُّهُمْ أزّاً} فقرأ:

{ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَـيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } قال: توزّهم أزّاً، قال: تشلـيهم إشلاءً علـى معاصي الله تبـارك وتعالـى، وتغريهم علـيها، كما يغري الإنسان الآخر علـى الشيء.

يقال منه: أزَزْت فلاناً بكذا، إذا أغريته به أؤزُّه أزّاً وأزيزاً، وسمعت أزيز القدر: وهو صوت غلـيانها علـى النار ومنه حديث مطرف عن أبـيه، أنه انتهى إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلـي، ولـجوفه أزيز كأزيز الـمرجل.

وقوله: {فَلا تَعْجَلْ عَلَـيْهِمْ إنَّـمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} يقول عزّ ذكره: فلا تعجل علـى هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، يا مـحمد {إنـما نعدّ لهم عدّاً} يقول: فإنـما نؤخر إهلاكهم لـيزدادوا إثماً، ونـحن نعدّ أعمالهم كلها ونـحصيها حتـى أنفـاسهم لنـجازيهم علـى جميعها، ولـم نترك تعجيـل هلاكهم لـخير أردناه بهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّـما نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} يقول: أنفـاسهم التـي يتنفسون فـي الدنـيا، فهي معدودة كسنهم وآجالهم.

يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَٰنِ وَفْدًا ۝٨٥ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا ۝٨٦

يقول تعالـى ذكره: يوم نـجمع الذين اتقوا فـي الدنـيا فخافوا عقابه، فـاجتنبوا لذلك معاصيه، وأدّوا فرائضه إلـى ربهم {وَفْداً} يعنـي بـالوفد: الركبـان. يقال: وفدت علـى فلان: إذا قدمت علـيه، وأوفد القوم وفدا علـى أميرهم، إذا بعثوا من قبلهم بعثاً. والوفد فـي هذا الـموضع بـمعنى الـجمع، ولكنه واحد، لأنه مصدر واحدهم وافد، وقد يجمع الوفد: الوفود، كما قال بعض بنـي حنـيفة:

إنّـي لَـمُـمْتَدِحٌ فَمَا هُوَ صَانِعٌرأسُ الُوفُودِ مُزاحمُ بنَ جِساسِ

وقد يكون الوفود فـي هذا الـموضع جمع وافد، كما الـجلوس جمع جالس. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، قال: ثنا ابن فضيـل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علـيّ، فـي قوله: {يَوْمَ نَـحْشُرُ الـمُتَّقِـينَ إلـى الرَّحْمَنِ وَفْداً} قال: أما والله ما يحشر الوفد علـى أرجلهم، ولا يساقون سوقا، ولكنهم يؤتون بنوق لـم ير الـخلائق مثلها، علـيها رِحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فـيركبون علـيها حتـى يضربوا أبواب الـجنة.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن إسماعيـل، عن رجل، عن أبـي هريرة {يَوْمَ نَـحْشُرُ الـمُتَّقِـينَ إلـى الرَّحْمَنِ وَفْداً} قال: علـى الإبل.

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يَوْمَ نَـحْشُرُ الـمُتَّقِـينَ إلـى الرَّحْمَنِ وَفْداً} يقول: ركبـاناً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قـيس الـملائي، قال: إن الـمؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن صورة، وأطيبها ريحاً، فـيقول: هل تعرفنـي؟ فـيقول: لا إلا أن طيب ريحك وحسَّن صورتك، فـيقول: كذلك كنت فـي الدنـيا أنا عملك الصالـح طالـما ركبتك فـي الدنـيا، فـاركبنـي أنت الـيوم، وتلا: {يَوْمَ نَـحْشُرُ الـمُتَّقِـينَ إلـى الرَّحْمَنِ وَفْداً}.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {إلـى الرَّحْمَنِ وَفْداً} قال: وفداً إلـى الـجنة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، فـي قوله: {يَوْمَ نَـحْشُرُ الـمُتَّقِـينَ إلـى الرَّحْمَنِ وَفْداً} قال: علـى النـجائب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: سمعت سفـيان الثوري يقول: {يَوْمَ نَـحْشُرُ الـمُتَّقِـينَ إلـى الرَّحْمَنِ وَفْداً} قال: علـى الإبل النوق.

وقوله: {وَنَسُوقُ الـمُـجْرِمينَ إلـى جَهَنَّـمَ وِرْداً} يقول تعالـى ذكره: ونسوق الكافرين بـالله الذين أجرموا إلـى جهنـم عطاشا. والوِرد: مصدر من قول القائل: وردت كذا أرِده وِرداً، ولذلك لـم يجمع، وقد وصف به الـجمع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنـي عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَنَسُوقُ الـمُـجْرِمينَ إلـى جَهَنَّـمَ وِرْداً} يقول: عطاشاً.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن إسماعيـل، عن رجل، عن أبـي هريرة {وَنَسُوقُ الـمُـجْرِمينَ إلـى جَهَنَّـمَ وِرْداً} قال: عطاشاً.

حدثنـي يعقوب والفضل بن صبـاح، قالا: ثنا إسماعيـل بن عُلَـيَّة، عن أبـي رجاء، قال: سمعت الـحسن يقول فـي قوله: {وَنَسُوقُ الـمُـجْرِمينَ إلـى جَهَنَّـمَ وِرْداً} قال: عطاشاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن يونس، عن الـحسن، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {إلـى جَهَنَّـمَ وِرْداً} قال: ظماء إلـى النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَنَسُوقُ الـمُـجْرِمينَ إلـى جَهَنَّـمَ وِرْداً} سوقوا إلـيها وهم ظمء عطاش.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: سمعت سفـيان يقول فـي قوله: {وَنَسُوقُ الـمُـجْرِمينَ إلـى جَهَنَّـمَ وِرْداً} قال: عطاشاً.

لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ۝٨٧

يقول تعالـى ذكره: لا يـملك هؤلاء الكافرون بربهم يا مـحمد، يوم يحشر الله لمتقـين إلـيه وفدا الشفـاعة، حين يشفع أهل الإيـمان بعضهم لبعض عند الله، فـيشفع بعضهم لبعض {إلاَّ مَنِ اتَّـخَذَ} منهم {عِنْدَ الرَّحْمَنِ} فـي الدنـيا {عَهْداً} بـالإيـمان به، وتصديق رسوله، والإقرار بـما جاء به، والعمل بـما أمر به. كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إلاَّ مَنِ اتَّـخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} قال: العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلـى الله من الـحول والقوّة ولا يرجو إلا الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {لا يَـمْلِكُونَ الشَّفـاعةَ إلاَّ مَنِ اتَّـخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} قال: الـمؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء {إلاَّ مَنِ اتَّـخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} قال: عملاً صالـحاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يَـمْلِكُونَ الشَّفـاعَةَ إلاَّ مَنِ اتَّـخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً}: أي بطاعته، وقال فـي آية أخرى:

{ لا تَنْفَعُ الشَّفـاعَةُ إلاَّ مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضي لَهُ قَوْلاً }لـيعلـموا أن الله يوم القـيامة يشفع الـمؤمنـين بعضهم فـي بعض، ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:إنَّ فِـي أُمَّتِـي رَجُلاً لَـيُدْخِـلَنَّ اللَّهُ بِشَفـاعَتِهِ الـجَنَّةَ أكْثَرَ مِنْ بنـي تـمِيـمِ، وكنَّا نـحدّث أن «الشهيد يشفع فـي سبعين من أهل بـيته».

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبـي الـملـيح، عن عوف بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ شفَـاعَتِـي لِـمَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتِـي لا يُشْرِكُ بـاللَّهِ شَيْئاً

و«مَن» فـي قوله: {إلاَّ مَنْ} فـي موضع نصب علـى الاستثناء، ولا يكون خفضاً بضمير اللام، ولكن قد يكون نصبـاً فـي الكلام فـي غير هذا الـموضع، وذلك كقول القائل: أردت الـمرور الـيوم إلا العدوّ، فإنـي لا أمر به، فـيستثنى العدوُ من الـمعنى، ولـيس ذلك كذلك فـي قوله: {لا يَـمْلِكُونَ الشَّفـاعَةَ إلاَّ مَنِ اتَّـخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً} لأن معنى الكلام: لا يـملك هؤلاء الكفـار إلا من آمن بـالله، فـالـمؤمنون لـيسوا من أعداد الكافرين، ومن نصبه علـى أن معناه إلا لـمن اتـخذ عند الرحمن عهدا، فإنه ينبغي أن يجعل قوله لا يـملكون الشفـاعة للـمتقـين، فـيكون معنى الكلام حينئذ يوم نـحشر الـمتقـين إلـى الرحمن وفداً، لا يـملكون الشفـاعة، إلا من اتـخذ عند الرحمن عهداً. فـيكون معناه عند ذلك: إلا لـمن اتـخذ عند الرحمن عهداً. فأما إذا جعل لا يـملكون الشفـاعة خبراً عن الـمـجرمين، فإن «من» تكون حينئذ نصبـاً علـى أنه استثناء منقطع، فـيكون معنى الكلام: لا يـملكون الشفـاعة، لكن من اتـخذ عند الرحمن عهداً يـملكه.

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۝٨٨ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا ۝٨٩ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا ۝٩٠

يقول تعالـى ذكره: وقال هؤلاء الكافرون بـالله {اتَّـخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُـمْ شَيْئاً إدّاً} يقول تعالـى ذكره للقائلـين ذلك من خـلقه: لقد جئتـم أيها الناس شيئاً عظيـماً من القول منكراً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثني علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {شَيْئاً إدّاً} يقول: قولاً عظيـماً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {لَقَدْ جِئْتُـمْ شَيْئاً إدّاً} يقول: لقد جئتـم شيئاً عظيـماً وهو الـمنكر من القول.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {شَيْئاً إدّاً} قال: عظيـماً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {شَيْئاً إدًّا} قال: عظيـماً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {لَقَدْ جِئْتُـمْ شَيْئاً إدًّا} قال: جئتـم شيئاً كبـيراً من الأمر حين دعوا للرحمن ولداً.

وفي الإدّ لغات ثلاث، يقال: لقد جئت شيئاً إدّاً، بكسر الألف، وأدّا بفتـح الألف، وأداً بفتح الألف، ومدّها، علـى مثال مادّ فـاعل. وقرأ قرّاء الأمصار، بكسر الألف وبها نقرأ، وقد ذكر عن أبـي عبد الرحمن السلـمي أنه قرأ ذلك بفتـح الألف، ولا أرى قراءته كذلك لـخلافها قراءة قرّاء الأمصار، والعرب تقول لكلّ أمر عظيـم: إدّ، وإمر، ونكر ومنه قوله الراجز:

قَدْ لَقِـيَ الأعْدَاءُ مِنِّـي نُكْرَادَاهِيَةٌ دَهْياءَ إدّا إمْرا

ومنه قول الآخر:

فِـي لَهَثٍ مِنْهُ وَحَثْلِ إدّا

وقوله: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} يقول تعالـى ذكره: تكاد السموات يتشَّقْقن قطعاً من قـيـلهم: {اتَّـخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً}، ومنه قـيـل: فَطَر نابُه: إذا انشقّ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَـخِرُّ الـجِبـالُ هَدّاً أنْ دَعُوْا للرَّحْمَنِ وَلَداً} قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والـجبـال، وجميع الـخلائق إلا الثقلـين، وكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان الـمشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الـموحِّدين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَقِّنُوا مَوْتاكُمْ شَهادَةَ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَها عِنْدَ مَوْتِهِ وَجَبَتْ لَهُ الـجَنَّةُ قالُوا: يا رسول الله، فمن قالها فـي صحته؟ قال: تلكَ أوْجَبُ وأوْجَبُ. ثم قال:وَالَّذِي نَفْسِي بـيَدِهِ لَوْ جِيءَ بـالسَّمَوَاتِ والأرَضِينَ وَما فـيهِنَّ وَما بَـيْنَهُنَّ وَما تَـحْتَهُنَّ، فَوُضِعْنَ فـي كِفَّةِ الـمِيزَانِ، وَوُضِعَتْ شَهادَةُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ فِـي الكِفَّةِ الأُخْرَى، لَرَجَحَتْ بِهِنّ

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَـخِرُّ الـجِبـالُ هَدًّا} ذُكر لنا أن كعبـاً كان يقول: غضبت الـملائكة، واستعرت جهنـم، حين قالوا ما قالوا.

وقوله: {وَتَنْشَقُّ الأرْضُ} يقول: وتكاد الأرض تنشقّ، فتنصدع من ذلك {وتَـخِرُّ الـجبـالُ هَدًّا} يقول: وتكاد الـجبـال يسقط بعضها علـى بعض سقوطاً. والهدّ: السقوط، وهو مصدر هددت، فأنا أهدّ هدًّا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وتَـخِرُّ الـجِبـالُ هَدًّا} يقول: هدما.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عبـاس: {وتَـخِرُّ الـجِبـالُ هَدًّا} قال: الهدّ: الانقضاض.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وتَـخِرُّ الـجِبـالُ هَدًّا} قال: غضبـاً لله. قال: ولقد دعا هؤلاء الذين جعلوا لله هذا الذي غضبت السموات والأرض والـجبـال من قولهم، لقد استتابهم ودعاهم إلـى التوبة، فقال:

{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ }قالوا: هو وصاحبته وابنه، جعلوها إلهين معه { وَما مِنْ إله إلاَّ إلهٌ وَاحِدٌ... }إلـى قوله: { وَيَسْتَغْفِرُنَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحيـمٌ }}.

أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا ۝٩١ وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ۝٩٢ إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَٰنِ عَبْدًا ۝٩٣

يقول تعالـى ذكره: وتكاد الـجبـال أن تـخرّ انقضاضاً، لأنْ دَعَوا للرحمن ولداً. فـ «أن» فـي موضع نصب فـي قول بعض أهل العربـية، لاتصالها بـالفعل، وفـي قول غيره فـي موضع خفض بضمير الـخافض وقد بـيَّنا الصواب من القول فـي ذلك فـي غير موضع من كتابنا هذا بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقال: {أنْ دَعَوْا للرَّحْمَنِ وَلَداً} يعنـي بقوله: {أنْ دَعَوْا}: أن جعلوا له ولدا، كما قال الشاعر:

ألا رُبَّ مَنْ تَدْعُو نَصِيحاً وَإنْ تَغِبْتَـجِدْهُ بغَيْبٍ غيرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ

وقال ابن أحمر:

أهْوَى لَهَا مِشْقَصاً حَشْراً فَشَبْرَقَهاوكنتُ أدْعُو قَذَاها الإئمِدَ القَرِدَا

وقوله: {وَما يَنْبَغِي للرَّحْمَنِ أنْ يَتَّـخِذَ وَلَداً} يقول: وما يصلـح لله أن يتـخذ ولداً، لأنه لـيس كالـخـلق الذين تغلبهم الشهوات، وتضطرهم اللذّات إلـى جماع الإناث، ولا ولد يحدث إلا من أنثى، والله يتعالـى عن أن يكون كخـلقه، وذلك كقول ابن أحمر:

فِـي رأسِ خَـلْقاءَ مِنْ عَنْقاءَ مُشْرِفَةٍما ينبغي دُونَها سَهْلٌ وَلا جَبَلُ

يعنـي: لا يصلـح ولا يكون.

{إنْ كُلّ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ إلاَّ آتـى الرَّحْمَنِ عَبْداً} يقول: ما جميع من فـي السموات من الـملائكة، وفـي الأرض من البشر والإنس والـجنّ {إلاَّ آتـى الرَّحْمَنِ عَبْداً} يقول: إلا يأتـي ربه يوم القـيامة عبداً له، ذلـيلاً خاضعاً، مقرّاً له بـالعبودية، لا نسب بـينه وبـينه. وقوله: {آتـى الرَّحْمَنِ} إنـما هو فـاعل من أتـيته، فأنا آتـيه.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ