انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة مريم

تفسير القرطبيالآيات 1–26

تفسير سورة مريم آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

كٓهيعٓصٓ ۝١ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ ۝٢ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّا ۝٣ قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا ۝٤ وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ۝٥

قوله تعالى: {كۤهيعۤصۤ } تقدّم الكلام في أوائل السور. وقال ابن عباس في {كۤهيعۤصۤ }: إن الكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق؛ ذكره ابن عزيز القشيري عن ابن عباس؛ معناه كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، يده فوق أيديهم، عالم بهم، صادق في وعده؛ ذكره الثعلبي عن الكلبي والسدي ومجاهد والضحاك. وقال الكلبي أيضاً: الكاف من كريم وكبير وكافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من رحيم، والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق؛ والمعنى واحد. وعن ابن عباس أيضاً: هو اسم من أسماء الله تعالى؛ وعن عليّ رضي الله عنه هو اسم الله عز وجل وكان يقول: يا كهيعص اغفر لي؛ ذكره الغزنوي. السدي: هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. قتادة: هو اسم من أسماء القرآن؛ ذكره عبد الرزاق عن مَعْمَر عنه. وقيل: هو اسم للسورة؛ وهو اختيار القشيري في أوائل الحروف؛ وعلى هذا قيل: تمام الكلام عند قوله: «كهيعص» كأنه إعلام باسم السورة، كما تقول: كتاب كذا أو باب كذا ثم تشرع في المقصود. وقرأ ابن جعفر هذه الحروف متقطعة، ووصلها الباقون، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الياء، وابن عامر وحمزة بالعكس، وأمالها جميعاً الكسائي وأبو بكر وخلف. وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة نافع وغيره. وفتحهما الباقون. وعن خارجة أن الحسن كان يضم كاف، وحكى غيره أنه كان يضم ها، وحكى إسماعيل بن إسحاق أنه كان يضم يا. قال أبو حاتم: ولا يجوز ضم الكاف ولا الهاء ولا الياء؛ قال النحاس: قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا، والإمالة جائزة في هَا ويَا. وأما قراءة الحسن فأشكلت على جماعة حتى قالوا: لا تجوز؛ منهم أبو حاتم. والقول فيها ما بيَّنه هارون القارىء؛ قال: كان الحسن يشم الرفع؛ فمعنى هذا أنه كان يومىء؛ كما حكى سيبويه أن من العرب من يقول: الصلاة والزكاة يومىء إلى الواو، ولهذا كتبتا في المصحف بالواو. وأظهر الدال من هجاء «صۤ» نافع وابن كثير وعاصم ويعقوب، وهو اختيار أبي عبيد؛ وأدغمها الباقون.

قوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ * إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً }.

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} في رفع «ذكر» ثلاثة أقوال؛ قال الفراء: هو مرفوع بـ«ـكهيعص»؛ قال الزجاج: هذا محال؛ لأن «كهيعص» ليس هو مما أنبأنا الله عز وجل به عن زكريا، وقد خبّر الله تعالى عنه وعن ما بشّر به، وليس «كهيعص» من قصته. وقال الأخفش: التقدير؛ فيما يقص عليكم ذكر رحمة ربك. والقول الثالث: أن المعنى هذا الذي يتلوه عليكم ذكر رحمة ربك. وقيل: «ذكر رحمة ربك» رفع بإضمار مبتدأ؛ أي هذا ذكر رحمة ربك؛ وقرأ الحسن: «ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّك» أي هذا المتلو من القرآن ذَكَّر رحمة ربك. وقرىء «ذَكِّرْ» على الأمر. «ورحمة» تكتب ويوقف عليها بالهاء، وكذلك كل ما كان مثلها، لا اختلاف فيها بين النحويين، واعتلوا في ذلك أن هذه الهاء لتأنيث الأسماء فرقاً بينها وبين الأفعال.

الثانية: قوله تعالى: {عَبْدَهُ} قال الأخفش: هو منصوب بـ«ـرحمة». «زكريا» بدل منه؛ كما تقول: هذا ذكر ضرب زيد عمراً؛ فعمراً منصوب بالضرب، كما أن «عبده» منصوب بالرحمة. وقيل: هو على التقديم والتأخير؛ معناه: ذِكر ربك عبده زكريا برحمة؛ فـ«ـعبده» منصوب بالذكر؛ ذكره الزجاج والفراء. وقرأ بعضهم «عَبْدُهُ زكرِيا» بالرفع؛ وهي قراءة أبي العالية. وقرأ يحيـى بن يعمر «ذَكَرَ» بالنصب على معنى هذا القرآن ذَكرَ رحمة عبده زكريا. وتقدمت اللغات والقراءة في «زكريا» في «آل عمران».

الثالثة: قوله تعالى: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } مثل قوله:

{ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ }[الأعراف: 55] وقد تقدّم. والنداء الدعاء والرغبة؛ أي ناجى ربه بذلك في محرابه. دليله قوله: { فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ }[آل عمران: 93] فبيّن أنه استجاب له في صلاته، كما نادى في الصلاة. واختلف في إخفائه هذا النداء؛ فقيل: أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند كبر السن؛ ولأنه أمر دنيوي، فإن أجيب فيه نال بغيته، وإن لم يجب لم يعرف بذلك أحد. وقيل: مخلصاً فيه لم يطلع عليه إلا الله تعالى. وقيل: لما كانت الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء أخفاه. وقيل: «خَفِيًّا» سِرًّا من قومه في جوف الليل؛ والكل محتمل والأوّل أظهر؛ والله أعلم. وقد تقدّم أن المستحب من الدعاء الإخفاء في سورة «الأعراف» وهذه الآية نص في ذلك؛ لأنه سبحانه أثنى بذلك على زكريا. وروى إسماعيل قال: حدّثنا مسدد قال: حدّثنا يحيـى بن سعيد عن أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن وهو ابن أبي كبشة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:إن خير الذكر الخفيّ وخير الرزق ما يكفيوهذا عام. قال يونس بن عبيد: كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه من غير رفع صوت، وتلا يونس {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً }. قال ابن العربي: وقد أسر مالك القنوت وجهر به الشافعي، والجهر به أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو به جهراً.

قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ} قرىء «وَهَنَ» بالحركات الثلاث أي ضعف. يقال: وهَنَ يَهِن وَهْنا إذا ضعف فهو واهنٌ. وقال أبو زيد يقال: وَهَن يَهِن ووَهِن يَوْهَن. وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته؛ ولأنه أشدّ ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن منه. ووحّده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام، وأشدّ ما تركّب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصد إلى معنى آخر، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها.

الثانية: قوله تعالى: {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} أدغم السين في الشين أبو عمرو. وهذا من أحسن الاستعارة في كلام العرب. والاشتعال انتشار شعاع النار؛ شبه به انتشار الشيب في الرأس؛ يقول: شخت وضعفت؛ وأضاف الاشتعال إلى مكان الشعر ومَنْبِته وهو الرأس. ولم يُضِف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا عليه السلام. «وشيباً» في نصبه وجهان: أحدهما: أنه مصدر لأن معنى اشتعل شاب؛ وهذا قول الأخفش. وقال الزجاج: وهو منصوب على التمييز. النحاس: قول الأخفش أولى لأنه مشتق من فعل فالمصدر أولى به. والشيب مخالطة الشعر الأبيض الأسود.

الثالثة: قال العلماء: يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نِعَم الله تعالى عليه وما يليق بالخضوع؛ لأن قوله تعالى: {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} إظهار للخضوع. وقوله: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته؛ أي لم أكن بدعائي إياك شقياً؛ أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك؛ أي إنك عودتني الإجابة فيما مضى. يقال: شقي بكذا أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده. وعن بعضهم أن محتاجاً سأله وقال: أنا الذي أحسنتَ إليه في وقت كذا؛ فقال: مرحباً بمن توسل بنا إلينا؛ وقضى حاجته.

قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} فيه سبع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ} قرأ عثمان بن عفان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين ويحيـى بن يعمر رضي الله تعالى عنهم «خَفَّتِ» بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء وسكون الياء من «الموالي» لأنه في موضع رفع «بخفت» ومعناه انقطعت أي بالموت. وقرأ الباقون «خِفْتُ» بكسر الخاء وسكون الفاء وضم التاء ونصب الياء من «الْمَوَالِيَ» لأنه في موضع نصب بـ«ـخفت». و«الموالي» هنا الأقارب وبنو العم والعصبة الذين يلونه في النسب. والعرب تسمي بني العم الموالي؛ قال الشاعر:

مَهْلاً بَنِي عمِّنَا مَهْلاً مَوَالِينَالا تَنْبُشُوا بَيْنَنَا ما كان مَدْفُونَا

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق أن يرثه غير الولد. وقالت طائفة: إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب ولياً يقوم بالدين بعده؛ حكى هذا القول الزجاج؛ وعليه فلم يسل من يرث ماله؛ لأن الأنبياء لا تُورَث. وهذا هو الصحيح من القولين في تأويل الآية، وأنه عليه الصلاة والسلام أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقةوفي كتاب أبي داود:إن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ورَّثُوا العلم. وسيأتي في هذا مزيد بيان عند قوله:يرثني».

الثانية: هذا الحديث يدخل في التفسير المسند؛ لقوله تعالى:

{ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ }[النمل: 16] وعبارة عن قول زكريا: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} وتخصيص للعموم في ذلك، وأن سليمان لم يرث من داود مالاً خلّفه داود بعده؛ وإنما ورث منه الحكمة والعلم، وكذلك ورث يحيـى من آل يعقوب؛ هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض، وإلا ما روي عن الحسن أنه قال:يرثنيمالاًويرث من آل يعقوبالنبوّة والحكمة؛ وكل قول يخالف قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فهو مدفوع مهجور؛ قاله أبو عمر. قال ابن عطية: والأكثر من المفسرين على أن زكريا إنما أراد وراثة المال؛ ويحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم:إنا معشر الأنبياء لا نورثألا يريد به العموم، بل على أنه غالب أمرهم؛ فتأمله. والأظهر الأليق بزكريا عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين، فتكون الوراثة مستعارة. ألا ترى أنه لما طلب ولياً ولم يخصص ولداً بلّغه الله تعالى أمله على أكمل الوجوه. وقال أبو صالح وغيره: قوله «من آل يعقوب» يريد العلم والنبوة.

الثالثة: قوله تعالى: {مِن وَرَآئِي} قرأ ابن كثير بالمدّ والهمز وفتح الياء. وعنه أنه قرأ أيضاً مقصوراً مفتوح الياء مثل عصايَ. الباقون بالهمز والمدّ وسكون الياء. والقراء على قراءة «خِفت» مثل نِمت إلا ما ذكرنا عن عثمان. وهي قراءة شاذة بعيدة جداً؛ حتى زعم بعض العلماء أنها لا تجوز. قال كيف يقول: خَفَّتِ الموالي مِن بعدِي أي من بعد موتي وهو حيّ؟!. النحاس: والتأويل لها ألا يعني بقوله: «مِنْ وَرَائِي» أي من بعد موتي، ولكن من ورائي في ذلك الوقت؛ وهذا أيضاً بعيد يحتاج إلى دليل أنهم خفّوا في ذلك الوقت وقلّوا، وقد أخبر الله تعالى بما يدل على الكثرة حين قالوا: «أيهم يكفل مريم». ابن عطية: «من ورائي» من بعدي في الزمن، فهو الوراء على ما تقدّم في «الكهف.»

الرابعة: قوله تعالى: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} امرأته هي إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل، وهي أخت حنة بنت فاقوذا؛ قاله الطبريّ. وحنة هي أم مريم حسب ما تقدم في «آل عمران» بيانه. وقال القتبي: امرأة زكريا هي إيشاع بنت عمران، فعلى هذا القول يكون يحيـى ابن خالة عيسى عليهما السلام على الحقيقة. وعلى القول الآخر يكون ابن خالة أمه. وفي حديث الإسراء قال عليه الصلاة والسلام:

فلقيت ابني الخالة يحيـى وعيسىشاهدا للقول الأوّل. والله أعلم. والعاقر التي لا تلد لكبر سنها؛ وقد مضى بيانه في «آل عمران». والعاقر من النساء أيضاً التي لا تلد من غير كبر. ومنه قوله تعالى: { وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً }[الشورى: 50]. وكذلك العاقر من الرجال؛ ومنه قول عامر بن الطفيل:

لبئس الفتى إنْ كنتُ أعورَ عاقراًجبانا فما عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ

الخامسة: قوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} سؤال ودعاء. ولم يصرح بولد لما علم من حاله وبعده عنه بسبب المرأة. قال قتادة: جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع وسبعين سنة. مقاتل: خمس وتسعين سنة؛ وهو أشبه؛ فقد كان غلب على ظنه أنه لا يولد له لكبره؛ ولذلك قال: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}. وقالت طائفة: بل طلب الولد، ثم طلب أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه، تحفظا من أن تقع الإجابة في الولد ولكن يُخْتَرم، ولا يتحصل منه الغرض.

السادسة: قال العلماء: دعاء زكريا عليه السلام في الولد إنما كان لإظهار دينه، وإحياء نبوّته، ومضاعفة لأجره لا للدنيا، وكان ربه قد عوّده الإجابة، ولذلك قال: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً}، أي بدعائي إياك. وهذه وسيلة حسنة؛ أن يتَشفَّع إليه بنعمه، ويستدر فضله بفضله؛ يروى أن حاتم الجود لقيه رجل فسأله؛ فقال له حاتم: من أنت؟ قال: أنا الذي أحسنتَ إليه عام أول؛ فقال: مرحباً بمن تَشفَّع إلينا بنا. فإن قيل: كيف أقدم زكريا على مسألة ما يخرق العادة دون إذن؟ فالجواب أن ذلك جائز في زمان الأنبياء. وفي القرآن ما يكشف عن هذا المعنى؛ فإنه تعالى قال:

{ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }[آل عمران: 37] فلما رأى خارق العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته؛ فقال تعالى: { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً }[آل عمران: 38] الآية.

السابعة: إن قال قائل: هذه الآية تدل على جواز الدعاء بالولد، والله سبحانه وتعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد، ونبه على المفاسد الناشئة من ذلك؛ فقال:

{ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ }[التغابن: 15]. { إِنَّ مِنْ أزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحذَرُوهُمْ }[التغابن: 14]. فالجواب أن الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة حسب ما تقدّم في «آل عمران» بيانه. ثم إن زكريا عليه السلام تحرز فقال: {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} وقال: {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}. والولد إذا كان بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة، وخرج من حدّ العداوة والفتنة إلى حدّ المسرة والنعمة. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس خادمه فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته»فدعا له بالبركة تحرزاً مما يؤدّي إليه الإكثار من الهلكة. وهكذا فليتضرع العبد إلى مولاه في هداية ولده، ونجاته في أولاه وأخراه اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء الأولياء؛ وقد تقدم في «آل عمران» بيانه.

يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ۝٦

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: «يَرِثُنِي» قرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة «يَرِثُنِي وَيَرِثُ» بالرفع فيهما. وقرأ يحيـى بن يعمر وأبو عمرو ويحيـى بن وثاب والأعمش والكسائيّ بالجزم فيهما، وليس هما جواب «هب» على مذهب سيبويه، إنما تقديره إن تهبه يرثني ويرث؛ والأوّل أصوب في المعنى لأنه طلب وارثاً موصوفاً؛ أي هب لي من لدنك الولي الذي هذه حاله وصفته، لأن الأولياء منهم من لا يرث؛ فقال: هب لي الذي يكون وارثي؛ قاله أبو عبيد؛ ورد قراءة الجزم؛ قال: لأن معناه إن وهبت ورث، وكيف يخبر الله عز جل بهذا وهو أعلم به منه؟! النحاس: وهذه حجة متقصاة؛ لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة؛ تقول: أطع الله يدخلك الجنة؛ أي إن تطعه يدخلك الجنة.

الثانية: قال النحاس: فأما معنى {يرثني ويرث من آل يعقوب} فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة؛ قيل: هي وراثة نبوّة. وقيل: هي وراثة حكمة. وقيل: هي وراثة مال. فأما قولهم وراثة نبوّة فمحال؛ لأن النبوّة لا تورث، ولو كانت تورث لقال قائل: الناس ينتبسون إلى نوح عليه السلام وهو نبيّ مرسل. ووراثة العلم والحكمة مذهب حسن؛ وفي الحديث

العلماء ورثة الأنبياء. وأما وراثة المال فلا يمتنع، وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم:لا نورث ما تركنا صدقةفهذا لا حجة فيه؛ لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجمع. وقد يُؤوَّل هذا بمعنى؛ لا نُورث الذي تركنا صدقة؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يخلّف شيئاً يورث عنه؛ وإنما كان الذي أباحه الله عز وجل إياه في حياته بقوله تبارك اسمه: { وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ }[الأنفال: 41] لأن معنى «لله» لسبيل الله، ومن سبيل الله ما يكون في مصلحة الرسول صلى الله عليه وسلم ما دام حياً؛ فإن قيل: في بعض الروايات «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» ففيه التأويلان جميعاً؛ أن يكون «ما» بمعنى الذي. والآخر لا يورث من كانت هذه حاله. وقال أبو عمر: واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام:لا نورث ما تركنا صدقةعلى قولين: أحدهما: وهو الأكثر وعليه الجمهور ـ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يورث وما ترك صدقة. والآخر: أن نبينا عليه الصلاة والسلام لم يُورَث؛ لأن الله تعالى خصه بأن جعل ماله كله صدقة زيادة في فضيلته، كما خُصَّ في النكاح بأشياء أباحها له وحرمها على غيره؛ وهذا القول قاله بعض أهل البصرة منهم ابن عُلَية، وسائر علماء المسلمين على القول الأوّل.

الثالثة: قوله تعالى: {مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قيل: هو يعقوب إسرائيل، وكان زكريا متزوجاً بأخت مريم بنت عمران، ويرجع نسبها إلى يعقوب؛ لأنها من ولد سليمان بن داود وهو من ولد يهوذا بن يعقوب، وزكريا من ولد هارون أخي موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب، وكانت النبوّة في سبط يعقوب بن إسحاق. وقيل: المعنيُّ بيعقوب هاهنا يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان أبي مريم أخوان من نسل سليمان بن داود عليهما السلام؛ لأن يعقوب وعمران ابنا ماثان، وبنو ماثان رؤساء بني إسرائيل؛ قاله مقاتل وغيره. وقال الكلبي: وكان آل يعقوب أخواله، وهو يعقوب بن ماثان، وكان فيهم الملك، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى. وروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

يرحم الله ـ تعالى ـ زكريا ما كان عليه من ورثته. ولم ينصرف يعقوب لأنه أعجمي.

الرابعة: قوله تعالى: {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} أي مرضياً في أخلاقه وأفعاله. وقيل: راضياً بقضائك وقدرك. وقيل: رجلاً صالحاً ترضى عنه. وقال أبو صالح: نبياً كما جعلت أباه نبياً.

يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ۝٧ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا ۝٨ قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا ۝٩ قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ۝١٠

في الكلام حذف؛ أي فاستجاب الله دعاءه فقال: {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} فتضمنت هذه البشرى ثلاثة أشياء: أحدها: إجابة دعائه وهي كرامة. الثاني: إعطاؤه الولد وهو قوة. الثالث: أن يفرد بتسميته؛ وقد تقدّم معنى تسميته بيحيى في «آل عمران». وقال مقاتل: سماه يحيـى لأنه حَيِي بين أب شيخ وأم عجوز؛ وهذا فيه نظر؛ لما تقدم من أن امرأته كانت عقيماً لا تلد. والله أعلم.

قوله تعالى: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي لم نسمّ أحداً قبل يحيـى بهذا الاسم؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن أسلم والسدي. ومَنَّ عليه تعالى بأن لم يَكِل تسميته إلى الأبوين. وقال مجاهد وغيره: {سَمِيّاً } معناه مثلاً ونظيراً، وهو مثل قوله تعالى:

{ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } [مريم: 65] معناه مثلاً ونظيراً وهذا كأنه من المساماة والسموّ؛ وهذا فيه بعد؛ لأنه لا يفضّل على إبراهيم وموسى؛ اللهم إلا أن يفضّل في خاص كالسؤدد والحصر حسب ما تقدّم بيانه «في آل عمران». وقال ابن عباس أيضاً: معناه لم تلد العواقر مثله ولداً. وقيل: إن الله تعالى اشترط القَبْل، لأنه أراد أن يخلق بعده أفضل منه وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الآية دليل وشاهد على أن الأسامي السُّنُع جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه وأنزه عن النبز حتى قال قائل:

سُنُعُ الأسَامِي مُسْبِلِي أُزُرحُمْرٍ تَمَسُّ الأرضَ بالهُدبِ

وقال رؤبة للنسابة البكري وقد سأله عن نسبه: أنا ابن العَجَّاج؛ فقال: قَصَّرتَ وعَرَّفتَ.

قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} ليس على معنى الإنكار لما أخبر الله تعالى به، بل على سبيل التعجب من قدرة الله تعالى أن يخرج ولداً من امرأة عاقر وشيخ كبير. وقيل: غير هذا مما تقدّم في «آل عمران» بيانه. {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} يعني النهاية في الكبر واليبس والجفاف؛ ومثله العُسِي؛ قال الأصمعيّ: عَسَا الشيءُ يَعسُ عُسوًّا وعَسَاء ممدود أي يَبِس وصَلُب، وقد عسا الشيخُ يَعسو عُسِيّا وَلَّى وكَبِرَ مثل عَتَا؛ يقال: عَتَا الشيخُ يَعتو عُتياً وعِتيًّا كبر وولّى، وعتوت يا فلان تعتو عتواً وعتِياً. والأصل عتوّ لأنه من ذوات الواو، فأبدلوا من الواو ياء؛ لأنها أختها وهي أخفّ منها، والآيات على الياءات، ومن قال: «عِتِيًّا» كره الضمة مع الكسرة والياء؛ وقال الشاعر:

إنما يُعذَرُ الوليدُ ولا يُعْــذَرُمن كان في الزّمان عِتِيَّا

وقرأ ابن عباس «عُسِيًّا» وهو كذلك في مصحف أبيّ. وقرأ يحيـى بن وثاب وحمزة والكسائي وحفص «عِتِيا» بكسر العين وكذلك «جِثيا» و«صِلِيا» حيث كن. وضم حفص «بُكِيًّا» خاصة، وكذلك الباقون في الجميع، وهما لغتان. وقيل: «عِتيا» قَسِيّا؛ يقال: ملك عاتٍ إذا كان قاسي القلب.

قوله تعالى: {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي قال له الملَك «كذلك قال ربك» والكاف في موضع رفع؛ أي الأمر كذلك؛ أي كما قيل لك: «هو عليّ هين». قال الفراء: خَلْقه عليّ هيِّن. {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ} أي من قبل يحيـى. وهذه قراءة أهل المدينة والبصرة وعاصم. وقرأ سائر الكوفيين «وَقَدْ خَلَقْنَاكَ». بنون وألف بالجمع على التعظيم. والقراءة الأولى أشبه بالسواد. {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} أي كما خلقك الله تعالى بعد العدم ولم تك شيئاً موجوداً، فهو القادر على خلق يحيـى وإيجاده.

قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً} طلب آية على حملها بعد بشارة الملائكة إياه، وبعد قول الله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} زيادة طمأنينة؛ أي تمم النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة. وقيل: طلب آية تدله على أن البشرى منه بيحيـى لا من الشيطان؛ لأن إبليس أوهمه ذلك. قاله الضحاك وهو معنى قول السدي؛ وهذا فيه نظر لإخبار الله تعالى بأن الملائكة نادته حسب ما تقدّم في «آل عمران» {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} تقدّم في «آل عمران» بيانه فلا معنى للإعادة.

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ۝١١ يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا ۝١٢ وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً وَكَانَ تَقِيًّا ۝١٣ وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا ۝١٤ وَسَلَٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ۝١٥

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ} أي أشرف عليهم من المصلى. والمحراب أرفع المواضع، وأشرف المجالس، وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض، دليله محراب داود عليه السلام على ما يأتي. واختلف الناس في اشتقاقه؛ فقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات. وقالت فرقة: هو مأخوذ من الحَرَب (بفتح الراء) كأن ملازمه يلقى منه حرباً وتعباً ونصباً.

الثانية: هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعاً عندهم في صلاتهم. وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار، فأجاز ذلك الإمام أحمد بن حنبل وغيره متمسكاً بقصة المنبر. ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، وعَلَّل أصحابه المنع بخوف الكبْر على الإمام.

قلت: وهذا فيه نظر؛ وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام أن حذيفة أَمَّ الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا ـ أو ـ يُنهَى عن ذلكٰ قال: بلى؛ قد ذكرت حين مددتني. وروي أيضاً عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: حدّثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن، فأقيمت الصلاة فتقدّم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه، فتقدّم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إذا أَمَّ الرجلُ القوم فلا يقم في مكان أرفعَ من مقامهمأو نحو ذلك؛ فقال عمّار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي.

قلت: فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر فدل على أنه منسوخ. ومما يدل على نسخه أن فيه عملاً زائداً في الصلاة، وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام. وهذا أولى مما اعتذر به أصحابنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوماً من الكِبْر؛ لأن كثيراً من الأئمة يوجد لا كِبْر عندهم. ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيراً؛ والله أعلم.

الثالثة قوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} قال الكلبي وقتادة وابن منبه: أوحى إليهم أشار. القتبي: أومأ. مجاهد: كتب على الأرض. عكرمة: كتب في كتاب. والوحي في كلام العرب الكتابة؛ ومنه قول ذي الرُّمة:

سوى الأربع الدُّهْم اللواتي كأنَّهابَقِيَّةُ وَحْيٍ في بُطونِ الصَّحَائِف

وقال عَنْترة:

كوحي صحائفٍ من عهد كسرىفأهداها لأعجم طِمْطِمِيِّ

و«بكرة وعشيا» ظرفان. وزعم الفراء أن العشي يؤنث ويجوز تذكيره إذا أبهمتَ؛ قال: وقد يكون العشيّ جمع عشية.

الرابعة: قد تقدّم الحكم في الإشارة في «آل عمران». واختلف علماؤنا فيمن حلف ألا يكلم إنساناً فكتب إليه كتاباً، أو أرسل إليه رسولاً؛ فقال مالك: إنه يحنث إلا أن ينوي مشافهته، ثم رجع فقال: لا ينوي في الكتاب ويحنث إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله. قال ابن القاسم: إذا قرأ كتابه حنث، وكذلك لو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه. وقال أشهب: لا يحنث إذا قرأه الحالف؛ وهذا بيّن؛ لأنه لم يكلمه ولا ابتدأه بكلام، إلا أن يريد ألا يعلم معنى كلامه فإنه يحنث وعليه يخرج قول ابن القاسم. فإن حلف ليكلمنه لم يبرّ إلا بمشافهته؛ وقال ابن الماجشون: وإن حلف لئن علم كذا ليُعلِمنّه أو ليُخبِرنّه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولاً بَرَّ، ولو علماه جميعاً لم يبر، حتى يُعلِمه لأن علمهما مختلف.

الخامسة: واتفق مالك والشافعي والكوفيون أن الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه؛ قال الكوفيون: إلا أن يكون رجل أصمِت أياماً فكتب لم يجز من ذلك شيء. قال الطحاوي: الخرس مخالف للصمت العارض، كما أن العجز عن الجماع العارض لمرض ونحوه يوماً أو نحوه مخالف للعجز المأيوس منه الجماع، نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة.

قوله تعالى: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} في الكلام حذف؛ المعنى فولد له ولد وقال الله تعالى للمولود: {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}. وهذا اختصار يدل الكلام عليه. و«الكتاب» التوراة بلا خلاف. «بقوّة» أي بجد واجتهاد؛ قاله مجاهد. وقيل: العلم به، والحفظ له والعمل به، وهو الالتزام لأوامره، والكفّ عن نواهيه؛ قاله زيد بن أسلم؛ وقد تقدّم في «البقرة». قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} قيل: الأحكام والمعرفة بها. وروى مَعْمَر أن الصبيان قالوا ليحيـى: اذهب بنا نلعب؛ فقال: ما للعب خلقت. فأنزل الله تعالى «وآتيناه الحكم صبِيا». وقال قتادة: كان ابن سنتين أو ثلاث سنين. وقال مقاتل: كان ابن ثلاث سنين. و«صبيا» نصب على الحال. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا. وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذَنْب إلا ما كان من يحيـى بن زكريا. وقال قتادة: إن يحيـى عليه السلام لم يعص الله تعالى قط بصغيرة ولا كبيرة ولا هَمَّ بامرأة. وقال مجاهد: وكان طعام يحيـى عليه السلام العشب، وكان للدمع في خدّيه مجار ثابتة. وقد مضى الكلام في معنى قوله: { وَسَيِّداً وَحَصُوراً }[آل عمران: 39] في «آل عمران».

قوله تعالى: {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا} «حنانا» عطف على «الحكم». وروي عن ابن عباس أنه قال: والله ما أدري ما «الحنان»؟. وقال جمهور المفسرين: الحنان الشفقة والرحمة والمحبة؛ وهو فعل من أفعال النفس. النحاس: وفي معنى الحنان عن ابن عباس قولان: أحدهما: قال: تعطّف الله عز وجل عليه بالرحمة. والقول الآخر ما أعطيه من رحمة الناس حتى يخلصهم من الكفر والشرك. وأصله من حنين الناقة على ولدها. ويقال: حنانك وحنانيك؛ قيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل: حنانيك تثنية الحنان. وقال أبو عبيدة: والعرب تقول: حنانك يا رب وحنانيك يا رب بمعنى واحد؛ تريد رحمتك. وقال امرؤ القيس:

ويَمْنَحُها بَنُو شَمَجَى بن جَرْمٍمَعِيزَهُمُ حَنَانكَ ذا الحَنانِ

وقال طرفة:

أبا مُنْذِرٍ أفنيتَ فاستبقِ بَعضَنَاحَنَانَيْكَ بعضُ الشَّرِّ أهونُ مِنْ بَعْضِ

وقال الزمخشري: «حنانا» رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفاً وشفقة؛ وأنشد سيبويه:

فقالتْ حَنَانٌ ما أَتَى بكَ هَاهُنَاأَذُو نَسَبٍ أَمْ أنت بالحيِّ عارفُ

قال ابن الأعرابي: الحنّان من صفة الله تعالى مشدداً الرحيم. والحنَان مخفف: العطف والرحمة. والحنان: الرزق والبركة. ابن عطية: والحنان في كلام العرب أيضاً ما عظم من الأمور في ذات الله تعالى؛ ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيل في حديث بلال: والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حَنَانا؛ وذكر هذا الخبر الهرويّ؛ فقال: وفي حديث بلال ومر عليه ورقة بن نوفل وهو يعذَّب فقال: والله لئن قتلتموه لأتخذنه حَنَانا؛ أي لأتمسحنّ به. وقال الأزهري: معناه لأتعطفن عليه ولأترحمن عليه لأنه من أهل الجنة.

قلت: فالحنان العطف، وكذا قال مجاهد. و«حنانا» أي تعطفاً منا عليه أو منه على الخلق؛ قال الحطيئة:

تَحنَّنْ عليَّ هَدَاكَ الملِيكُفإنّ لكلِّ مقامٍ مَقَالاَ

عكرمة: محبة. وحَنَّة الرجل امرأته لتوادهما؛ قال الشاعر:

فقالتْ حنانٌ ما أَتَى بكَ هاهناأذو نسبٍ أم أنتَ بالحيّ عارفُ

قوله تعالى: {وَزَكَاةً} «الزكاة» التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير والبر؛ أي جعلناه مباركاً للناس يهديهم. وقيل: المعنى زكيناه بحسن الثناء عليه كما تزكي الشهود إنسانا. وقيل: «زكاة» صدقة به على أبويه؛ قاله ابن قتيبة. {وَكَانَ تَقِيّاً} أي مطيعاً لله تعالى، ولهذا لم يعمل خطيئة ولم يُلمَّ بها.

قوله تعالى: {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ} البر بمعنى البار وهو الكثير البرّ. و{جَبَّاراً} متكبراً. وهذا وصف ليحيـى عليه السلام بلين الجانب وخفض الجناح.

قوله تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} قال الطبري وغيره: معناه أمان. ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنبه من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله تعالى عليه، وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول.

قلت: وهذا قول حسن، وقد ذكرنا معناه عن سفيان بن عيينة في سورة «سبحان» عند قتل يحيـى. وذكر الطبري عن الحسن أن عيسى ويحيـى التقيا ـ وهما ابنا الخالة ـ فقال يحيـى لعيسى: ادع الله لي فأنت خير مني؛ فقال له عيسى: بل أنت ادع الله لي فأنت خير مني؛ سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي؛ فانتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى؛ بأن قال: إدلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه. قال ابن عطية: ولكل وجه.

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ۝١٦ فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ۝١٧ قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ۝١٨ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمًا زَكِيًّا ۝١٩ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ۝٢٠ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُۥٓ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ۝٢١ فَحَمَلَتْهُ فَٱنتَبَذَتْ بِهِۦ مَكَانًا قَصِيًّا ۝٢٢ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ۝٢٣ فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ۝٢٤ وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ۝٢٥ فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا ۝٢٦

قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ} القصة إلى آخرها. هذا ابتداء قصة ليست من الأولى. والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ أي عرَّفهم قصتها ليعرفوا كمال قدرتنا. {إِذِ ٱنتَبَذَتْ} أي تنحت وتباعدت. والنبذ الطرح والرمي؛ قال الله تعالى:

{ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ }[آل عمران: 187]. {مِنْ أَهْلِهَا} أي ممن كان معها. و«إذ» بدل من «مريم» بدل اشتمال؛ لأن الأحيان مشتملة على ما فيها. والانتباذ الاعتزال والانفراد. واختلف الناس لم انتبذت؛ فقال السدي: انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس. وقال غيره: لتعبد الله؛ وهذا حسن. وذلك أن مريم عليها السلام كانت وقفاً على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه، فتنحت من الناس لذلك، ودخلت في المسجد إلى جانب المحراب في شرقيه لتخلو للعبادة، فدخل عليها جبريل عليه السلام. فقوله: {مَكَاناً شَرْقِياً} أي مكاناً من جانب الشرق. والشَّرْق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس. والشَّرَق بفتح الراء الشمس. وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلع الأنوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها؛ حكاه الطبري. وحكي عن ابن عباس أنه قال: إني لأعلم الناسِ لم اتخذ النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله عز وجل: {إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} فاتخذوا ميلاد عيسى عليه السلام قبلة؛ وقالوا: لو كان شيء من الأرض خيراً من المشرق لوضعت مريم عيسى عليه السلام فيه. واختلف الناس في نبوّة مريم؛ فقيل؛ كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملَك. وقيل: لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر، ورؤيتها للملك كما رؤي جبريل في صفة دِحْية الكلبي حين سؤاله عن الإيمان والإسلام. والأول أظهر. وقد مضى الكلام في هذا المعنى مستوفى في «آل عمران» والحمد لله.

قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} قيل: هو روح عيسى عليه السلام؛ لأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، فركب الروح في جسد عيسى عليه السلام الذي خلقه في بطنها. وقيل: هو جبريل وأضيف الروح إلى الله تعالى تخصيصاً وكرامة. والظاهر أنه جبريل عليه السلام؛ لقوله: {فَتَمَثَّلَ لَهَا} أي تمثل الملك لها. {بَشَراً} تفسير أو حال. {سَوِيّاً } أي مستوي الخلقة؛ لأنها لم تكن لتطيق أو تنظر جبريل في صورته. ولما رأت رجلاً حسن الصورة في صورة البشر قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء فـ{ـقَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} أي ممن يتقي الله. البِكَاليّ: فنكص جبريل عليه السلام فزعاً من ذكر الرحمن تبارك وتعالى. الثعلبيّ: كان رجلاً صالحاً فتعوذت به تعجباً. وقيل: تقي فعيل بمعنى مفعول أي كنت ممن يُتَّقى منه. وفي البخاري قال أبو وائل: علمت مريم أن التقيّ ذو نُهْيةٍ حين قالت: «إن كنت تقيا». وقيل: تقي اسم فاجر معروف في ذلك الوقت؛ قاله وهب بن منبه؛ حكاه مكي وغيره. ابن عطية: وهو ضعيف ذاهب مع التخرص. فقال لها جبريل عليه السلام: {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله. وقرأ ورش عن نافع «لِيهَبَ لَكِ» على معنى أرسلني الله ليهب لك. وقيل: معنى «لأهب» بالهمز محمول على المعنى؛ أي قال: أرسلته لأهب لك. ويحتمل «ليهب» بلا همز أن يكون بمعنى المهموز ثم خففت الهمزة. فلما سمعت مريم ذلك من قوله استفهمت عن طريقه فـ{قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} أي بنكاح. {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} أي زانية. وذكرت هذا تأكيداً؛ لأن قولها لم يمسسني بشر يشمل الحلال والحرام. وقيل: ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئاً ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد؟ من قبل الزوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء؟ وروي أن جبريل عليه السلام حين قال لها هذه المقالة نفخ في جيب درعها وكمها؛ قاله ابن جريج. ابن عباس: أخذ جبريل عليه السلام رُدن قميصها بإصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى. قال الطبري: وزعمت النصارى أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياماً، وأن مريم بقيت بعد رفعه ست سنين، فكان جميع عمرها نيفاً وخمسين سنة. وقوله: {وَلِنَجْعَلَهُ} متعلق بمحذوف؛ أي ونخلقه لنجعله: {آيَةً} دلالة على قدرتنا عجيبة {وَرَحْمَةً} أي لمن آمن به {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} مقدراً في اللوح مسطوراً.

قوله تعالى: {فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد؛ قال ابن عباس: إلى أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم بينه وبين إيلياء أربعة أميال؛ وإنما بعدت فراراً من تعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج. قال ابن عباس: ما هو إلا أن حملت فوضعت في الحال وهذا هو الظاهر؛ لأن الله تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل. وقيل: غير ذلك على ما يأتي.

قوله تعالى: {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} «أجاءَهَا» بمعنى اضطرها؛ وهو تعدية جاء بالهمز. يقال: جاء به وأجاءه إلى موضع كذا، كما يقال: ذهب به وأذهبه. وقرأ شبيل ورويت عن عاصم «فاجأها» من المفاجأة. وفي مصحف أبيّ «فلما أجاءها المخاض». وقال زهير:

وَجَارٍ سَار معتمداً إلينَاأَجاءَتْهُ المخافَةُ والرَّجاءُ

وقرأ الجمهور «المخَاضُ» بفتح الميم. وابن كثير فيما روي عنه بكسرها وهو الطلق وشدّة الولادة وأوجاعها. مَخِضت المرأة تَمخَض مَخَاضاً ومِخَاضاً. وناقة ماخض أي دنا ولادها. «إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ» كأنها طلبت شيئاً تستند إليه وتتعلق به، كما تتعلق الحامل لشدّة وجع الطلق. والجذع ساق النخلة اليابسة في الصحراء الذي لا سعف عليه ولا غصن؛ ولهذا لم يقل إلى النخلة. {قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} تمنت مريم عليها السلام الموت من جهة الدين لوجهين: أحدهما: أنها خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك. الثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى وذلك مهلك. وعلى هذا الحدّ يكون تمني الموت جائزاً، وقد مضى هذا المعنى مبيناً في سورة «يوسف» عليه السلام. والحمد لله.

قلت: وقد سمعتُ أن مريم عليها السلام سمعت نداء من يقول: اخرج يا من يُعبَد من دون الله فحزنت لذلك، و{قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً}. النِّسي في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل للمسافر ونحوه. وحكي عن العرب أنهم إذا أرادوا الرحيل عن منزل قالوا: احفظوا أنساءكم؛ الأنساء جمع نِسي وهو الشيء الحقير يغفل فينسى. ومنه قول الكميت رضي الله تعالى عنه:

أتجعلنا جِسْراً لكلبٍ قُضَاعةٌولستُ بِنسْيٍ في مَعَدٍّ ولا دَخل

وقال الفراء: النّسي ما تلقيه المرأة من خِرَق اعتلالها؛ فقول مريم: «نسيا منسيا» أي حيضة ملقاة. وقرىء «نَسْياً» بفتح النون وهما لغتان مثل الحِجْر والحَجْر والوِتْر والوَتْر. وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز «نِسْئاً» بكسر النون. وقرأ نوف البِكَاليّ «نَسْئاً» بفتح النون من نسأ الله تعالى في أجله أي أخره. وحكاها أبو الفتح والدَّاني عن محمد بن كعب. وقرأ بكر بن حبيب «نَسًّا» بتشديد السين وفتح النون دون همز. وقد حكى الطبري في قصصها أنها لما حملت بعيسى عليه السلام حملت أيضاً أختها بيحيـى، فجاءتها أختها زائرة فقالت: يا مريم أشعرت أنت أني حملت؟ فقالت لها: وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك؛ فذلك أنه روي أنها أحست بجنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم؛ قال السدي فذلك قوله: { مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ }[آل عمران: 39]. وذكر أيضاً من قصصها أنها خرجت فارّة مع رجل من بني إسرائيل يقال له يوسف النجار، كان يخدم معها في المسجد وطوّل في ذلك. قال الكلبي: قيل ليوسف ـ وكانت سميت له أنها حملت من الزنى ـ فالآن يقتلها الملك، فهرب بها، فهمَّ في الطريق بقتلها، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: إنه من روح القدس؛ قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف. وهذه القصة تقتضي أنها حملت، واستمرّت حاملاً على عرف النساء، وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر. قاله عكرمة؛ ولذلك قيل: لا يعيش ابن ثمانية أشهر حفظاً لخاصة عيسى. وقيل: ولدته لتسعة. وقيل: لستة. وما ذكرناه عن ابن عباس أصح وأظهر. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ} قرىء بفتح الميم وكسرها. قال ابن عباس: المراد بـ«ـمن» جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها؛ وقاله علقمة والضحاك وقتادة؛ ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله تعالى فيها مراد عظيم. وقوله: {أَلاَّ تَحْزَنِي} تفسير النداء، «وأَنْ» مفسرّة بمعنى أي؛ المعنى: فلا تحزني بولادتك. {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} يعني عيسى. والسريّ من الرجال العظيم الخصال السيّد. قال الحسن: كان والله سريّا من الرجال. ويقال: سَرِي فلان على فلان أي تكرم. وفلان سريٌّ من قوم سَرَاة. وقال الجمهور: أشار لها إلى الجدول الذي كان قريب جذع النخلة. قال ابن عباس: كان ذلك نهراً قد انقطع ماؤه فأجراه الله تعالى لمريم. والنهر يسمى سَرِيًّا كأنَّ الماء يسري فيه؛ قال الشاعر:

سَلْمٌ تَرَى الدَّالِيَّ منه أَزْوَرَاإذا يَعُبُّ في السَّرِيِّ هَرْهَرَا

وقال لبيد:

فَتَوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَامَسْجُورَةً مُتَجَاوِراً قُلاَّمُهَا

وقيل: ناداها عيسى، وكان ذلك معجزة وآية وتسكيناً لقلبها؛ والأول أظهر. وقرأ ابن عباس «فَنَاداها ملك مِن تحتِها» قالوا: وكان جبريل عليه السلام في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت هي عليها.

قوله تعالى: {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً. فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَهُزِّىۤ} أمرها بهزّ الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع. والباء في قوله: «بجذع» زائدة مؤكدة كما يقال: خذ بالزمام، وأعط بيدك؛ قال الله تعالى:

{ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ }[الحج: 15] أي فليمدد سبباً. وقيل: المعنى؛ وهزي إليك رطباً على جذع النخلة. و{تَسَّاقَطْ} أي تتساقط فأدغم التاء في السين. وقرأ حمزة «تَسَاقَطْ» مخففاً فحذف التي أدغمها غيره. وقرأ عاصم في رواية حفص «تُسَاقِطْ» بضم التاء مخففاً وكسر القاف. وقرىء «تَتَسَاقَطْ» بإظهار التاءين و«يَسَّاقَطْ» بالياء وإدغام التاء «وتُسْقِط» و«يُسْقِط» و«تَسْقُطْ» و«يَسْقط» بالتاء للنخلة وبالياء للجذع؛ فهذه تسع قراءات ذكرها الزمخشري رحمة الله تعالى عليه. «رطباً» نصب بالهز؛ أي إذا هززت الجذع هززتِ بهزه «رطباً جنيا». وعلى الجملة فـ«ـرطباً» يختلف نصبه بحسب معاني القراءات؛ فمرة يستند الفعل إلى الجذع، ومرة إلى الهزّ، ومرة إلى النخلة. «وجنيا» معناه قد طابت وصلحت للاجتناء، وهي من جنيت الثمرة. ويروى عن ابن مسعود ـ ولا يصح ـ أنه قرأ «تساقط عليك رطباً جنياً بَرْنيًّا». وقال مجاهد: «رطباً جنِياً» قال: كانت عجوة. وقال عباس بن الفضل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله: «رطباً جنياً» فقال: لم يذو. قال وتفسيره: لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه؛ وهذا هو الصحيح. قال الفراء: الجنيّ والمجنيّ واحد؛ يذهب إلى أنهما بمنزلة القتيل والمقتول والجريح والمجروح. وقال غير الفراء: الجنيّ المقطوع من نخلة واحدة، والمأخوذ من مكان نشأته؛ وأنشدوا:

وطيب ثمار في رياضٍ أرِيضةٍوأغصان أشجارٍ جَنَاها على قُرْبِ

يريد بالجَنَى ما يجنى منها أي يقطع ويؤخذ. قال ابن عباس: كان جذعاً نخزاً فلما هزت نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف، ثم اخضر فصار بلحاً ثم احمر فصار زَهْواً، ثم رطباً؛ كل ذلك في طرفة عين، فجعل الرطب يقع بين يديها لا ينشدخ منه شيء.

الثانية: استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوماً؛ فإن الله تعالى قد وكَلَ ابن آدم إلى سعي مّا فيه؛ لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية، وكانت الآية تكون بألا تهز.

الثالثة: الأمر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده، وأن ذلك لا يقدح في التوكل، خلافاً لما تقوله جهال المتزهدة؛ وقد تقدم هذا المعنى والخلاف فيه. وقد كانت قبل ذلك يأتيها رزقها من غير تكسب كما قال:

{ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً }[آل عمران: 37] الآية. فلما ولدت أمرت بهزّ الجذع. قال علماؤنا: لما كان قلبها فارغاً فرغ الله جارحتها عن النصب، فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه، واشتغل سرها بحديثه وأمره، وكلها إلى كسبها، وردها إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده. وحكى الطبري عن ابن زيد أن عيسى عليه السلام قال لها: لاتحزني؛ فقالت له: كيف لا أحزن وأنت معي؟! لا ذات زوج ولا مملوكة! أي شيء عذري عند الناس؟! {يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام.

الرابعة: قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية، ولو علم الله شيئاً هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم؛ ولذلك قالوا: التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت، وكذلك التّحنيك. وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل؛ ذكره الزمخشري. قال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى: «رطباً جنِيا» الجنيّ من التمر ما طاب من غير نَقْش ولا إفساد. والنَّقْش أن يُنقَش من أسفل البسرة حتى ترطب؛ فهذا مكروه؛ يعني مالك أن هذا تعجيل للشيء قبل وقته، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، وإن فعله فاعل ما كان ذلك مجوّزاً لبيعه؛ ولا حُكْماً بطيبه. وقد مضى هذا القول في الأنعام. والحمد لله. وعن طلحة بن سليمان «جِنِيًّا» بكسر الجيم للإتباع؛ أي جعلنا لك في السريّ والرطب فائدتين: إحداهما الأكل والشرب، والثانية سلوة الصدر؛ لكونهما معجزتين؛ وهو (معنى) قوله تعالى: {فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً} أي فكلي من الجنيّ، واشربي من السريّ، وقرّي عيناً برؤية الولد النبيّ. وقرىء بفتح القاف وهي قراءة الجمهور. وحكى الطبريّ قراءة «وَقِرِّي» بكسر القاف وهي لغة نجد. يقال: قَرَّ عيناً يَقُر ويَقِر بضم القاف وكسرها؛ وأقر الله عينه فقرّت. وهو مأخوذ من القُرّ والقِرّة وهما البَرْد. ودمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. وضعّفت فرقة هذا وقالت: الدمع كله حار، فمعنى أقر الله عينه أي سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقرّ وتسكن؛ وفلان قُرة عيني؛ أي نفسي تسكن بقربه. وقال الشيباني: «وقرّي عيناً» معناه نامي؛ حضها على الأكل والشرب والنوم. قال أبو عمرو: أقرّ الله عينه أي أنام عينه، وأذهب سهره. و«عيناً» نصب على التمييز؛ كقولك: طب نفساً. والفعل في الحقيقة إنما هو للعين فنقل ذلك إلى ذي العين؛ وينصب الذي كان فاعلاً في الحقيقة على التفسير. ومثله طبت نفساً، وتفقأت شحماً، وتصببت عرقاً، ومثله كثير.

قوله تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ} الأصل في تريِن تَرْأَيِينَ فحذفت الهمزة كما حذفت من ترى ونقلت فتحتها إلى الراء فصار «تريين»، ثم قلبت الياء الأولى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان الألف المنقلبة عن الياء وياء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار تَرَيْنَ، ثم حذفت النون علامة للجزم لأن إن حرف شرط وما صلة فبقي تَرَىْ، ثم دخله نون التوكيد وهي مثقلة، فكسر ياء التأنيث لالتقاء الساكنين؛ لأن النون المثقلة بمنزلة نونين الأولى ساكنة فصار تَرَيِنَ وعلى هذا النحو قول ابن دريد:

إمـا تَـرَىْ رأسِـيَ حَـاكَـى لـونُـهُ

وقول الأفوه:

إمــا تَــرَىْ رأسِــيَ أَزْرَى بـــه

وإنما دخلت النون هنا بتوطئة «ما» كما يوطِّىء لدخولها أيضاً لام القسم. وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة «تَرَيْنَ» بسكون الياء وفتح النون خفيفة؛ قال أبو الفتح: وهي شاذة.

الثانية: قوله تعالى: {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ} هذا جواب الشرط وفيه إضمار؛ أي فسألكِ عن ولدِك {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} أي صَمْتاً؛ قاله ابن عباس وأنس بن مالك. وفي قراءة أبيّ بن كعب «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً صَمْتاً». وروي عن أنس. وعنه أيضاً «وصمتاً» بواو، واختلاف اللفظين يدل على أن الحرف ذكر تفسيراً لا قرآناً؛ فإذا أتت معه واو فممكن أن يكون غير الصوم. والذي تتابعت به الأخبار عن أهل الحديث ورواة اللغة أن الصوم هو الصمت؛ لأن الصوم إمساك والصمت إمساك عن الكلام. وقيل: هو الصوم المعروف، وكان يلزمهم الصمت يوم الصوم إلا بالإشارة. وعلى هذا تخرج قراءة أنس «وصمتاً» بواو، وأن الصمت كان عندهم في الصوم ملتزماً بالنذر، كما أن من نذر منا المشي إلى البيت اقتضى ذلك الإحرام بالحج أو العمرة. ومعنى هذه الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل عليه السلام ـ أو ابنها على الخلاف المتقدم ـ بأن تمسك عن مخاطبة البشر، وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتتبين الآيةُ فيقوم عذرها. وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية، وهو قول الجمهور. وقالت فرقة: معنى «قولي» بالإشارة لا بالكلام. الزمخشري: وفيه أن السكوت عن السفيه واجب، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافهاً.

الثالثة: من التزم بالنذر ألا يكلم أحداً من الآدميين فيحتمل أن يقال إنه قُربة فيلزم بالنذر، ويحتمل أن يقال: ذلك لا يجوز في شرعنا لما فيه من التضييق وتعذيب النفس، كنذر القيام في الشمس ونحوه. وعلى هذا كان نذر الصمت في تلك الشريعة لا في شريعتنا؛ وقد تقدّم. وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق بالكلام. وهذا هو الصحيح لحديث: أبي إسرائيل، خرجه البخاري عن ابن عباس. وقال ابن زيد والسدي: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام.

قلت: ومن سنتنا نحن في الصيام الإمساك عن الكلام القبيح؛ قال عليه الصلاة والسلام:

إذا كان أحدكم صائماً فلا يَرفُث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم. وقال عليه الصلاة والسلام:من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»
الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ