انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة مريم

تفسير الطبريالآيات 47–71

تفسير سورة مريم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة مريم

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 49:31

  1. 1 الآيات 22–58في هذه الصفحة 19:21
  2. 2 الآيات 59–98في هذه الصفحة 18:54

التفسير الصوتي لسورة مريم كاملًا (3 مقاطع)

قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا ۝٤٧ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا ۝٤٨

يقول تعالـى ذكره: قال إبراهيـم لأبـيه حين توعَّده علـى نصيحته إياه ودعائه إلـى الله بـالقول السيىء والعقوبة: سلام علـيك يا أبت، يقول: أمنة منـي لك أن أعاودك فـيـما كرهت، ولدعائك إلـيّ ما توعدتنـي علـيه بـالعقوبة، ولكنـي {سأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبّـي} يقول: ولكنـي سأسأل ربـي أن يستر علـيك ذنوبك بعفوه إياك عن عقوبتك علـيها {إنَّهُ كانَ بِـي حَفِـيًّا} يقول: إن ربـي عهدته بـي لطيفـاً يجيب دعائي إذا دعوته يقال منه: تـحفـى بـي فلان. وقد بـيَّنت ذلك بشواهده فـيـما مضى، بـما أغنى عن إعادته هاهنا. وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إنّهُ كانَ بِـي حَفـيًّا} يقول: لطيفـاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّهُ كانَ بِـي حَفِـيًّا} قال: إنه كان بـي لطيفـاً، فإن الـحفـيّ: اللطيف.

وقوله: {وأعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} يقول: وأجتنبكم وما تدعون من دون الله من الأوثان والأصنام {وأدْعُو رَبّـي} يقول: وأدعو ربـي، بإخلاص العبـادة له، وإفراده بـالربوبـية {عَسَى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبّـي شَقِـيًّا} يقول: عسى أن لا أشقـى بدعاء ربـي، ولكن يجيب دعائي، ويعطينـي ما أسأله.

فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ۝٤٩ وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: فلـما اعتزل إبراهيـم قومه وعبـادة ما كانوا يعبدون من دون الله من الأوثان آنسنا وحشته من فراقهم، وأبدلناه منهم بـمن هو خير منهم وأكرم علـى الله منهم، فوهبنا له ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق {وكُلاّ جَعَلْنا نَبِـيًّا} يقول: وجعلناهم كلهم، يعنـي بـالكلّ إبراهيـم وإسحاق ويعقوب أنبـياء وقال تعالـى ذكره: {وكُلاّ جَعَلْنا نَبِـيًّا} فوحد، ولـم يقل أنبـياء، لتوحيد لفظ كلّ {وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحَمتِنا} يقول جلّ ثناؤه: ورزقنا جميعهم، يعنـي إبراهيـم وإسحاق ويعقوب من رحمتنا، وكان الذي وهب لهم من رحمته، ما بسط لهم فـي عاجل الدنـيا من سعة رزقه، وأغناهم بفضله.

وقوله {وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِـيًّا} يقول تعالـى ذكره: ورزقناهم الثناء الـحسن، والذكر الـجميـل من الناس، كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقِ عَلِـيًّا} يقول: الثناء الـحسن.

وإنـما وصف جلّ ثناؤه اللسان الذي جعل لهم بـالعلوّ، لأن جميع أهل الـملل تـحسن الثناء علـيهم، والعرب تقول: قد جاءنـي لسان فلان، تعنـي ثناءه أو ذمه ومنه قول عامر بن الـحارث:

إنّـي أتَتْنِـي لِسانٌ لا أُسَرُّ بِهَامِنْ عَلْوَ لا عَجَبٌ مِنْها وَلا سَخَرُ

ويُروى: لا كذب فـيها ولا سَخَر.

جاءَتْ مُرجَمَّةً قد كُنْتُ أحْذَرُهالَوْ كانَ يَنْفَعُنِـي الإشْفـاقُ والـحَذَرُ

مرجمَّة: يظنّ بها.

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مُوسَىٰٓ إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ۝٥١

يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: واذكر يا مـحمد فـي كتابنا الذي أنزلناه إلـيك موسى بن عمران، واقصص علـى قومك أنه كان مخـلصاً.

واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: «إنَّهُ كانَ مُخْـلِصاً» بكسر اللام من الـمُخْـلِص، بـمعنى: إنه كان يخـلص لله العبـادة، ويفرده بـالألوهة، من غير أن يجعل له فـيها شريكاً. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة خلا عاصم: {إنَّهُ كانَ مُخْـلَصاً} بفتـح اللام من مُخْـلَص، بـمعنى: إن موسى كان الله قد أخـلصه واصطفـاه لرسالته، وجعله نبـياً مرسلاً.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندي: أنه كان صلى الله عليه وسلم مُخْـلِصاً عبـادة الله، مُخْـلَصاً للرسالة والنبوّة، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب.

{وكانَ رَسُولاً} يقول: وكان لله رسولاً إلـى قومه بنـي إسرائيـل، ومن أرسله إلـيه نبـياً.

وَنَٰدَيْنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَٰهُ نَجِيًّا ۝٥٢ وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيًّا ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الـجبل، ويعنـي بـالأيـمن: يـمين موسى، لأن الـجبل لا يـمين له ولا شمال، وإنـما ذلك كما يقال: قام عن يـمين القبلة وعن شمالها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {مِنْ جانِبِ الطُّورِ الأيـمَنِ} قال: جانب الـجبل الأيـمن.

وقد بـيَّنا معنى الطور واختلاف الـمختلفـين فـيه، ودللنا علـى الصواب من القول فـيـما مضى، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وقوله: {وَقَرَّبْناهُ نَـجِيًّا} يقول تعالـى ذكره: وأدنـيناه مناجياً، كما يقال: فلان نديـم فلان ومنادمه، وجلـيس فلان ومـجالسه. وذُكر أن الله جلّ ثناؤه أدناه، حتـى سمع صريف القلـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس {وَقَرَّبْناهُ نـجِيًّا} قال: أُدْنـيَ حتـى سمع صريف القلـم.

حدثنا مـحمد بن منصور الطُّوسِيّ، قال: ثنا يحيى بن أبـي بكر، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، قال: أراه عن مـجاهد، فـي قوله: {وَقَرَّبْناهُ نَـجِيًّا} قال: بـين السماء الرابعة، أو قال: السابعة، وبـين العرش سبعون ألف حجاب: حجاب نور، وحجاب ظلـمة، وحجاب نور، وحجاب ظلـمة فما زال يقرب موسى حتـى كان بـينه وبـينه حجاب، وسمع صَريف القلـم

{ قالَ رَبّ أرِنِـي أنْظُرْ إلَـيْكَ }

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: قرّبه منه حتـى سمع صريف القلـم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة {وَقَرَّبْناهُ نَـجِيًّا} قال: أُدْنِـيَ حتـى سمع صريف القلـم فـي اللوح، وقال شعبة: أردفه جبرائيـل علـيه السلام.

وقال قتادة فـي ذلك، ما:

حدثنا به الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَقَرَّبْناهُ نَـجِيًّا} قال: نـجا بصدقه.

وقوله: {وَوَهَبْنا لَهُ منْ رَحْمَتنا أخاهُ هارُونَ} يقول: ووهبنا لـموسى رحمة منا أخاه هارون {نَبِـيًّا} يقول: أيَّدناه بنبوّته، وأعنَّاه بها، كما:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن داود، عن عكرمة، قال: قال ابن عبـاس: قوله: {وَوَهَبْنا لَهُ منْ رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِـيًّا} قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب له نبوّته.

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِسْمَٰعِيلَ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا مـحمد فـي الكتاب إسماعيـل بن إبراهيـم، فـاقصص خبره إنه كان لا يكذب وعده، ولا يخـلف، ولكنه كان إذا وعد ربه، أو عبداً من عبـاده وعداً وفـى به، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إنَّهُ كانَ صَادِقَ الوَعْدِ} قال: لـم يَعِدْ ربه عِدة إلا أنـجزها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عمرو بن الـحارث أن سهل بن عقـيـل، حدّثه أن إسماعيـل علـيه السلام وعد رجلاً مكاناً أن يأتـيه، فجاء ونسي الرجل، فظلّ به إسماعيـل، وبـات حتـى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من هاهنا؟ قال: لا، قال: إنـي نسيت، قال: لـم أكن لأبرح حتـى تأتـي، فبذلك كان صادقاً.

وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا ۝٥٥

يقول تعالـى ذكره: {وكانَ يأْمُرُ أهْلَهُ بـِ} إقامة {الصَّلاةِ} و إيتاء {الزَّكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} عمله، مـحموداً فـيـما كلفه ربه، غير مقصر فـي طاعته.

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ۝٥٦ وَرَفَعْنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ۝٥٧

يقول تعالـى ذكره: واذكر يا مـحمد فـي كتابنا هذا إدريس {إنَّهُ كانَ صِدّيقاً} لا يقول الكذب، {نَبِـيًّا} نوحي إلـيه من أمرنا ما نشاء {وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا} ذكر أن الله رفعه وهو حيّ إلـى السماء الرابعة، فذلك معنى قوله: {وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا} يعنـي به إلـى مكان ذي علوّ وارتفـاع. وقال بعضهم: رُفع إلـى السماء السادسة. وقال آخرون: الرابعة. ذكر الرواية بذلك:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي جرير بن حازم، عن سلـيـمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عبـاس كعبـاً وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله تعالـى لإدريس {وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا} قال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إلـيه: إنـي رافع لك كلّ يوم مثل عمل جميع بنـي آدم، فأحبّ أن تزداد عملاً، فأتاه خـلـيـل له من الـملائكة، فقال: إن الله أوحى إلـيّ كذا وكذا، فكلـمْ لـي ملك الـموت، فلـيؤخرنـي حتـى أزداد عملاً، فحمله بـين جناحيه، ثم صعد به إلـى السماء فلـما كان فـي السماء الرابعة، تلقاهم ملك الـموت منـحدراً، فكلـم ملك الـموت فـي الذي كلـمه فـيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هوذا علـى ظهري، قال ملك الـموت: فـالعجب بعثت أقبض روح إدريس فـي السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه فـي السماء الرابعة وهو فـي الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله تبـارك وتعالـى: {وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا} قال: إدريس رُفع فلـم يـمت، كما رُفع عيسى.

حدثنا القاسم، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله، إلا أنه قال: ولـم يـمت.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِـيًّا} قال: رفع إلـى السماء السادسة، فمات فـيها.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَرَفَعْناهُ مكاناًعلـياً} إدريس أدركه الـموت فـي السماء السادسة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد {ورفعناه مكاناً علـياً} قال: السماء الرابعة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن أبـي هارون العبدي، عن أبـي سعيد الـخدري {ورفعناه مكاناً علـياً} قال: فـي السماء الرابعة.

حدثنا علـيّ بن سهيـل، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية الرياحي، عن أبـي هريرة أو غيره «شكّ أبو جعفر الرازي» قال: لـما أسري بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم صعد به جبريـل إلـى السماء الرابعة، فـاستفتـح فقـيـل: من هذا؟ قال: جبرائيـل، قالوا: ومن معه؟ قال: مـحمد، قالوا: أوقد أرسل إلـيه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خـلـيفة، فنعم الأخ ونعم الـخـلـيفة، ونعم الـمـجيء جاء، قال: فدخـل فإذا هو برجل، قال: هذا إدريس رفعه الله مكاناً علـياً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله {ورفعناه مكاناً علـياً} قال: حدثنا أنس بن مالك أن نبـيّ الله حدث أنه لـما عرج به إلـى السماء قال: أتـيت علـى إدريس فـي السماء الرابعة.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُ ٱلرَّحْمَٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۝٥٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين اقتصصتُ علـيك أنبـاءهم فـي هذه السورة يا مـحمد، الذين أنعم الله علـيهم بتوفـيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبـياء من ذريه آدم، ومن ذرية من حملنا مع نوح فـي الفُلك، ومن ذرية إبراهيـم خـلـيـل الرحمن، ومن ذرية إسرائيـل، ومـمن هدينا للإيـمان بـالله والعمل بطاعته واجتبـينا: يقول: ومـمن اصطفـينا واخترنا لرسالتنا ووحينا، فـالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيـم، والذي عنى به من ذرية إبراهيـم إسحاق ويعقوب وإسماعيـل، والذي عنى به من ذرية إسرائيـل: موسى وهارون وزكريا وعيسى وأمه مريـم، ولذلك فرق تعالـى ذكره أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم لأن فـيهم من لـيس من ولد من كان مع نوح فـي السفـينة، وهو إدريس، وإدريس جدّ نوح.

وقوله تعالـى ذكره: {إذَا تُتلـى عَلَـيهِمْ آياتُ الرَّحمنِ} يقول: إذا تتلـى علـى هؤلاء الذين أنعم الله علـيهم من النبـيـين أدلة الله وحججه التـي أنزلها علـيهم فـي كتبه، خرّوا لله سجداً، استكانة له وتذللاً وخضوعاً لأمره وانقـياداً، {وَبُكِيًّا} يقول: خرّوا سجداً وهم بـاكون، والبُكِيّ: جمع بـاك، كما العُتِـيّ جمع عات والـجُثِـيّ: جمع جاث، فجمع وهو فـاعل علـى فعول، كما يجمع القاعد قعوداً، والـجالس جلوسا، وكان القـياس أن يكون: وبُكوّا وعتوّا، ولكن كرهت الواو بعد الضمة فقلبت ياء، كما قـيـل فـي جمع دلو أدل. وفـي جمع البهو أبه، وأصل ذلك أفعل أدلو وأبهو، فقلبت الواو ياء لـمـجيئها بعد الضمة استثقالاً، وفـي ذلك لغتان مستفـيضتان، قد قرأ بكلّ واحدة علـماء من القرّاء بـالقرآن بكياً وعتوّا بـالضمّ، وبكياَ وعتـياً بـالكسر. وقد يجوز أن يكون البكيّ هو البكاء بعينه. وقد:

حدثنا ابن بشاء، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم، قال: قرأ عمر بن الـخطاب سورة مريـم فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكيّ؟ يريد: فأين البكاء.

فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ۝٥٩

يقول تعالـى ذكره: فحدث من بعد هؤلاء الذين ذكرت من الأنبـياء الذين أنعمت علـيهم، ووصفت صفتهم فـي هذه السورة، خـلْف سوء خـلفوهم فـي الأرض أضاعو الصلاة.

ثم اختلْف أهل التأويـل فـي صفة إضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم: كانت إضاعتهموها تأخيرهم إياها عن مواقـيتها، وتضيـيعهم أوقاتها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن سعد الكندي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن موسى بن سلـيـمان، عن القاسم بن مخيـمرة، فـي قوله: {فخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ أضَاعُوا الصَّلاةَ} قال: إنـما أضاعوا الـمواقـيت، ولو كان تركا كان كفرا.

حدثنا إسحاق بن زيد الـخطابـي، قال: ثنا الفريابـي، عن الأوزاعي، عن القاسم بن مخيـمرة، نـحوه.

حدثنا عبد الكريـم بن أبـي عمير، قال: ثنـي الولـيد بن مسلـم، عن أبـي عمرو، عن القاسم بن مخيـمرة، قال: أضاعوا الـمواقـيت، ولو تركوها لصاروا بتركها كفـاراً.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، عن الأوزاعي، عن القاسم، نـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عيسى، عن الأوزاعي، عن إبراهيـم بن يزيد، أن عمر بن عبد العزيز بعث رجلاً إلـى مصر لأمر أعجله للـمسلـمين، فخرج إلـى حرسه، وقد كان تقدم إلـيهم أن لا يقوموا إذا رأوه، قال: فأوسعوا له، فجلس بـينهم فقال: أيكم يعرف الرجل الذي بعثناه إلـى مصر؟ فقالوا: كلنا نعرفه، قال: فلـيقم أحدثكم سناً، فلـيدعه، فأتاه الرسول فقال: لا تعجلنـي أشدّ علـيّ ثـيابـي، فأتاه فقال: إن الـيوم الـجمعة، فلا تبرحن حتـى تصلـي، وإنا بعثناك فـي أمر أعجله للـمسلـمين، فلا يعجلنك ما بعثناك له أن تؤخر الصلاة عن ميقاتها، فإنك مصلـيها لا مـحالة، ثم قرأ: {فخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ أضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} ثم قال: لـم يكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الـمسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، والـحسن بن مسعود، عن ابن مسعود، أنه قـيـل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة فـي القرآن

{ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهمْ سَاهُونَ } و { عَلـى صَلاَتِهمْ دَائِمُونَ } و { عَلـى صَلاَتِهمْ يُحَافِظُون }فقال ابن مسعود رضي الله عنه: علـى مواقـيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا علـى الترك، قال: ذاك الكفر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عمر أبو حفص الأبـار، عن منصور بن الـمعتـمر، قال: قال مسروق: لا يحافظ أحد علـى الصلوات الـخمس، فـيكتب من الغافلـين، وفـي إفراطهنّ الهلكة، وإفراطهنّ: إضاعتهنّ عن وقتهنّ.

وقال آخرون: بل كانت إضاعتهموها: تركها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أبو صخر، عن القرظي، أنه قال فـي هذه الآية {فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ أضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} يقول: تركوا الصلاة.

قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين فـي ذلك عندي بتأويـل الآية، قول من قال: أضعتـموها تركهم إياها لدلالة قول الله تعالـى ذكره بعده علـى أن ذلك كذلك، وذلك قوله جلّ ثناؤه:

{ إلاَّ مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِـحاً }فلو كان الذين وصفهم بأنهم ضيعوها مؤمنـين لـم يستثن منهم من آمن، وهم مؤمنون ولكنهم كانوا كفـاراً لا يصلون لله، ولا يؤدّون له فريضة فسقة قد آثروا شهوات أنفسهم علـى طاعة الله، وقد قـيـل: إن الذين وصفهم الله بهذه الصفة قوم من هذه الأمة يكونون فـي آخر الزمان.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن. قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ أضَاعُوا الصَّلاة واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} قال: عند قـيام الساعة، وذهاب صالـحي أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم ينزو بعضهم علـى بعض فـي الأزقة. قال مـحمد بن عمرو: زنا. وقال الـحارث: زناة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد مثله، وقال: زنا، كما قال ابن عمرو.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو تـميـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومـجاهد وعطاء بن أبـي ربـاح {فخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ...} الآية، قال: هم أمة مـحمد.

وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا شريك، عن أبـي تـميـم بن مهاجر فـي قول الله: {فخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ أضَاعُوا الصَّلاة} قال: هم فـي هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والـحمر فـي الطرق، لا يخافون الله فـي السماء، ولا يستـحيون الناس فـي الأرض.

وأما قوله: {فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} فإنه يعنـي أن هؤلاء الـخـلْف الذين خـلفوا بعد أولئك الذين أنعم الله علـيهم من النبـيـين سيدخـلون غياً، وهو اسم واد من أودية جهنـم، أو اسم بئر من آبـارها، كما:

حدثنـي عبـاس بن أبـي طالب، قال: ثنا مـحمد بن زياد بن رزان، قال: ثنا شرقـي بن قطامي، عن لقمان بن عامر الـخزاعي، قال: جئت أبـا أمامة صديّ بن عجلان البـاهلـي، فقلت: حدِّثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم:

لَوْ أنَّ صخْرَةً زِنَةَ عَشْرِ أوَاقٍ قُذِفَ بِها منْ شَفـيرٍ جَهَنَّـمَ ما بَلَغَتْ قَعْرَها خَمْسينَ خَرِيفـاً، ثُمَّ تَنْتَهي إلـى غَيَ وأثامٍ"، قال: قُلْتُ وَما غيّ وَما أثامٌ؟ قالَ:بْئرَانِ فـي أسْفَلٍ جَهَنَّـمَ يَسِيـلُ فِـيهِما صَدِيدُ أهْلِ النَّارِ، وَهُما اللَّتانِ ذَكَرَ اللَّهُ فِـي كِتابِهِ{ أضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتٍ فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّاً، وقوله فـي الفُرقان:{وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلكَ يَـلْقَ أثاماً}"

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، عن قتادة، عن أبـي أيوب، عن عبد الله بن عمرو {فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} قال: واديا فـي جهنـم.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله {فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} قال: واديا فـي النار.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله أنه قال فـي هذه الآية {فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} قال: نهر فـي جهنـم خبـيث الطعم بعيد القعر.

حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن أبـيه، فـي قوله: {فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ أضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} قال: الغيّ: نهر جهنـم فـي النار، يعذّب فـيه الذين اتبعوا الشهوات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن أبـيه، فـي قوله {فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ أضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} قال: الغيّ: نهر جهنـم فـي النار، يعذّب فـيه الذين اتبعوا الشهوات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله {أضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} قال: نهر فـي النار يقذف فـيه الذين اتبعوا الشهوات.

وقال آخرون: بل عنى بـالغيٌ فـي هذا الـموضع: الـخسران. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} يقول: خسرانا.

وقال آخرون: بل عنى به الشرّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا} قال: الغيّ: الشرّ ومنه قول الشاعر:

فمَنْ يَـلْقَ خَيْراً يحْمَدِ الناسُ أمْرَهُوَمَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ علـى الغَيّ لائما

قال أبو جعفر: وكلّ هذه الأقوال متقاربـات الـمعانـي، وذلك أن من ورد البئرين اللتـين ذكرهما النبـيّ صلى الله عليه وسلم، والوادي الذي ذكره ابن مسعود فـي جهنـم، فدخـل ذلك، فقد لاقـى خسراناً وشرّاً، حسبه به شرّاً.

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا ۝٦٠

يقول تعالـى ذكره: فسوف يـلقـي هؤلاء الـخـلف السوء الذين وصف صفتهم غياً، إلا الذين تابوا فراجعوا أمر الله، والإيـمان به وبرسوله {وعَمِلَ صَالـحاً} يقول: وأطاع الله فـيـما أمره ونهاه عنه، وأدّى فرائضه، واجتنب مـحارمه {فأُولَئِكَ يَدْخُـلُونَ الـجَنَّةَ} يقول: فإن أولئك منهم خاصة يدخـلون الـجنة دون من هلك منهم علـى كفره، وإضاعته الصلاة واتبـاعه الشهوات. وقوله: {وَلا يُظْلَـمُونَ شَيْئاً} يقول: ولا يُبخسون من جزاء أعمالهم شيئا، ولا يجمع بـينهم وبـين الذين هلكوا من الـخـلف السوء منهم قبل توبتهم من ضلالهم، وقبل إنابتهم إلـى طاعة ربهم فـي جهنـم، ولكنهم يدخـلون مدخـل أهل الإيـمان.

جَنَّٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّا ۝٦١

يقول تعالـى ذكره: فأولئك يدخـلون الـجنة {جَنَّاتِ عَدْنٍ}. ولوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} نصب ترجمة عن الـجنة. ويعنـي بقوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}: بساتـين إقامة. وقد بـيَّنت ذلك فـيـما مضى قبل بشواهده الـمغنـية عن إعادته. وقوله: {التـي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبـادَهُ بـالغَيْبِ} يقول: هذه الـجنات هي الجنات التـي وعد الرحمن عبـاده الـمؤمنـين أن يدخـلوها بـالغيب، لأنهم لـم يروها ولـم يعاينوها، فهي غيب لهم. وقوله: {إنَّهُ كانَ وَعْدهُ مأتِـيّاً} يقول تعالـى ذكره: إن الله كان وعده، ووعده فـي هذا الـموضع موعوده، وهو الـجنة مأتـيا يأتـيه أولـياؤه وأهل طاعته الذين يدخـلهموها الله. وقال بعض نـحويـي الكوفة: خرج الـخبر علـى أن الوعد هو الـمأتـيّ، ومعناه: أنه هو الذي يأتـي، ولـم يقل: وكان وعده آتـيا، لأن كلّ ما أتاك فأنت تأتـيه، وقال: ألا ترى أنك تقول: أتـيت علـى خمسين سنة، وأتت علـىّ خمسون سنة، وكلّ ذلك صواب، وقد بـيَّنت القول فـيه، والهاء فـي قوله {إنَّهُ} من ذكر الرحمن.

لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَٰمًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ۝٦٢

يقول تعالى ذكره: لا يسمع هؤلاء الذين يدخـلون الـجنة فـيها لغواً، وهو الهَدْي والبـاطل من القول والكلام {إلاَّ سَلاَماً} وهذا من الاستثناء الـمنقطع، ومعناه: ولكن يسمعون سلاماً، وهو تـحية الـملائكة إياهم. وقوله: {ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِـيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} يقول: ولهم طعامهم وما يشتهون من الـمطاعم والـمشارب فـي قدر وقت البُكرة ووقت العشيّ من نهار أيام الدنـيا، وإنـما يعنـي أن الذي بـين غدائهم وعشائهم فـي الـجنة قدر ما بـين غداء أحدنا فـي الدنـيا وعشائه، وكذلك ما بـين العشاء والغداء وذلك لأنه لا لـيـل فـي الـجنة ولا نهار، وذلك كقوله:

{ خَـلَقَ الأرْضَ فـي يومَيْنِ } و { خَـلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ فِـي سِتَّةِ أيَّام }يعنـي به: من أيام الدنـيا، كما:

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، قال: سألت زهير بن مـحمد، عن قول الله: {ولَهُمْ رِزْقهُمْ فِـيها بُكْرَةٍ وَعَشِيًّا} قال: لـيس فـي الـجنة لـيـل، هم فـي نور أبدا، ولهم مقدار اللـيـل والنهار، يعرفون مقدار اللـيـل بـارخاء الـحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الـحجب، وفتـح الأبواب.

حدثنا علـيّ، قال: ثنا الولـيد، عن خـلـيد، عن الـحسن، وذكر أبواب الـجنة، فقال: أبواب يُرى ظاهرها من بـاطنها، فَتكلـم وَتكلـم، فتهمهم انفتـحي انغلقـي، فتفعل.

حدثنـي ابن حرب، قال: ثنا موسى بن إسماعيـل، قال: ثنا عامر بن يساف، عن يحيى، قال: كانت العرب فـي زمانهم من وجد منهم عشاء وغداء، فذاك الناعم فـي أنفسهم، فأنزل الله {ولَهُمْ رِزْقُهُم فِـيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا}: قدر ما بـين غدائكم فـي الدنـيا إلـى عشائكم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِـيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا} قال: كانت العرب إذا أصاب أحدُهم الغداء والعشاء عجب له، فأخبرهم الله أن لهم فـي الـجنة بكرة وعشياً، قدر ذلك الغداء والعشاء.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: لـيس بكرة ولا عشيّ، ولكن يؤتون به علـى ما كانوا يشتهون فـي الدنـيا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِـيها بُكْرَةٍ وعَشِيًّا} فـيها ساعتان بكرة وعشيّ، فإن ذلك لهم لـيس ثم لـيـل، إنـما هو ضوء ونور.

تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ۝٦٣

يقول تعالـى ذكره: هذه الـجنة التـي وصفت لكم أيها الناس صفتها، هي الـجنة التـي نورثها، يقول: نورث مساكن أهل النار فـيها {مِنْ عِبـادِنا مَنْ كانَ تَقِـيًّا} يقول: من كان ذا اتقاء عذاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ۝٦٤

ذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل استبطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيـل بـالوحي، وقد ذكرت بعض الرواية، ونذكر إن شاء الله بـاقـي ما حضَرنا ذكره مـما لـم نذكر قبل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا عبد الله بن أبـان العجلـي، وقبـيصة ووكيع وحدثنا سفـيان بن وكيع قال: ثنا أبـي، جميعاً عن عمر بن ذرّ، قال: سمعت أبـي يذكر عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أن مـحمدا قال لـجبرائيـل:

ما يَـمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِـمَّا تَزُورُنا" فنزلت هذه الآية: {ومَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بـينَ أيْدِينا ومَا خَـلْفَنا ومَا بـينَ ذلكَ ومَا كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} قال: هذا الـجواب لـمـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي مـحمد بن معمر، قال: ثنا عبد الـملك بن عمرو، قال: ثنا عمر بن ذرّ، قال: ثنـي أبـي، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال لـجبرائيـل:

ما يَـمْنَعُكَ أن تَزَوُرَنا أكْثَرَ مِـمَّا تَزُورُنافنزلت {ومَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ}.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وومَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ...} إلـى {ومَا كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} قال: احتبس جبرائيـل عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فوجِد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وحزن، فأتاه جبرائيـل فقال: يا مـحمد {ومَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بـينَ أيْدِينا ومَا خَـلْفَنا ومَا بـينَ ذلكَ ومَا كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لبث جبرائيـل عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فكأن النبـيّ استبطأه، فلـما أتاه قال له جبرائيـل: {ومَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ...} الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ومَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بـينَ أيْدِينا ومَا خَـلْفَنا} قال: هذا قول جبرائيـل، احتبس جبرائيـل فـي بعض الوحي، فقال نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم:

ما جِئْتَ حتـى اشْتَقْتُ إلَـيْكَفقال له جبرائيـل: {ومَا نَتَنّزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بـينَ أيْدِينا ومَا خَـلْفَنا}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تبـارك وتعالـى {ومَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ} قال: قول الـملائكة حين استراثهم مـحمد صلى الله عليه وسلم، كالتـي فـي الضحى.

حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: لبث جبرائيـل عن مـحمد اثنتـي عشرة لـيـلة، ويقولون: قُلـي، فلـما جاءه قال:

أيْ جَبْرائِيـلُ لَقَدْ رِثْتَ عَلـيَّ حتـى لَقَدْ ظَنَّ الـمُشْرِكُونَ كُلَّ ظَنّفنزلت:{ومَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بـينَ أيْدِينا ومَا خَـلْفَنا ومَا بـينَ ذلكَ ومَا كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {ومَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ} احتبس عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم حتـى تكلـم الـمشركون فـي ذلك، واشتدّ ذلك علـى نبـيّ الله، فأتاه جبرائيـل، فقال: اشتدّ علـيك احتبـاسنا عنك، وتكلـم فـي ذلك الـمشركون، وإنـما أنا عبد الله ورسوله، إذا أمرنـي بأمر أطعته {ومَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بأمْرِ رَبِّكَ} يقول: بقول ربك. ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {لَهُ ما بـينَ أيْدِينا ومَا خَـلْفَنا ومَا بـينَ ذلكَ} فقال بعضهم: يعنـي بقوله {ما بـينَ أيْدِينا} من الدنـيا، وبقوله: {ومَا خَـلْفَنا} الآخرة {ومَا بـينَ ذلكَ} النفختـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبـي جعفر، عن الربـيع {لَهُ ما بـينَ أيْدِينا} يعنـي الدنـيا {ومَا خَـلْفَنا} الآخرة {ومَا بـينَ ذلكَ} النفختـين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال {ما بـينَ أيْدِينا} من الدنـيا {ومَا خَـلْفَنا} من أمر الآخرة {ومَا بـينَ ذلكَ} ما بـين النفختـين.

وقال آخرون: {ما بـينَ أيْدِينا} الآخرة {ومَا خَـلْفَنا} الدنـيا {ومَا بـينَ ذلكَ} ما بـين الدنـيا والآخرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {بـينَ أيْدِينا} الآخرة {ومَا خَـلْفَنا} من الدنـيا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لَهُ ما بـينَ أيْدِينا} من أمر الآخرة {ومَا خَـلْفَنا} من أمر الدنـيا {ومَا بـينَ ذلكَ} ما بـين الدنـيا والآخرة {ومَا كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {لَهُ ما بـينَ أيْدِينا} من الآخرة {وَما خَـلْفَنا} من الدنـيا {وَما بـينَ ذلكَ} ما بـين النفختـين.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {ما بـينَ أيْدِينا} من الآخرة {وَما خَـلْفَنا} من الدنـيا.

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {ما بـينَ أيْدِينا} قال: ما مضى أمامنا من الدنـيا {وَما خَـلْفَنا} ما يكون بعدنا من الدنـيا والآخرة {وَما بـينَ ذلكَ} قال: ما بـين ما مضى أمامهم، وبـين ما يكون بعدهم.

وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يتأوّل ذلك له {ما بـينَ أيْدِينا} قبل أن نـخـلق {وَما خَـلْفَنا} بعد الفناء {وَما بـينَ ذلكَ} حين كنا.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: له ما بـين أيدينا من أمر الآخرة، لأن ذلك لـم يجيء وهو جاء، فهو بـين أيديهم، فإن الأغلب فـي استعمال الناس إذا قالوا: هذا الأمر بـين يديك، أنهم يعنون به ما لـم يجيء، وأنه جاء، فلذلك قلنا: ذلك أولـى بـالصواب. وما خـلفنا من أمر الدنـيا، وذلك ما قد خـلفوه فمضى، فصار خـلفهم بتـخـلـيفهم إياه، وكذلك تقول العرب لـما قد جاوزه الـمرء وخـلفه هو خـلفه، ووراءه وما بـين ذلك: ما بـين ما لـم يـمض من أمر الدنـيا إلـى الآخرة، لأن ذلك هو الذي بـين ذينك الوقتـين.

وإنـما قلنا: ذلك أولـى التأويلات به، لأن ذلك هو الظاهر الأغلب، وإنـما يحمل تأويـل القرآن علـى الأغلب من معانـيه، ما لـم يـمنع من ذلك ما يجب التسلـيـم له. فتأويل الكلام إذاً: فلا تستبطئنا يا مـحمد فـي تـخـلفنا عنك، فإنا لا نتنزّل من السماء إلـى الأرض إلا بأمر ربك لنا بـالنزول إلـيها، لله ما هو حادث من أمور الآخرة التـي لـم تأت وهي آتـية، وما قد مضى فخـلفناه من أمر الدنـيا، وما بـين وقتنا هذا إلـى قـيام الساعة. بـيده ذلك كله، وهو مالكه ومصرّفه، لا يـملك ذلك غيره، فلـيس لنا أن نـحدث فـي سلطانه أمراً إلا بأمره إيانا به {وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} يقول: ولـم يكن ربك ذا نسيان، فـيتأخر نزولـي إلـيك بنسيانه إياك بل هو الذي لا يعزُب عنه شيء فـي السماء ولا فـي الأرض تبـارك وتعالـى ولكنه أعلـم بـما يدبر ويقضي فـي خـلقه. جل ثناؤه. وبنـحو ما قلنا فـي تأويل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} قال: ما نسيك ربك.

رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَٰدَتِهِۦ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا ۝٦٥

يقول تعالـى ذكره: لـم يكن ربك يا مـحمد ربّ السموات والأرض وما بـينهما نسيا، لأنه لو كان نسيا لـم يستقم ذلك، ولهلك لولا حفظه إياه، فـالربّ مرفوع ردّاً علـى قوله

{ رَبُّكَ }

وقوله: {فـاعْبُدْه} يقول: فـالزم طاعته، وذلّ لأمره ونهيه {وَاصْطَبِرْ لِعِبـادَتِهِ} يقول: واصبر نفسك علـى النفوذ لأمره ونهيه، والعمل بطاعته، تفز برضاه عنك، فإنه الإله الذي لا مثل له ولا عدل ولا شبـيه فـي جوده وكرمه وفضله {هَلْ تَعْلَـمُ لَهُ سَمِيًّا} يقول: هل تعلـم يا مـحمد لربك هذا الذي أمرناك بعبـادته، والصبر علـى طاعته مثلاً فـي كرمه وجوده، فتعبده رجاء فضله وطوله دونه؟ كلا، ما ذلك بـموجود. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثني علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {هَلْ تَعْلَـمُ لَهُ سَمِيًّا} يقول: هل تعلـم للربّ مثلاً أو شبـيهاً.

حدثنـي سعيد بن عثمان التنوخي، قال: ثنا إبراهيـم بن مهدي، عن عبـاد بن عوّام، عن شعبة، عن الـحسن بن عمارة، عن رجل، عن ابن عبـاس، فـي قوله {هَلْ تَعْلَـمُ لَهُ سَمِيًّا} قال: شبـيهاً.

حدثنـي يحيى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن مـجاهد فـي هذه الآية {هَلْ تَعْلَـمُ لَهُ سَمِيًّا} قال: هل تعلـم له شبـيهاً، هل تعلـم له مثلاً تبـارك وتعالـى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هَلْ تَعْلَـمُ لَهُ سَمِيًّا} لا سميّ لله ولا عِدل له، كلّ خـلقه يقرّ له، ويعترف أنه خالقه، ويعرف ذلك، ثم يقرأ هذه الآية:

{ وَلَئِنْ سألْتَهُمْ مَنْ خَـلَقَهُمْ لَـيَقُولُنَّ اللَّهُ }

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، فـي قوله: {هَلْ تَعْلَـمُ لَهُ سَمِيًّا} قال: يقول: لا شريك له ولا مثل.

وَيَقُولُ ٱلْإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ۝٦٦ أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا ۝٦٧

يقول تعالـى ذكره: {ويقولُ الإنسانُ} الكافر الذي لا يصدق بـالبعث بعد الـموت: أخرج حيا، فأُبعث بعد الـمـمات وبعد البلاء والفناء إنكاراً منه ذلك. يقول الله تعالـى ذكره: {أَوَ لاَ يذكرُ الإنسانُ} الـمتعجب من ذلك الـمنكر قدرة الله علـى إحيائه بعد فنائه، وإيجاده بعد عدمه فـي خـلق نفسه، أن الله خـلقه من قبل مـماته، فأنشأه بشرا سويا من غير شيء {ولـمْ يكُ} من قبل إنشائه إياه {شَيئاً} فـيعتبر بذلك ويعلـم أن من أنشأه من غير شيء لا يعجز عن إحيائه بعد مـماته، وإيجاده بعد فنائه.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله {أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ} فقرأه بعض قرّاء الـمدينة والكوفة: {أوَلا يَذْكُرُ} بتـخفـيف الذال، وقد قرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة والـحجاز: «أوَلا يَذَّكَّرُ» بتشديد الذال والكاف، بـمعنى: أو لا يتذكر، والتشديد أعجب إلـيّ، وإن كانت الأخرى جائزة، لأن معنى ذلك: أو لا يتفكر فـيعتبر.

فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ۝٦٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فوربك يا مـحمد لنـحشرنّ هؤلاء القائلـين: أئذا متنا لسوف نـخرج أحياء يوم القـيامة من قبورهم، مقرنـين بأولـيائهم من الشياطين {ثُمَّ لَنُـحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّـمَ جِثِـيًّا} والـجثـي: جمع الـجاثـي. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {ثُمَّ لَنُـحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّـمَ جِثـيًّا} يعنـي: القعود، وهو مثل قوله:

{ وَتَرَى كُلَّ أُمةٍ جاثِـيَةً }}.

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا ۝٦٩

يقول تعالـى ذكره، ثم لنأخذنَ من كلّ جماعة منهم أشدّهم علـى الله عتوّاً، وتـمرّداً فلنبدأنّ بهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن علـيّ بن الأقمر، عن أبـي الأحوص {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلّ شِيعَةٍ أيُّهُمْ أشَدُّ عَلـى الرَّحْمَنِ عِتِـيًّا} قال: نبدأ بـالأكابر فـالأكابر جرماً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلّ شِيعَةٍ أيُّهُمْ أشَدُّ عَلـى الرَّحْمَنِ عِتِـيًّا} يقول: أيهم أشدّ للرحمن معصية، وهي معصيته فـي الشرك.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أيُّهُمْ أشَدُّ عَلـى الرَّحْمَنِ عِتِـيًّا} يقول: عصياً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {مِنْ كُلّ شِيعَةٍ} قال: أمة. وقوله {عِتِـيًّا} قال: كفراً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله، وزاد فـيه ابن جريج: فلنبدأنّ بهم.

قال أبو جعفر: والشيعة هم الـجماعة الـمتعاونون علـى الأمر من الأمور، يقال من ذلك: تشايع القوم: إذا تعاونوا ومنه قولهم للرجل الشجاع: إنه لـمشيع: أي معان، فمعنى الكلام: ثم لننزعنّ من كلّ جماعة تشايعت علـى الكفر بـالله، أشدّهم علـى الله عتوّا، فلنبدأنّ بإصلائه جهنـم. والتشايع فـي غير هذا الـموضع: التفرّق ومنه قول الله عزّ ذكره:

{ وكانُوا شيَعاً }يعنـي: فرقاً ومنه قول ابن مسعود أو سعد. إنـي أكره أن آتـي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـيقول: شيَّعت بـين أمتـي، بـمعنى: فرّقت.

ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا ۝٧٠

يقول تعالـى ذكره: ثم لنـحن أعلـم من هؤلاء الذين ننزعهم من كلّ شيعة أولاهم بشدّة العذاب، وأحقهم بعظيـم العقوبة. وذكر عن ابن جريج أنه كان يقول فـي ذلك ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {ثُمَّ لَنَـحْنُ أعْلَـمُ بـالَّذِينَ هُمْ أوْلَـى بِها صِلـيًّا} قال: أولـى بـالـخـلود فـي جهنـم.

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله ابن جريج، قول لا معنى له، لأن الله تعالـى ذكره أخبر أن الذين ينزعهم من كلّ شيعة من الكفرة أشدّهم كفراً، ولا شكّ أنه لا كافر بـالله إلا مخـلَّد فـي النار، فلا وجه، وجميعهم مخـلدون فـي جهنـم، لأن يقال: ثم لنـحن أعلـم بـالذين هم أحقّ بـالـخـلود من هؤلاء الـمخـلدين، ولكن الـمعنى فـي ذلك ما ذكرنا. وقد يحتـمل أن يكون معناه: ثم لنـحن أعلـم بـالذين هم أولـى ببعض طبقات جهنـم صلـياً. والصلـيّ: مصدر صلـيت تصلـي صلـياً، والصلـي: فعول، ولكن واوها انقلبت ياء فأدغمت فـي الـياء التـي بعدها التـي هي لام الفعل، فصارت ياء مشدّدة.

وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ۝٧١

يقول تعالـى ذكره: وإن منكم أيها الناس إلا وارد جهنـم، كان علـى ربك يا مـحمد إيرادهموها قضاء مقضياً، قد قضى ذلك وأوجبه فـي أمّ الكتاب.

واختلف أهل العلـم فـي معنى الورود الذي ذكره الله فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: الدخول. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة عن عمرو، قال: أخبرنـي من سمع ابن عبـاس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عبـاس: الورود: الدخول، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عبـاس:

{ إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّـمَ أنْتُـمْ لَهَا وَارِدُونَ }أورود هو أم لا؟ وقال: { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِـيامَةِ فأوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الوِرْدُ الـمَوْرُودُ } أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخـلها، فـانظر هل نـخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، قال: فضحك نافع.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبـي ربـاح، قال: قال أبو راشد الـحَروريّ: ذكروا هذا فقال الـحروريّ: لا يسمعون حَسيسها، قال ابن عبـاس: ويـلك أمـجنون أنت؟ أين قوله تعالـى:

{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِـيامَةِ فأوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الوِرْدِ الـمَوْرُودُ }. وقوله { وَنَسُوقُ الـمُـجْرِمِينَ إلـى جَهَنَّـمَ وِرْداً }، وقوله: {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} والله إن كان دعاء من مضى: اللهمّ أخرجنـي من النار سالـماً، وأدخـلنـي الـجنة غانـماً.

قال ابن جريج: يقول: الورود الذي ذكره الله فـي القرآن: الدخول، لـيردنها كل برّ وفـاجر فـي القرآن أربعة أوراد

{ فأوْرَدَهُمُ النَّارَ } و { حَصَبُ جَهَنَّـمَ أنْتَـمْ لَهَا وَارِدُونَ }} { { وَنَسُوقُ الـمُـجْرِمِينَ إلـى جَهَنَّـمَ وِرْدا }، وقوله: {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها}.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها كانَ عَلـى رَبِّكَ حَتْـماً مَقْضِيًّا} يعرف البرّ والفـاجر، ألـم تسمع إلـى قول الله تعالـى لفرعون:

{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِـيامَةِ فأوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الوِرْدِ الـمَوْرُودُ }، وقال { وَنَسوق الـمُـجْرِمِينَ إلـى جَهَنَّـمَ وِرْداً } فسمى الورود فـي النار دخولاً، ولـيس بصادر.

حدثنا الـحسن بن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن بكار بن أبـي مروان، عن خالد بن معدان، قال: قال أهل الـجنة بعد ما دخـلوا الـجنة: ألـم يعدنا ربنا الورود علـى النار؟ قال: قد مررتـم علـيها وهي خامدة.

قال ابن عرفة، قال مروان بن معاوية، قال بكار بن أبـي مروان، أو قال: جامدة.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مرحوم بن عبد العزيز، قال: ثنـي أبو عمران الـجَوْنـيّ، عن أبـي خالد قال: تكون الأرض يوماً ناراً، فماذا أعددتـم لها؟ قال: فذلك قول الله:

{ وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها كانَ عَلـى رَبِّكَ حَتْـماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَـجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِـمِينَ فِـيها جِثِـيًّا }

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن الـجريريّ، عن أبـي السلـيـل، عن غنـيـم بن قـيس، قال: ذكروا ورود النار، فقال كعب: تُـمْسَكُ النارُ للناس كأنها متن إهالة، حتـى يستويَ علـيها أقدام الـخلائق بَرِّهم وفـاجرهم، ثم يناديها مناد: أن أمسكي أصحابك، ودعي أصحابـي، قال: فـيُخْسَف بكلّ ولـيّ لها، ولهي أعلـم بهم من الرجل بولده، ويخرج الـمؤمنون ندية أبدانهم. قال: وقال كعب: ما بـين منكبـي الـخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كلّ واحد منهم عمود له شعبتان، يدفع به الدَّفْعة، فـيصرع به فـي النار سبع مئة ألف.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن مالك بن مغول، عن أبـي إسحاق، قال: كان أبو ميسرة إذا أوى إلـى فراشه، قال: يا لـيت أمي لـم تلدنـي، ثم يبكي، فقـيـل: وما يبكيك يا أبـا ميسرة؟ قال: أَخبرنا أنا واردوها، ولـم يُخبرنا أنا صادرون عنها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن إسماعيـل، عن قـيس، قال: بكى عبد الله بن رواحة فـي مرضه، فبكت امرأته، فقال: ما يبكيكِ، قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال ابن رواحة: إنـي قد علـمت إنـي وارد النار فما أدري أناج منها أنا أم لا؟.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو عمرو داود بن الزبرقان، قال: سمعت السديّ يذكر عن مرّة الهمدانـي، عن ابن مسعود {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} قال: داخـلها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي قوله {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} قال: يدخـلها.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيـينة، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن قـيس بن أبـي حازم، قال: كان عبد الله بن رواحة واضع رأسه فـي حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته، قال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إنـي ذكرت قول الله {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} فلا أدري أنـجو منها، أم لا؟.

وقال آخرون: بل هو الـمَرّ علـيها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} يعنـي جهنـم مرّ الناس علـيها.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} قال: هو الـمرّ علـيها.

حدثنا خلاد بن أسلـم، قال: أخبرنا النضر، قال: أخبرنا إسرائيـل، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن أبـي الأحوص، عن عبد الله فـي قوله: {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} قال: الصراط علـى جهنـم مثل حدّ السيف، فتـمرّ الطبقة الأولـى كالبرق، والثانـية كالريح، والثالثة كأجود الـخيـل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يـمرّون والـملائكة يقولون: اللهمّ سلـم سلـم.

وقال آخرون: بل الورود: هو الدخول، ولكنه عنى الكفـار دون الـمؤمنـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنـي عبد الله بن السائب، عن رجل سمع ابن عبـاس يقرؤها {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} يعنـي الكفـار، قال: لا يردها مؤمن.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عمرو بن الولـيد الشَّنِّـي، قال: سمعت عكرمة يقول {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} يعنـي الكفـار.

وقال آخرون: بل الورود عام لكلّ مؤمن وكافر، غير أن ورود الـمؤمن الـمرور، وورود الكافر الدخول. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} ورود الـمسلـمين الـمرور علـى الـجسر بـين ظهريها وورود الـمشركين أن يدخـلوها، قال: وقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

الزَّالُّونَ والزَّالاَّتُ يَؤْمَئِذٍ كَثِـيرٌ، وَقَدْ أحاطَ الـجِسْرَ سِماطانِ مِنَ الـمَلائكَةِ، دَعْوَاهُمْ يَؤْمَئِذٍ يا أللَّهُ سَلِّـمْ سَلِّـمْ

وقال آخرون: ورود الـمؤمن ما يصيبه فـي الدنـيا من حمَّى ومرض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن عثمان بن الأسود، عن مـجاهد قال: الـحمى حظّ كلّ مؤمن من النار، ثم قرأ: {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها}.

حدثنـي عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا أبو الـمغيرة، قال: ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تـميـم، قال: ثنا إسماعيـل بن عبـيد الله، عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلاً من أصحابه وبه وعك وأنا معه، ثم قال:

إن الله يقول: هي ناري أسلطها علـى عبدي الـمؤمن، لتكون حظه من النار فـي الآخرة

وقال آخرون: يردُها الـجميع، ثم يصدر عنها الـمؤمنون بأعمالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: ثنـي السدي، عن مرّة، عن عبد الله {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها} قال: يردُونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن السديّ، عن مرّة، عن عبد الله، بنـحوه.

حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا أسبـاط، عن عبد الـملك، عن عبـيد الله، عن مـجاهد، قال: كنت عند ابن عبـاس، فأتاه رجل يقال له أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عبـاس أرأيت قول الله {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها كانَ عَلـى رَبِّكَ حَتْـماً مَقْضِيًّا} قال: أما أنا وأنت يا أبـا راشد فسنردها، فـانظر هل نصدر عنها أم لا؟.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرنـي أبو الزبـير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن الورود، فقال: «نـحن يوم القـيامة علـى كوى أو كرى، فوق الناس، فتدعي الأمـم بأوثانها، وما كانت تعبد الأوّل فـالأوّل، فـينطلق بهم ويتبعونه، قال: ويعطي كلّ إنسان منافق ومؤمن نوراً، ويغشى ظلـمة ثم يتبعونه، وعلـى جسر جهنـم كلالـيب تأخذ من شاء الله، فَـيُطْفأ نور الـمنافق، وينـجو الـمؤمنون، فتنـجو أوّل زمرة كالقمر لـيـلة البدر، وسبعون ألفـاً لا حساب علـيهم، ثم الذين يـلونهم كأضوأ نـجم فـي السماء، ثم كذلك، ثم تـحلّ الشفـاعة فـيشفعون، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله مـمن فـي قلبه وزن شعيرة من خير، ثم يـلقون تلقاء الـجنة، ويهريق علـيهم أهل الـجنة الـماء، فـينبتون نبـات الشيء فـي السيـل، ثم يسألون فـيجعل لهم الدنـيا وعشرة أمثالها».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن الـمبـارك، عن الـحسن، قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك بأنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففـيـم الضحك؟ قال: فما رؤي ضاحكاً حتـى لـحق بـالله.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الـحارث أن بكيراً حدّثه أنه قال لبسر بن سعيد: إن فلانا يقول: إن ورود النار القـيام علـيها. قال بسر: أما أبو هريرة فسمعته يقول: «إذا كان يوم القـيامة، يجتـمع الناس نادى مناد: لـيـلـحق كل أناس بـما كانوا يعبدون، فـيقوم هذا إلـى الـحجر، وهذا إلـى الفرس، وهذا إلـى الـخشبة حتـى يبقـى الذين يعبدون الله، فـيأتـيهم الله، فإذا رأوه قاموا إلـيه، فـيذهب بهم فـيسلك بهم علـى الصراط، وفـيه علـيق، فعند ذلك يؤذن بـالشفـاعة، فـيـمرّ الناس، والنبـيون يقولون: اللهمّ سلم سلم». قال بكير: فكان ابن عميرة يقول: فناج مسلـم ومنكوس فـي جهنـم ومخدوش، ثم ناج.

وأولى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: يردها الـجميع ثم يصدر عنها الـمؤمنون، فـينـجيهم الله، ويهوي فـيها الكفـار وورودهموها هو ما تظاهرت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرورهم علـى الصراط الـمنصوب علـى متن جهنـم، فناج مسلـم ومكدس فـيها.

ذكر الأخبـار الـمروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبـي سفـيان، عن جابر، عن أمّ مبشر امرأة زيد بن حارثة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فـي بـيت حفصة:

لا يَدْخُـلُ النَّارَ أحَدٌ شَهِدَ بَدْراً والحُدَيْبِـيَةَ. قالت: فقالت حفصة: يا رسول الله، ألـيس الله يقول: {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها}؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمَهْ ثُمَّ يَنَـجِّي اللَّهُ الَّذِين اتَّقُوا

حدثنا الـحسن بن مدرك، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبـي سفـيان، عن جابر، عن أمّ مبشر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بـمثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبـي سفـيان، عن جابر، عن أمّ مبشر، عن حفصة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّـي لأَرْجُو أنْ لا يَدْخُـلَ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْراً والـحُدَيْبِـيَةَ، قالت: فقلت يا رسول الله، ألـيس الله يقول {وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها}؟ قال: فَلَـمْ تَسْمَعِيهِ يَقُولُ: ثُمَّ نُنَـجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِـمِينَ فِـيها جِثِـيًّا؟

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي عبـيد الله بن الـمغيرة بن معيقب، عن سلـيـمان بن عمرو بن عبد العِتْواريّ، أحد بنـي لـيث، وكان فـي حجر أبـي سعيد، قال: سمعت أبـا سعيد الـخُدريّ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

يُوضَعُ الصِّرَاطُ بـينَ ظَهْرَيْ جَهَنَّـمَ، عَلَـيْهِ حَسكٌ كحَسكِ السَّعْدانِ، ثُمَّ يَسْتَـجِيزُ النَّاسُ، فنَاجٍ مُسْلِـمٌ ومَـجْرُوحٌ بِهِ، ثمَّ ناجٍ ومُـحْتَبِسٌ ومُكَدَّسٌ فِـيها، حتـى إذَا فَرَغَ اللّهُ مِنَ القَضَاءِ بـينَ العِبـادِ تَفَقَّدَ الـمُؤْمِنُونَ رِجالاً كانُوا مَعَهُمْ فِـي الدُّنْـيا يُصَلُّونَ صَلاَتَهُمْ، وَيُزَكُّونَ زَكاتَهُمْ وَيَصُومُون صِيامَهُمْ، ويَحُجُّونَ حَجَّهُمْ، ويَغْزُونَ غَزْوَهُمْ، فَـيَقُولُونَ: أيّ رَبَّنا عِبـادٌ مِنْ عِبـادِكَ كانُوا مَعَنا فِـي الدنْـيا، يُصَلُّونَ صَلاتَنا، وَيُزَكُّونَ زَكاتَنا، وَيَصُومُونَ صِيامَنا، ويَحُجُّونَ حَجَّنا، ويَغْزُونَ غَزْونا، لا نَرَاهُمْ، فَـيَقُولُ: اذْهَبُوا إلـى النَّارِ، فَمَنْ وَجَدْتُـمْ فِـيها مِنْهُمْ فأخْرِجُوهُ، فَـيَجِدُونَهُمْ قَدْ أخَذَتْهُمُ النَّارُ عَلـى قَدْرِ أعمالِهمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ النَّارُ إلـى قَدَمَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ إلـى نِصْفِ ساقَـيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ إلـى رُكْبَتَـيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ إلـى ثَدِيَـيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ إلـى عُنُقِهِ ولَـمْ تَغْشَ الوُجُوهَ، فَـيَسْتَـخْرِجُونَهُمْ مِنْها، فَـيَطْرَحُونَهُمْ فِـي ماءِ الـحَياةِ قِـيـلَ: وَما ماءُ الـحَياةِ يا رَسول اللّهِ؟ قال: غُسْلُ أهْلِ الـجَنَّةِ، فَـيَنْبُتُونَ كمَا تَنْبُتُ الزَّرْعَةُ فِـي غُثاءِ السَّيْـلِ، ثُمَّ تَشْفَعُ الأنْبِـياءُ فِـي كُلّ مَنْ كانَ يَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللّهُ مُخْـلِصاً، فَـيَسْتَـخْرِجُونَهُمْ مِنْها، ثُمَّ يَتَـحَننُ اللّهُ برحْمَتِهِ عَلـى مَنْ فِـيها، فَمَا يَتْرُكُ فِـيها عَبْداً فِـي قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإِيـمَانِ إلاَّ أخْرَجَهُ مِنْها

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا أبـي وشعيب بن اللـيث، عن اللـيث بن خالد، عن يزيد بن أبـي هلال، عن زيد بن أسلـم، عن عطاء بن يسار، عن أبـي سعيد الـخُدريّ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يُؤْتَـى بـالـجِسْرِ يعنـي يوم القـيامة فَـيُجْعَلُ بـينَ ظَهْرَيْ جَهَنـمَ قلنا: يا رسول الله وما الـجسر؟ قال:مَدحَضَةٌ مزَلَّةٌ، عَلَـيْهِ خَطاطِيفُ وكَلالِـيبُ وحَسْكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لها شَوْكة عُقَـيْفـاءُ تَكُونُ بِنَـجْدٍ، يُقالُ لَهَا السَّعْدانُ، يَـمُرُّ الـمُؤْمِنُونَ عَلَـيْها كالطَّرْفِ والبَرْقِ وكالرّيحِ، وكأجاوِدِ الـخَيْـلِ والرّكابِ، فَناجٍ مُسْلِـم، ومَخْدُوشٌ مُسْلِـمٌ، ومَكْدُوسٌ فِـي جَهَنَّـمَ، ثُمَّ يَـمُرُّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبـاً، فَمَا أنْتُـمْ بأشَدَّ مُناشَدَةٍ لـي فِـي الـحَقِّ قَد تبَـيَّنَ لَكُمْ، مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ يَوْمَئِذٍ للـجَبَّـارِ تَبـارَك وَتَعالـى، إذَا رأوْهُمْ قَدْ نَـجَوا وَبَقِـيَ إخْوانُهُمْ

حدثنـي أحمد بن عيسى، قال: ثنا سعيد بن كثـير بن عُفَـير، قال: ثنا ابن لَهيعة، عن أبـي الزبـير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الورود، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

هُوَ الدُّخولُ، يَردُونَ النَّارَ حتـى يَخْرُجُوا مِنْها، فآخِرُ مَنْ يَبْقَـى رَجُلٌ عَلـى الصِّراطِ يَزْحَفُ، فَـيرْفَعُ اللّهُ لَهُ شَجَرَةً، قالَ: فَـيَقُولُ: أيْ رَبِّ أدْنَنِـي مِنْها، قالَ: فَـيُدْنِـيهِ اللّهُ تَبـارَكَ وتَعَالـى مِنْها، قالَ: ثُمَّ يَقُولُ: أيْ رَبِّ أدْخِـلْنِـي الـجَنَّةَ، قالَ: فَـيَقُولُ: سَلْ، قالَ: فَـيَسألُ، قال: فَـيَقُولُ: ذلكَ لَكَ وَعَشْرَةُ أضْعافِهِ أوْ نَـحْوُها قالَ: فَـيَقُولُ: يا رَبّ تَسْتَهْزِىءُ بِـي؟ قالَ: فَـيَضْحَكُ حتـى تَبْدُو لَهْوَاتُهُ وأضْرَاسُهُ

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي يحيى بن أيوب «ح» وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا مـحمد بن زيد، عن رشدين، جميعا عن زياد بن فـائد، عن سهل بن معاذ، عن أبـيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

مَنْ حَرَسَ وَرَاءَ الـمُسْلِـمِينَ فِـي سَبِـيـلِ اللّهِ مُتَطَوِّعاً، لا يأْخُذُهُ سُلْطانٌ بحرَسٍ، لَـمْ يَرَ النَّارَ بعَيْنِهِ إلاَّ تَـحِلَّةَ القَسَمِ، فإنَّ اللّهَ تَعالـى يَقُولُ وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَارِدُها

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزاق، قال: أخبرنا معمر، أخبرنـي الزهريّ، عن ابن الـمسيب عن أبـي هريرة، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ ماتَ لَهُ ثَلاثَةٌ لَـمْ تَـمَسَّهُ النَّارُ إلاَّ تَـحِلَّةَ القَسَمِ يعنـي: الورود.

وأما قوله: {كانَ عَلَـى رَبِّكَ حَتْـماً مَقْضِيًّا} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم معناه: كان علـى ربك قضاء مقضياً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {حَتْـماً} قال: قضاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {حَتْـماً مَقْضِيًّا} قال: قضاء.

وقال آخرون: بل معناه: كان علـى ربك قسماً واجبـاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو عمرو داود بن الزِّبْرِقان، قال: سمعت السديّ يذكر عن مرّة الهمدانـيّ، عن ابن مسعود {كانَ عَلـى رَبِّكَ حَتْـماً مَقْضِيًّا} قال: قسماً واجبـاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {كانَ عَلـى رَبِّكَ حَتْـماً مَقْضِيًّا} يقول: قسماً واجبـاً.

قال أبو جعفر: وقد بـيَّنت القول فـي ذلك.

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ