انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة مريم

تفسير الطبريالآيات 1–15

تفسير سورة مريم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة مريم

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 49:31

  1. 1 الآيات 1–21في هذه الصفحة 11:16
  2. 2 الآيات 22–58 19:21
  3. 3 الآيات 59–98 18:54

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

كٓهيعٓصٓ ۝١

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله تعالـى ذكره: كاف من {كهيعص} فقال بعضهم: تأويـل ذلك أنها حرف من اسمه الذي هو كبـير، دلّ به علـيه، واستغنى بذكره عن ذكر بـاقـي الاسم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس فـي هذه الآية {كهيعص} قال: كبـير، يعنـي بـالكبـير: الكاف من {كهيعص}.

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال كان يقول {كهيعص} قال: كاف: كبـير.

حدثنـي أبو السائب، قال: أخبرنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير فـي كهيعص قال: كاف: كبـير.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحم بن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن حصين، عن إسماعيـل، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، نـحوه.

وقال آخرون: بل الكاف من ذلك حرف من حروف اسمه الذي هو كاف. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يحيى بن طلـحة الـيربوعي، قال: أخبرنا شريك، عن سالـم، عن سعيد، فـي قوله {كهيعص} قال: كاف: كافٍ.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم فـي قوله: {كهيعص} قال: كاف: كافٍ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن الكلبـي مثله.

وقال آخرون: بل هو حرف من حروف اسمه الذي هو كريـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير {كهيعص} قال: كاف من كريـم.

وقال الذين فسروا ذلك هذا التفسير الهاء من كهيعص: حرف من حروف اسمه الذي هو هاد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أبو حصين، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: كان يقول فـي الهاء من {كهيعص}: هاد.

حدثنا أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إسماعيـل، عن سعيد، مثله.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير نـحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حُصَين، عن إسماعيـل، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي يحيى بن طلـحة، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير، قال: ها: هاد.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم، فـي قوله {كهيعص} قال: ها: هاد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبـيّ، مثله.

واختلفوا فـي تأويـل الـياء من ذلك، فقال بعضهم: هو حرف من حروف اسمه الذي هو يـمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير عن ابن عبـاس، قال: «يا» من {كهيعص} ياء يـمين.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حُصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير مثله.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حُصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير ياء: يـمين.

وقال آخرون: بل هو حرف من حروف اسمه الذي هو حكيـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير {كهيعص} قال: يا: من حكيـم.

وقال آخرون: بل هي حرف من قول القائل: يا من يجير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا إبراهيـم بن الضريس، قال: سمعت الربـيع بن أنس فـي قوله {كهيعص} قال: يا من يجير ولا يجار علـيه.

واختلف متأوّلو ذلك كذلك فـي معنى العين، فقال بعضهم: هي حرف من حروف اسمه الذي هو عالـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد {كهيعص} قال: عين من عالـم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الكلبـي، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا عمرو، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن الـمسيب بن رافع، عن أبـيه، فـي قوله {كهيعص} قال: عين: من عالـم.

وقال آخرون: بل هي حرف من حروف اسمه الذي هو عزيز. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس {كهيعص} عين: عزيز.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حصين، عن إسماعيـل، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير مثله.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير مثله.

حدثنـي يحيى بن طلـحة الـيربوعي، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله {كهيعص} قال: عين عزيز.

وقال آخرون: بل هي حرف من حروف اسمه الذي هو عدل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم، فـي قوله {كهيعص} قال: عين: عدل.

وقال الذين تأوّلوا ذلك هذا التأويـل: الصاد من قوله {كهيعص}: حرف من حروف اسمه الذي هو صادق. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: كان يقول فـي {كهيعص} صاد: صادق.

حدثنـي أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حصين، عن إسماعيـل، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير مثله.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيـل بن راشد، عن سعيد بن جبـير، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم، قال: صاد: صادق.

حدثنـي يحيى بن طلـحة، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد، قال: صادق، يعنـي الصاد من {كهيعص}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد كهيعص قال: صاد صادق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبـي، قال: صادق.

وقال آخرون: بل هذه الكلـمة كلها اسم من أسماء الله تعالـى. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن خالد بن خداش، قال: ثنـي سالـم بن قتـيبة، عن أبـي بكر الهُذَلـيّ، عن عاتكة، عن فـاطمة ابنة علـيّ قالت: كان علـيّ يقول: يا {كهيعص}: اغفر لـي.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {كهيعص} قال: فإنه قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله.

وقال آخرون: كلّ حرف من ذلك اسم من أسماء الله عزّ وجلّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مطر بن مـحمد الضبـي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد العزيز بن مسلـم القسملـي، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية، قال: {كهيعص} لـيس منها حرف إلا وهو اسم.

وقال آخرون: هذه الكلـمة اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله {كهيعص} قال: اسم من أسماء القرآن.

قال أبو جعفر: والقول فـي ذلك عندنا نظير القول فـي

{ الـم }وسائر فواتـح سور القرآن التـي افتتـحت أوائلها بحروف الـمعجم، وقد ذكرنا ذلك فـيـما مضى قبل، فأغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ ۝٢ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّا ۝٣ قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا ۝٤

اختلف أهل العربـية فـي الرافع للذكر، والناصب للعبد، فقال بعض نـحويـي البصرة فـي معنى ذلك كأنه قال: مـما نقصّ علـيك ذكر رحمة ربك عبده، وانتصب العبد بـالرحمة كما تقول: ذكر ضرب زيد عمراً. وقال بعض نـحويـي الكوفة: رفعت الذكر بكهيعص، وإن شئت أضمرت هذا ذكر رحمة ربك، قال: والـمعنى ذكر ربك عبده برحمته تقديـم وتأخير.

قال أبو جعفر: والقول الذي هو الصواب عندي فـي ذلك أن يقال: الذكر مرفوع بـمضمر مـحذوف، وهو هذا كما فعل ذلك فـي غيرها من السور، وذلك كقول الله:

{ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ }وكقوله: { سُورَةٌ أنْزَلْناها } ونـحو ذلك. والعبد منصوب بـالرحمة، وزكريا فـي موضع نصب، لأنه بـيان عن العبد، فتأويـل الكلام: هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا.

وقوله: {إذْ نادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِـيًّا} يقول حين دعا ربه، وسأله بنداء خفـيّ، يعنـي: وهو مستسرّ بدعائه ومسألته إياه ما سأل كراهته منه للرياء، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إذْ نادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِـيًّا} أي سرّا، وإن الله يعلـم القلب النقـيّ، ويسمع الصوت الـخفـيّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إذْ نادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِـيًّا} قال: لا يريد رياء.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: رغب زكريا فـي الولد، فقام فصلـى، ثم دعا ربه سرّاً، فقال: {رَبّ إنّـي وَهَنَ العَظْمُ مِنِّـي...} إلـى

{ وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا }

وقوله: قالَ {رَبّ إنّـي وَهَنَ العَظْمُ مِنِّـي} يقول تعالـى ذكره، فكان نداؤه الـخفـيّ الذي نادى به ربه أن قال: {رَبّ إنّـي وَهَنَ العَظْمُ مِنِّـي} يعنـي بقوله {وَهَنَ} ضعف ورقّ من الكبر، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالَ رَبّ إنّـي وَهَنَ العَظْمُ مِنِّـي} أي ضعف العظم منـي.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَهَنَ العَظْمُ مِنِّـي} قال: نَـحَل العظم. قال عبد الرزاق، قال: قال الثوريّ: وبلغنـي أن زكريا كان ابن سبعين سنة.

وقد اختلف أهل العربـية فـي وجه النصب فـي الشَّيْب، فقال بعض نـحويّـي البصرة: نصب علـى الـمصدر من معنى الكلام، كأنه حين قال: اشتعل، قال: شاب، فقال: شَيْبـاً علـى الـمصدر. قال: ولـيس هو فـي معنى: تفقأت شحما وامتلأت ماء، لأن ذلك لـيس بـمصدر. وقال غيره: نصب الشيب علـى التفسير، لأنه يقال: اشتعل شيبُ رأسي، واشتعل رأسي شيبـاً، كما يقال: تفقَّأت شحماً، وتفقَّأ شحمي.

وقوله: {ولَـمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِـيًّا} يقول: ولـم أشق يا ربّ بدعائك، لأنك لـم تـخيب دعائي قبل إذ كنت أدعوك فـي حاجتـي إلـيك، بل كنت تـجيب وتقضي حاجتـي قبلك. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج عن ابن جريج، قوله: {ولَـمْ أكُنْ بدُعائِكَ رَبّ شَقِـيًّا} يقول: قد كنت تعرّفنـي الإجابة فـيـما مضى.

وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ۝٥ يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ۝٦

يقول: وإنـي خفت بنـي عمي وعصبتـي من ورائي. يقول: من بعدي أن يرثونـي، وقـيـل: عنى بقوله {مِنْ وَرَائي} من قدّامي ومن بـين يديّ وقد بـيَّنت جواز ذلك فـيـما مضى قبل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وإنّـي خِفْتُ الـمَوَالِـيَ مِنْ وَرَائي} يعنـي بـالـموالـي: الكَلالة الأولـياء أن يرثوه، فوهب الله له يحيى.

حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح فـي قوله: {وإنّـي خِفْتُ الـمَوَالِـيَ مِنْ وَرَائي} قال: العصبة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح فـي قوله {وإنّـي خِفْتُ الـمَوَالِـيَ مِنْ وَرَائي} قال: خاف موالـيَ الكلالة.

حدثنا مـجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح بنـحوه.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح {وإنّـي خِفْتُ الـمَوَالِـيَ مِنْ وَرَائي} قال: يعنـي الكلالة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {خِفْتُ الـمَوَالِـيَ مِنْ وَرَائي} قال: العَصَبة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {وإنّـي خِفْتُ الـمَوَالِـيَ مِنْ وَرَائي} قال: العصبة.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وإنّـي خِفْتُ الـمَوَالِـيَ مِنْ وَرَائي} والـموالـي: هنّ العصبة، والـموالـي: جمع مولـى، والـمولـى والولـيّ فـي كلام العرب واحد.

وقرأت قراء الأمصار: {وإنّـي خِفْتُ الـمَوَالِـيَ} بـمعنى: الـخوف الذي هو خلاف الأمن. وروي عن عثمان بن عفـان أنه قرأه: «وإنّـي خَفَّتِ الـمَوَالـيَ» بتشديد الفـاء وفتـح الـخاء من الـخفة، كأنه وجه تأويـل الكلام: وإنـي ذهبت عصبتـي ومن يرثنـي من بنـي أعمامي. وإذا قرىء ذلك كذلك كانت الـياء من الـموالـي مسكنة غير متـحركة، لأنها تكون فـي موضع رفع بخفَّتْ.

وقوله: {وكانَتِ امْرأتـي عاقِراً} يقول: وكانت زوجتـي لا تلد، يقال منه: رجل عاقر، وامرأة عاقر بلفظ واحد، كما قال الشاعر:

لَبِئْسَ الفَتـى أنْ كُنْتُ أعْوَرَ عاقِراًجَبـاناً فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلّ مَـحْضَرِ

وقوله: {فَهَبْ لـي مِنْ لَدُنْكَ وَلِـيًّا} يقول: فـارزقنـي من عندك ولداً وارثاً ومعيناً.

وقوله: {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} يقول: يرثنـي من بعد وفـاتـي مالـي، ويرث من آل يعقوب النبوّة، وذلك أن زكريا كان من ولد يعقوب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح، قوله {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} يقول: يرث مالـي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.

حدثنا مـجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيـل، عن أبـي صالـح فـي قوله {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: يرث مالـي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح، فـي قوله {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: يرثنـي مالـي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح، فـي قوله {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: يكون نبـيا كما كانت أبـاؤه أنبـياء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: وكان وارثته علـما، وكان زكريا من ذرّية يعقوب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: كان وارثته علـماً، وكان زكريا من ذرية يعقوب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الـحسن، فـي قوله: {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: نبوّته وعلـمه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن مبـارك، عن الـحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رَحِمَ اللَّهُ أخِي زَكَرِيّا، ما كانَ عَلَـيْهِ مِنْ وَرَثَةِ مالِهِ حِينَ يَقُولُ فَهَبْ لـي مِنْ لَدُنْكَ وَلِـيًّا، يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: كان الـحسن يقول: يرث نبوّته وعلـمه. قال قتادة: ذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية، وأتـى علـى {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال:

رحم الله زكريا ما كان علـيه من ورثته

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيَّا وَما كانَ عَلَـيْهِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطا إنْ كانَ لَـيَأْوِي إلـى رُكْنٍ شَدِيدٍ

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فَهَبْ لـي مِنْ لَدُنْكَ وَلِـيًّا يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: يرث نبوّتـي ونبوّة آل يعقوب.

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} فقرأت ذلك عامَّة قرّاء الـمدينة ومكة وجماعة من أهل الكوفة: {يَرِثُنِـي وَيَرِثُ} برفع الـحرفـين كلـيهما، بـمعنى: فهب لي الذي يرثنـي ويرث من آل يعقوب، علـى أن يرثنـي ويرث من آل يعقوب، من صلة الولـيّ. وقرأ ذلك جماعة من قرّاء أهل الكوفة والبصرة: «يَرِثْنِـي ويَرِثْ» بجزم الـحرفـين علـى الـجزاء والشرط، بـمعنى: فهب لـي من لدنك ولـيا فإنه يرثنـي إذا وهبته لـي. وقال الذين قرأوا ذلك كذلك: إنـما حسُن ذلك فـي هذا الـموضع، لأن يرثنـي من آية غير التـي قبلها. قالوا: وإنـما يحسُن أن يكون مثل هذا صلة، إذا كان غير منقطع عما هو له صلة، كقوله:

{ رِدْءاً يُصَدِّقُنِـي }

قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأه برفع الـحرفـين علـى الصلة للولـيّ، لأنّ الولـيّ نكرة، وأن زكريا إنـما سأل ربه أن يهب له ولـيا يكون بهذه الصفة، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنه سأله ولـيا، ثم أخبر أنه إذا وهب له ذلك كانت هذه صفته، لأن ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريا دخولاً فـي علـم الغيب الذي قد حجبه الله عن خـلقه.

وقوله: {وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا} يقول: واجعل يا ربّ الولـيّ الذي تهبه لـي مرضيا ترضاه أنت ويرضاه عبـادك ديناً وخُـلُقاً وخَـلْقاً. والرضي: فعيـل صرف من مفعول إلـيه.

يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ۝٧

يقول تعالـى ذكره: فـاستـجاب له ربه، فقال له: يا زكريا إنا نبشرك بهبتنا لك غلاماً اسمه يحيى. كان قتادة يقول: إنـما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بـالإيـمان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {يا زَكَرِيَّا إنَّا نُبَشِّرُكَ بغُلام اسمُهُ يَحْيَى} عبد أحياه الله للإيـمان.

وقوله: {لَـمْ نَـجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه لـم تلد مثله عاقر قط. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله لـيحيى: {لَـمْ نَـجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} يقول: لـم تلد العواقر مثله ولداً قط.

وقال آخرون: بل معناه: لـم نـجعل له من قبله مثلاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو الربـيع، قال: ثنا سالـم بن قتـيبة، قال: أخبرنا شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد، فـي قوله {لَـمْ نَـجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} قال: شبـيها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله {لَـمْ نَـجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} قال: مثلاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك، أنه لـم يسمّ بـاسمه أحد قبله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَـمْ نَـجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} لـم يسمّ به أحد قبله.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله {لَـمْ نَـجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} قال: لـم يسمّ يحيى أحد قبله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلـم فـي قول الله: {لَـمْ نَـجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} قال: لـم يسمّ أحد قبله بهذا الاسم.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بغُلامٍ اسمُهُ يَحْيَى لَـمْ نَـجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} لـم يسمّ أحد قبله يحيى.

قال أبو جعفر: وهذا القول أعنـي قول من قال: لـم يكن لـيحيى قبل يحيى أحد سمي بـاسمه أشبه بتأويـل ذلك، وإنـما معنى الكلام: لـم نـجعل للغلام الذي نهب لك الذي اسمه يحيى من قبله أحدا مسمى بـاسمه، والسميّ: فعيـل صرف من مفعول إلـيه.

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّا ۝٨

يقول تعالـى ذكره: قال زكريا لـما بشره الله بـيحيى: {ربّ أنَّـي يكونُ لـي غُلام}، ومن أيّ وجه يكون لـي ذلك، وامرأتـي عاقر لا تـحبل، وقد ضعُفت من الكبر عن مبـاضعة النساء أبأن تقوّينـي علـى ما ضعفت عنه من ذلك، وتـجعل زوجتـي ولوداً، فإنك القادر علـى ذلك وعلـى ما تشاء، أم بأن أنكح زوجة غير زوجتـي العاقر، يستثبت ربه الـخبر، عن الوجه الذي يكون من قبله له الولد، الذي بشره الله به، لا إنكاراً منه صلى الله عليه وسلم حقـيقة كون ما وعده الله من الولد، وكيف يكون ذلك منه إنكارا لأن يرزقه الولد الذي بشَّره به، وهو الـمبتدىء مسألة ربه ذلك بقوله:

{ فَهَبْ لـي مِنْ لَدُنْكَ وَلِـيًّا يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ }بعد قوله { إنّـي وَهَنَ العَظْمُ مِنـي وَاشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيْبـاً }. وقال السدِّي فـي ذلك ما:

حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: نادى جبرائيـل زكريا:

{ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بغُلام اسمُهُ يَحْيَى لَـمْ نَـجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا }فلـما سمع النداء، جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت لـيس من الله، إنـما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله أوحاه إلـيك كما يوحي إلـيك غيره من الأمر، فشكّ وقال: {إنَّـي يَكُونُ لـي غُلامٌ} يقول: من أين يكون {وَقَدْ بَلَغَنِـيَ الكِبَرُ وَامْرَأتِـي عاقِرٌ}.

وقوله: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِـيًّا} يقول: وقد عتوت من الكبر فصرت نـحل العظام يابسها، يقال منه للعود الـيابس: عود عاتٍ وعاسٍ، وقد عتا يعتو عِتِـيًّا وعُتُوّاً، وعسى يعسو عِسِيا وعسوّا، وكلّ متناه إلـى غايته فـي كبر أو فساد، أو كفر، فهو عات وعاس. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: قد علـمتُ السنة كلها، غير أنـي لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فـي الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الـحرف: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِـيًّا} أو «عِسِيًّا».

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِـيًّا} قال: يعنـي بـالعِتـيّ: الكبر..

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {عِتِـيًّا} قال: نُـحول العظم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {مِنَ الكِبَرِ عِتِـيًّا} قال: سنًّا، وكان ابن بضع وسبعين سنة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقَدْ بَلَغْت مِنَ الكِبَرِ عِتِـيًّا} قال: العتـيّ: الذي قد عتا عن الولد فـيـما يرى نفسه لا يولد له.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَقَدْ بَلَغْتُ منَ الكبَرِ عتـيًّا} قال: هو الكبر.

قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا ۝٩ قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ۝١٠

يقول تعالـى ذكره: قال الله لزكريا مـجيبـا له {قالَ كَذلكَ} يقول: هكذا الأمر كما تقول من أنّ امرأتك عاقر، وأنك قد بلغت من الكبر العتـيّ، ولكن ربك يقول: خـلْق ما بشَّرتك به من الغلام الذي ذكرت لك أن اسمه يحيى علـيّ هين، فهو إذن من قوله: {قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلـيَّ هَيِّنٌ} كناية عن الـخـلق.

وقوله: {وَقَدْ خـلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ولَـمْ تَك شَيْئاً} يقول تعالـى ذكره: ولـيس خـلق ما وعدتك أن أهبه لك من الغلام الذي ذكرت لك أمره منك مع كبر سنك، وعقم زوجتك بأعجب من خـلقـيك، فإنـي قد خـلقتك، فأنشأتك بشراً سوياً من قبل خـلقـي ما بشرتك بأنـي واهبه لك من الولد، ولـم تك شيئاً، فكذلك أخـلق لك الولد الذي بشرتك به من زوجتك العاقر، مع عِتـيك ووهن عظامك، واشتعال شيب رأسك.

وقوله: {قالَ رَبّ اجْعَلْ لـي آيَة} يقول تعالـى ذكره: قال زكريا: يا ربّ اجعل لـي علـماً ودلـيلاً علـى ما بشَّرَتنـي به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، لـيطمئنّ إلـى ذلك قلبـي. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {قالَ رَبّ اجْعَلْ لـي آيَةً} قال: قال ربّ اجعل لـي آية أن هذا منك.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: قال ربّ، فإن كان هذا الصوت منك فـاجعل لـي آية.

{قال} الله {آيَتُكَ} لذلك {ألاَّ تُكَلِّـمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَـيالٍ سَوِيًّا} يقول جلّ ثناؤه: علامتك لذلك، ودلـيـلك علـيه أن لا تكلـم الناس ثلاث لـيال وأنت سويّ صحيح، لا علة بك من خرس ولا مرض يـمنعك من الكلام. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عبـاس {ثَلاثَ لَـيالٍ سَوِيًّا} قال: اعتقل لسانه من غير مرض.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {ثَلاثَ لَـيالٍ سَوِيًّا} يقول: من غير خرس.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله {ثَلاثَ لَـيالٍ سَوِيًّا} قال: لا يـمنعك من الكلام مرض.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد{ألاَّ تُكَلِّـمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَـيالٍ سَوِيًّا} قال: صحيحاً لا يـمنعك من الكلام مرض.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قالَ {آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّـمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَـيالٍ سَوِيًّا} من غير بأس ولا خرس، وإنـما عوقب بذلك لأنه سأل آية بعد ما شافهته الـملائكة مشافهة، أُخذ بلسانه حتـى ما كان يفـيض الكلام إلا أومأ إيـماء.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، فـي قوله {ثَلاثَ لَـيالٍ سَوِيًّا} قال: سويا من غير خرس.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {قالَ آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّـمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَـيالٍ سَوِيًّا} وأنت صحيح، قال: فحبس لسانه، فكان لا يستطيع أن يكلـم أحدا، وهو فـي ذلك يسبح، ويقرأ التوراة ويقرأ الإنـجيـل، فإذا أراد كلام الناس لـم يستطع أن يكلـمهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لايتهم، عن وهب بن منبه الـيـمانـي، قال: أخذ الله بلسانه من غير سوء، فجعل لا يطيق الكلام، وإنـما كلامه لقومه بـالإشارة، حتـى مضت الثلاثة الأيام التـي جعلها الله آية لـمصداق ما وعده من هبته له.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {قالَ آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّـمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَـيالٍ سَوِيًّا} يقول: من غير خَرَس إلا رمزا، فـاعتُقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث لـيال.

وقال آخرون: السويّ من صفة الأيام، قالوا: ومعنى الكلام: قال: آيتك ألا تكلـم الناس ثلاث لـيال متتابعات. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {قالَ آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّـمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَـيالٍ سَوِيًّا}: قال: ثلاث لـيال متتابعات.

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ۝١١

يقول تعالـى ذكره: فخرج زكريا علـى قومه من مُصَلاه حين حُبس لسانه عن كلام الناس، آية من الله له علـى حقـيقة وعده إياه ما وعد. فكان ابن جريج يقول فـي معنى خروجه من مـحرابه، ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {فَخَرَجَ علـى قَوْمِهِ مِنَ الـمِـحْرابِ} قال: أشرف علـى قومه من الـمـحراب.

قال أبو جعفر: وقد بـيَّنا معنى الـمـحراب فـيـما مضى قبل، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَخَرَجَ عَلـى قومِهِ مِنَ الـمِـحْرابِ} قال: الـمـحراب: مُصَلاه، وقرأ:

{ فَنادَتْهُ الـمَلائِكَةُ وَهُوَ قائمٌ يُصَلِّـي فِـي الـمِـحْرَابِ }

وقوله: {فَأوْحَى إلَـيْهِمْ} يقول: أشار إلـيهم، وقد تكون تلك الإشارة بـالـيد وبـالكتاب وبغير ذلك، مـما يفهم به عنه ما يريد. وللعرب فـي ذلك لغتان: وَحَى، وأوحى فمن قال: وَحَى، قال فـي يفعل: يَحِي ومن قال: أوحى، قال: يُوحِي، وكذلك أَومَى ووَمَى، فمن قال: وَمَى، قال فـي يفعل يَـمِي ومن قال أَومَى، قال يُومِي.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي به أوحى إلـى قومه، فقال بعضهم: أوحى إلـيهم إشارة بـالـيد. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَأَوْحَى}: فأشار زكريا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه {فَأَوْحَى إلَـيْهِمْ} قال: الوحي: الإشارة.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {فأَوْحَى إلَـيْهِمْ} قال: أومى إلـيهم.

وقال آخرون: معنى أوحى: كتب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمود بن خداش، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن سفـيان بن حسين، عن الـحكم، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {فأَوْحَى إلَـيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} قال: كتب لهم فـي الأرض.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الـحكم {فأَوْحَى إلَـيْهِمْ} قال: كتب لهم.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فَخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ مِنَ الـمِـحْرابِ} فكتب لهم فـي كتاب {أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}، وذلك قوله: {فأَوْحَى إلَـيْهِمْ}.

وقال آخرون: معنى ذلك: أمرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فأَوْحَى إلَـيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} قال: ما أدري كتابـاً كتبه لهم، أو إشارة أشارها، والله أعلـم، قال: أمرهم أن سَبِّحوا بكرة وعشياً، وهو لا يكلـمهم.

وقوله: {أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} قد بـيَّنت فـيـما مضى الوجوه التـي ينصرف فـيها التسبـيح، وقد يجوز فـي هذا الـموضع أن يكون عَنَى به التسبـيح الذي هو ذكر الله، فـيكون أمرهم بـالفراغ لذكر الله فـي طرفـي النهار بـالتسبـيح، ويجوز أن يكون عنى به الصلاة، فـيكون أمرهم بـالصلاة فـي هذين الوقتـين. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما:

حدثنا به الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {فأَوْحَي إلَـيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} قال: أَوْمَى إلـيهم أن صلوا بكرة وعشياً.

يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّا ۝١٢ وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةً وَكَانَ تَقِيًّا ۝١٣

يقول تعالـى ذكره: فولد لزكريا يحيى، فلـما ولد، قال الله له: يا يحيى، خذ هذا الكتاب بقوّة، يعنـي كتاب الله الذي أنزله علـى موسى، وهو التوراة. بقوّة، يقول: بجدّ. كما:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ} قال: بجدّ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ} قال: بجدّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال ابن زيد فـي ذلك ما:

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يا يَحْيَى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ} قال: القوّة: أن يعمل ما أمره الله به، ويجانب فـيه ما نهاه الله.

قال أبو جعفر: وقد بـيَّنت معنى ذلك بشواهده فـيـما مضى من كتابنا هذا، فـي سورة آل عمران، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {وآتَـيْناهُ الـحُكْمَ صَبِـيًّا} يقول تعالـى ذكره: وأعطيناه الفهم لكتاب الله فـي حال صبـاه قبل بلوغه أسنان الرجال. وقد:

حدثنا أحمد بن منـيع، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، قال: أخبرنـي معمر، ولـم يذكره عن أحد فـي هذه الآية {وآتَـيْناهُ الـحُكْمَ صَبِـيًّا} قال: بلغنـي أن الصبـيان قالوا لـيحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خُـلِقتُ، فأنزل الله: {وآتَـيْناهُ الـحُكْمَ صَبِـيًّا}.

وقوله: {وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا} يقول تعالـى ذكره: ورحمة منا ومـحبة له آتـيناه الـحكم صبـيا.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي معنى الـحنان، فقال بعضهم: معناه: الرحمة، ووجهوا الكلام إلـى نـحو الـمعنى الذي وجهناه إلـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا} يقول: ورحمة من عندنا.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، فـي هذه الآية {وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا} قال: رحمة.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا} قال: رحمة من عندنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله: {وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا} قال: رحمة من عندنا لا يـملك عطاءها أحد غيرنا.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا} يقول: رحمة من عندنا، لا يقدر علـى أن يعطيها أحد غيرنا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ورحمة من عندنا لزكريا، آتـيناه الـحكم صبـياً، وفعلنا به الذي فعلنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا} يقول: رحمة من عندنا.

وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطفـاً من عندنا علـيه، فعلنا ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا} قال: تعطفـاً من ربه علـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: بل معنى الـحنان: الـمـحبة. ووجهوا معنى الكلام إلـى: ومـحبة من عندنا فعلنا ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة {وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا} قال: مـحبة علـيه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَحَناناً} قال: أما الـحَنان فـالـمـحبة.

وقال آخرون معناه تعظيـماً منا له. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو تـميـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عطاء بن أبـي ربـاح {وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا} قال: تعظيـماً من لدنا. وقد ذكر عن ابن عبـاس رضي الله عنهما أنه قال: لا أدري ما الـحنان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: والله ما أدري ما حناناً.

وللعرب فـي حَنَانَك لغتان: حَنَانَك يا ربنا، وحَنانَـيك كما قال طَرَفة بن العبد فـي حنانـيك:

أبـا مُنْذِرٍ أفْنَـيْتَ فـاسْتَبْقِ بَعْضَناحَنانَـيْكَ بعضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بعض

وقال امرؤ القـيس فـي اللغة الأخرى:

ويَـمْنَـحُها بَنُو شَمَـجَي بْنِ جَرْمٍمَعِيزَهُمُ حَنانَكَ ذَا الـحَنانِ

وقد اختلف أهل العربـية فـي «حنانـيك» فقال بعضهم: هو تثنـية «حنان». وقال آخرون: بل هي لغة لـيست بتثنـية قالوا: وذلك كقولهم: حَوَالـيك وكما قال الشاعر:

ضَرْبـاً هَذَا ذَيْكَ وطَعْناً وَخْضاً

وقد سوّي بـين جميع ذلك الذين قالوا حنانـيك تثنـية، فـي أن كل ذلك تثنـية. وأصل ذلك أعنـي الـحنان، من قول القائل: حنّ فلان إلـى كذا، وذلك إذا ارتاح إلـيه واشتاق، ثم يقال: تـحَّننَ فلان علـى فلان، إذا وصف بـالتعطُّف علـيه والرقة به، والرحمة له، كما قال الشاعر:

تَـحَنَّنْ عَلـيَّ هَدَاكَ الـمَلِـيكُفإنَّ لِكُلّ مَقامٍ مَقالا

بـمعنى: تعطَّف علـيّ. فـالـحنان: مصدر من قول القائل: حنّ فلان علـى فلان، يقال منه: حننت علـيه، فأنا أحنّ علـيه حنـيناً وحناناً، ومن ذلك قـيـل لزوجة الرجل: حَنَّته، لتـحننه علـيها وتعطفه، كما قال الراجز:

وَلَـيْـلَةٍ ذَاتِ دُجىً سَرَيْتُولَـم تَضِرْنِـي حَنَّةٌ وَبَـيْتُ

وقوله: {وَزَكَاةً} يقول تعالـى ذكره: وآتـينا يحيى الـحكم صبـياً، وزكاة: وهو الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه فـي طاعة ربه، فـالزكاة عطف علـى الـحكم من قوله: {وآتَـيْناهُ الـحُكْمَ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وزَكاةً} قال: الزكاة: العمل الصالـح.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وزَكاةً} قال: العمل الصالـح الزكيّ.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: فـي قوله {وزَكاةً} يعنـي العمل الصالـح الزاكيّ.

وقوله: {وكانَ تَقِـيًّا} يقول تعالـى ذكره: وكان لله خائفـاً مؤدّياً فرائضه، مـجتنبـاً مـحارمه مسارعاً فـي طاعته. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَزَكاةً وكانَ تَقِـيًّا} قال: طهر فلـم يعمل بذنب.

حدثنـي يونس، قال: خبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَزَكاةً وكانَ تَقِـيًّا} قال: أما الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناس.

وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا ۝١٤ وَسَلَٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: وكان برّاً بوالديه، مسارعاً فـي طاعتهما ومـحبتهما، غير عاقّ بهما {ولَـمْ يَكُنْ جَبَّـاراً عَصِيًّا} يقول جلّ ثناؤه: ولـم يكن مستكبراً عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعاً متذللاً، يأتـمر لـما أمر به، وينتهى عما نُهِي عنه، لا يَعْصِي ربه، ولا والديه.

وقوله: {عَصِيًّا} فعيـل بـمعنى أنه ذو عصيان، من قول القائل: عَصَى فلان ربه، فهو يعصيه عصياً.

وقوله: {سَلامٌ عَلَـيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَـمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا} يقول: وأمان من الله يوم ولد، من أن يناله الشيطان من السوء، بـما ينال به بنـي آدم، وذلك أنه رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

كُلُّ بَنِـي آدَمَ يَأْتِـي يَوْمَ القِـيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ إلاَّ ما كانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا

حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب، قال: ثنـي ابن العاص، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {جَبَّـاراً عَصِيًّا} قال: كان ابن الـمسيب يذكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما مِنْ أحَدٍ يَـلْقـي اللَّهَ يَوْمَ القِـيامَةِ، إلاَّ ذَا ذَنْبٍ، إلاَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا

قال: وقال قتادة: ما أذنب، ولا هم بـامرأة.

وقوله: {ويَوْمَ يَـمُوتُ} يقول: وأمان من الله تعالـى ذكره له من فَتَّانَـيِ القبر، ومن هول الـمطلع {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} يقول: وأمان له من عذاب الله يوم القـيامة، يوم الفزع الأكبر، من أن يروعه شيء، أو أن يفزعه ما يفزع الـخـلق. وقد ذكر ابن عيـينة فـي ذلك ما:

حدثنـي أحمد بن منصور الفَـيروزِيّ، قال: أخبرنـي صدقة بن الفضل قال: سمعت ابن عطية يقول: أوحش ما يكون الـخـلق فـي ثلاثة مواطن: يوم يولد فـيرى نفسه خارجاً مـما كان فـيه، ويوم يـموت فـيرى قوما لـم يكن عاينهم، ويوم يُبعث فـيرى نفسه فـي مـحشر عظيـم، قال: فأكرم الله فـيها يحيى بن زكريا، فخصه بـالسلام علـيه، فقال {سَلامٌ عَلَـيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَـمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن الـحسن قال: إن عيسى ويحيى التقـيا فقال له عيسى: استغفر لـي، أنت خير منـي، فقال له الآخر: استغفر لـي، أنت خير منـي، فقال له عيسى: أنت خير منـي، سَلَّـمت علـى نفسي، وسلَّـم الله علـيك، فعرف والله فضلها.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ