انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة مريم

تفسير الطبريالآيات 27–46

تفسير سورة مريم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة مريم

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 49:31

  1. 1 الآيات 22–58في هذه الصفحة 19:21

التفسير الصوتي لسورة مريم كاملًا (3 مقاطع)

فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ قَالُوا۟ يَٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: فلـما قال ذلك عيسى لأمه اطمأنت نفسها، وسلَّـمت لأمر الله، وحملته حتـى أتت به قومها. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: أنساها يعنـي مريـم كرب البلاء وخوف الناس ما كانت تسمع من الـملائكة من البشارة بعيسى، حتـى إذا كلَّـمها، يعنـي عيسى، وجاءها مصداق ما كان الله وعدها احتـملته ثم أقبلت به إلـى قومها.

وقال السديّ فـي ذلك ما:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما ولدته ذهب الشيطان، فأخبر بنـي إسرائيـل أن مريـم قد ولدت، فأقبلوا يشتدّون، فدعوها {فأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَـحْمِلُهُ}.

وقوله: {قالُوا يا مَرْيَـمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا} يقول تعالـى ذكره: فلـما رأوا مريـم، ورأوا معها الولد الذي ولدته، قالوا لها: يا مريـم لقد جئت بأمر عجيب، وأحدثت حدثا عظيـماً. وكلّ عامل عملاً أجاده وأحسنه فقد فراه، كما قال الراجز:

قَدْ أطْعَمَتِنـي دَقَلاً حُجْرِيَّاقَدْ كُنْتِ تَفْرِينَ بِهِ الفَرِيَّا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى: {فَرِيًّا} قال: عظيـماً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا} قال: عظيـماً.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا} قال: عظيـماً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: لـما رأوها ورأوه معها، قالوا: يا مريـم {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا}: أي الفـاحشة غير الـمقاربة.

يَٰٓأُخْتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ۝٢٨

اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله قـيـل لها: يا أخت هارون، ومن كان هارون هذا الذي ذكره الله، وأخبر أنهم نسبوا مريـم إلـى أنها أخته، فقال بعضهم: قـيـل لها {يا أُخْتَ هارُونَ} نسبة منهم لها إلـى الصلاح، لأن أهل الصلاح فـيهم كانوا يسمون هارون، ولـيس بهارون أخي موسى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {يا أُخْتَ هارُونَ} قال: كان رجلاً صالـحاً فـي بنـي إسرائيـل يسمى هارون، فشبَّهوها به، فقالوا: يا شبـيهة هارون فـي الصلاح.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرأَ سَوْءٍ وَما كانَتِ أُمُّكِ بَغِيًّا} قال: كانت من أهل بـيت يُعرفون بـالصلاح، ولا يُعرفون بـالفساد ومن الناس من يُعرفون بـالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بـالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلـحاً مـحببـاً فـي عشيرته، ولـيس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر. قال: وذُكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفـاً، كلهم يسمون هارون من بنـي إسرائيـل.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن سعيد بن أبـي صدقة، عن مـحمد بن سيرين، قال: نبئت أن كعبـا قال: إن قوله: {يا أُخْتَ هارُونَ} لـيس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أمّ الـمؤمنـين، إن كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلـم وأخبر، وإلا فإنـي أجد بـينهما ستّ مئة سنة، قال: فسكتت.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يا أُخْتَ هارُونَ} قال: اسم واطأ اسما، كم بـين هارون وبـينهما من الأمـم أمـم كثـيرة.

حدثنا أبو كريب وابن الـمثنى وسفـيان وابن وكيع وأبو السائب، قالوا: ثنا عبد الله بن إدريس الأودي، قال: سمعت أبـي يذكر عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن الـمغيرة بن شعبة، قال: بعثنـي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى أهل نـجران، فقالوا لـي: ألستـم تقرأون {يا أُخْتَ هارُونَ}؟ قلت: بلـى وقد علـمتـم ما كان بـين عيسى وموسى، فرجعت إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال:

ألا أخْبَرْتَهُمْ أنَّهُمْ كانُوا يُسَمُّونَ بأنْبِـيائهِمْ وَالصَّالِـحِينَ قَبْلَهُمْ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن الـمغيرة بن شعبة، قال: أرسلنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي بعض حوائجه إلـى أهل نـجران، فقالوا: ألـيس نبـيك يزعم أن هارون أخو مريـم هو أخو موسى؟ فلـم أدر ما أردّ علـيهم حتـى رجعت إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال:

إنَّهُمْ كانُوا يُسَمُّونَ بأسْماءِ مَنْ كانَ قَبْلَهُمْ

وقال بعضهم: عنى به هارون أخو موسى، ونُسبت مريـم إلـى أنها أخته لأنها من ولده، يقال للتـميـميّ: يا أخا تـميـم، وللـمُضَرِيّ: يا أخا مُضَر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {يا أُخْتَ هارُونَ} قال: كانت من بنـي هارون أخي موسى، وهو كما تقول: يا أخا بنـي فلان.

وقال آخرون: بل كان ذلك رجلاً منهم فـاسقاً معلن الفسق، فنسبوها إلـيه.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك ما جاء به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه، وأنها نسبت إلـى رجل من قومها.

وقوله: {ما كانَ أبُوكِ امْرأَ سَوْءٍ} يقول: ما كان أبوك رجل سوء يأتـي الفواحش {وَما كانَتْ أُمُكِ بَغِيًّا} يقول: وما كانت أمك زانـية، كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} قال: زانـية. وقال: {وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} ولـم يقل: بغيَّة، لأن ذلك مـما يوصف به النساء دون الرجال، فجري مـجرى امرأة حائض وطالق، وقد كان بعضهم يشبه ذلك بقولهم: ملـحفة جديدة وامرأة قتـيـل.

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره: فلـما قال قومها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقـيـله لهم، ثم أشارت لهم إلـى عيسى أن كلِّـموه، كما:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما قالوا لها:

{ ما كانَ أبُوكِ امْرأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا }قالت لهم ما أمرها الله به، فلـما أرادوها بعد ذلك علـى الكلام أشارت إلـيه، إلـى عيسى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأشارَتْ إلَـيهِ} قال: أمرتهم بكلامه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه {فأشارَتْ إلَـيهِ} يقول: أشارت إلـيه أن كلِّـموه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله {فأشارَتْ إلَـيهِ} أن كَلِّـموه.

وقوله: {قالُوا كَيْفَ نُكَلِّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا} يقول تعالـى ذكره: قال قومها لها: كيف نكلـم من وُجد فـي الـمهد؟ وكان فـي قوله {مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا} معناها التـمام، لا التـي تقتضي الـخبر، وذلك شبـيه الـمعنى بكان التـي فـي قوله

{ هَلْ كُنْتُ إلاَّ بَشَراً رَسُولاً }وإنـما معنى ذلك: هل أنا إلا بشر رسول؟ وهل وجدت أو بعثت وكما قال زهير بن أبـي سُلْـمَى:

زَجَرْتُ علَـيْهِ حُرَّةً أرْحَبِـيَّةًوَقَدْ كانَ لَوْنُ اللَّـيْـلِ مِثْلَ الأرَنْدَجِ

بـمعنى: وقد صار أو وُجد. وقـيـل: إنه عنـي بـالـمهد فـي هذا الـموضع: حجر أمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا} والـمهد: الـحجر.

قال أبو جعفر: وقد بـيَّنا معنى الـمهد فـيـما مضى بشواهده، فأغنى عن إعادته فـي هذا الموضع.

قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا ۝٣٠ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ۝٣١

يقول تعالـى ذكره: فلـما قال قوم مريـم لها

{ كَيْفَ نُكَلِّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا }وظنوا أن ذلك منها استهزاء بهم، قال عيسى لها متكلـماً عن أمه: {إنّـي عَبْدُ اللَّهِ آتانِـيَ الكِتاب}. وكانوا حين أشارت لهم إلـى عيسى فـيـما ذُكر عنهم غضبوا، كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما أشارت لهم إلـى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلـم هذا الصبـيّ أشدّ علـينا من زناها

{ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه

{ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا } فأجابهم عيسى عنها فقال لهم {إنّـي عَبْدُ اللَّهِ آتانِـيَ الكِتابَ وَجَعَلَنِـي نَبِـيًّا...} الآية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:

{ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا }قال لهم: {إنّـي عَبْدُ اللَّهِ آتانِـيَ الكِتابَ وَجَعَلَنِـي نَبِـيًّا} فقرأ حتـى بلغ { ولَـمْ يَجْعَلْنِـي جَبَّـاراً شَقِـيًّا }فقالوا: إن هذا لأمر عظيـم.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: {كَيْفَ نُكَلِّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا قال إنّـي عَبْدُ اللَّهِ} لـم يتكلـم عيسى إلا عند ذلك حين

{ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّـمُ مَنْ كانَ فِـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا }

وقوله: {آتانِـيَ الكِتابَ} يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحي قبل أن يخـلق فـي بطن أمه فإن معنى ذلك بخلاف ما يظنّ، وإنـما معناه: وقضى يوم قضى أمور خـلقه إلـيّ أن يؤتـينـي الكتاب، كما:

حدثنـي بشر بن آدم، قال: ثنا الضحاك، يعنـي ابن مخـلد، عن سفـيان، عن سماك، عن عكرمة {قالَ آتانِـيَ الكِتابَ} قال: قضى أن يؤتـينـي الكتاب فـيـما مضى.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا سفـيان، عن سماك، عن عكرمة، فـي قوله {إنّـي عَبْدُ اللَّهِ آتانِـيَ الكِتابَ} قال: القضاء.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، عن إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، فـي قول الله إنّـي عَبْدُ اللَّهِ آتانِـيَ الكِتابَ قال: قضى أن يؤتـينـي الكتاب.

وقوله: {وَجَعَلَنِـي نَبِـيًّا} وقد بـيَّنت معنى النبـيّ واختلاف الـمختلفـين فـيه، والصحيح من القول فـيه عندنا بشواهده فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. وكان مـجاهد يقول فـي معنى النبـيّ وحده ما:

حدثنا به مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: النبـيّ وحده الذي يكلـم وينزل علـيه الوحي ولا يرسل.

وقوله {وَجَعَلَنِـي مُبـارَكاً} اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: وجعلنـي نفـاعاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلـحي، قال: ثنا العلاء، عن عائشة امرأة لـيث، عن لـيث، عن مـجاهد {وَجَعَلَنِـي مُبـارَكاً} قال: نفـاعاً.

وقال آخرون: كانت بركته الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن يزيد بن خنـيس الـمخزومي، قال: سمعت وُهيب بن ابن الورد مولـى بنـي مخزوم، قال: لقـي عالـم عالـما هو فوقه فـي العلـم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من علـمي، قال: الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبـياءه إلـى عبـاده، وقد اجتـمع الفقهاء علـى قول الله {وَجَعَلَنِـي مُبـارَكاً أيْنَـما كُنْتُ} وقـيـل: ما بركته؟ قال: الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر أينـما كان.

وقال آخرون: معنى ذلك: جعلنـي معلِّـم الـخير. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: ثنا سفـيان فـي قوله {وَجَعَلَنِـي مُبـارَكاً أيْنَـما كُنْتُ} قال: معلـما للـخير.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد، قوله: {وَجَعَلَنِـي مُبـارَكاً أيْنَـما كُنْتُ} قال: معلـما للـخير حيثما كنت.

وقوله: {وأوْصَانِـي بـالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ} يقول: وقضى أن يوصينـي بـالصلاة والزكاة، يعنـي بالـمـحافظة علـى حدود الصلاة وإقامتها علـى ما فرضها علـيّ. وفـي الزكاة معنـيان: أحدهما: زكاة الأموال أن يؤدّيها. والآخر: تطهير الـجسد من دنس الذنوب فـيكون معناه: وأوصانـي بترك الذنوب واجتناب الـمعاصي.

وقوله: {ما دُمْتُ حَيًّا} يقول: ما كنت حيا فـي الدنـيا موجودا، وهذا يبـين عن أن معنى الزكاة فـي هذا الـموضع: تطهير البدن من الذنوب، لأن الذي يوصف به عيسى صلوات الله وسلامه علـيه أنه كان لا يدّخر شيئا لغد، فتـجب علـيه زكاة الـمال، إلا أن تكون الزكاة التـي كانت فرضت علـيه الصدقة بكلّ ما فضل عن قوته، فـيكون ذلك وجهاً صحيحاً.

وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا ۝٣٢ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره: مخبراً عن قـيـل عيسى للقوم: وجعلنـي مبـاركاً وبرّاً: أي جعلنـي برّاً بوالدتـي. والبرّ هو البـارّ، يقال: هو برّ بوالده، وبـارّ به، وبفتـح البـاء قرأتْ هذا الـحرف قرّاء الأمصار. وروي عن أبـي نهيك ما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، عن أبـي نهيك أنه قرأ: {وبَرّاً بِوَالِدَتـي} من قول عيسى علـيه السلام، قال أبو نهيك: أوصانـي بـالصلاة والزكاة والبرّ بـالوالدين، كما أوصانـي بذلك.

فكأنّ أبـا نهيك وجه تأويـل الكلام إلـى قوله {وَبَرّا بِوَالِدَتـي} هو من خبر عيسى، عن وصية الله إياه به، كما أن قوله:

{ وأوْصَانِـي بـالصَّلاةِ والزَّكاةِ }من خبره عن وصية الله إياه بذلك. فعلـى هذا القول يجب أن يكون نصب البرّ بـمعنى عمل الوصية فـيه، لأن الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتـين فـي اللفظ، فإنهما بـمعنى النصب من أجل أنه مفعول بهما.

وقوله: {ولَـمْ يَجْعَلْنِـي جَبَّـاراً شَقِـيًّا} يقول: ولـم يجعلنـي مستكبراً علـى الله فـيـما أمرنـي به، ونهانـي عنه. شقـيا، ولكن ذللنـي لطاعته، وجعلنـي متواضعا، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه يعنـي عيسى، كان يقول: سلونـي، فإن قلبـي لـيِّن، وإنـي صغير فـي نفسي مـما أعطاه الله من التواضع.

وحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَبَرًّا بِوَالِدَتـي ولَـمْ يَجْعَلْنِـي جَبَّـاراً شَقِـيًّا} ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مَريـم يحيـي الـموتـى، ويُبرىء الأكمه والأبرص، فـي آيات سلطه الله علـيهنّ، وأذن له فـيهنّ، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أُرضعت به، فقال نبـيّ الله ابن مريـم يجيبها: طوبى لـمن تلا كتاب الله، واتبع ما فـيه {ولَـمْ يَكُنْ جَبَّـاراً شَقِـيًّا}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا مـحمد بن كثـير، عن عبد الله بن واقد أبـي رجاء، عن بعض أهل العلـم، قال: لا تـجد عاقًّا إلا وجدته جبـارا شقـيا. ثم قرأ {وَبَرًّا بِوَالِدَتـي ولَـمْ يَجْعَلْنِـي جَبَّـاراً شَقِـيًّا} قال: ولا تـجد سيىء الـمِلْكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، ثم قرأ

{ ومَا مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً }

وقوله: {والسَّلامُ عَلـيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} يقول: والأمنة من الله علـيّ من الشيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا منـي ما ينالون مـمن يولد عند الولادة، من الطعن فـيه، ويوم أموت، من هول الـمطلع، ويوم أبعث حيا يوم القـيامة أن ينالنـي الفزع الذي ينال الناس بـمعاينتهم أهوال ذلك الـيوم، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لايتهم، عن وهب بن منبه {وَالسَّلامُ عَلـيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوَمْ أمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} قال: يخبرهم فـي قصة خبره عن نفسه، أنه لا أب له وأنه سيـموت ثم يُبعث حياً، يقول الله تبـارك وتعالـى:

{ ذلكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ قَوْلَ الـحَقّ الَّذِي فِـيهِ يَـمْتَرُونَ }}.

ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره: هذا الذي بـيَّنت لكم صفته، وأخبرتكم خبره، من أمر الغلام الذي حملته مريـم، هو عيسى ابن مريـم، وهذه الصفة صفته، وهذا الـخبر خبره، وهو {قَوْلَ الـحَقّ} يعنـي أن هذا الـخبر الذي قصصته علـيكم قول الـحقّ، والكلام الذي تلوته علـيكم قول الله وخبره، لا خبر غيره، الذي يقع فـيه الوهم والشكّ، والزيادة والنقصان، علـى ما كان يقول الله تعالـى ذكره: فقولوا فـي عيسى أيها الناس، هذا القول الذي أخبركم الله به عنه، لا ما قالته الـيهود، الذين زعموا أنه لغير رِشْدَة، وأنه كان ساحراً كذّابـاً، ولا ما قالته النصارى، من أنه كان لله ولداً، وإن الله لـم يتـخذ ولداً، ولا ينبغي ذلك له.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ قَوْلَ الـحَقِّ} قال: الله الـحقّ.

حدثنـي يحيى بن إبراهيـم الـمسعوديّ، قال: ثنى أبـي، عن أبـيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن إبراهيـم، قال: كانوا يقولون فـي هذا الـحرف فـي قراءة عبد الله، قال: {الَّذِي فِـيهِ يَـمْتَرُونَ}، قال: كلـمة الله. ولو وُجِّه تأويـل ذلك إلـى: ذلك عيسى بن مريـم القول الـحقّ، بـمعنى ذلك القول الـحقّ، ثم حذفت الألف واللام من القول، وأضيف إلـى الـحقّ، كما قـيـل:

{ إنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الـيَقِـينِ }. وكما قـيـل: { وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ }، كان تأويلاً صحيحاً.

وقد اختفلت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الـحجاز والعراق: «قَوْلُ الـحَقّ» برفع القول، علـى ما وصفت من الـمعنى، وجعلوه فـي إعرابه تابعا لعيسى، كالنعت له، ولـيس الأمر فـي إعرابه عندي علـى ما قاله الذين زعموا أنه رفع علـى النعت لعيسى، إلا أن يكون معنى القول الكلـمة، علـى ما ذكرنا عن إبراهيـم، من تأويـله ذلك كذلك، فـيصحّ حينئذٍ أن يكون نعتا لعيسى، وإلا فرفعه عندي بـمضمر، وهو هذا قول الـحقّ علـى الابتداء، وذلك أن الـخبر قد تناهى عن قصة عيسى وأمه عند قوله {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ} ثم ابتدأ الـخبر بأن الـحقّ فـيـما فـيه تـمتري الأمـم من أمر عيسى، هو هذا القول، الذي أخبر الله به عنه عبـاده، دون غيره. وقد قرأ ذلك عاصم بن أبـي النَّـجُود وعبد الله بن عامر بـالنصب، وكأنهما أرادا بذلك الـمصدر: ذلك عيسى ابن مريـم قولاً حقاً، ثم أدخـلت فـيه الألف واللام. وأما ما ذُكر عن ابن مسعود من قراءته: «ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـم قالُ الـحقّ»، فإنه بـمعنى قول الـحقّ، مثل العاب والعيب، والذام والذيـم.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: الرفع، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

وأما قوله تعالـى ذكره: {الَّذِي فِـيهِ يَـمْتَرُونَ} فإنه يعنـي: الذي فـيه يختصمون ويختلفون، من قولهم: ماريت فلاناً: إذا جادلته وخاصمته: وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ذلكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ قَوْلَ الـحَقِّ الَّذِي فـيهِ يَـمْتَرُونَ} امَتَرت فـيه الـيهود والنصارى فأما الـيهود فزعموا أنه ساحر كذّاب وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله، وثالث ثلاثة، وإله، وكذبوا كلهم، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلـمته وروحه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {الَّذِي فـيهِ يَـمْتَرُونَ} قال: اختلفوا، فقالت فرقة: هو عبد الله ونبـيه، فآمنوا به. وقالت فرقة: بل هو الله. وقالت فرقة: هو ابن الله. تبـارك وتعالـى عما يقولون علوّا كبـيرا. قال: فذلك قوله:

{ فـاخْتَلَفَ اْلأحْزَابُ مِنْ بَـيْنِهِمْ } والتـي فـي الزخرف. قال دِقْـيوس ونسطور ومار يعقوب، قال أحدهم حين رفع الله عيسى: هو الله، وقال الآخر: ابن الله، وقال الآخر: كلـمة الله وعبده، فقال الـمفتريان: إن قولـي هو أشبه بقولك، وقولك بقولـي من قول هذا، فهلـمّ فلنقاتلهم، فقاتلوهم وأوطؤوهم وغلبوهم حتى خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم مسلمة أهل الكتاب.

حدثنا الحسن قال عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله ذلك عسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون قال اجتمع بنو إسرائيـل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كلّ قوم عالـمهم، فـامتروا فـي عيسى حين رُفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلـى الأرض وأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلـى السماء، وهم الـيعقوبـية، فقال الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث، قل أنت فـيه، قال: هو ابن الله، وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت، ثم قال أحد الاثنـين للآخر: قل فـيه، قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيـلـية ملوك النصارى قال الرابع: كذبت، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلـمته، وهم الـمسلـمون، فكان لكل رجل منهم أتبـاع علـى ما قال، فـاقتتلوا، فظهر علـى الـمسلـمين، وذلك قول الله:

{ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يأْمُرُونَ بـالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ }قال قتادة: هم الذين قال الله: { فـاخْتَلَفَ الأحْزَابُ } اختلفوا فـيه فصاروا أحزابـاً.

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَٰنَهُۥٓ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٣٥ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: لقد كفرت الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وأعظموا الفِرْية علـيه، فما ينبغي لله أن يتـخذ ولداً، ولا يصلـح ذلك له ولا يكون، بل كلّ شيء دونه فخـلقه، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر:

فـي رأسِ خَـلْقاءَ مِنْ عَنْقاءَ مُشْرِفَةٍلا يُبْتَغَى دُوَنها سَهْلٌ وَلا جَبَلُ

وأن من قوله {أنْ يَتَّـخِذَ} فـي موضع رفع بكان. وقوله: {سُبْحانَهُ} يقول: تنزيهاً لله وتبرئة له أن يكون له ما أضاف إلـيه الكافرون القائلون: عيسى ابن الله. وقوله: {إذَا قَضَى أمْراً فإنَّـمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ} يقول جل ثناؤه: إنـما ابتدأ الله خـلق عيسى ابتداء، وأنشأه إنشاء، من غير فحل افتـحل أمه، ولكنه قال له: {كُنْ فَـيَكُونُ} لأنه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعها، إنـما يقول، إذا قضى خـلق شيء أو إنشاءه: كن فـيكون موجوداً حادثاً، لا يعظم علـيه خـلقه، لأنه لا يخـلقه بـمعاناة وكلفة، ولا ينشئه بـمعالـجة وشدّة.

وقوله: {وَإنَّ اللَّهَ رَبّـي وَرَبُّكُمْ فـاعْبُدُوهُ} اختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة: «وأنَّ اللَّهَ رَبّـي وَرَبكُمْ» واختلف أهل العربـية فـي وجه فتـح «أن» إذا فتـحت، فقال بعض نـحوِّيـي الكوفة: فُتـحت ردّاً علـى عيسى وعطفـاً علـيه، بـمعنى: ذلك عيسى ابن مريـم، وذلك أن الله ربـي وربكم. وإذا كان ذلك كذلك كانت أن رفعا، وتكون بتأويـل خفض، كما قال:

{ ذَلِكَ أنْ لَـمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْـمٍ }قال: ولو فتـحت علـى قوله: { وأوْصَانِـي } بأن الله، كان وجهاً. وكان بعض البصريـين يقول: وذُكر ذلك أيضاً عن أبـي عمرو بن العلاء، وكان مـمن يقرؤه بـالفتـح إنـما فتـحت أن بتأويـل { وَقَضَى } أن الله ربـي وربُّكم. وكانت عامة قرّاء الكوفـيـين يقرؤونه: {وَإنَّ اللَّهَ} بكسر إن بـمعنى النسق علـى قوله: {فإنَّـما يَقُولُ لَهُ}. وذُكر عن أبـيّ بن كعب أنه كان يقرؤه: «فإنَّـما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ إنَّ اللَّهَ رَبِّـي وَرَبُّكُمْ» بغير واو.

قال أبو جعفر: والقراءة التـي نـختار فـي ذلك: الكسر علـى الابتداء. وإذا قرىء كذلك لـم يكن لها موضع، وقد يجوز أنَّ يكون عطفـاً علـى «إنَّ» التـي مع قوله

{ قالَ إنِّـي عَبْدُ اللَّهِ آتانِـيَ الكِتابَ وَإنَّ اللَّهَ رَبِّـي وَرَبُّكُمْ }ولو قال قائل، مـمن قرأ ذلك نصبـاً: نصب علـى العطف علـى الكتاب، بـمعنى: آتانـي الكتاب، وآتانـي أن الله ربـي وربُّكم، كان وجهاً حسناً. ومعنى الكلام: وإنـي وأنتـم أيها القوم جميعاً الله عبـيد، فإياه فـاعبدوا دون غيره. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لايتهم، عن وهب بن منبه، قال: عهد إلـيهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه {إنَّ اللَّهَ رَبِّـي وَرَبُّكُمْ فـاعْبُدُوهُ هذَا صِراطٌ مُسْتَقِـيـمٌ} أي إنـي وإياكم عبـيد الله، فـاعبدوه ولا تعبدوا غيره.

وقوله: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِـيـم} يقول: هذا الذي أوصيتكم به، وأخبرتكم أن الله أمرنـي به هو الطريق الـمستقـيـم، الذي من سلكه نـجا، ومن ركبه اهتدى، لأنه دين الله الذي أمر به أنبـياءه.

فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره: فـاختلف الـمختلفون فـي عيسى، فصاروا أحزابـاً متفرّقـين من بـين قومه، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنـي الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فـاخْتَلَفَ اْلأحْزَابُ مِنْ بَـيْنِهِمْ} قال: أهل الكتاب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فـاخْتَلَفَ اْلأحْزَابُ مِنْ بَـيْنِهِمْ} ذُكر لنا أن لـما رُفع ابن مريـم، انتـخبت بنو إسرائيـل أربعة من فقهائهم، فقالوا للأوّل: ما تقول فـي عيسى؟ قال: هو الله هبط إلـى الأرض، فخـلق ما خـلق، وأحيا ما أحيا، ثم صَعِد إلـى السماء، فتابعه علـى ذلك ناس من الناس، فكانت الـيعقوبـية من النصارى وقال الثلاثة الآخرون: نشهد أنك كاذب، فقالوا للثانـي: ما تقول فـي عيسى؟ قال: هو ابن الله، فتابعه علـى ذلك ناس من الناس، فكانت النَّسطورية من النصارى وقال الاثنان الآخران: نشهد أنك كاذب، فقالوا للثالث: ما تقول فـي عيسى؟ قال: هو إله، وأمه إله، والله إله، فتابعه علـى ذلك ناس من الناس، فكانت الإسرائيـلـية من النصارى، فقال الرابع: أشهد أنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلـمة الله وروحه فـاختصم القوم، فقال الـمرء الـمسلـم: أنشُدكم الله ما تعلـمون أن عيسى كان يَطعم الطعام، وأن الله تبـارك وتعالـى: لا يطعم الطعام قالوا: اللهمّ نعم، قال: هل تعلـمون أن عيسى كان ينام؟ قالوا: اللهمّ نعم، قال فخصمهم الـمسلـم قال: فـاقتتل القوم. قال: فذُكر لنا أن الـيعقوبـية ظهرت يومئذٍ وأصيب الـمسلـمون، فأنزل الله فـي ذلك القرآن:

{ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآياتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِـيِّـينَ بغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأمْرُوُنَ بِـالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ }

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {فـاخْتَلَفَ اْلأحْزَابُ مِنْ بَـيْنِهِمْ} اختلفوا فـيه فصاروا أحزابـاً..

وقوله: {فَوَيْـلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيـمٍ} يقول: فوادي جهنـم الذي يدعي ويلاً للذين كفروا بـالله، من الزاعمين أن عيسى لله ولد، وغيرهم من أهل الكفر به من شهودهم يوماً عظيـماً شأنه، وذلك يوم القـيامة. وكان قتادة يقول فـي تأويـل ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: {فَوَيْـلٌ للَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيـمٍ} شهدوا هولاً إذا عظيـماً.

أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن حال الكافرين به، الـجاعلـين له أنداداً، والزاعمين أن له ولداً يوم ورودهم علـيه فـي الآخرة: لئن كانوا فـي الدنـيا عمياً عن إبصار الـحقّ، والنظر إلـى حجج الله التـي تدلّ علـى وحدانـيته، صماً عن سماع آي كتابه، وما دعتهم إلـيه رسل الله فـيها من الإقرار بتوحيده، وما بعث به أنبـياءه، فما أسمعهم يوم قدومهم علـى ربهم فـي الآخرة، وأبصرهم يومئذٍ حين لا ينفعهم الإبصار والسماع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ} ذاك والله يوم القـيامة، سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر.

حدثنا الـحسن، قال أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {أسمِعْ بِهِمْ وأبْصرْ} قال: أسمعُ قومٍ وأبصرُهُم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قال {أسمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يأْتُوننا} يوم القـيامة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية، قال: {أسمِعْ} بحديثهم الـيوم {وأبْصِرْ} كيف يصنع بهم {يَوْمَ يأْتُونَنا} حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أسمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يأْتُونَنا} قال: هذا يوم القـيامة، فأما الدنـيا فلا، كانت علـى أبصارهم غشاوة، وفـي آذانهم وقر فـي الدنـيا فلـما كان يوم القـيامة أبصروا وسمعوا فلـم ينتفعوا، وقرأ:

{ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فـارْجِعْنا نَعْمَلَ صَالِـحاً إنا مُوقِنُونَ }

وقوله: {لَكِنِ الظَّالِـمُونَ الـيَوْمَ فِـي ضَلالٍ مُبِـينٍ} يقول تعالـى ذكره: لكن الكافرون الذين أضافوا إلـيه ما لـيس من صفته، وافتروا علـيه الكذب الـيوم فـي الدنـيا، فـي ضلال مبـين يقول: فـي ذهاب عن سبـيـل الـحقّ، وأخذ علـى غير استقامة، مبـين أنه جائر عن طريق الرشد والهدى، لـمن تأمله وفكَّر فـيه، فهُدِي لرشده.

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٣٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر يا مـحمد هؤلاء الـمشركين بـالله يوم حسرتهم وندمهم، علـى ما فرّطوا فـي جنب الله، وأورثت مساكنهم من الـجنة أهل الإيـمان بـالله والطاعة له، وأدخـلوهم مساكن أهل الإيـمان بـالله من النار، وأيقن الفريقان بـالـخـلود الدائم، والـحياة التـي لا موت بعدها، فـيا لها حسرةً وندامة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ثنا سفـيان، عن سَلَـمة بن كُهَيـل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله فـي قصة ذكرها، قال: ما من نفس إلا وهي تنظر إلـى بـيت فـي الـجنة، وبـيت فـي النار، وهو يوم الـحسرة، فـيرى أهل النار البـيت الذي كان قد أعدّه الله لهم لو آمنوا، فـيقال لهم: لو آمنتـم وعملتـم صالـحاً كان لكم هذا الذي ترونه فـي الـجنة، فتأخذهم الـحسرة، ويرى أهل الـجنة البـيت الذي فـي النار، فـيقال: لولا أن مَنّ الله علـيكم.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا معاوية، عن الأعمش، عن أبـي صالـح، عن أبـي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يُجاءُ بـالـمَوْتِ يَوْمَ القِـيامَةِ فَـيُوقَـفُ بـينَ الـجَنَّةِ والنَّارِ كأنَّه كَبْشٌ أمْلَـحُ" قال: فَـيُقالُ: يا أهْلَ الـجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَـيَشْرِئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَـيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الـمَوْتُ، فَـيُقالُ: يا أهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَـيَشْرَئبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَـيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذَا الـمَوْتُ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَـيُذْبَحُ" قال:فَـيَقُولُ: يا أهْلَ الـجَنَّةِ خُـلُودٌ فَلا مَوْت، وَيا أهْلَ النَّارِ خُـلُودٌ فَلا مَوْت" قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{وأنْذِرْهِمْ يَوْمَ الـحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِـي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} وأشار بـيده فـي الدنـيا.

حدثنـي عبـيد بن أسبـاط بن مـحمد، قال: ثنا أبـي، عن الأعمش، عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي هذه الآية {وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الـحَسْرَةِ} قال:

يُنادَى: يا أهْلَ الـجَنَّةِ، فَـيَشْرَئِبُّونَ، فَـيَنْظُرونَ، ثُمَّ يُنادَى: يا أهْلَ النَّارِ فَـيَشْرَئِبُّونَ فَـيَنْظُرونَ، فَـيُقالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ الـمَوْتَ؟ قال: فَـيَقُولُونَ: لا، قال: فَـيُجاءُ بـالـمَوْتِ فـي صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَـحَ، فـيُقال: هَذَا الـمَوْتُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ فَـيُذْبَحُ، قالَ: ثُمَّ يُنادِي يا أهْلَ النَّار خُـلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيا أهْلَ الـجَنَّةِ خُـلُودٌ فَلا مَوْت"، قال: ثم قرأ {وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الـحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس، فـي قوله: {وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الـحَسْرَةِ} قال: يصوّر الله الـموت فـي صورة كبش أملـح، فـيذبح، قال: فـيـيأس أهل النار من الـموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الـحسرة من أجل الـخـلود فـي النار، وفـيها أيضا الفزع الأكبر، ويأمن أهل الـجنة الـموت، فلا يخشونه، وأمنوا الـموت، وهو الفزع الأكبر، لأنهم يخـلدون فـي الـجنة، قال ابن جريج: يحشر أهل النار حين يذبح الـموت والفريقان ينظرون، فذلك قوله: {إذْ قُضِيَ الأمْرُ} قال: ذبح الـموت {وَهُمْ فِـي غَفْلَةٍ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن أبـيه أنه أخبره أنه سمع عبـيد بن عمير فـي قصصه يقول: يؤتَـى بـالـموت كأنه دابة، فـيذبح والناس ينظرون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الـحَسْرَةِ} قال: يوم القـيامة، وقرأ

{ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلـى ما فَرَّطْتُ فِـي جَنْبِ اللَّهِ }

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وأنْذِرْهُمْ يَوْمَ الـحَسْرَةِ} من أسماء يوم القـيامة، عظَّمه الله، وحذّره عبـادَه.

وقوله: {إذْ قُضِيَ الأمْرُ} يقول: إذ فُرِغ من الـحكم لأهل النار بـالـخـلود فـيها، ولأهل الـجنة بـمقام الأبد فـيها، بذبح الـموت. وقوله: {وَهُمْ فِـي غَفْلَةٍ} يقول: وهؤلاء الـمشركون فـي غفلة عما الله فـاعل بهم يوم يأتونه خارجين إلـيه من قبورهم، من تـخـلـيده إياهم فـي جهنـم، وتوريثه مساكنهم من الـجنة غيرهم {وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} يقول تعالـى ذكره: وهم لا يصدّقون بـالقـيامة والبعث، ومـجازاة الله إياهم علـى سيىء أعمالهم، بـما أخبر أنه مـجازيهم.

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك تكذيب هؤلاء الـمشركين يا مـحمد فـيـما أتـيتهم به من الـحقّ، فإن إلـينا مرجعهم ومصيرهم ومصير جميع الـخـلق غيرهم، ونـحن وارثو الأرض ومن علـيها من الناس، بفنائهم منها، وبقائها لا مالك لها غيرنا، ثم علـينا جزاء كلّ عامل منهم بعمله، عند مرجعه إلـينا، الـمـحسن منهم بإحسانه، والـمسيء بإساءته.

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِبْرَٰهِيمَ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ۝٤١ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه: {وَاذْكُرْ} يا مـحمد فـي كتاب الله {إِبْرَاهِيـمَ} خـلـيـل الرحمن، فـاقصص علـى هؤلاء الـمشركين قصصه وقصص أبـيه، {إِنَّه كَانَ صِدِّيقاً} يقول: كان من أهل الصدق فـي حديثه وأخبـاره ومواعيده لا يكذب، والصدّيق هو الفعيـل من الصدق. وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. {نَبِـيَّاً} يقول: كان الله قد نبأه وأوحى إلـيه.

وقوله: {إذْ قالَ لأبِـيهِ} يقول: اذكره حين قال لأبـيه {يا أبَتِ لِـمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ} يقول: ما تصنع بعبـادة الوَثَن الذي لا يسمع {وَلا يُبْصرُ} شيئا {وَلا يُغْنِـي عَنْكَ شَيْئاً} يقول: ولا يدفع عنك ضرّ شيء، إنـما هو صورة مصوّرة لا تضرّ ولا تنفع. يقول ما تصنع بعبـادة ما هذه صفته؟ اعبد الذي إذا دعوته سمع دعاءك، وإذا أحيط بك أبصرك فنصرك، وإذا نزل بك ضرّ دفع عنك.

واختلف أهل العربـية فـي وجه دخول الهاء فـي قوله {يا أبَتِ} فكان بعض نـحوِّيـي أهل البصرة يقول: إذا وقـفت علـيها قلت: يا أبه، وهي هاء زيدت نـحو قولك: يا أمه، ثم يقال: يا أم إذا وصل، ولكنه لـما كان الأب علـى حرفـين، كان كأنه قد أُخـلّ به، فصارت الهاء لازمة، وصارت الـياء كأنها بعدها، فلذلك قالوا: يا أبة أقبل، وجعل التاء للتأنـيث، ويجوز الترخيـم من يا أب أقبل، لأنه يجوز أن تدعو ما تضيفه إلـى نفسك فـي الـمعنى مضموماً، نـحو قول العرب: يا ربّ اغفر لـي، وتقـف فـي القرآن: يا أبه فـي الكتاب. وقد يقـف بعض العرب علـى الهاء بـالتاء. وقال بعض نـحوِّيـي الكوفة: الهاء مع أبة وأمة هاء وقـف، كثرت فـي كلامهم حتـى صارت كهاء التأنـيث، وأدخـلوا علـيها الإضافة، فمن طلب الإضافة، فهي بـالتاء لا غير، لأنك تطلب بعدها الـياء، ولا تكون الهاء حينئذٍ إلا تاء، كقولك: يا أبت لا غير، ومن قال: يا أبه، فهو الذي يقـف بـالهاء، لأنه لا يطلب بعدها ياء ومن قال: يا أبتا، فإنه يقـف علـيها بـالتاء، ويجوز بـالهاء فأما بـالتاء، فلطلب ألف الندبة، فصارت الهاء تاء لذلك، والوقـف بـالهاء بعيد، إلا فـيـمن قال: «يا أميـمةَ ناصِبِ» فجعل هذه الفتـحة من فتـحة الترخيـم، وكأن هذا طرف الاسم، قال: وهذا يعيد.

يَٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره: قال إبراهيـم لأبـيه: يا أبت إنـي قد آتانـي الله من العلـم ما لـم يؤتك فـاتبعنـي: يقول: فـاقبل منـي نصيحتـي {أهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيًّا} يقول: أبصرك هدى الطريق الـمستوى الذي لا تضلّ فـيه إن لزمته، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فـيه.

يَٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَٰنَ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره: يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان لله عاصيا. والعصيّ هو ذو العصيان، كما العلـيـم ذو العلـم. وقد قال قوم من أهل العربـية: العصيّ: هو العاصي، والعلـيـم هو العالـم، والعريف هو العارف، واستشهدوا لقولهم ذلك، بقول طريف بن تـميـم العنبريّ.

أوَ كُلَّـما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبِـيـلَةٌبَعَثُوا إلـيَّ عَرِيفَهُمْ يَتَوَسَّمُ

وقالوا: قال عريفهم وهو يريد: عارفهم، والله أعلـم.

يَٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَٰنِ وَلِيًّا ۝٤٥

يقول: يا أبت إنـي أعلـم أنك إن متّ علـى عبـادة الشيطان أنه يـمسك عذاب من عذاب الله {فَتَكُونَ لِلشيَّطْانِ وَلِـيًّا} يقول: تكون له ولـيا دون الله ويتبرأ الله منك، فتهلك، والـخوف فـي هذا الـموضع بـمعنى العلـم، كما الـخشية بـمعنى العلـم، فـي قوله:

{ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً }}.

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا ۝٤٦

يقول تعالـى ذكره: {قال} أبو إبراهيـم لإبراهيـم، حين دعاه إبراهيـم إلـى عبـادة الله وترك عبـادة الشيطان، والبراءة من الأوثان والأصنام: {أرَاغِبٌ أنْتَ} يا إبراهيـم {عن} عبـادة {آلهتـي؟ لَئِن} أنت {لَـمْ تَنْتَهِ} عن ذكرها بسوء {لأَرْجُمَنَّكَ} يقول: لأرجمنك بـالكلام، وذلك السبّ، والقول القبـيح. وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قال {أرَاغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِـي يا إبْرَاهِيـمُ لَئِنْ لَـمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} بـالشتـيـمة والقول.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، فـي قوله: {لَئِنَ لَـمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} قال: بـالقول لأشتـمنك.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {لأَرْجُمَنَّكَ} يعنـي: رجْم القول.

وأما قوله: {وَاهْجُرْنِـي مَلِـيًّا} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: معنى ذلك: واهجرنـي حيناً طويلاً ودهراً. ووجَّهوا معنى الـملـيّ إلـى الـمُلاوة من الزمان، وهو الطويـل منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا مـحمد بن أبـي الوضاح، عن عبد الكريـم، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَاهجُرْنِـي مَلِـيًّا} قال: دهرا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {مَلِـيًّا} قال حينا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن {وَاهْجُرْنِـي مَلِـيًّا} قال: طويلاً.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن، فـي قوله {وَاهْجُرْنِـي مَلِـيًّا} قال: زمانا طويلاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَـمة، عن ابن إسحاق {وَاهْجُرْنِـي مَلِـيًّا} يقزل: دهرا، والدهر: الـملـيّ.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير {وَاهْجُرْنِـي مَلِـيًّا} قال دهراً.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَاهْجُرْنِـي مَلِـيًّا} قال: أبدا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجرنـي سَويًّا سالـماً من عقوبتـي إياك، ووجَّهوا معنى الـملـيّ إلـى قول الناس: فلان ملـيّ بهذا الأمر: إذا كان مضطلعاً به غنـياً فـيه. وكأن معنى الكلام كان عندهم: واهجرنـي وعرضُك وافر من عقوبتـي، وجسمك معافـى من أذاي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس {وَاهْجُرْنِـي مَلِـيًّا} يقول: اجتنبنـي سَوِيّاً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{وَاهْجُرْنِـي مَلِـيًّا} قال: اجتنبنـي سالـما قبل أن يصيبك منـي عقوبة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَاهْجُرْنِـي مَلـيًّا} قال: سالـماً.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن كثـير بن درهم أبو غسان، قال: ثنا قرة بن خالد، عن عطية الـجدلـي {وَاهْجُرْنِـي مَلِـيًّا} قال: سالـماً.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {وَاهْجُرْنِـي مَلـيًّا}: اجتنبنـي سالـما لا يصيبك منـي معرّة.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين بتأويـل الآية عندي قول من قال: معنى ذلك: واهجرنـي سوياً، سِلـماً من عقوبتـي، لأنه عقـيب قوله: {لَئِنْ لَـمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} وذلك وعيد منه له إن لـم ينته عن ذكر آلهته بـالسوء أن يرجمه بـالقول السيىء، والذي هو أولـى بأن يتبع ذلك التقدّم إلـيه بـالانتهاء عنه قبل أن تناله العقوبة، فأما الأمر بطول هجره فلا وجه له.

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ