انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يس

التحرير والتنويرالآيات 41–64

تفسير سورة يس آية آية، من التحرير والتنوير.

وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ۝٤١ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ ۝٤٢ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ۝٤٣ إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍ ۝٤٤

انتقال من عدّ آيات في الأرض وفي السماء إلى عد آية في البحر تجمع بين العبرة والمنة وهي آية تسخير الفُلْك أن تسير على الماء وتسخير الماء لتطفو عليه دون أن يغرقها.

وقد ذكَّر الله الناس بآية عظيمة اشتهرت حتى كانت كالمشاهدة عندهم وهي آية إلهام نوح صنع السفينة ليحمل الناس الذين آمنوا ويحمل من كل أنواع الحيوان زوجين لينجي الأنواع من الهلاك والاضمحلال بالغرق في حادث الطوفان. ولما كانت هذه الآية حاصلة لفائدة حمل أزواج من أنواع الحيوان جُعلت الآية نفس الحمل إدماجاً للمنة في ضمن العبرة فكأنه قيل: وآية لهم صنع الفُلك لنحمل ذرياتهم فيه فحملناهم.

وأطلق الحَمل على الإِنجاء من الغرق على وجه المجاز المرسل لعلاقة السببية والمسببية، أي أنجينا ذرياتهم من الغرق بحملهم في الفُلك حين الطوفان.

والذريات: جمع ذرية وهي نسل الإِنسان. و{الفلك المشحون}: هو المعهود بين البشر في قصة الطوفان، وهو هنا مفرد بقرينة وصفه بالمفرد وهو {المَشْحُونِ} ولم يقل: المشحونة كما قال:

{ { وترى الفلك فيه مواخر } } [فاطر: 12] وهو فلك نوح فقد اشتهر بهذا الوصف في القرآن كما في سورة الشعراء (119) { { فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون } } ولم يوصف غير فلك نوح بهذا الوصف.

وتعدية {حَمَلْنَا} إلى الذريات تعدية على المفعولية المجازية وهو مجاز عقلي فإن المجاز العقلي لا يختص بالإِسناد بل يكون المجاز في التعليق فإن المحمول أصول الذريات لا الذريات وأصولها ملابسة لها.

ولما كانت ذريات المخاطبين مما أراد الله بقاءه في الأرض حين أمر نوحاً بصنع الفلك لإِنجاء الأنواع وأمره بحمل أزواج من الناس هم الذين تولد منهم البشر بعد الطوفان نُزّل البشر كله منزلة محمولين في الفلك المشحون في زمن نوح، وذكر الذريات يقتضي أن أصولهم محمولون بطريق الكناية إيجازاً في الكلام، وأن أنفسهم محمولون كذلك كأنه قيل: إنا حملنا أُصولهم وحملناهم وحملنا ذرياتهم، إذ لولا نجاة الأصول ما جاءت الذريّات، وكانت الحكمة في حمل الأصول بقاء الذريات فكانت النعمة شاملة للكل، وهذا كالامتنان في قوله:

{ { إنّا لمّا طغى الماءُ حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة } } [الحاقة: 11، 12].

وضمير {ذُرَّيَاتَهُم} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {لَهُمْ} أي العباد المراد بهم المشركون من أهل مكة لكنهمْ لوحظوا هنا بعنوان كونهم من جملة البشر، فالمعنى: آية لهم أنا حملنا ذريات البشر في سفينة نوح وذلك حين أمر الله نوحاً بأن يحمل فيها أهله والذين آمنوا من قومه لبقاء ذريات البشر فكان ذلك حملاً لذرياتهم ما تسلسلت كما تقدم آنفاً.

هذا هو تأويل هذه الآية قال القرطبي: وهي من أشكل ما في السورة، وقال ابن عطية: «قد خلط بعض الناس حتى قالوا: الذرية تطلق على الآباء وهذا لا يعرف من اللغة» وتقدم قوله:

{ { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } } في سورة الأعراف(172).

وقرأ نافع وابن عامر {ذرياتهم} بلفظ الجمع. وقرأه الباقون بدون ألف بصيغة اسم الجمع، والمعنى واحد. وقد فهم من دلالة قوله: {أنَّا حَمَلْنَا ذُرِيَّاتَهُمْ} صريحاً وكناية أن هذه الآية مستمرة لكل ناظر إذ يشهدون أسفارهم وأسفار أمثالهم في البحر وخاصة سكان الشطوط والسواحل مثل أهل جُدة وأهل يُنْبُع إذ يسافرون إلى بلاد اليمن وبلاد الحبشة فيفهم منه: أنا حملنا ونحمل وسنحمل أسلافهم وأنفسهم وذرياتهم. وقد وصف طرفة السفن في معلّقته.

وجملة {وخَلَقْنَا لهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يركَبُونَ} معترضة في خلال آية البحر اقتضتها مراعاة النظير تذكيراً بنعمة خلق الإِبل صالحة للأسفار فحُكيت آية الإِلهام بصنع الفلك من حيث الحكمة العظيمة في الإِلهام وتسخير البحر لها وإيجادها في وقت الحاجة لحفظ النوع، فلذلك لم يؤت في جانبها بفعل الخلق المختص بالإِيجاد دون صنع الناس. وحكيت آية اتخاذ الرواحل بفعل {خلقنا}، ونظير هذه المقارنة قوله تعالى:

{ { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون } } [الزخرف: 12]، فَمَا صدْق {مَا يَركَبُونَ} هنا هو الرواحل خاصة لأنها التي تشبه الفلك في جعلها قادرة على قطع الرمال كما جعل الفلك صالحاً لمخْر البحار، وقد سمت العرب الرواحل سفائن البرّ و{مِن} التي في قوله: {مِن مِثلِهِ} بيانية بتقديم البيان على المبين وهو جائز على الأصح، أو مؤكدة ومجرورها أصله حال من {ما} الموصولة في قوله: {ما يركَبُون}. والمراد المماثلة في العظمة وقوة الحمل ومداومة السير وفي الشكل.

وجملة {وإن نَشَأْ نُغْرِقهُم} عطف على جملة {أنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّاتَهُم} باعتبار دلالتها الكنائية على استمرار هذه الآية وهذه المنة تذكيراً بأن الله تعالى الذي امتنّ عليهم إذا شاء جعل فيما هو نعمة على الناس نقمة لهم لحكمة يعلمها. وهذا جرى على عادة القرآن في تعقيب الترغيب بالترهيب وعكسِه لئلا يبطر الناس بالنعمة ولا ييأسوا من الرحمة. وقرينة ذلك أنه جيء في هذه الجملة بالمضارع المتمحّض في سياق الشرط لكونه مستقبلاً، وهذا كقوله تعالى:

{ { أفأمِنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ثم لا تجدوا لكم وكيلاً أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً } } [الإسراء: 68ــــ69].

والصريخ: الصارخ وهو المستغيث المستنجد تقول العرب: جاءهم الصريخ، أي المنكوب المستنجد لينقذوه، وهو فعيل بمعنى فاعل. ويطلق الصريخ على المغيث فعيل بمعنى مفعول، وذلك أن المنجد إذا صرخ به المستنجد صرخ هو مجيباً بما يطمئن له من النصر. وقد جمع المعنيين قول سلامة بن جندل أنشده المبرد في «الكامل»:

إنا إذا أتانا صارخ فزعكان الصُراخ له قَرع الظَنابيب

والظنابيب: جمع ظُنبوب وهو مسمار يكون في جُبة السنان. وقرع الظنابيب تفقد الأسنة استعداداً للخروج.

والمعنى: لا يجدون من يستصرخون به وهم في لُجج البحر ولا ينقذهم أحد من الغرق.

والإنقاذ: الانتشال من الماء.

وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {ولا هم يُنقَذُونَ} لإِفادة تقوّي الحكم وهو نفي إنقاذ أحدٍ إياهم.

والاستثناء في قوله: {إلاَّ رَحْمَةً} منقطع فإن الرحمة ليست من الصريخ ولا من المنقذ وإنما هي إسعاف الله تعالى إياهم بسكون البحر وتمكينهم من السبح على أعواد الفلك.

و {وَمَتاعاً} عَطف على {رَحْمَةً}، أي إلاّ رحمة هي تمتيع إلى أجل معلوم فإن كل حي صائر إلى الموت فإذا نجا من موته استقبلته موتة أخرى ولكن الله أودع في فطرة الإِنسان حبّ زيادة الحياة مع علمه بأنه لا محيد له عن الموت.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝٤٥ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ۝٤٦

تخلص الكلام من عدم انتفاعهم بالآيات الدالة على وحدانية الله إلى عدم انتفاعهم بالأقوال المبلَّغة إليهم في القرآن من الموعظة، والتذكير بما حلّ بالأمم المكذبة أن يصيبهم مثلُ ما أصابهم، وبعدم انتفاعهم بتذكير القرآن إياهم بالأدلة على وحدانية الله، وعلى البعث.

وبناء فعل {قِيلَ} للمجهول لظهور أن القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغه عن الله تعالى، أي قيل لهم في القرآن.

وما بين الأيدي يراد منه المستقبل، وما هو خلف يراد منه الماضي، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام:

{ { مصدقاً لما بين يديَّ من التوراة } } [آل عمران: 50]، أي ما تقدمني. وذلك أن أصل هذين التركيبين تمثيلان فتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف إليه بسائر إلى مكان فالذي بين يديه هو ما سيرد هو عليه، والذي من ورائه هو ما خلَّفه خلْفه في سيره، وتارة ينظرون إلى تمثيل المضاف بسائر، فهو إذا كان بين يدي المضاف إليه فقد سبقه في السير فهو سَابق له وإذا كان خلف المضاف إليه فقد تأخر عنه فهو وارد بعده.

وقد فسرت هذه الآية بالوجهين فقيل: ما بين أيديكم من أمر الآخرة وما خلفكم من أحوال الأمم في الدنيا، وهو عن مجاهد وابن جبير عن ابن عباس. وقيل: ما بين أيديكم أحوال الأمم في الدنيا وما خلفكم من أحوال الآخرة وهو عن قتادة وسفيان. ومتى حمل أحد الموصولَين على ما سبق من أحوال الأمم وجب تقدير مضافين قبل {ما} الموصولة هما المفعول، أي اتقوا مثلَ أحوال ما بين أيديكم، أو مثل أحوال ما خلفكم، ولا يقدر مضافان في مقابله لأن مَا صْدَق {ما} الموصولة فيه حينئذٍ هو عذاب الآخرة فهو مفعول {اتَّقُوا}. وتقدم قوله تعالى:

{ { فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها } } في سورة البقرة (66).

و (لعلّ) للرجاء، أي ترجى لكم رحمة الله، لأنهم إذا اتقوا حذروا ما يوقع في المتقى فارتكبوا واجتنبوا وبادروا بالتوبة فيما فرط فرضي ربهم عنهم فرحِمهم بالثواب وجنّبهم العقاب. والكلام في (لعل) الواردة في كلام الله تعالى تقدم عند قوله تعالى:

{ { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } } في سورة البقرة (21).

وجواب {إذا} محذوف دل عليه قوله في الجملة المعطوفة {إلاَّ كَانُوا عنها مُعْرِضِينَ}. فالتقدير هنا: كانوا معرضين.

وجملة {ما تأتِيهم من ءايَةٍ من ءايٰتِ ربِهم إلاَّ كانوا عَنها مُعْرِضين} واقعة موقع التذييل لما قبلها، ففيها تعميم أحوالهم وأحوالِ ما يُبلَّغونه من القرآن؛ فكأنه قيل: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا، والإِعراض دأبهم في كل ما يقال لهم.

والآيات: آيات القرآن التي تنزل فيقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، فأطلق على بلوغها إليهم فعل الإِتيان ووصفها بأنها من آيات ربهم للتنويه بالآيات والتشنيع عليهم بالإِعراض عن كلام ربهم كفراً بنعمة خلقه إياهم.

و{ما} نافية، والاستثناء من أحوال محذوفة، أي ما تأتيهم آية في حال من أحوالهم إلا كانوا عنها معرضين. وجملة {كانُوا عنها مُعْرِضِينَ} في موضع الحال.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٤٧

كانوا مع ما هم عليه من الكرم يشحّون على فقراء المسلمين فيمنعونهم البذل تشفّياً منهم فإذا سمعوا من القرآن ما فيه الأمر بالإِنفاق أو سألهم فقراء المسلمين من فضول أموالهم أو أن يعطوهم ما كانوا يجعلونه لله من أموالهم الذي حكاه الله عنهم بقوله:

{ { وجعلوا للَّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً } } [الأنعام: 136] فلعل من أسلم من الفقراء سألوا المشركين ما اعتادوا يعطونهم قَبْل إسلامهم فيقولون أعطوا مما رزقكم الله وقد سمعوا منهم كلمات إسلامية لم يكونوا يسمعونها من قبل، وربما كانوا يحاجونهم بأن الله هو الرزاق ولا يقع في الكون كائن إلا بإرادته فجعل المشركون يتعللون لمنعهم بالاستهزاء فيقولون: لا نُطعم من لو يشاء الله لأطعمه، وإذا كان هذا رزقناه الله فلماذا لم يرزقكم، فلو شاء الله لأطعمكم كما أطعمنا. وقد يقول بعضهم ذلك جهلاً فإنهم كانوا يجهلون وضع صفات الله في مواضعها كما حكى الله عنهم: { { وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم } } [الزخرف: 20].

وإظهار الموصول من قوله: {قَالَ الذيِنَ كَفَرُوا} في مقام الإِضمار مع أن مقتضى الظاهر أن يقال: قالوا أنطعم الخ لنكتة الإِيماء إلى أن صدور هذا القول منهم إنما هو لأجل كفرهم ولأجل إيمان الذين سئل الإِنفاق عليهم.

روى ابنُ عطية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المشركين بالإِنفاق على المساكين في شدة أصابت الناس فشحّ فيها الأغنياء على المساكين ومنعوهم ما كانوا يعطونهم.

واللام في قوله: {لِلَّذِينَ ءَامَنُوا} يجوز أن تكون لتعدية فعل القول إلى المخاطب به أي خاطبوا المؤمنين بقولهم: {أنُطعِمُ مَن لو يَشاءُ الله أطعَمَهُ}، ويجوز أن تكون اللام للعلة، أي قال الذين كفروا لأجل الذين آمنوا، أي قالوا في شأن الذين آمنوا كقوله تعالى:

{ { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا } } [آل عمران: 168] وقوله: { { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه } } [الأحقاف: 11] أي قالوا ذلك تعلة لعدم الإِنفاق على فقراء المؤمنين.

والاستفهام في {أنُطْعِمُ} إنكاري، أي لا نطعم من لو شاء الله لأطعمهم بحسب اعتقادكم أن الله هو المطعم.

والتعبير في جوابهم بالإِطعام مع أن المطلوب هو الإِنفاق: إمّا لمجرد التفنن تجنباً لإِعادة اللفظ فإن الإِنفاق يراد منه الإِطعام، وإمّا لأنهم سئلوا الإِنفاق وهو أعمّ من الإِطعام لأنه يشمل الإِكساء والإِسكان فأجابوا بإمساك الطعام وهو أيسر أنواع الإِنفاق، ولأنهم كانوا يعيّرون من يشحّ بإطعام الطعام وإذا منعوا المؤمنين الطعام كان منعهم ما هو فوقه أحرى.

وجملة {إنْ أنتُمْ إلاَّ في ضَلالٍ مُبِينٍ} من قول المشركين يخاطبون المؤمنين، أي ما أنتم في قولكم: {أنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} وما في معناه من اعتقاد أن الله متصرف في أحوالنا إلا متمكن منكم الضلال الواضح. وجعلوه ضلالاً لجهلهم بصفات الله، وجعلوه مبيناً لأنهم يحكمون الظواهر من أسباب اكتساب المال وعدمه.

والجملة تعليل للإِنكار المستفاد من الاستفهام.

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤٨ مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ۝٤٩ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ۝٥٠

ذكر عقب استهزائهم بالمؤمنين لمّا منعوهم الإِنفاق بعلة أن الله لو شاء لأطعمهم استهزاء آخر بالمؤمنين في تهديدهم المشركين بعذاب يحلّ بهم فكانوا يسألونهم هذا الوعد استهزاء بهم بقرينة قوله: {إن كنتم صادِقِينَ}، فالاستفهام مستعمل كناية عن التهكم والتكذيب. وأطلق الوعد على الإِنذار والتهديد بالشر لأن الوعد أعمّ ويتعين للخير والشر بالقرينة. واسم الإِشارة للوعد مستعمل في الاستخفاف بوعد العذاب كما في قول قيس بن الخطيم:

متى يأت هذا الموتُ لا يُلف حاجةلنفسي إلا قد قضيتُ قضاءها

وإذا قد كان استهزاؤهم هذا يسوء المسلمين أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن الوعد واقع لا محالة وأنهم ما ينتظرون إلا صيحة تأخذهم فلا يُفلتون من أخذتها.

وفعل {يَنظُرُونَ} مشتق من النَّظِرة وهو الترقب، وتقدم في قوله تعالى:

{ { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } } في سورة [الأنعام: 158].

والصيحة: الصوت الشديد الخارج من حلق الإِنسان لزجر، أو استغاثة. وأطلقت الصيحة في مواضع في القرآن على صوت الصاعقة كما في قوله تعالى في شأن ثمود:

{ { فأخذتهم الصيحة } } [الحجر: 73]. فالصيحة هنا تحتمل المجاز، أي ما ينتظرون إلا صعقة أو نفخة عظيمة. والمراد النفخة الأولى التي ينقضي بها نظام الحياة في هذا العالم، والأخرى تنشأ عنها النشأة الثانية وهي الحياة الأبدية، فيكون أسلوب الكلام خارجاً على الأسلوب الحكيم إعراضاً عن جوابهم لأنهم لم يقصدوا حَقيقة الاستفهام فأجيبوا بأن ما أعد لهم من العذاب هو الأجدر بأن ينتظروه.

ومعنى {تأخُذُهُم} تُهلكهم فجأة، شبه حلول صيحة العقاب بحلول المُغِيرين على الحيّ لأخذ أنعامه وسَبْي نِسائه، فأطلق على ذلك الحلولِ فعل {تأخُذُهُم} كقوله تعالى:

{ { فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية } } [الحاقة: 10] أي تحلّ بهم وهم يختصمون. وإسناد الأخذ إلى الصيحة حقيقة عقلية لأنهم يهلكون بصعقتها.

ويحتمل أن تكون الصيحة على حقيقتها وهي صيحة صائحين، أي ما ينتظرون إلا أن يصاح بهم صيحة تنذر بحلول القتل، فيكون إنذاراً بعذاب الدنيا. ولعلها صيحة الصارخ الذي جاءهم بخبر تعَرّض المسلمين لركب تجارة قريش في بدر.

و {يَخصّمُونَ} من الخصومة والخصام وهو الجدال، وتقدم في قوله:

{ { ولا تكن للخائنين خصيماً } } في سورة النساء (105)، وقوله: { { هذان خصمان } } في سورة الحج (19). وأصله: يختصمون فوقع إبدالُ التاء صاداً لقرب مخرجيهما طلباً للتخفيف بالإِدغام.

واختلَف القراء في كيفية النطق بها، فقرأه الجميع بفتح الياء واختلفوا فيما عدا ذلك: فقرأ ورش عن نافع وابنُ كثير وأبو عمرو في رواية عنه {يَخصّمُونَ} بتشديد الصاد مكسورة على اعتبار التاء المبدلة صاداً والمسَكَّنةُ لأجل الإِدغام، ألقيت حركتُها على الخاء التي كانت ساكنة. وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو في المشهور عنه بسكون الخاء سكوناً مختلَساً (بالفتح) لأجل التخلص من التقاء الساكنين وبكسر الصاد مشدّدة. وقرأه عاصم والكسائي وابنُ ذكوان عن ابن عامر ويعقوبُ وخلف {يَخصّمُونَ} بكسر الخاء وكسر الصاد مشدّدة. وقرأه حمزة {يخْصِمون} بسكون الخاء وكسر الصاد مخففة مضارع (خَصم) قيل بمعنى جادل. وقرأ أبو جعفر {يخْصِّمون} بإسكان الخاء وبكسر الصاد مشددة على الجمع بين الساكنين.

والاختصام: اختصامهم في الخروج إلى بدر أو في تعيين من يخرج لما حلّ بهم من مفاجآت لهم وهم يختصمون بين مصدق ومكذب للنذير. وإسناد الأخذ إلى الصيحة على هذا التأويل مجاز عقلي لأن الصيحة وقت الأخذ وإنما تأخذهم سيوف المسلمين. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {وهُمْ يَخصّمُونَ} لإِفادة تقوّي الحكم وهو أن الصيحة تأخذهم.

وفرع على {تأخُذُهُمْ} جملة {فَلا يَسْتَطِيعونَ توصِيَةً} أي لا يتمكنون من توصية على أهليهم وأموالهم من بعدهم كما هو شأن المحْتضَر، فإن كان المراد من الصيحة صيحة الواقعة كان قوله: {فَلا يَسْتَطِيعونَ توصِيَةً} كناية عن شدة السرعة بين الصيحة وهلاكهم، إذ لا يكون المراد مدلوله الصريح لأنهم لا يتركون غيرهم بعدهم إذ الهلاك يأتي على جميع الناس.

وإن كان المراد من الصيحة صيحة القتال كان المعنى: أنهم يفزعون إلى مواقع القتال يوم بدر، أو إلى ترقب وصول جيش الفتح يوم الفتح فلا يتمكنون من الحديث مع من يُوصُونه بأهليهم.

والتوصية: مصدر وَصَّى المضاعف وتنكيرها للتقليل، أي لا يستطيعون توصية ما.

وقوله: {وَلاَ إلى أهْلِهِم يَرْجِعُونَ} يجوز أن يكون عطفاً على {تَوْصِيَةً}، أي لا يستطيعون الرجوع إلى أهلهم كشأن الذي يفاجئه ذعْر فيبادر بافتقاد حال أهله من ذلك.

ويجوز أن يكون عطفاً على جملة «لا يستطيعون» فيكون مما شمله التفريع بالفاء، أي فلا يرجعون إلى أهلهم، أي هم هالكون على الاحتمالين، إلا أنه على احتمال أن يراد صيحة الحرب يخصص ضمير {يَرْجِعُونَ} بكبراء قريش الذين هلكوا يوم بدر لأنهم هم المتولُّون كِبْر التكذيب والعناد، أو الذين أكملوا بالهلاك يوم الفتح مثل عبد الله بن خطل الذي قتل يوم الفتح.

وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ۝٥١

يجوز أن تكون الواو للحال والجملة موضع الحال، أي ما ينظرون إلا صيحة واحدة وقد نفخ في الصور الخ.. ويجوز أن تكون الواو اعتراضية، وهذا الاعتراض واقع بين جملة

{ { ما ينظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً } } [ يس: 49] الخ... وجملة { { ولو نشاء لطمسنا } } [يس: 66].

والمقصود: وعظهم بالبعث الذي أنكروه وبما وراءه.

والماضي مستعمل في تحقق الوقوع مثل

{ { أتى أمر الله } } [النحل: 1]. والمعنى: وينفخ في الصور، أي ويَنفخ نافخ في الصور، وهو الملَك الموكّل به، واسمه إسرافيل. وهذه النفخة الثانية التي في قوله تعالى: { { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } } [الزمر: 68].

و«إذا» للمفاجأة وهي حصول مضمون الجملة التي بعدها سريعاً وبدون تهيّؤ. وضمير {هم} عائد إلى ما عادت إليه الضمائر السابقة. ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام، أي فإذا الناس كلّهم ومنهم المتحدث عنهم.

و{الأجداث}: جمع جَدَث بالتحريك، وهو القبر.

و{يَنسِلُونَ} يمشون مشياً سريعاً. وفعله من باب ضَرب وورد من باب نصر قليلاً. والمصدر: النسَلان، على وزن الغليان لما في معنى الفعل من التقليب والاضطراب، وتقدم في آخر سورة الأنبياء. وهذا يقتضي أنهم قُبِروا بعد الصيحة التي أخذتهم فإن كانت الصيحة صيحة الواقعة فالأجداث هي ما يعلوهم من التراب في المدة التي بين الصيحة والنفخة. وقد ورد أن بينهما أربعين سنة إذ لا يبقى بعد تلك الصيحة أحد من البشر ليَدفِن من هلَك منهم، وإن كانت الصيحة صيحة الفزع إلى القتل فالأجداث على حقيقتها مثل قليب بدر.

ومعنى: {إلَىٰ ربّهِم} إلى حكم ربهم وحسابه، وهو متعلق بـــ {يَنسِلُونَ}.

قَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ ۝٥٢

استئناف بياني لأن وصف هذه الحال بعد حكاية إنكارهم البعث وإحالتهم إياه يثير سؤال من يسأل عن مقالهم حينما يرون حقية البعث.

و{يا وَيْلَنَا} كلمة يقولها الواقع في مصيبة أو المُتحسِّر. والويل: سوء الحال، وإنما قالوا ذلك لأنهم رأوا ما أُعدّ لهم من العذاب عندما بعثوا. وقد تقدم عند قوله تعالى:

{ { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } } في سورة البقرة (79).

وحكي قولهم بصيغة الماضي اتباعاً لحكاية ما قبله بصيغة المضيّ لتحقيق الوقوع.

وحرف النداء الداخل على {ويلنا} للتنبيه وتنزيل الويل منزلة من يسمع فيُنادَى ليحضر، وقد تقدم عند قوله تعالى:

{ { قالت يا ويلتى } } في سورة هود (72).

و{مَن} استفهام عن فاعل البعث مستعمل في التعجّب والتحسّر من حصول البعث. ولما كان البعث عندهم محالاً كنّوا عن التعجب من حصوله بالتعجب من فاعله لأن الأفعال الغريبة تتوجه العقول إلى معرفة فاعلها لأنهم لما بُعثوا وأزْجي بهم إلى العذاب علموا أنه بعثٌ فعَله من أراد تعذيبهم.

والمَرْقَد: مكان الرقاد. وحقيقة الرقاد: النوم. وأطلقوا الرقاد على الموت والاضطجاعِ في القبور تشبيهاً بحالة الراقد.

ثم لم يلبثوا أن استحضرت نفوسهم ما كانوا يُنذرون به في الدنيا فاستأنفوا عن تعجبهم قولهم: {هٰذَا ما وَعَدَ الرَّحْمٰنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ}. وهذا الكلام خبر مستعمل في لازم الفائدة وهو أنهم علموا سبب ما تعجبوا منه فبطل العجب، فيجوز أن يكونوا يقولون ذلك كما يتكلم المتحسّر بينه وبين نفسه، وأن يقوله بعضهم لبعض كل يظن أن صاحبه لم يتفطن للسبب فيريد أن يعلمه به.

وأتوا في التعبير عن اسم الجلالة بصفة الرحمان إكمالاً للتحسر على تكذيبهم بالبعث بذكر ما كان مقارناً للبعث في تكذيبهم وهو إنكار هذا الاسم كما قال تعالى:

{ { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان } } [الفرقان: 60].

والإِشارة بقوله: {هذا} إشارة إلى الحالة المرْئية لِجميعهم وهي حالة خروجهم من الأرض.

وجملة {وصَدَقَ المُرْسَلُونَ} عطف على جملة {هٰذا ما وعَدَ الرَّحمٰن} وهو مستعمل في التحسّر على أن كذبوا الرسل.

وجَمع المرسلين مع أن المحكي كلامُ المشركين الذين يقولون

{ { متى هذا الوعد } } [يس: 48] إمّا لأنهم استحضروا أن تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم كان باعثَه إحالتُهم أن يكون الله يرسل بَشراً رسولاً، فكان ذلك لأنهم لا يصدقون أحداً يأتي برسالة من الله كما حكى عنهم قوله تعالى: { { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } } [الأنعام: 91] فلما تحسروا على خطئهم ذكَروه بما يشمله ويشمل سبَبَه كقوله تعالى: { { كذبت قوم نوح المرسلين } } من سورة الشعراء (105)، وقوله في سورة الفرقان (37) {وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم}، وإما لأن ذلك القول صدر عن جميع الكفار المبعوثين من جميع الأمم فعلِمت كل أمة خطأها في تكذيب رسولها وخطأ غيرها في تكذيب رسلهم فنطقوا جميعاً بما يفصح عن الخطأيْن، وقد مضى أن ضمير { { فَإذَا هُم جَمِيعٌ } } [ يس: 53] يجوز أن يعود على جميع الناس.

ومن المفسرين من جعل قوله: {هٰذَا ما وعد الرَّحْمٰنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ} من كلام الملائكة يجيبون به قول الكفار {مَنْ بعَثَنا مِن مَرْقَدِنا} فهذا جواب يتضمن بيان مَن بعثهم مع تنديمهم على تكذيبهم به في الحياة الدنيا حين أبلغهم الرسل ذلك عن الله تعالى. واسم {الرَّحْمٰنُ} حينئذٍ من كلام الملائكة لزيادة توبيخ الكفار على تجاهلهم به في الدنيا.

إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ۝٥٣

فذلكة لجملة

{ { ما ينظرون إلا صيحة واحِدَة } } [ يس: 49] إلى قوله: { { وصدق المرسلون } } [يس: 52] لأن النفخ مرادف للصيحة في إطلاقها المجازي، فاقتران فعل كانت بتاء التأنيث لِتأويل النفي مأخوذ من { { ونُفِخَ في الصُّورِ } } [يس: 51] بمعنى النفخة ينظر إلى الإِخبار عنه بــــ {صيحة}. ووصفها بــــ{واحِدةً} لأن ذلك الوصف هو المقصود من الاسْتِثناء المفرّغ، أي ما كان ذلك النفخ إلاّ صيحة واحدة لا يكرر استدعاؤهم للحضور بل النفخ الواحد يخرجهم من القبور ويسير بهم ويُحضرهم للحساب.

وأما قوله تعالى:

{ { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } [الزمر: 68] فتلك نفخة سابقة تقع على الناس في الدنيا فيفنى بها الناس وسيأتي ذكرها في سورة الزمر.

ولما كان قوله: {إن كانت إلا صيحة واحِدَة} في قوة التكرير والتوكيد لقوله

{ { ونُفِخَ في الصُّورِ } } [يس: 51] كان ما تفرع عليه من قوله: {فإذَا هُم جَمِيعٌ لدينا مُحْضَرُونَ} بمنزلة العطف على قوله: { { فإذا هم من الأجْدَاثِ إلىٰ ربّهم يَنسِلُونَ } } [يس: 51] فكأنه مثل { { ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذَا هُم مِنَ الأجْدَاثِ إلى ربهم يَنسلُون } [يس: 51] و{فإذا هم جميع لدينا محضرون}، وإعادة حرف المفاجأة إيماء إلى حصول مضمون الجملتين المقترنتين بحرف المفاجأة في مثل لمح البصر حتى كأن كليهما مفاجأ في وقت واحد. وتقدم الكلام على نظير هذا التركيب آنفاً.

و{جَمِيعٌ} نعت للمبتدأ، أي هم جميعهم، فالتنوين في {جميع} عوض المضاف إليه الرابط للنعت بالمنعوت، أي مجتمعون لا يحضرون أفواجاً وزرافات، وقد تقدم قوله تعالى:

{ { وإن كُلٌّ لمَا جَميعٌ لدينا مُحْضَرُونَ } } [يس: 32] في هذه السورة.

وقرأ الجمهور بنصب {صَيْحَةً}. وقرأه أبو جعفر بالرفع على أن «كان» تامة، وتقدم نظيره في أوائل السورة.

فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٥٤

إن كان قوله تعالى:

{ { هٰذَا ما وعَدَ الرَّحْمٰنُ } } [يس: 52] حكاية لكلام الكفار يوم البعث كان هذا كلاماً من قبل الله تعالى بواسطة الملائكة وكانت الفاء في قوله: {فاليوم لا تُظلمُ نفسٌ شَيْئاً} فاء فصيحة وهي التي تفصح وتنبىء عن كلام مقدّر نشأ عن قوله: { { فإذا هم جميع لدينا محضرون } } [يس: 53] فهو خطاب للذين قالوا: { { من بعثنا من مرقدنا } } [يس: 52]. والمعنى: فقد أيقنتم أن وعد الله حق وأن الرسل صدقوا فاليوم يوم الجزاء كما كان الرسل ينذرونكم.

وإن كان قوله:

{ { هٰذَا ما وعَدَ الرحمٰنُ } } [يس: 52] من كلام الملائكة كانت الفاء تفريعاً عليه وكانت جملة { { إن كانَتْ إلاَّ صيحَةً واحِدَةً } } [يس: 53] الخ معترضة بين المفرع والمفرع عليه.

و«اليوم» ظرف وتعريفه للعهد، وهو عهد حضور يعني يوم الجزاء. وفائدة ذكر التنويه بذلك اليوم بأنه يوم العدل.

وأشعر قوله: {لا تُظلم نفسٌ شيئاً} بالتعريض بأنهم سيلقون جزاء قاسياً لكنه عادل لا ظلم فيه لأن نفي الظلم يشعر بأن الجزاء مما يُخال أنه متجاوز معادَلَةَ الجريمة، وهو معنى {ولاَ تُجْزونَ إلاَّ ما كنتم تعملون} أي إلا على وفاق ما كنتم تعملون وعلى مقداره. وانتصب {شيئاً} على المفعول المطلق، أي شيئاً من الظلم.

ووقوع {نَفْسٌ} و{شَيْئاً} وهما نكرتان في سياق النفي يعمّ انتفاء كل ذلك عن كل نفس وانتفاء كل شيء من حقيقة الظلم وذلك يعمّ جميع الأنفس.. ولكن المقصود أنفس المعاقَبين، أي أن جزاءهم على حسب سيّئاتهم جزاء عادل. وإذ قد كان تقديره من الله تعالى وهو العليم بكل شيء كانت حقيقة العدل محققة في مقدار جزائهم إذ كلّ عدل غير عدل الله معرض للزيادة والنقصان في نفس الأمر ولكنه يجري على حسب اجتهاد الحاكمين، والله لم يكلف الحاكم إلاّ ببذل جهده في إصابة الحق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم

إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ».

إِنَّ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَٰكِهُونَ ۝٥٥ هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ۝٥٦ لَهُمْ فِيهَا فَٰكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ۝٥٧

هذا من الكلام الذي يُلْقى من الملائكة، والجملة مستأنفة، وهذا مما يقال لمن حق عليهم العذاب إعلاماً لهم بنزول مرتبتهم عن مراتب أهل الجنة إعلاناً بالحقائق لأن ذلك عالم الحقائق وإدخالاً للندامة عليهم على ما فرطوا فيه من طلب الفوز في الآخرة. وهذا يؤذن بأن أهل الجنة عجل بهم إلى النعيم قبل أن يبعث إلى النار أهلها، وأن أهل الجنة غير حاضرين ذلك المحضر.

وتعريف {اليَوْمَ} للعهد كما تقدم. وفائدة ذكر الظرف وهو {اليَوْمَ} التنويه بذلك اليوم بأنه يوم الفضل على المؤمنين المتقين.

والشغل: مصدر شغله، إذا ألهاه. يقال: شغله بكذا عن كذا فاشتغل به. والظرفية مجازية؛ جعل تلبسهم بالشغل كأنهم مظروفون فيه، أي أحاط بهم شغل عن مشاهدة موقف أهل العذاب صرفهم الله عن منظر المزعجات لأن مشاهدتها لا تخلو من انقباض النفوس، ولكون هذا هو المقصود عدل عن ذكر ما يشغلهم إذ لا غرض في ذكره، فقوله: {في شُغُلٍ} خبر {إن} و{فاكِهُونَ} خبر ثان.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب {شُغْلٍ} بضم فسكون. وقرأه الباقون بضمتين وهما لغتان فيه.

والفاكِه: ذو الفُكاهة بضم الفاء، وهي المزاح بالكلام المُسِرّ والمضحك، وهي اسم مصدر: فكِه بكسر الكاف، إذا مَزح وسُرّ. وعن بعض أهل اللغة: أنه لم يسمع له فعل من الثلاثي، وكأنه يعني قلة استعماله، وأما الأفعال غير الثلاثية من هذه المادة فقد جاء في المثل: لا تُفاكه أَمَهْ ولا تَبُل على أكمه، وقال تعالى:

{ { فظلتم تفكهون } } [الواقعة: 65].

وقرأ الجمهور {فاكِهُونَ} بصيغة اسم الفاعل. وقرأه أبو جعفر بدون ألف بصيغة مثال المبالغة.

وجملة {هُمْ وأزْواجُهُمْ في ظِلالٍ} إلى آخرها واقعة موقع البيان لجملة {إنَّ أصحابَ الجَنَّةِ} الخ. والمراد بأزواجهم: الأزواج اللاتي أُعِدّت لهم في الجنة. ومنهن من كُنَّ أزواجاً لهم في الدنيا إن كنّ غير ممنوعات من الجنة قال تعالى:

{ { جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } } [الرعد: 23].

والظلال قرأه الجمهور بوزن فِعال بكسر أوله على أنه جمع ظلّ، أي ظلّ الجنات. وقرأه حمزة والكسائي وخلف {ظُلَل} بضم الظاء وفتح اللام جمع (ظُلة) وهي ما يظل كالقِباب. وجمع الظلال على القراءتين لأجل مقابلته بالجمع وهم أصحاب الجنة، فكلّ منهم في ظل أو في ظلة.

و{الأرائك}: جمع أريكة، والأريكة: اسم لمجموع السرير والحَجَلة، فإذا كان السرير في الحَجَلة سمي الجميع أريكة. وهذا من الكلمات الدالة على شيء مركب من شيئين مثل المائدة اسم للخِوان الذي عليه طعام.

والاتكاء: هيئة بين الاضطجاع والجلوس وهو اضطجاع على جنب دون وضع الرأس والكتف على الفراش. وهو افتعال من وكأ المهموز، إذا اعتمد، أبدلت واوه تاء كما أبدلت في تُجاه وتُراث، وأخذ منه فعل اتكأ لأن المتّكىء يشد قعدته ويرسخها بضرب من الاضطجاع. والاسم منه التُّكَأة بوزن هُمَزة، وهو جلوس المتطلب للراحة والإِطالة وهو جلسة أهل الرفاهية، وقد تقدم عند قوله تعالى:

{ { وأعتدت لهن متكأ } } في سورة يوسف (31). وكان المترفهون من الأمم المتحضرة يأكلون متّكئين كان ذلك عادة سادة الفرس والروم ومن يتشبه بهم من العرب ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلمأمَّا أنا فلا آكل متكئاًوذلك لأن الاتكاء يعين على امتداد المعدة فتقبل زيادة الطعام ولذلك كان الاتكاء في الطعام مكروهاً للإِفراط في الرفاهية. وأما الاتكاء في غير حال الأكل فقد اتكأ النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه كما في حديث ضِمام بن ثعلبة وافِد بني سعد بن بكر: أنه دخل المسجد فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: «هو ذلك الأزهر المتكىء» .

والفاكهة: ما يؤكل للتلذذ لا للشبع كالثمار والنقول وإنما خصت بالذكر لأنها عزيزة النوال للناس في الدنيا ولأنها استجلبها ذكر الاتكاء لأن شأن المتكئين أن يشتغلوا بتناول الفواكه.

ثم عَمم ما أعد لهم بقوله: {ولهم ما يدَّعُونَ} و{يَدَّعُونَ} يجوز أن يكون متصرفاً من الدعاء أو من الادعاء، أي ما يَدْعون إليه أو ما يدَّعون في أنفسهم أنه لهم بإلهام إلهي. وصيغ له وزن الافتعال للمبالغة، فوزن {يَدَّعُونَ} يفتعلون. أصله يدتَعيُون نقلت حركة الياء إلى العين طلباً للتخفيف لأن الضم على الياء ثقيل بعد حذف حركة العين فبقيت الياء ساكنة وبعدها واو الجماعة لأنه مفيد معنَى الإِسنادِ إلى الجمع.

وهذا الافتعال لك أن تجعله من (دعا)، والافتعال هنا يجعل فعل (دعا) قاصراً فينبغي تعليق مجرور به. والتقدير: ما يدعون لأنفسهم، كقول لبيد:

فاشتوى ليلة ريح واجتمل

اشتوى إذا شوى لنفسه واجتمل إذا جمل لنفسه، أي جمع الجميل وهو الشحم المذاب وهو الإِهالة.

وإن جعلته من الادعاء فمعناه: أنهم يدعون ذلك حقاً لهم، أي تتحدث أنفسهم بذلك فيؤول إلى معنى: ويتمنون في أنفسهم دون احتياج إلى أن يسألوا بالقول فلذلك قيل معنى {يَدَّعُونَ} يتمنون. يقال: ادع عليّ ما شئت، أي تمنّ عليّ، وفلان في خير ما ادّعى، أي في خير ما يتمنى، ومنه قوله تعالى:

{ { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون } } في سورة فصِّلت (31).

سَلَٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ۝٥٨

استئناف قطع عن أن يعطف على ما قبله للاهتمام بمضمونه، وهو الدلالة على الكرامة والعناية بأهل الجنة من جانب القدس إذ يوجه إليهم سلام الله بكلام يعرفون أنه قول من الله: إمّا بواسطة الملائكة، وإما بخلق أصوات يُوقنون بأنها مجعولة لأجل إسماعهم كما سمع موسى كلام الله حين ناداه من جانب الطور من الشجرة فبعد أن أخبر بما حباهم به من النعيم مشيراً إلى أصول أصنافه، أخبر بأن لهم ما هو أسمى وأعلى وهو التكريم بالتسليم عليهم قال تعالى:

{ { ورضوان من الله أكبر } } [التوبة: 72].

و{سَلامٌ} مرفوع في جميع القراءات المشهورة. وهو مبتدأ وتنكيره للتعظيم ورفعه للدلالة على الدوام والتحقق، فإن أصله النصب على المفعولية المطلقة نيابة عن الفعل مثل قوله:

{ { فقالوا سلاماً } [الذاريات: 25]. فلما أريدت الدلالة على الدوام جيء به مرفوعاً مثل قوله: { { قال سلام } } [هود: 69]، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: { { الحَمدُ لله رَبّ العٰلَمِينَ } } [الفاتحة: 2].

وحذف خبر {سَلامٌ} لنيابة المفعول المطلق وهو قوله {قَوْلاً} عن الخبر لأن تقديره: سلام يقال لهم قولاً من الله، والذي اقتضى حذف الفعل ونيابة المصدر عنه هو استعداد المصدر لقبول التنوين الدال على التعظيم، والذي اقتضى أن يكون المصدر منصوباً دون أن يؤتى به مرفوعاً هو ما يشعر به النصب من كون المصدر جاء بدلاً عن الفعل.

و{من} ابتدائية. وتنوين {رَّبّ} للتعظيم، ولأجل ذلك عدل عن إضافة {رب} إلى ضميرهم، واختير في التعبير عن الذات العلية بوصف الرب لشدة مناسبته للإِكرام والرضى عنهم بذكر أنهم عبدوه في الدنيا فاعترفوا بربوبيته.

وَٱمْتَٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٥٩

يجوز أن يكون عطفاً على جملة

{ { إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليوم في شُغُلٍ فاكِهُونَ }} [يس: 55] ويجوز أن يعطف على { { سَلامٌ قَوْلاً } } [يس: 58]، أي ويقال: امتازوا اليوم أيها المجرمون، على الضد مما يقال لأصحاب الجنة. والتقدير: سلام يقال لأهل الجنة قولاً، ويقال للمجرمين: امتازوا، فتكون من توزيع الخطابين على مخاطَبيْن في مقام واحد كقوله تعالى: { { يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك } } [يوسف: 29].

وامتاز مطاوع مَازه، إذا أفرده عما كان مختلطاً معه، وُجِّه الأمر إليهم بأن يمتازُوا مبالغة في الإِسراع بحصول الميز لأن هذا الأمر أمر تكوين فعبر عن معنى. فيكونُ الميز بصوغ الأمر من مادة المطاوعة، فإن قولك: لتنكَسِرْ الزجاجةُ أشد في الإِسراع بحصول الكسر فيها من أن تقول: اكسروا الزجاجة. والمراد: امتيازهم بالابتعَاد عن الجنة، وذلك بأن يصيروا إلى النار فيؤول إلى معنى: ادخلوا النار. وهذا يقتضي أنهم كانوا في المحشر ينتظرون ماذا يفعل بهم كما أشرنا إليه عند قوله تعالى آنفاً:

{ { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون } } [يس: 55]، فلما حُكي ما فيه أصحاب الجنة من النعيم حين يقال لأصحاب النار: { { فاليوم لا تظلم نفس شيئاً } } [ يس: 54]، حُكي ذلك ثم قيل للمشركين {وامتازوا اليوم أيُّها المُجرمون}.

وتكرير كلمة {اليَوْمَ} ثلاث مرات في هذه الحكاية للتعريض بالمخاطبين فيه وهم الكفار الذين كانوا يجحدون وقوع ذلك اليوم مع تأكيد ذكره على أسماعهم بقوله:

{ { فاليوم لا تُظلمُ نفسٌ } } [يس: 54] وقوله: { { إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليومَ في شُغُل } } [ يس: 55] وقوله: {امتازوا اليوم أيها المجرمون}.

ونداؤهم بعنوان: {المجرمون} للإِيماء إلى علة ميزهم عن أهل الجنة بأنهم مجرمون، فاللام في {المُجْرِمُونَ} موصولة، أي أيها الذين أجرموا.

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَٰنَ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝٦٠ وَأَنِ ٱعْبُدُونِى هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ۝٦١ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ ۝٦٢

إقبال على جميع البشر الذين جَمَعهم المحشر غير أهل الجنة الذين عُجلوا إلى الجنة، فيشمل هذا جميع أهل الضلالة من مشركين وغيرهم، ولعله شامل لأهل الأعراف، وهو إشهاد على المشركين وتوبيخ لهم.

والاستفهام تقريري، وخوطبوا بعنوان {بني آدم} لأن مقام التوبيخ على عبادتهم الشيطان يقتضي تذكيرهم بأنهم أبناء الذي جعله الشيطان عدوّاً له، كقول النابغة:

لئن كان للقبرين قبرٍ بجلقوقبر بصيدا الذي عند حاربوللحارث الجفني سيد قومهليلتمس بالجيش دار المحارب

يعني بلاد من حارب أصوله.

والعهد: الوصاية، ووصاية الله بني آدم بألا يعبدوا الشيطان هي ما تقرر واشتهر في الأمم بما جاء به الرسل في العصور الماضية فلا يسع إنكاره. وبهذا الاعتبار صح الإِنكار عليهم في حالهم الشبيهة بحال من يجحد هذا العهد.

واعلم أن في قوله تعالى: {أعْهَدْ} توالي العين والهاء وهما حرفان متقاربا المخرج من حروف الحلق إلاّ أن تواليهما لم يحدث ثقلاً في النطق بالكلمة ينافي الفصاحة بموجب تنافر الحروف لأن انتقال النطق في مخرج العين من وسط الحلق إلى مخرج الهاء من أقصى الحلق خفف النطق بهما، وكذلك الانتقال من سكون إلى حركة زاد ذلك خفة. ومثله قوله تعالى:

{ { وسبحه } } [الإنسان: 26] المشتمل على حاء وهي من وسط الحلق وهاء وهي من أقصاه إلا أن الأولى ساكنة والثانية متحركة وهما متقاربا المخرج، ولا يعد هذا من تنافر الحروف، ومثل له بقول أبي تمام:

كريم متى أمْدَحْهُ أُمْدَحْهُ والورىمعي وإذا ما لمته لمته وحدي

فإن كلمة (أمْدَحْه) لا تُعَدّ متنافرة الحروف على أن تكريرها أحدث عليها ثقلاً ما فلا يكون ذلك مثل قول امرىء القيس:

غدائرهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إلى العُلى

المجعول مثالاً للتنافر فإن تنافر حروفه انجرّ إليه من تعاقب ثلاثة حروف: السين والشين والزاي، ولولا الفصل بين السين والشين بالتاء لكان أشد تنافراً.

وموجبات التنافر كثيرة ومرجعها إلى سرعة انتقال اللسان في مخارج حروف شديدة التقارب أو التباعد مع عوارض تعرض لها من صفات الحروف من: جهر وهمس، أو شدة ورخو، أو استعلاء واستفال، أو انفتاح وانطباق، أو إصمات وانذلاق. ومن حركاتها وسكناتها وليس لذلك ضابط مطرد ولكنه مما يُرجع فيه إلى ذوق الفصحاء. وقد حاول ابن سِنان الخفاجي إرجاعه إلى تقارب مخارج الحروف فردّه ابن الأثير عليه بما لا مخلص منه.

وإذا اقتضى الحال من حقّ البلاغة إيثار كلمة بالذكر إذ لا يعدِلُها غيرها فعرض من تصاريفها عارض ثقل لا يكون حقُّ مقتضى الحال البلاغي موجباً إيرادها.

و{أنْ} تفسيرية، فسرت إجمال العهد لأن العهد فيه معنى القول دون حروفه فــــ {أَنْ} الواقعة بعده تفسيرية.

وعبادة الشيطان: عبادة ما يأمر بعبادته من الأصنام ونحوها.

وجملة {لكُم عدوٌّ مُبِينٌ} تعليل لجملة {لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ} وقد أغنت {أن} عن فاء السببية كما تقدم غير مرة.

و {مُبِينٌ} اسم فاعل من أبان بمعنى بان للمبالغة، أي عداوته واضحة، ووجه وضوحها أن المرء إذا راقب عواقب الأعمال التي توسوسها له نفسه واتهمها وعرضها على وصايا الأنبياء والحكماء وجدها عواقب نحسة، فوضح له أنها من الشيطان بالوسوسة وأن الذي وسوس بها عدوّ له لأنه لو كان ودوداً لما أوقعه في الكوارث ولا يظن به الإِيقاع في ذلك عن غير بصيرة لأن تكرر أمثال تلك الوساوس للمرء ولأمثاله ممن يبوح له بأحواله يدل ذلك التكرر على أنها وساوس مقصودة للإِيقاع في المهالك فعلم أن المشير بها عدوّ ألد، ولعل هذا المعنى هو المشار إليه بقوله تعالى: {ولقد أضلَّ مِنكم جِبلاً كثِيراً أفَلَم تكُونوا تَعْقِلون}.

وجملة {وأنِ اعْبُدُوني} عطف على {أن لا تعْبُدُوا الشَّيْطانَ} بإعادة {أن} التفسيرية فهما جملتان مفسرتان لعهدين.

وعدل عن الإِتيان بصيغة قصر لأن في الإِتيان بهاتين الجملتين زيادة فائدة لأن من أهل الضلالة الدهريين والمعطلين فهم وإن لم يعبدوا الشيطان ولكنهم لم يعبدوا الله فكانوا خاسئين بالعهد.

والإِشارة في قوله: {هٰذَا صِراطٌ مستقيم} للعهد المفهوم من فعل {أعْهَد} أو للمذكور في «تفسيره» من جملتي {لا تعبدوا الشيطان} {وأنِ اعْبُدُوني}، أي هذا المذكور صراط مستقيم، أي كالطريق القويم في الإِبلاغ إلى المقصود. والتنوين للتعظيم.

وقوله تعالى: {ولقد أضَلَّ مِنكم جِبِلاً كثيراً} عطف على {إنَّهُ لكم عدوٌّ مبين} فعداوته واضحة بدليل التجربة فكانت علة للنهي عن عبادة ما يأمرهم بعبادتهم.

والمعنى: إن عداوته واضحة وضوح الصراط المستقيم لأنها تقررت بين الناس وشهدت بها العصور والأجيال فإنه لم يزل يُضلّ الناس إضلالاً تواتر أمره وتعذر إنكاره.

والجِبِلّ: بكسر الجيم وكسر الموحدة وتشديد اللام كما قرأه نافع وعاصم وأبو جعفر. وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بضم الجيم وضم الباء الموحدة وتخفيف اللام. وقرأه ابن عامر وأبو بكر بضم الجيم وسكون الباء.

والجبلّ: الجمع العظيم، وهو مشتق من الجَبْل بسكون الباء بمعنى الخلق. وفرع عليه توبيخهم بقلة العقول بقوله: {أفَلَم تكونوا تَعْقِلونَ}، فالاستفهام إنكاري عن عدم كونهم يعقلون، أي يدركون، إذ لو كانوا يعقلون لتفطنوا إلى إيقاع الشيطان بهم في مهاوي الهلاك. وزيادة فعل الكون للإِيماء إلى أن العقل لم يتكون فيهم ولا هم كائنون به.

هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ۝٦٣ ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ۝٦٤

إقبال على خطاب الذين عبدوا معبودات يسوّلها لهم الشيطان، إذ تبدو لهم جهنم بحيث يشار إليها ويعرفون أنها هي جهنّم التي كانوا في الدنيا يُنذرون بها وتُذكر لهم في الوعيد مدة الحياة. والأمر بقوله: {اصلَوْهَا} مستعمل في الإِهانة والتنكير.

و {اصلوها} أمر من صلي يصلى، إذا استدفأ بحرّ النار، وإطلاق الصلْي على الإِحراق تهكّم.

والتعريف في {اليومَ} تعريف العهد، أي هذا اليوم الحاضر وأريد به جواب ما كانوا يقولون في الحياة الدنيا من استبطاء الوعد والتكذيب إذ يقولون

{ { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } } [يونس: 48].

والباء في {بِما كنتم تَكْفُرونَ} سببية، أي بسبب كفركم في الدنيا.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ