انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يس

تفسير القرطبيالآيات 1–32

تفسير سورة يس آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يسٓ ۝١ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ ۝٢ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٣ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٤ تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ۝٥

قوله تعالى: {يسۤ } في «يۤس» أوجه من القراءات: قرأ أهل المدينة والكسائي {يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ } بإدغام النون في الواو. وقرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة «يَسِنْ» بإظهار النون. وقرأ عيسى بن عمر «يَسِنَ» بنصب النون. وقرأ ٱبن عباس وٱبن أبي إسحاق ونصر بن عاصم «يسِنِ» بالكسر. وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السَّمَيْقَع «يَسِنُ» بضم النون؛ فهذه خمس قراءات. القراءة الأولى بالإدغام على ما يجب في العربية؛ لأن النون تدغم في الواو. ومن بيّن قال: سبيل حروف الهجاء أن يوقف عليها، وإنما يكون الإدغام في الإدراج. وذكر سبيويه النصب وجعله من جهتين: إحداهما أن يكون مفعولاً ولا يصرفه؛ لأنه عنده ٱسم أعجمي بمنزلة هابيل، والتقدير ٱذكر يسين. وجعله سيبويه ٱسماً للسورة. وقوله الآخر أن يكون مبنياً على الفتح مثل كيفَ وأينَ. وأما الكسر فزعم الفراء أنه مشبَّه بقول العرب جيرِ لا أفعل؛ فعلى هذا يكون «يسِنِ» قسَما. وقاله ٱبن عباس. وقيل: مشبَّه بأمِس وحذامِ وهؤلاءِ ورقاشِ. وأما الضم فمشبّه بمنذُ وحيثُ وقطُّ، وبالمنادى المفرد إذا قلت يا رجلُ، لمن يقف عليه. قال ٱبن السَّمَيْقَع وهارون: وقد جاء في تفسيرها يا رجل فالأولى بها الضم. قال ٱبن الأنباري: «يۤس» وقف حسن لمن قال هو ٱفتتاح للسورة. ومن قال: معنى «يۤس» يا رجل لم يقف عليه. وروي عن ٱبن عباس وٱبن مسعود وغيرهما أن معناه يا إنسان، وقالوا في قوله تعالى:

{ سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ }} [الصافات: 130] أي على آل محمد. وقال سعيد بن جبير: هو ٱسم من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم؛ ودليله «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ». قال السيد الحميري:

يا نفس لا تَمحضِي بالنُّصْحِ جاهدةًعَلَى المودَّةِ إلا آلَ ياسينَ

وقال أبو بكر الورّاق: معناه يا سيد البشر. وقيل: إنه ٱسم من أسماء الله؛ قاله مالك. روى عنه أشهب قال: سألته هل ينبغي لأحد أن يتسمّى بياسين؟ قال: ما أراه ينبغي لقول الله: {يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ } يقول هذا ٱسمي يۤس. قال ٱبن العربي هذا كلام بديع، وذلك أن العبد يجوز له أن يتسمَّى بٱسم الرب إذا كان فيه معنى منه؛ كقوله: عالم وقادر ومريد ومتكلم. وإنما منع مالك من التسمية بـ «ـيسين»؛ لأنه ٱسم من أسماء الله لا يُدْرى معناه؛ فربما كان معناه ينفرد به الربّ فلا يجوز أن يقدم عليه العبد. فإن قيل فقد قال الله تعالى: {سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ} قلنا: ذلك مكتوب بهجاء فتجوز التسمية به، وهذا الذي ليس بمتهجَّى هو الذي تكلم مالك عليه؛ لما فيه من الإشكال؛ والله أعلم. وقال بعض العلماء: ٱفتتح الله هذه السورة بالياء والسين وفيهما مجمع الخير: ودلّ المفتتح على أنه قلب، والقلب أمير على الجسد؛ وكذلك «يۤس» أمير على سائر السور، مشتمل على جميع القرآن. ثم ٱختلفوا فيه أيضاً؛ فقال سعيد بن جُبير وعكرمة: هو بلغة الحبشة. وقال الشّعبي: هو بلغة طيّ. الحسن: بلغة كلب. الكلبي: هو بالسريانية فتكلمت به العرب فصار من لغتهم. وقد مضى هذا المعنى في «طه» وفي مقدّمة الكتاب مستوفى. وقد سرد القاضي عياض أقوال المفسرين في معنى «يۤس» فحكى أبو محمد مكيّ أنه روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:لي عند ربي عشرة أسماء ذكر أن منها طه ويۤس ٱسمان له.

قلت: وذكر الماورديّ عن عليّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إن الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء محمد وأحمد وطه ويۤس والمزمّل والمدثِّر وعبد الله قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن السُّلَميّ عن جعفر الصادق أنه أراد يا سيد، مخاطبة لنبيّه صلى الله عليه وسلم. وعن ٱبن عباس: «يۤس» يا إنسان أراد محمداً صلى الله عليه وسلم. وقال: هو قَسَم وهو من أسماء الله سبحانه. وقال الزجاج: قيل معناه يا محمد وقيل يا رجل وقيل يا إنسان. وعن ٱبن الحنفية: «يۤس» يا محمد. وعن كعب: «يۤس» قَسَم أقسم الله به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفي عام (قال) يا محمد «إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ»، ثم قال: «وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ». فإن قدر أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم، وصحّ فيه أنه قَسَم كان فيه من التعظيم ما تقدّم، ويؤكد فيه القَسَم عطف القَسَم الآخر عليه. وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قَسَم آخر بعده لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته. أقسم الله تعالى باسمه وكتابه أنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، وعلى صراط مستقيم من إيمانه؛ أي طريق لا ٱعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له، وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال إنه يا سيِّد ما فيه، وقد قال عليه السلام: أنا سيد ولد آدمٱنتهى كلامه. وحكى القشيري قال ابن عباس: قالت كفار قريش لست مرسلاً وما أرسلك الله إلينا؛ فأقسم الله بالقرآن المحكم أن محمداً من المرسلين. «والحكيم» المحكَم حتى لا يتعرض لبطلان وتناقض؛ كما قال: { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } [هود: 1]. وكذلك أحكم في نظمه ومعانيه فلا يلحقه خلل. وقد يكون «الْحَكِيمِ» في حق الله بمعنى المحكِم بكسر الكاف كالأليم بمعنى المؤلم. {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي دين مستقيم وهو الإِسلام. وقال الزجاج: على طريق الأنبياء الذين تقدموك؛ (و) قال: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } خبر إن، و {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } خبر ثانٍ؛ أي إنك لمن المرسلين، وإنك على صراط مستقيم. وقيل: المعنى لمن المرسلين على ٱستقامة؛ فيكون قوله: {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } من صلة المرسلين؛ أي إنك لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة؛ كقوله تعالى: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ ٱللَّهِ }[الشورى: 52 ـ 53] أي الصراط الذي أمر الله به.

قوله تعالى: {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ } قرأ ٱبن عامر وحفص والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف: «تَنْزِيلَ» بنصب اللام على المصدر؛ أي نزّل الله ذلك تنزيلاً. وأضاف المصدر فصار معرفة كقوله:

{ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ } [محمد: 4] أي فضربا للرقاب. الباقون «تَنْزِيلُ» بالرفع على خبر ٱبتداء محذوف أي هو تنزيل، أو الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم. هذا وقرىء: «تَنْزِيلِ» بالجر على البدل من «الْقُرْآن» والتنزيل يرجع إلى القرآن. وقيل: إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي إنك لمن المرسلين، وإنك {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ }. فالتنزيل على هذا بمعنى الإرسال؛ قال الله تعالى: { قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً يَتْلُو }[الطلاق: 10 ـ 11] ويقال: أرسل الله المطر وأنزله بمعنى. ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة الله أنزلها من السماء. ومن نصب قال: إنك لمن المرسلين إرسالاً من الْعَزيز الرحيم. و «العزِيزِ» المنتقم ممن خالفه «الرَّحِيم» بأهل طاعته.

لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَٰفِلُونَ ۝٦ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٧ إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَٰقِهِمْ أَغْلَٰلًا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ۝٨

قوله تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} «ما» لا موضع لها من الإعراب عند أكثر أهل التفسير، منهم قتادة؛ لأنها نفي والمعنى: لتنذر قوماً ما أتى آباءهم قبلك نذير. وقيل: هي بمعنى الذي فالمعنى: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم؛ قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة أيضاً. وقيل: إن «ما» والفعل مصدر؛ أي لتنذر قوماً إنذار آبائهم. ثم يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء؛ فالمعنى لم ينذَروا برسول من أنفسهم. ويجوز أن يكون بلغهم الخبر ولكن غفلوا وأعرضوا ونَسُوا. ويجوز أن يكون هذا خطاباً لقوم لم يبلغهم خبر نبيّ، وقد قال الله:

{ وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ }[سبأ: 44] وقال: { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }[سجدة: 3] أي لم يأتهم نبيّ. وعلى قول من قال بلغهم خبر الأنبياء، فالمعنى فهم معرضون الآن متغافلون عن ذلك، ويقال للمعرض عن الشيء إنه غافل عنه. وقيل: {فَهُمْ غَافِلُونَ} عن عقاب الله.

قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} أي وجب العذاب على أكثرهم {فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} بإنذارك. وهذا فيمن سبق في علم الله أنه يموت على كفره. ثم بيّن سبب تركهم الإيمان فقال: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً}. قيل: نزلت في أبي جهل ٱبن هشام وصاحبيه المخزوميين؛ وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً يصلّي ليرضخنّ رأسه بحجر؛ فلما رآه ذهب فرفع حجراً ليرميه، فلما أومأ إليه رجعت يده إلى عنقه، والتصق الحجر بيده؛ قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما؛ فهو على هذا تمثيل أي هو بمنزلة من غُلَّت يدُه إلى عنقه، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى، فقال الرجل الثاني وهو الوليد بن المغيرة: أنا أرضَخ رأسه. فأتاه وهو يصلّي على حالته ليرميه بالحجر فأعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقال: والله ما رأيته ولقد سمعت صوته. فقال الثالث: والله لأشدخنّ أنا رأسه. ثم أخذ الحجر وٱنطلق فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خَرَّ على قفاه مغشيّا عليه. فقيل له: ما شأنك؟ قال شأني عظيم! رأيت الرجل فلما دنوت منه، وإذا فَحْل يَخطِر بذنبه ما رأيت فحلا قط أعظم منه حال بيني وبينه، فوالَّلاتِ والعُزّى لو دنوت منه لأكلني. فأنزل الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ }. وقرأ ابن عباس: «إِنَّا جَعَلْنَا فيِ أَيْمَانِهِمْ». وقال الزجاج: وقرىء «إِنَّا جَعَلْنَا فيِ أَيْدِيهِم». قال النحاس: وهذه القراءة تفسير ولا يقرأ بما خالف المصحف. وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة؛ التقدير: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالاً فهي إلى الأذقان، فهي كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، والعرب تحذف مثل هذا. ونظيره:

{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } [النحل: 81] وتقديره وسرابيل تقيكم البرد فحذف؛ لأن ما وقى من الحر وقى من البرد؛ لأن الغُلّ إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد، ولا سيما وقد قال الله عز وجل: {فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ} فقد علم أنه يراد به الأيدي. {فَهُم مُّقْمَحُونَ} أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق؛ لأن من غُلّت يده إلى ذَقنه ٱرتفع رأسه. روى عبد الله بن يحيى: أن علي بن أبي طالب عليه السلام أراهم الإقماح، فجعل يديه تحت لحيته وألصقهما ورفع رأسه. قال النحاس، وهذا أجلّ ما روي فيه وهو مأخوذ مما حكاه الأصمعي. قال: يقال أقمحت الدابة إذا جذبت لجامها لترفع رأسها. قال النحاس: والقاف مبدلة من الكاف لقربها منها. كما يقال: قَهَرته وكَهَرته. قال الأصمعِي: يقال أكمحتُ الدابَة إذا جذبت عنانها حتى ينتصب رأسها. ومنه قول الشاعر:

... والـرأسُ مُكَمـحُ

ويقال: أكمحتها وأكفحتها وكبحتها؛ هذه وحدها بلا ألف عن الأصمعي. وقَمَح البعير قُمُوُحاً: إذا رفع رأسه عند الحوض وٱمتنع من الشرب، فهو بعير قامِحٌ وقمِحٌ؛ يقال: شَرِب فتقمّح وٱنقمح بمعنًى إذا رفع رأسه وترك الشرب رِيًّا. وقد قامحت إبلُك: إذا وردت ولم تشرب، ورفعت رأسها من داء يكون بها أو برد. وهي إبل مُقامحة، وبعير مقامح، وناقة مقامح أيضاً، والجمع قمِاح على غير قياس؛ قال بشر يصف سفينة:

ونحن على جَوانبها قُعُودٌنَغُض الطرفَ كالإبل القِمَاحِ

والإقماح: رفع الرأس وغض البصر؛ يقال: أقْمَحه الغُلّ إذا ترك رأسه مرفوعاً من ضيقه. وشهرا قمِاح: أشدّ ما يكون من البرد، وهما الكانونان سميا بذلك؛ لأن الإبل إذا وردت آذاها برد الماء فقامحت رؤوسها؛ ومنه قَمِحتُ السويَق. وقيل: هو مثل ضربه الله تعالى لهم في ٱمتناعهم من الهدى كامتناع المغلول؛ قاله يحيى بن سلاّم وأبو عبيدة. وكما يقال: فلان حمار؛ أي لا يبصر الهدى. وكما قال:

لهم عـن الرشـدِ أغـلالٌ وأقيـاد

وفي الخبر: أن أبا ذؤيب كان يهوى ٱمرأة في الجاهلية، فلما أسلم راودته فأبى وأنشأ يقول:

فليس كعهدِ الدارِ يا أُم مَالكٍولكن أحاطت بالرقاب السلاسِل وعاد الفتى كالكهلِ ليس بقائلٍسِوى العدلِ شيئاً فٱستراح العواذِلُ

أراد مُنِعْنَا بموانع الإسلام عن تعاطي الزنى والفسق. وقال الفراء أيضاً: هذا ضرب مثل؛ أي حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله؛ وهو كقوله تعالى: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ }[الإسراء: 29] وقاله الضحاك. وقيل: إن هؤلاء صاروا في الاستكبار عن الحق كمن جُعل في يده غُلٌّ فجمعت إلى عنقه، فبقي رافعاً رأسه لا يخفضه، وغاضًّا بصره لا يفتحه. والمتكبر يوصف بانتصاب العنق. وقال الأزهري: إن أيديهم لما غُلَّت عند أعناقهم رَفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صُعُداً كالإبل ترفع رؤوسها. وهذا المنع بخلق الكفر في قلوب الكفار، وعند قوم بسلبهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم. وقيل: الآية إشارة إلى ما يُفعَل بأقوام غداً في النار من وضع الأغلال في أعناقهم والسلاسل؛ كما قال تعالى: { إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ }[غافر: 71] وأخبر عنه بلفظ الماضي. «فَهُمْ مُقْمَحُونَ» تقدّم تفسيره. قال مجاهد: «مُقْمَحُونَ» مُغلُّون عن كل خير.

وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ۝٩ وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١٠ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ۝١١

قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} قال مقاتل: لما عاد أبو جهل إلى أصحابه، ولم يصل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وسقط الحجر من يده، أخذ الحجر رجل آخر من بني مخزوم وقال: أقتله بهذا الحجر. فلما دنا من النبي صلى الله عليه وسلم طمس الله على بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فهذا معنى الآية. وقال محمد بن إسحاق في روايته: جلس عتبة وشيبة ٱبنا ربيعة، وأبو جهل وأمية بن خلف، يراصدون النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه؛ فخرج عليهم عليه السلام وهو يقرأ «يس» وفي يده تراب فرماهم به وقرأ: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} فأطرقوا حتى مرّ عليهم عليه السلام. وقد مضى هذا في سورة «سبحان» ومضى في «الكهف» الكلام في «سَدًّا» بضم السين وفتحها وهما لغتان. {فَأغْشَيْنَاهُمْ} أي غطينا أبصارهم؛ وقد مضى في أول «البقرة». وقرأ ٱبن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر «فأعشيناهم» بالعين غير معجمة من العَشاء في العين وهو ضعف بصرها حتى لا تبصر بالليل قال:

متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ

وقال تعالى: { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } [الزخرف: 36] الآية. والمعنى متقارب، والمعنى أعميناهم؛ كما قال:

ومن الحوادثِ لا أَبَالَكَ أَنّنيضُرِبتْ عليّ الأرضُ بالأَسْدَادِ لا أهتدي فيها لموضعِ تَلْعَةٍبين العُذَيْبِ وبينَ أرضِ مُرَادِ

{فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي الهدى؛ قاله قتادة. وقيل: محمداً حين ائتمروا على قتله؛ قاله السدي. وقال الضحاك: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} أي الدنيا {ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} أي الآخرة؛ أي عَمُوا عن البعث وعَمُوا عن قبول الشرائع في الدنيا؛ قال الله تعالى: { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } [فصلت: 25] أي زيّنوا لهم الدنيا ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة. وقيل: على هذا «مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا» أي غروراً بالدنيا «وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا» أي تكذيباً بالآخرة. وقيل: «مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ» الآخرة «وَمِنْ خَلْفِهِمْ» الدُّنْيَا. {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تقدّم في «البقرة» والآية ردّ على القَدَرية وغيرهم. وعن ٱبن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أحضر غيلان القَدَريّ فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم بالقَدَر؛ فقال: يكذبون عليّ يا أمير المؤمنين. ثم قال: يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } [الإنسان: 2 ـ 3] قال: ٱقرأ يا غيلان فقرأ حتى ٱنتهى إلى قوله: {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً} فقال ٱقرأ فقال: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} فقال: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت أنّ هذا في كتاب الله قط. فقال له: يا غيلان ٱقرأ أوّل سورة «يۤس» فقرأ حتى بلغ {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم؛ ٱشهد يا أمير المؤمنين أني تائب. قال عمر: اللهم إن كان صادقاً فتب عليه وثبته، وإن كان كاذباً فسلّط عليه من لا يرحمه وٱجعله آية للمؤمنين؛ فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه وصلبه. وقال ٱبن عون: فأنا رأيته مصلوباً على باب دمشق. فقلنا: ما شأنك يا غيلان؟ فقال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز.

قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} يعني القرآن وعمل به. {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} أي ما غاب من عذابه وناره؛ قاله قتادة. وقيل: أي يخشاه في مغيبه عن أبصار الناس وٱنفراده بنفسه. {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} أي لذنبه {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} أي الجنة.

إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَٰرَهُمْ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَٰهُ فِىٓ إِمَامٍ مُّبِينٍ ۝١٢

فيه أربع مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ} أخبرنا تعالى بإحيائه الموتى ردًّا على الكفرة. وقال الضحاك والحسن: أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل. والأوّل أظهر؛ أي نحييهم بالبعث للجزاء. ثم توعدهم بذكره كَتْب الآثار وهي:

الثانية ـ وإحصاء كل شيء وكل ما يصنعه الإنسان. قال قتادة: معناه مِن عملٍ. وقاله مجاهد وٱبن زيد. ونظيره قوله:

{ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ }[الانفطار: 5] وقوله: { يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } [القيامة: 13]، وقال: { ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } [الحشر: 18] فآثار المرء التي تبقى وتذكر بعد الإنسان من خير أو شر يجازى عليها: من أثر حسن؛ كعلم علَّموه، أو كتاب صنَّفوه، أو حبيس احتبسوه، أو بناء بنوه من مسجد أو رِباط أو قنطرة أو نحو ذلك. أو سَيِّىءٍ كوظيفة وظفها بعض الظلاّم على المسلمين، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، أو شيء أحدثه فيه صدّ عن ذكر الله من ألحان ومَلاِهٍ، وكذلك كل سُنّة حسنة، أو سيئة يستنّ بها. وقيل: هي آثار المشَّائين إلى المساجد. وعلى هذا المعنى تأوّل الآية عمر وٱبن عباس وسعيد بن جُبير. وعن ٱبن عباس أيضاً أن معنى: «وَآثَارَهُمْ» خُطاهم إلى المساجد. قال النحاس: وهذا أولى ما قيل فيه؛ لأنه قال: إن الآية نزلت في ذلك؛ لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة عن المسجد. وفي الحديث مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:يُكتبُ له برِجلٍ حصنة وتُحطُّ عنه برِجل سيئة ذاهباً وراجعاً إذا خرج إلى المسجد».

قلت: وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال:

كانت بنو سَلِمة في ناحية المدينة فأرادوا النُّقلَة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن آثاركم تكتب» فلم ينتقلوا. قال: هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: أراد بنو سَلِمة أن يتحوّلوا إلى قرب المسجد؛ قال: والبقاع خالية؛ قال: فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا بني سَلِمة ديارَكم تُكتَبْ آثارُكم ديارَكم تُكْتَبْ آثارُكم فقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحوّلنا. وقال ثابت البُنَاني: مشيت مع أنس بن مالك إلى الصلاة فأسرعت، فحبسني فلما ٱنقضت الصلاة قال: مشيت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وأسرعت، فحبسني فلما ٱنقضت الصلاة قال: أمَا علمت أن الآثار تُكتَب فهذا ٱحتجاج بالآية. وقال قتادة ومجاهد أيضاً والحسن: الآثار في هذه الآية الخُطَا. وحكى الثعلبي عن أنس أنه قال: الآثار هي الخُطَا إلى الجمعة. وواحد الآثار أثَر ويقال أَثْر.

الثالثة: في هذه الأحاديث المفسّرة لمعنى الآية دليل على أن البعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار مسجد، فهل له أن يجاوزه إلى الأبعد؟ ٱختلف فيه؛ فروي عن أنس أنه كان يجاوز المحدَث إلى القديم. وروي عن غيره: الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجْراً. وكره الحسن وغيره هذا؛ وقال: لا يدع مسجداً قربَه ويأتي غيره. وهذا مذهب مالك. وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. وخرّج ٱبن ماجه من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاةً وصلاته في المسجد الذي يُجمَّع فيه بخمسمائة صلاة

الرابعة: «دياركم» منصوب على الإغراء أي ٱلزموا، و «نكتب» جزم على جواب ذلك الأمر. «وكُلَّ» نصب بفعل مضمر يدلّ عليه «أَحْصَيْنَاهُ» كأنه قال: وأحصينا كل شيء أحصيناه. ويجوز رفعه بالابتداء إلا أن نصبه أولى؛ ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل. وهو قول الخليل وسيبويه. والإمام: الكتاب المقتدَى به الذي هو حجة. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح المحفوظ. وقالت فرقة: أراد صحائف الأعمال.

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ۝١٣ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ۝١٤ قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ۝١٥ قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ۝١٦ وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝١٧ قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٨ قَالُوا۟ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ۝١٩

قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } (خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أُمِر أن يضرب لقومه مثلاً بأصحاب القرية) هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين فيما ذكر الماوردي. نسبت إلى أهل أنطبيس وهو ٱسم الذي بناها ثم غُيِّر لما عُرِّب؛ ذكره السهيلي. ويقال فيها: أنتاكية بالتاء بدل الطاء. وكان بها فرعون يقال له أنطيخس بن أنطيخس يعبد الأصنام؛ ذكره المهدوي، وحكاه أبو جعفر النحاس عن كعب ووهب. فأرسل الله إليه ثلاثة: وهم صادق، وصدوق، وشلوم هو الثالث. هذا قول الطبري. وقال غيره: شمعون ويوحنا. وحكى النقاش: سمعان ويحيى، ولم يذكرا صادقاً ولا صدوقاً. ويجوز أن يكون «مَثَلاً» و «أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ» مفعولين لاضرب، أو «أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ» بدلاً من «مَثَلاً» أي ٱضرب لهم مثلَ أصحابِ القرية فحذف المضاف. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار هؤلاء المشركين أن يحلّ بهم ما حلّ بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل. قيل: رسل من الله على الابتداء. وقيل: إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله، وهو قوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ} وأضاف الربّ ذلك إلى نفسه؛ لأن عيسى أرسلهما بأمر الربّ، وكان ذلك حين رُفع عيسى إلى السماء. {فَكَذَّبُوهُمَا} قيل ضربوهما وسجنوهما. {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} أي فقوّينا وشدّدنا الرسالة «بِثالِثٍ». وقرأ أبو بكر عن عاصم: «فَعَزَزْنَا بِثَالِثٍ» بالتخفيف وشدّد الباقون. قال الجوهري: وقوله تعالى: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} يخفّف ويشدّد؛ أي قوّينا وشدّدنا. قال الأصمعي: أنشدني فيه أبو عمرو بن العلاء للمتلمِّس:

أُجُدٌّ إذا رَحَلَت تَعَزَّزَ لَحْمُهاوإذا تُشَد بِنِسْعِها لا تَنْبِسُ

أي لا ترغو؛ فعلى هذا تكون القراءتان بمعنًى. وقيل: التخفيف بمعنى غلبنا وقهرنا؛ ومنه: { وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ }[صۤ: 23]. والتشديد بمعنى قوّينا وكثرنا. وفي القصة: أن عيسى أرسل إليهم رسولين، فلقيا شيخاً يرعى غُنيمات له وهو حبيب النجار صاحب «يۤس» فدعوه إلى الله وقالا: نحن رسولا عيسى ندعوك إلى عبادة الله. فطالبهما بالمعجزة فقالا: نحن نشفي المرضى وكان له ٱبن مجنون. وقيل: مريض على الفراش فمسحاه، فقام بإذن الله صحيحاً؛ فآمن الرجل بالله. وقيل: هو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، ففشا أمرهما، وشَفَيَا كثيراً من المرضى، فأرسل الملك إليهما ـ وكان يعبد الأصنام ـ يستخبرهما فقالا: نحن رسولا عيسى. فقال: وما آيتكما؟ قالا: نبرىء الأكمه والأبرص ونبرىء المريض بإذن الله، وندعوك إلى عبادة الله وحده. فهمَّ الملكُ بضربهما. وقال وهب: حبسهما الملك وجلدهما مائة جلدة؛ فٱنتهى الخبر إلى عيسى فأرسل ثالثاً. قيل: شمعون الصفا رأس الحواريين لنصرهما؛ فعاشر حاشية الملك حتى تمكن منهم، وٱستأنسوا به، ورفعوا حديثه إلى الملك فأنس به، وأظهر موافقته في دينه، فرضي الملك طريقته؛ ثم قال يوماً للملك: بلغني أنك حبست رجلين دعواك إلى الله، فلو سألت عنهما ما وراءهما. فقال: إن الغضب حال بيني وبين سؤالهما. قال: فلو أحضرتهما. فأمر بذلك؛ فقال لهما شمعون: ما برهانكما على ما تدّعيان؟ فقالا: نبرىء الأكمه والأبرص. فجيء بغلام ممسوح العينين؛ موضع عينيه كالجبهة، فدعوا ربهما فٱنشق موضع البصر، فأخذا بندقتين طيناً فوضعاهما في خديه، فصارتا مقلتين يبصر بهما؛ فعجب الملك وقال: إن هاهنا غلاماً مات منذ سبعة أيام ولم أدفنه حتى يجيء أبوه فهل يحييه ربكما؟ فدعوا الله علانية، ودعاه شمعون سرًّا، فقام الميت حيًّا، فقال للناس: إني متّ منذ سبعة أيام، فوُجدت مشركاً، فأدخلتُ في سبعة أودية من النار، فأحذِّركم ما أنتم فيه فآمِنوا بالله، ثم فتحت أبواب السماء، فرأيت شاباً حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة شمعون وصاحبيه، حتى أحياني الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى روح الله وكلمته، وأن هؤلاء هم رسل الله. فقالوا له: وهذا شمعون أيضاً معهم؟ فقال: نعم وهو أفضلهم. فأعلمهم شمعون أنه رسول المسيح إليهم، فأثر قوله في الملك، فدعاه إلى الله، فآمن الملك في قوم كثير وكفر آخرون. وحكى القشيري أن الملك آمن ولم يؤمن قومه، وصاح جبريل صيحة مات كل من بقي منهم من الكفار. وروي أن عيسى لما أمرهم أن يذهبوا إلى تلك القرية قالوا: يا نبيّ الله إنا لا نعرف أن نتكلم بألسنتهم ولغاتهم. فدعا الله لهم فناموا بمكانهم، فهبُّوا من نومتهم وقد حملتهم الملائكة فألقتهم بأرض أنطاكية، فكلم كل واحد صاحبه بلغة القوم؛ فذلك قوله: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} فقالوا جميعاً: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق {وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ} يأمر به ولا (من شيء) ينهى عنه {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} في دعواكم الرسالة؛ فقالت الرسل: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} وإن كذبتمونا {وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ } في أن الله واحد {قَالُوۤاْ} لهم {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} أي تشاءمنا بكم. قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا هذا بشؤمكم. ويقال: إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين. {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ} عن إنذارنا {لَنَرْجُمَنَّكُمْ} قال الفراء: لنقتلنكم. قال: وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل. وقال قتادة: هو على بابه من الرجم بالحجارة. وقيل: لنشتمنكم؛ وقد تقدّم جميعه. {وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} قيل: هو القتل. وقيل: هو التعذيب المؤلم. وقيل: هو التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب. فقالت الرسل: {طَائِرُكُم مَّعَكُمْ} أي شؤمكم معكم أي حظكم من الخير والشر معكم ولازمٌ في أعناقكم، وليس هو من شؤمنا؛ قال معناه الضحاك. وقال قتادة: أعمالكم معكم. ٱبن عباس: معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم. الفراء: «طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ» رزقكم وعملكم؛ والمعنى واحد. وقرأ الحسن: «ٱطَّيْركُم» أي تطيركم. {أَإِن ذُكِّرْتُم} قال قتادة: إن ذكرتم تطيرتم. وفيه تسعة أوجه من القراءات: قرأ أهل المدينة: «أَيِنْ ذُكِّرْتُمْ» بتخفيف الهمزة الثانية. وقرأ أهل الكوفة: «أَإِنْ» بتحقيق الهمزتين. والوجه الثالث: «أَاإِنْ ذُكِّرْتُمْ» بهمزتين بينهما ألف أدخلت الألف كراهة للجمع بين الهمزتين. والوجه الرابع: «أاإنْ» بهمزة بعدها ألف وبعد الألف همزة مخففة. والقراءة الخامسة «أَاأَنْ» بهمزتين مفتوحتين بينهما ألف. والوجه السادس: «أَأَنْ» بهمزتين محققتين مفتوحتين. وحكى الفراء: أنّ هذه القراءة قراءة أبي رُزَين.

قلت: وحكاه الثعلبي عن زِرّ بن حُبيش وٱبن السَّمَيْقَع. وقرأ عيسى بن عمر والحسن البصري: {قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَإِن ذُكِّرْتُم} بمعنى حيث. وقرأ يزيد بن القعقَاع والحسن وطلحة «ذُكِرْتُمْ» بالتخفيف؛ ذكر جميعه النحاس. وذكر المهدوي عن طلحة بن مُصَرِّف وعيسى الهَمَذانِي: «آنْ ذُكِّرْتُمْ» بالمد، على أن همزة الاستفهام دخلت على همزة مفتوحة. الماجشون: «أَنْ ذُكِّرْتُمْ» بهمزة واحدة مفتوحة. فهذه تسع قراءات. وقرأ ٱبن هُرْمُز «طَيْرُكُمْ مَعَكُمْ». «أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ» أي لإِن وُعِظتم؛ وهو كلام مستأنف، أي إن وعظتم تطيرتم. وقيل: إنما تطيروا لما بلغهم أن كل نبي دعا قومه فلم يجيبوه كان عاقبتهم الهلاك {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} قال قتادة: مسرفون في تطيّركم. يحيى بن سلاّم: مسرفون في كفركم. وقال ٱبن بحر: السرف هاهنا الفساد، ومعناه بل أنتم قوم مفسدون. وقيل: مسرفون مشركون، والإسراف مجاوزة الحد، والمشرك يجاوز الحدّ.

وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٢٠ ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ۝٢١ وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٢٢ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا وَلَا يُنقِذُونِ ۝٢٣ إِنِّىٓ إِذًا لَّفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٢٤ إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ ۝٢٥ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يَٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ ۝٢٦ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ۝٢٧ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ۝٢٨ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَٰمِدُونَ ۝٢٩

قوله تعالى: {وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ} هو حبيب بن مري وكان نجارا. وقيل: إسكافاً. وقيل: قصّاراً. وقال ٱبن عباس ومجاهد ومقاتل: هو حبيب بن إسرائيل النجار وكان يَنْحَت الأصنام، وهو ممن آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة، كما آمن به تُبّع الأَكبر وورَقة بن نوفل وغيرهما. ولم يؤمن بنبيّ أحدٌ إلا بعد ظهوره. قال وهب: وكان حبيب مجذوماً، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان يَعكِفُ على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما ٱستجابوا له، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله فقال: هل من آية؟ قالوا: نعم، ندعو ربَّنا القادر فيفرج عنك ما بك. فقال: إن هذا لَعجب! أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرِّج عني فلم تستطع، (فكيف) يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا: نعم، ربُّنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفع شيئاً ولا تضر. فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس؛ فحينئذٍ أقبل على التكسب، فإذا أمسى تصدّق بكسبه، فأطعم عياله نصفاً وتصدّق بنصف، فلما همّ قومه بقتل الرسل جاءهم فـ{قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } الآية. وقال قتادة: كان يعبد الله في غارٍ، فلما سمع بخبر المرسلين جاء يسعى، فقال للمرسلين: أتطلبون على ما جئتم به أجراً؟ قالوا: لا؛ ما أجرنا إلا على الله. قال أبو العالية: فاعتقد صدقهم وآمن بهم وأقبل على قومه فـ«ـقَالَ يَا قَوْمِ ٱتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ». {ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} أي لو كانوا متَّهَمين لطلبوا منكم المال {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} فاهتدوا بهم. {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} قال قتادة: قال له قومه أنت على دينهم؟ٰ فقال: {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} أي خلقني. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وهذا ٱحتجاج منه عليهم. وأضاف الفطرة إلى نفسه؛ لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر، والبعث إليهم؛ لأن ذلك وعيد يقتضي الزجر؛ فكان إضافة النعمة إلى نفسه أظهر شكراً، وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ أثراً. {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً} يعني أصناماً. {إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ} يعني ما أصابه من السقم. {لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ} يخلصوني مما أنا فيه من البلاء {إِنِّيۤ إِذاً} يعني إن فعلت ذلك {لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي خسران ظاهر. {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ} قال ٱبن مسعود: خاطب الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم. ومعنى «فَاسْمَعُونِ» أي فٱشهدوا، أي كونوا شهودي بالإيمان. وقال كعب ووهب: إنما قال ذلك لقومه إني آمنت بربكم الذي كفرتم به. وقيل: إنه لما قال لقومه {ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} رفعوه إلى الملك وقالوا: قد تبعت عدوّنا؛ فطوّل معهم الكلام ليشغلهم بذلك عن قتل الرسل، إلى أن قال: {إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ} فوثبوا عليه فقتلوه. قال ٱبن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبُه من دبره، وأُلقي في بئر وهي الرَّسُّ وهم أصحاب الرَّسِّ. وفي رواية أنهم قتلوا الرسل الثلاثة. وقال السدي: رموه بالحجارة وهو يقول: اللهم ٱهدي قومي حتى قتلوه. وقال الكلبي: حفروا حفرة وجعلوه فيها، وردموا فوقه التراب فمات ردما. وقال الحسن: حرقوه حرقاً، وعلّقوه من سور المدينة وقبره في سور أنطاكية؛ حكاه الثعلبي. وقال القشيري: وقال الحسن لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إلى السماء، فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة، فإذا أعاد الله الجنة أُدخلها. وقيل: نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه، فوالله ما خرجت روحه إلا إلى الجنة فدخلها؛ فذلك قوله: {قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ} فلما شاهدها {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} أي بغفران ربي لي؛ فـ«ـما» مع الفعل بمنزلة المصدر. وقيل: بمعنى الذي والعائد من الصلة محذوف. ويجوز أن تكون ٱستفهاماً فيه معنى التعجب، كأنه قال ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي؛ قاله الفرّاء. واعترضه الكسائي فقال: لو صحّ هذا لقال بِم من غير ألف. وقال الفراء: يجوز أن يقال بما بالألف وهو ٱستفهام وأنشد فيه أبياتاً. الزمخشري: «بِمَ غَفَرَ لِي» بطرح الألف أجود، وإن كان إثباتها جائزاً؛ يقال: قد علمت بما صنعت هذا وبم صنعت. المهدوي: وإثبات الألف في الاستفهام قليل. فيوقف على هذا على «يَعْلَمُونَ». وقال جماعة: معنى قيل «ٱدْخُلِ الْجَنَّةَ» وجبت لك الجنة؛ فهو خبر بأنه قد ٱستحق دخول الجنة؛ لأن دخولها يُستحق بعد البعث.

قلت: والظاهر من الآية أنه لما قُتل قيل له ٱدخل الجنة. قال قتادة: أدخله الله الجنة وهو فيها حيّ يرزق؛ أراد قوله تعالى:

{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [آل عمران: 169] على ما تقدم في «آل عمران» بيانه. والله أعلم.

قوله تعالى: {قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ } مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم الذي هو {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ} وقرىء «مِنَ الْمُكَرَّمِينَ» وفي معنى تمنيه قولان: أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته. الثاني تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله. قال ابن عباس: نصح قومه حياً وميتاً. رفعه القشيري فقال: وفي الخبر أنه عليه السلام قال في هذه الآية:

إنه نصح لهم في حياته وبعد موته. وقال ٱبن أبي ليلى: سُبَّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب وهو أفضلهم، ومؤمن آل فرعون، وصاحب يۤس، فهم الصدّيقون؛ ذكره الزمخشري مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في ٱفتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام. فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل النقمة على قومه، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم؛ فذلك قوله: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبيّ بعد قتله؛ قاله قتادة ومجاهد والحسن. قال الحسن: الجند الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء. وقيل: الجند العساكر؛ أي لم أحتج في هلاكهم إلى إرسال جنود ولا جيوش ولا عساكر؛ بل أهلكهم بصيحة واحدة. قال معناه ابن مسعود وغيره. فقوله: {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} تصغير لأمرهم؛ أي أهلكناهم بصيحة واحدة من بعد ذلك الرجل، أو من بعد رفعه إلى السماء. وقيل: {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} على من كان قبلهم. الزمخشري: فإن قلت فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟ فقال: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } [الأحزاب: 9]، وقال: { آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } [آل عمران: 124 ـ 125].

قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلِكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة، ولكن الله فضل محمداً صلى الله عليه وسلم بكل شيء على سائر الأنبياء وأولي العزم من الرسل فضلاً عن حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما لم يوله أحداً؛ فمن ذلك أنه أنزل له جنوداً من السماء، وكأنه أشار بقوله: {وَمَآ أَنزَلْنَا}. {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعل لغيرك. {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} قراءة العامة «وَاحِدَةً» بالنصب على تقدير ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة.

وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاع وشيبة والأعرج: «صَيْحَةٌ» بالرفع هنا، وفي قوله {إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} جعلوا الكون بمعنى الوقوع والحدوث؛ فكأنه قال: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة. وأنكر هذه القراءة أبو حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث فهو ضعيف؛ كما تكون ما قامت إلا هندٌ ضعيفاً؛ من حيث كان المعنى ما قام أحد إلا هند. قال أبو حاتم: فلو كان كما قرأ أبو جعفر لقال: إن كان إلا صيحةٌ. قال النحاس: لا يمتنع شيء من هذا، يقال: ما جاءتني إلا جاريتك، بمعنى ما جاءتني ٱمرأة أو جارية إلا جاريتك. والتقدير في القراءة بالرفع ما قاله أبو إسحاق، قال: المعنى إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة، وقدّره غيره: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة. وكان بمعنى وقع كثير في كلام العرب. وقرأ عبد الرحمن بن الأسود ـ ويقال إنه في حرف عبد الله كذلك ـ «إنْ كَانَتْ إِلاَّ زَقْيَةً وَاحِدَةً». وهذا مخالف للمصحف. وأيضاً فإن اللغة المعروفة زَقَا يَزْقو إذا صاح، ومنه المثل: أثقلُ من الزَّوَاقي؛ فكان يجب على هذا أن يكون زَقْوة. ذكره النحاس.

قلت: وقال الجوهري: الزَّقْو والزَّقْي مصدر، وقد زَقَا الصدى يَزقْو زقاء: أي صاح، وكل صائح زاقٍ، والزَّقْية الصّيحة.

قلت: وعلى هذا يقال: زَقْوة وزَقْية لغتان؛ فالقراءة صحيحة لا ٱعتراض عليها. والله أعلم. {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} أي ميتون هامدون؛ تشبيهاً بالرماد الخامد. وقال قتادة: هلكى. والمعنى واحد.

يَٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٣٠ أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ۝٣١ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ۝٣٢

قوله تعالى: {يٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ} منصوب؛ لأنه نداء نكرة ولا يجوز فيه غير النصب عند البصريين. وفي حرف أُبَيّ «يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ» على الإضافة. وحقيقة الحسرة في اللغة أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيراً. وزعم الفراء أن الاختيار النصب، وأنه لو رفعت النكرة الموصولة بالصلة كان صواباً. وٱستشهد بأشياء منها أنه سمع من العرب: يا مُهَتمُّ بأمرنا لا تهتمّ. وأنشد:

يا دارُ غَيَّرها البِـلَى تَغْييرَا

قال النحاس: وفي هذا إبطال باب النداء أو أكثره؛ لأنه يرفع النكرة المحضة، ويرفع ما هو بمنزلة المضاف في طوله، وبحذف التنوين متوسطاً، ويرفع ما هو في المعنى مفعول بغير علة أوجبت ذلك. فأما ما حكاه عن العرب فلا يشبه ما أجازه؛ لأن تقدير يا مُهْتَمُّ بأمرنا لا تهتم على التقديم والتأخير، والمعنى: يأيها المهتم لا تهتم بأمرنا. وتقدير البيت: يأيتها الدار، ثم حوّل المخاطبة؛ أي يا هؤلاء غيّر هذه الدار البلى؛ كما قال الله جل وعز: { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }[يونس: 22]. فـ«ـحسرة» منصوب على النداء؛ كما تقول يا رجلاً أقبل، ومعنى النداء: هذا موضع حضور الحسرة. الطبري: المعنى يا حسرة من العباد على أنفسهم وتندُّماً وتلهُّفاً في ٱستهزائهم برسل الله عليهم السلام. ٱبن عباس: «يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ» أي يا ويلا على العباد. وعنه أيضاً: حلّ هؤلاء محلّ من يتحسر عليهم. وروى الربيع عن أنس عن أبي العالية أن العباد هاهنا الرسل؛ وذلك أن الكفار لما رأوا العذاب قالوا: «يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ» فتحسروا على قتلهم، وترك الإيمان بهم؛ فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم الإيمان؛ وقاله مجاهد. وقال الضحاك: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل. وقيل: «يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ» من قول الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، لما وثب القوم لقتله. وقيل: إن الرسل الثلاثة هم الذين قالوا لما قتل القوم ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وحلَّ بالقوم العذاب: يا حسرة على هؤلاء، كأنهم تمنوا أن يكونوا قد آمنوا. وقيل: هذا من قول القوم قالوا لما قتلوا الرجل وفارقتهم الرسل، أو قتلوا الرجل مع الرسل الثلاثة، على ٱختلاف الروايات: يا حسرة على هؤلاء الرسل، وعلى هذا الرجل، ليتنا آمنا بهم في الوقت الذي ينفع الإيمان. وتم الكلام على هذا، ثم ٱبتدأ فقال: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ}. وقرأ ٱبن هُرْمُز ومسلم بن جُنْدب وعِكرمة: «يَا حَسْرَهْ عَلَى الْعِبَادِ» بسكون الهاء للحرص على البيان وتقرير المعنى في النفس؛ إذ كان موضع وعظ وتنبيه والعرب تفعل ذلك في مثله، وإن لم يكن موضعاً للوقف. ومن ذلك ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يُقَطِّعُ قراءته حرفاً حرفاً؛ حرصاً على البيان والإفهام. ويجوز أن يكون «عَلَى الْعِبَادِ» متعلقاً بالحسرة. ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف لا بالحسرة؛ فكأنه قدر الوقف على الحسرة فأسكن الهاء، ثم قال: «عَلَى الْعِبَادِ» أي أتحسر على العباد. وعن ٱبن عباس والضحاك وغيرهما: «يَا حَسْرَةَ العِبَادِ» مضاف بحذف «على». وهو خلاف المصحف. وجاز أن يكون من باب الإضافة إلى الفاعل فيكون العباد فاعلين؛ كأنهم إذا شاهدوا العذاب تحسروا فهو كقولك يا قيام زيدٍ. ويجوز أن تكون من باب الإضافة إلى المفعول، فيكون العباد مفعولين؛ فكأن العباد يتحّسر عليهم من يشفق لهم. وقراءة من قرأ: «يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ» مقوِّية لهذا المعنى.

قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } قال سيبويه: «أنّ» بدل من «كم»، ومعنى كم هاهنا الخبر؛ فلذلك جاز أن يبدل منها ما ليس باستفهام. والمعنى: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون. وقال الفراء: «كَمْ» في موضع نصب من وجهين: أحدهما بـ«ـيَرَوْا» وٱستشهد على هذا بأنه في قراءة ٱبن مسعود «أَلَمْ يَرَوْا مَنْ أَهْلَكْنَا». والوجه الآخر أن يكون «كَمْ» في موضع نصب بـ«ـأَهْلَكْنَا». قال النحاس: القول الأوّل محال؛ لأن «كَمْ» لا يعمل فيها ما قبلها؛ لأنها ٱستفهام، ومحال أن يدخل الاستفهام في خبر ما قبله. وكذا حكمها إذا كانت خبراً، وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل «أَنَّهُمْ» بدلاً من كم. وقد ردّ ذلك محمد بن يزيد أشدّ ردّ، وقال «كَمْ» في موضع نصب بـ«ـأَهْلَكْنَا» و «أَنَّهُمْ» في موضع نصب، والمعنى عنده بأنهم أي {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} بالاستئصال. قال: والدليل على هذا أنها في قراءة عبد الله «مَنْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ». وقرأ الحسن: «إِنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ» بكسر الهمزة على الاستئناف. وهذه الآية ردٌّ على من زعم أن من الخلق من يرجع قبل القيامة بعد الموت. {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } يريد يوم القيامة للجزاء. وقرأ ٱبن عامر وعاصم وحمزة: «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا» بتشديد «لما». وخفف الباقون. فـ«ـإن» مخففة من الثقيلة وما بعدها مرفوع بالابتداء، وما بعده الخبر. وبطل عملها حين تغيَّر لفظها. ولزمت اللام في الخبر فرقاً بينها وبين إن التي بمعنى ما. و «ما» عند أبي عبيدة زائدة. والتقدير عنده: وإن كلٌّ لجميع. قال الفرّاء: ومن شدّد جعل «لما» بمعنى إلا و «إِن» بمعنى ما، أي ما كلٌّ إلاَّ لَجميع؛ كقوله:

{ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } [المؤمنون: 25]. وحكى سيبويه في قوله: سألتك بالله لما فعلت. وزعم الكسائي أنه لا يعرف هذا. وقد مضى هذا المعنى في «هود». وفي حرف أُبَيّ «وَإِنْ مِنْهُمْ إِلاَّ جَميعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ».
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ