انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يس

التحرير والتنويرالآيات 1–25

تفسير سورة يس آية آية، من التحرير والتنوير.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يسٓ ۝١

القول فيه كالقول في الحروف المقَطَّعة الواقعة في أوائل السور، ومن جملتها أنه اسم من أسماء الله تعالى، رواه أشهب عن مالك قاله ابن العربي، وفيه عن ابن عباس أنه: يا إنسان، بلسان الحبشة. وعنه أنها كذلك بلغة طيء، ولا أحسب هذا يصح عنه لأن كتابتها في المصاحف على حرفين تنافي ذلك.

ومن الناس من يدعي أن يس من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وبنى عليه إسماعيل بن بكر الحِميري شاعر الرافضة المشهور عندهم بالسيد الحِميري قوله:

يا نفْسِ لا تَمْحضِي بالودّ جَاهدةعلى المَودة إلاَّ آل ياسِينا

ولعله أخذه من قوله تعالى في سورة الصافات (130) { { سلام على آل ياسين } } فقد قيل إنه يعني آل محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن الناس من قال: إن يس اختزال: يا سيد، خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ويوهنه نطق القراء بها بنون.

ومن الناس من يسمّي ابنه بهذه الكلمة وهو كثير في البلاد المصرية والشامية ومنهم الشيخ يس بن زين الدين العُليمي الحمصي المتوفى سنة 1061 صاحب التعاليق القيمة فإنما يكتب اسمه بحسب ما ينطق به لا بحروف التهجي وإن كان الناس يغفلون فيكتبونه بحرفين كما يكتب أول هذه السورة.

قال ابن العربي قال أشهب: سألت مالكاً هل ينبغي لأحد أن يسمي يس؟ قال: ما أراه ينبغي لقول الله تعالى:

{ { يس والقرآن الحكيم } } [يس: 1، 2] يقول هذا: اسمي يس. قال ابن العربي: وهو كلام بديع لأن العبد لا يجوز أن يسمّى باسم الله إذا كان فيه معنى منه كقوله: عالم وقادر، وإنما منع مالك من التسمية بهذا لأنه اسم من أسماء الله لا يُدرَى معناه فربما كان معناه ينفرد به الرب فلا يجوز أن يقدم عليه العبْد فيقدم على خطر فاقتضى النظر رفعه عنه ا هــــ. وفيه نظر.

والنطق باسم (يا) بدون مد تخفيف كما في كهيعص.

وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ ۝٢ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٣ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٤

القسَم بالقرآن كناية عن شرف قدره وتعظيمه عند الله تعالى، وذلك هو المقصود من الآيات الأُوَل من هذه السورة. والمقصود من هذا القَسَم تأكيد الخبر مع ذلك التنويه.

و{القرآن} علَم بالغلبة على الكتاب الموحَى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم من وقت مبعثه إلى وفاته للإِعجاز والتشريع، وقد تقدم في قوله تعالى:

{ { وما تتلوا منه من قرآن } } في سورة يونس (61).

و{الحكيم} يجوز أن يكون بمعنى المُحْكَم بفتح الكاف، أي المجعول ذا إحكام، والإِحكام: الإِتقان بماهية الشيء فيما يراد منه.

ويجوز أن يكون بمعنى صاحب الحِكمة، ووصفه بذلك مجاز عقلي لأنه محتوٍ عليها.

وجملة {إنك لمن المرسلين} جواب القسم، وتأكيد هذا الخبر بالقسم وحرف التأكيد ولامِ الابتداء باعتبار كونه مراداً به التعريض بالمشركين الذين كذبوا بالرسالة فهو تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وتعريض بالمشركين، فالتأكيد بالنسبة إليه زيادةُ تقرير وبالنسبة للمعنى الكنائي لرد إنكارهم، والنكت لا تتزاحم.

{على صراط مستقيم} خبر ثان لــــ (إنّ)، أو حال من اسم (إنّ). والمقصود منه: الإِيقاظ إلى عظمة شريعته بعد إثبات أنه مرسل كغيره من الرسل.

و{على} للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى التمكُّن كما تقدم في قوله:

{ { أولئك على هدى من ربهم } } في سورة البقرة (5). وليس الغرض من الإِخبار به عن المخاطب إفادة كونه على صراط مستقيم لأن ذلك معلوم حصوله من الأخبار من كونه أحد المرسلين. فقد علم أن المراد من المرسلين المرسلون من عند الله، ولكن الغرض الجمع بين حال الرسول عليه الصلاة والسلام وبين حال دينه ليكون العِلم بأن دينه صراط مستقيم عِلماً مُستقلاً لا ضِمنياً.

والصراط المستقيم: الهدى الموصل إلى الفوز في الآخرة، وهو الدين الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، والخُلُق الذي لَقنه الله، شبه بطريق مستقيم لا اعوجاج فيه في أنه موثوق به في الإِيصال إلى المقصود دون أن يتردد السائر فيه.

فالإِسلام فيه الهدى في الحياتين فمتَّبِعه كالسائر في صراط مستقيم لا حيرة في سيره تعتريه حتى يبلغ المكان المراد.

والقرآن حاوي الدين فكان القرآن من الصراط المستقيم.

وتنكير {صراط} للتوصل إلى تعظيمه.

تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ۝٥ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَٰفِلُونَ ۝٦

راجع إلى

{ { القرآن الحكيم } } [يس: 2] إذ هو المنزل من عند الله، فبعد أن استوفى القسم جوابه رجع الكلام إلى بعض المقصود من القسم وهو تشريف المقسم به فوسم بأنه {تنزيل العزيز الرحيم}.

وقد قرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف للعلم به، وهذا من مواقع حذف المسند إليه الذي سماه السكاكي الحذف الجاري على متابعة الاستعمال في أمثاله. وذلك أنهم إذا أجروا حديثاً على شيء ثم أخبروا عنه التزموا حذف ضميره الذي هو مسند إليه إشارة إلى التنويه به كأنه لا يخفى كقول إبراهيم الصّولي، أو عبد الله بن الزَّبير الأَسدي أو محمد بن سعيد الكاتب، وهي من أبيات الحماسة في باب الأضياف:

سأشكر عَمْراً إن تراختْ منيتيأيَاديَ لم تمنن وإن هي جَلّتِفتىً غيرُ محجوب الغنى عن صديقهولاَ مظهرِ الشكوى إذ النعل زلَّتِ

تقديره: هو فتى.

وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بنصب {تنزيل} على تقدير: أعني. والمعنى: أعني من قسمي قرآناً نَزَّلتُه، وتلك العناية زيادة في التنويه بشأنه وهي تعادل حذف المسند إليه الذي في قراءة الرفع.

والتنزيل: مصدر بمعنى المفعول أخبر عنه بالمصدر للمبالغة في تحقيق كونه منزلاً.

وأضيف التنزيل إلى الله بعنوان صفتي {العزيز الرحيم} لأن ما اشتمل عليه القرآن لا يعدُو أن يكون من آثار عزة الله تعالى، وهو ما فيه من حمل الناس على الحق وسلوك طريق الهدى دون مصانعة ولا ضعف مع ما فيه من الإِنذار والوعيد على العصيان والكفران.

وأن يكون من آثار رحمته وهو ما في القرآن من نَصْب الأدلة وتقريب البعيد وكشف الحقائق للناظرين، مع ما فيه من البشارة للذين يكونون عند مرضاة الله تعالى، وذلك هو ما ورد بيانه بعدُ إجمالاً من قوله: {لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} [يس: 6] ثم تفصيلاً بقوله:

{ { لقد حق القول على أكثرهم } } [يس: 7] وبقوله: { { إنما تُنذر من اتَّبع الذكر وخَشِيَ الرحمٰن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم } } [يس: 11].

فاللام في {لتنذر} متعلقة بــــ{تنزيل} وهي لام التعليل تعليلاً لإِنزال القرآن.

واقتصر على الإِنذار لأن أول ما ابتدىء به القومُ من التبليغ إنذارهم جميعاً بما تضمنته أول سورة نزلت من قوله:

{ { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } } [العلق: 6، 7] الآية. وما تضمنته سورة المدثر لأن القوم جميعاً كانوا على حالة لا ترضي الله تعالى فكان حالهم يقتضي الإِنذار ليسرعوا إلى الإِقلاع عما هم فيه مرتبكون.

والقوم الموصوفون بأنهم لم تنذر آباؤهم: إما العرب العدنانيون فإنهم مضت قرون لم يأتهم فيها نذير، ومضى آباؤهم لم يسمعوا نذيراً، وإنما يُبتدأ عدُّ آبائهم من جدّهم الأعلى في عمود نسبهم الذين تميزوا به جذماً وهو عدنان، لأنه جذم العرب المستعربة، أو أريد أهل مكة. وإنما باشر النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء بعثته دعوة أهل مكة وما حولها فكانوا هم الذين أراد الله أن يتلقّوا الدين وأن تتأصل منهم جامعة الإِسلام ثم كانوا هم حملة الشريعة وأعوان الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ دعوته وتأييده. فانضمّ إليهم أهل يثرب وهم قحطانيون فكانوا أنصاراً ثم تتابع إيمان قبائل العرب.

وفرع عليه قوله: {فهم غافلون} أي فتسبب على عدم إنذار آبائهم أنهم متصفون بالغفلة وصفاً ثابتاً، أي فهم غافلون عما تأتي به الرسل والشرائع فهم في جهالة وغواية إذ تراكمت الضلالات فيهم عاماً فعاماً وجيلاً فجيلاً.

فهذه الحالة تشمل جميع من دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم سواء من آمن بعدُ ومن لم يؤمن.

والغفلة: صريحها الذهول عن شيء وعدم تذكره، وهي هنا كناية عن الإِهمال والإِعراض عما يحق التنبيه إليه كقول النابغة:

يقول أناس يجهلون خليقتيلعلّ زياداً لا أباك غافل

لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٧

هذا تفصيل لحال القوم الذين أُرسل محمد صلى الله عليه وسلم لينذرهم، فهم قسمان: قسم لم تنفع فيهم النذارة، وقسم اتبعوا الذكر وخافوا الله فانتفعوا بالنذارة. وبيَّن أن أكثر القوم حقت عليهم كلمة العذاب، أي عَلِم الله أنهم لا يؤمنون بما جَبَل عليه عقولهم من النفور عن الخير، فحقق في علمه وكَتب أنهم لا يؤمنون، فالفاء لتفريع انتفاء إيمان أكثرهم على القول الذي حق على أكثرهم.

و{حَق}: بمعنى ثبت ووقع فَلا يقبل نقضاً. و{القول}: مصدر أريد به ما أراده الله تعالى بهم فهو قول من قبيل الكلام النفسي، أو مما أوحى الله به إلى رسله.

والتعريف في {القول} تعريف الجنس، والمقول محذوف لدلالة تفريعه عليه.

والتقدير: {لقد حق} القول، أي القول النفسي وهو المكتوب في علمه تعالى أنهم لا يؤمنون فهم لا يؤمنون.

إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَٰقِهِمْ أَغْلَٰلًا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ۝٨

هذه الجملة بدل اشتمال من جملة

{ { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } } [يس: 7] فإن انتفاء إيمانهم يشتمل على مَا تضمنته هذه الآية من جعل أغلال في أعناقهم حقيقة أو تمثيلاً.

والجعل: تكوين الشيء، أي جعلنا حالهم كحال من في أعناقهم أغلال فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، فيجوز أن يكون تمثيلاً بأن شُبهت حالة إعراضهم عن التدبر في القرآن ودعوة الإِسلام والتأمل في حججه الواضحة بحال قوم جعلت في أعناقهم أغلال غليظة ترتفع إلى أذقانهم فيكونون كالمقمحين، أي الرافعين رؤوسهم الغاضِّين أبصارهم لا يلتفتون يميناً ولا شِمالاً فلا ينظرون إلى شيء مما حولهم فتكون تمثيلية.

وذِكر {فهي إلى الأذقان} لتحقيق كون الأغلال ملزوزة إلى عظام الأذقان بحيث إذا أراد المغلول منهم الالتفات أو أن يطاطىء رأسه وجِعَه ذقنه فلازم السكون وهذه حالة تخييل هذه الأغلال وليس كل الأغلال مثل هذه الحالة.

وهذا التمثيل قابل لتوزيع أجزاء المركب التمثيلي إلى تشبيه كل جزء من الحالين بجزء من الحالة الأخرى بأن يشبه ما في نفوسهم من النفور عن الخير بالأَغلال، ويشبه إعراضهم عن التأمل والإِنصاف بالإِقماح.

فالفاء في قوله: {فهي إلى الأذقان} عطف على جملة {جعلنا في أعناقهم أغلالاً}، أي جعلنا أغلالاً، أي فأبلغناها إلى الأذقان.

والجعل: هنا حقيقة وهو ما خلق في نفوسهم من خلق التكبر والمكابرة.

والأغلال: جمع غُلّ بضم الغين، وهو حلقة عريضة من حديد كالقلادة ذات أضلاع من إحدى جهاتها وطرفين يقابلان أضلاعهما فيهما أثقاب متوازية تشد الحلقة من طرفيها على رقبة المغلول بعمود من حديد له رأس كالكرة الصغيرة يسقط ذلك العمُود في الأثقاب فإذا انتهى إلى رأسه الذي كالكرة استقرّ ليمنع الغُلّ من الانحلال والتفلّت، وتقدم عند قوله تعالى:

{ { وأولئك الأغلال في أعناقهم } } في سورة الرعد (5).

والفاء في قوله: {فهم مقمحون} تفريع على جملة {فهي إلى الأذقان}.

والمقمَح: بصيغة اسم المفعول المجعول قامحاً، أي رافعاً رأسه ناظراً إلى فوقه يقال: قمحه الغُلّ، إذا جعل رأسه مرفوعاً وغضّ بصره، فمدلوله مركب من شيئين. والأذقان: جمع ذَقَن بالتحريك، وهو مجتمع اللحيين. وتقدم في الإِسراء.

ويجوز أن يكون قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} الخ وعيداً بما سيحلّ بهم يوم القيامة حين يساقون إلى جهنم في الأغلال كما أشار إليه قوله تعالى:

{ { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون } } في سورة غافر [71، 72]، فيكون فعل {جعلنا} مستقبلاً وعبر عنه بصيغة الماضي لتحقيق وقوعه كقوله تعالى: { { أتى أمر اللَّه } } [النحل: 1]، أي سنجعل في أعناقهم أغلالاً.

وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ۝٩

{وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً}.

هذا ارتقاء في حرمانهم من الاهتداء لو أرادوا تأملاً بأنّ فظاظة قلوبهم لا تقبل الاستنتاج من الأدلة والحجج بحيث لا يتحولون عما هم فيه، فمُثّلت حالهم بحالة من جُعلوا بين سدَّيْن، أي جدارين: سداً أمامهم، وسداً خلفهم، فلو راموا تحوّلاً عن مكانهم وسعيهم إلى مرادهم لما استطاعوه كقوله تعالى:

{ { فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون } } [يس: 67]، وقول أبي الشيص:

وقف الهوى بي حيث أنتِ فليس ليمتأخَّر عنه ولا مُتَقَدَّم

وقد صرح بذلك في قول...:

ومن الحوادث لا أبالك أننيضربتُ على الأرض بالأسدادلا أهتدي فيها لموضع تَلْعةبين العُذيب وبين أرض مُراد

وتقدم السدّ في سورة الكهف.

وفي «مفاتيح الغيب»: مانع الإِيمان: إما أن يكون في النفس، وإما أن يكون خارجاً عنها. ولهم المانعان جميعاً: أما في النفس فالغُلّ، وأما من الخارج فالسد فلا يقع نظرهم على أنفسهم فيروا الآيات التي في أنفسهم لأن المُقْمَح لا يرى نفسه ولا يقع نظرهم على الآفاق لأن مَن بين السدّين لا يبصرون الآفاق فلا تتبين لهم الآيات كما قال تعالى:

{ { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } } [فصلت: 53].

وإعادة فعل {وجعلنا} على الوجه الأول في معنى قوله:

{ { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } } [يس: 8] الآية، تأكيد لهذا الجعل، وأما على الوجه الثاني في معنى {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} فإعادة فعل {وجعلنا} لأنه جَعْل حاصل في الدُّنيا فهو مغاير للجعل الحاصل يوم القيامة.

وقرأ الجمهور {سداً} بالضم وهو اسم الجدار الذي يَسُدّ بين داخل وخارج.

وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالفتح وهو مصدر سمي به ما يُسد به.

{فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}.

تفريع على كلا الفعلين

{ { جعلنا في أعناقهم أغلالاً } } [يس: 8] و{جعلنا من بين أيديهم سُدّاً ومن خلفهم سداً} لأن في كلا الفعلين مانعاً من أحوال النظر.

وفي الكلام اكتفاء عن ذكر ما يتفرع ثانياً على تمثيلهم بمن جعلوا بين سُدين من عدم استطاعة التحول عمّا هم عليه.

والإِغشاء: وضع الغشاء. وهو ما يغطي الشيء. والمراد: أغشينا أبصارهم، ففي الكلام حذف مضاف دلّ عليه السياق وأكّده التفريع بقوله: {فهم لا يبصرون}. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي لإِفادة تقوي الحكم، أي تحقيق عدم إبصارهم.

وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١٠

عطف على جملة

{ { لا يبصرون } } [يس: 9]، أي إنذارَك وعدمه سواء بالنسبة إليهم، فحرف (على) معناه الاستعلاء المجازي وهو هنا الملابسة، متعلق بــــ{سواء} الدال على معنى (استوى)، وتقدم نظيرها في أول سورة البقرة.

وهمزة التسوية أصلها الاستفهام ثم استعملت في التسوية على سبيل المجاز المرسل، وشاع ذلك حتى عدّت التسوية من معاني الهمزة لكثرة استعمالها في ذلك مع كلمة سواء وهي تفيد المصدرية. ولما استعملت الهمزة في معنى التسوية استعملت {أم} في معنى الواو، وقد جاء على الاستعمال الحقيقي قول بُثيْنة:

سواء علينا يا جميلُ بن مَعمرإذَا مِتَّ بأساءُ الحياةِ ولينُها

وجملة {لا يؤمنون} مبيّنة استواء الإِنذار وعدمِه بالنسبة إليهم.

إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ۝١١

لما تضمن قوله:

{ { وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم } } [يس: 10] أن الإِنذار في جانب الذين حق عليهم القول أنهم لا يؤمنون هو وعدمه سواء وكان ذلك قد يُوهم انتفاء الجدوى من الغير وبعض من فضل أهل الإِيمان أعقب ببيان جدوى الإِنذار بالنسبة لمن اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب.

و{الذكر} القرآن.

والاتّباع: حقيقته الاقتفاء والسَّيْر وراء سائر، وهو هنا مستعار للإِقبال على الشيء والعناية به لأن المتبع شيئاً يعتني باقتفائه، فاتباع الذكر تصديقُه والإِيمانُ بما فيه لأن التدبر فيه يفضي إلى العمل به، كما ورد في قصة إيمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه وجد لَوْحاً فيه سورة طه عند أخته فأخذ يقرأُ ويتدّبر فآمن.

وكان المشركون يُعرضون عن سماع القرآن ويصُدُّون الناس عن سماعه، ويبين ذلك ما في قصة عبد الله بن أُبيّ ابن سَلول في مبدأ حلول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بمجلس عبد الله بن أُبَيّ فنزل فسلم وتلا عليهم القرآن حتى إذا فرغ قال عبدُ الله بن أُبَيّ: يا هذا إنه لا أحسن من حديثك إن كان حقاً، فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدّثْه ومن لم يأتك فلا تَغُتَّه به. ولما كان الإِقبال على سماع القرآن مُفضياً إلى الإِيمان بما فيه لأنه يداخل القلب كما قال الوليد بن المغيرة «إن له لَحَلاوة، وإن عليه لَطَلاوة، وإن أسفله لمُغْدِق، وإن أعلاه لمُثمر». أُتبعت صلة {اتبع الذكر} بجملة {وخشي الرحمان بالغيب}، فكان المراد من اتّباع الذكر أكمل أنواعه الذي لا يعقبه إعراض فهو مؤدَ إلى امتثال المتبِعين ما يدعوهم إليه.

وخشية الرحمان: تقواه في خويصة أنفسهم، وهؤلاء هم المؤمنون تنويهاً بشأنهم وبشأن الإِنذار، فهذا قسيم قوله:

{ { لقد حق القول على أكثرهم } } [يس: 7] وهو بقية تفصِيل قوله: { { لتنذر قوماً } } [يس: 6]. والغرض تقوية داعية الرسول صلى الله عليه وسلم في الإِنذار، والثناءُ على الذين قَبِلوا نذارته فآمنوا.

فمعنى فعل {تنذر} هو الإِنذار المترتب عليه أثره من الخشية والامتثال، كأنه قيل: إنما تنذر فينتذر مَن اتبع الذكر، أي مَن ذلك شأنهم لأنهم آمنوا ويتقون.

والتعبير بفعل المضيّ للدلالة على تحقيق الاتّباع والخشية. والمراد: ابتداءً الاتّباع.

ثم فرع على هذا التنويه الأمر بتبشير هؤلاء بمغفرة ما كان منهم في زمن الجاهلية وما يقترفون من اللمم.

والجمع بين {تنذر} و «بشر» فيه محسن الطِباق، مع بيان أن أول أمرهم الإِنذار وعاقبته التبشير.

والأجر: الثواب على الإِيمان والطاعات، ووصفه بالكريم لأنه الأفضل في نوعه كما تقدم عند قوله تعالى:

{ { إني ألقي إلي كتاب كريم } } في سورة النمل (29).

والتعبير بوصف {الرحمان} دون اسم الجلالة لوجهين: أحدهما: أن المشركين كانوا ينكرون اسم الرحمان، كما قال تعالى:

{ { قالوا وما الرحمان } } [الفرقان: 60]. والثاني: الإِشارة إلى أن رحمته لا تقتضي عدم خشيته فالمؤمن يخشى الله مع علمه برحمته فهو يرجو الرحمة.

فالقصر المستفاد من قوله: {إنما تنذر من اتبع الذكر} وهو قصر الإِنذار على التعلّق بــــ{من اتبع الذكر} وخشِي الله هو بالتأويل الذي تُؤُوّل به معنى فعل {تنذر}، أي حصول فائدة الإِنذار يكون قصراً حقيقياً، وإن أبيت إلا إبقاء فعل {تنذر} على ظاهر استعمال الأفعال وهو الدلالة على وقوع مصادرها فالقصر ادعائي بتنزيل إنذار الذين لم يتبعوا الذكر ولم يخشوا منزلة عدم الإِنذار في انتفاء فائدته.

إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَٰرَهُمْ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَٰهُ فِىٓ إِمَامٍ مُّبِينٍ ۝١٢

لما اقتضى القصر في قوله:

{ { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمٰن بالغيب } } [يس: 11] نفى أن يتعلق الإِنذار بالذين لم يتبعوا الذكر ولم يخشوا الرحمان، وكان في ذلك كناية تعريضية بأن الذين لم ينتفعوا بالإِنذار بمنزلة الأموات لعدم انتفاعهم بما ينفع كل عاقل، كما قال تعالى: { { لتنذر من كان حياً } } [يس: 70] وكما قال: { { إنك لا تسمع الموتى } } [النمل: 80] استطرد عقب ذلك بالتخلّص إلى إثبات البعث فإن التوفيق الذي حفّ بمن اتبع الذكر وخشي الرحمان هو كإحياء الميت لأن حالة الشرك حالة ضلال يشبه الموت، والإِخراج منه كإحياء الميت؛ فهذه الآية اشتملت بصريحها على علم بتحقيق البعث واشتملت بتعريضها على رمز واستعارتيْن ضمنيتين: استعارة الموتى للمشركين، واستعارة الإحياء للإِنقاذ من الشرك، والقرينة هي الانتقال من كلام إلى كلام لما يومىء إليه الانتقال من سبق الحضور في المخيلة فيشمل المتكلم مما كان يتكلم في شأنه إلى الكلام فيما خطر له. وهذه الدلالة من مستتبعات المقام وليست من لوازم معنى التركيب. وهذا من أدق التخلص بحرف (إنَّ) لأن المناسبة بين المنتقل منه والمنتقل إليه تحتاج إلى فطْنة، وهذا مقام خطاب الذكِيّ المذكور في مقدمة علم المعاني.

فيكون موقع جملة «إنا نحيي الموتى» استئنافاً ابتدائياً لِقصد إنذار الذين لم يتبعوا الذكر، ولم يخشوا الرحمان، وهم الذين اقتضاهم جانب النفي في صيغة القصر.

ويجوز أن يكون الإِحياء مستعاراً للإنقاذ من الشرك، والموتى: استعارة لأهل الشكر، فإحياء الموتى توفيق من آمن من الناس إلى الإِيمان كما قال تعالى:

{ { أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات } } [الأنعام: 122] الآية.

فتكون الجملة امتناناً على المؤمنين بتيسير الإِيمان لهم، قال تعالى:

{ { فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام } } [الأنعام: 125]، وموقع الجملة موقع التعليل لقوله: { { فبشره بمغفرة وأجر كريم } } [يس: 11].

والمراد بكتابة ما قدموا الكناية عن الوعد بالثواب على أعمالهم الصالحة والثواب على آثارهم.

وهذا الاعتبار يناسبه الاستئناف الابتدائي ليكون الانتقال بابتداء كلاممٍ منبهاً السامعَ إلى ما اعتبره المتكلم في مطاوي كلامه.

والتأكيد بحرف (إنّ) منظور فيه إلى معنى الصريح كما هو الشأن، و{نحن} ضمير فصل للتقوية وهو زيادة تأكيد. والمعنى: نحييهم للجزاء، فلذلك عطف {ونكتب ما قدموا}، أي نُحْصي لهم أعمالهم من خير وشر قدموها في الدنيا لنجازيهم.

وعطفُ ذلك إدماج للإِنذار والتهديدِ بأنهم محاسبون على أعمالهم ومجازَون عليها.

والكناية: كناية عن الإِحصاء وعدم إفلات شيء من أعمالهم أو إغفاله. وهي ما يعبر عنه بصحائف الأعمال التي يسجلها الكِرام الكاتبون.

فالمراد بــــ{ما قدموا} ما عملوا من الأعمال قبل الموت؛ شبهت أعمالهم في الحياة الدنيا بأشياء يقدمونها إلى الدار الآخرة كما يقدم المسافر ثَقله وأحماله.

وأما الآثار فهي آثار الأعمال وليست عينَ الأعمال بقرينة مقابلته بــــ{ما قدموا} مثل ما يتركون من خير أو يثير بين الناس وفي النفوس.

والمقصود بذلك ما عملوه موافقاً للتكاليف الشرعية أو مخالفاً لها وآثارهم كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

من سَنَّ سُنة حسنة فله أجْرُها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة ومَن سَنّ سنة سيئة فعليه وزرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة لا يَنقص ذلك من أعمالهم شيئاً.

فالآثار مسببات أسباب عملوا بها. وليس المراد كتابة كل ما عملوه لأن ذلك لا تحصل منه فائدة دينية يترتب عليها الجزاء. فهذا وعد ووعيد كلٌّ يأخذ بحظه منه.

وقد ورد عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني سلمة أرادوا أن يتحوّلوا من منازلهم في أقصى المدينة إلى قُرب المسجد وقالوا: البقاع خالية، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم

يا بني سَلِمة ديارَكم تُكتبْ آثاركممرتين رواه مسلم. ويعني آثار أرجلهم في المشي إلى صلاة الجماعة.

وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد زاد: أنَّه قرأ عليهم: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} فجعل الآثار عامّاً للحسية والمعنوية، وهذا يلاقي الوجه الثاني في موقع جملة {إنا نحن نحيى الموتى}. وهو جار على ما أسسناه في المقدمة التاسعة. وتوهَّم راوي الحديث عن الترمذي أن هذه الآية نزلت في ذلك وسياق الآية يخالفه ومكيتها تنافيه.

والإِحصاء: حقيقته العدّ والحساب وهو هنا كناية عن الإِحاطة والضبط وعدم تخلف شيء عن الذكر والتعيين لأن الإِحصاء والحساب يستلزم أن لا يفوت واحد من المحسوبات.

والإِمام: ما يُؤتم به في الاقتداء ويُعمَل على حسب ما يَدلّ عليه، قال النابغة:

بنوا مجد الحياة على إمام

أطلق الإِمام على الكتاب لأن الكتاب يتّبع ما فيه من الأخبار والشروط، قال الحارث بن حلزة:

حذر الجور والتطاخي وهل ينــــــــقض ما في المهارق الأهواء

والمراد بــــ{كل شيء} بحسب الظاهر هو كل شيء من أعمال الناس كما دل عليه السياق، فذكر {كل شيء} لإِفادة الإِحاطة والعموم لما قدموا وآثارهم من كبيرة وصَغيرة. فكلمة {كلّ} نص على العموم من اسم الموصول ومن الجمع المعرّف بالإِضافة، فتكون جملة {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} مؤكدة لجملة {ونكتب ما قدموا وآثارهم}، ومبينة لمُجملها، ويكون عطفها دون فصلها مراعىً فيه ما اشتملت عليه من زيادة الفائدة.

ويجوز أن يكون المراد بــــ{كل شيء} كل ما يوجد من الذوات والأعمال، ويكون الإحصَاء إحصاء علم، أي تعلق العلم بالمعلومات عند حدوثها، ويكون الإِمام المبين علم الله تعالى. والظرفية ظرفية إحاطة، أي عدم تفلت شيء عن علمه كما لا ينفلت المظروف عن الظرف.

وجعل علم الله إماماً لأنه تجري على وفقه تعلقات الإِرادة الربانية والقدرةِ فتكون جملة {وكل شيء أحصيناه} على هذا تذييلاً مفيداً أن الكتابة لا تختص بأعمال الناس الجارية على وفق التكاليف أو ضدها بل تعمّ جميع الكائنات. وإذ قد كان الشيء يرادف الموجود جاز أن يراد بــــ{كل شيء} الموجود بالفعل أو ما يقبل الإِيجاد وهو الممكن، فيكون إحصاؤه هو العلم بأنه يكون أو لا يكون ومقادير كونه وأحواله، كقوله تعالى:

{ { وأحصى كلّ شيء عدداً } } [الجن: 28].

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ۝١٣ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ۝١٤

أعقب وصف إعراضهم وغفلتهم عن الانتفاع بهدي القرآن بتهديدهم بعذاب الدنيا إذ قد جاء في آخر هذه القصة قوله:

{ { إن كانت إلا صيحةً واحدةً فإذا هم خامدون } } [يس: 29].

والضرب مجاز مشهور في معنى الوضع والجعل، ومنه: ضرب ختمه. وضربتْ بيتاً، وهو هنا في الجعل وتقدم عند قوله تعالى:

{ { إن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً مَّا } } في سورة البقرة (26).

والمعنى: اجعل أصحاب القرية والمرسلين إليهم شَبهاً لأهل مكة وإرسالك إليهم.

و{لهم} يجوز أن يتعلق بــــ{اضرب} أي اضرب مثلاً لأجلهم، أي لأجل أن يعتبروا كقوله تعالى:

{ { ضرب لكم مثلاً من أنفسكم } } [الروم: 28]. ويجوز أن يكون {لهم} صفة لــــ(مثَل)، أي اضرب شبيهاً لهم كقوله تعالى: { { فلا تضربوا لله الأمثال } } [النحل: 74].

والمثل: الشبيه، فقوله: {واضرب لهم مثلاً} معناه ونظّرْ مثلاً، أي شَبِّه حالهم في تكذيبهم بك بشبيه من السابقين، ولما غلب المثل في المشابه في الحال وكان الضرب أعم جُعل {مثلاً} مفعولاً لــــ{اضرب}، أي نظّر حالهم بمشابه فيها فحصل الاختلاف بين {اضرب}، و{مثلاً} بالاعتبار. وانتصب {مثلاً}على الحال.

وانتصب {أصحاب القرية} على البيان لــــ{مثلاً}، أو بدل، ويجوز أن يكون مفعولاً أول لــــ{اضرب} و{مثلاً} مفعولاً ثانياً كقوله تعالى:

{ { وضرب اللَّه مثلاً قرية } } [النحل: 112].

والمعنى: أن حال المشركين من أهل مكة كحال أصحاب القرية الممثل بهم.

و{القرية} قال المفسرون عن ابن عباس: هي (أنطاكية) وهي مدينة بالشام متاخمة لبلاد اليونان.

والمرسلون إليها قال قتادة: هم من الحواريين بعثهم عيسى عليه السلام وكان ذلك حين رُفِع عيسى. وذكروا أسماءهم على اختلاف في ذلك.

وتحقيق القصة: أن عيسى عليه السلام لم يدْعُ إلى دينه غير بني إسرائيل ولم يكن الدين الذي أرسل به إلا تكملة لما اقتضت الحكمة الإِلهية إكماله من شريعة التوراة، ولكن عيسى أوصى الحواريين أن لا يغفلوا عن نهي الناس عن عبادة الأصنام فكانوا إذا رأوا رؤيا أو خطر لهم خاطر بالتوجه إلى بلد من بلاد إسرائيل أو مما جاورها، أو خطر في نفوسهم إلهام بالتوجه إلى بلد علموا أن ذلك وحي من الله لتحقيق وصية عيسى عليه السلام. وكان ذلك في حدود سنة أربعين بعد مولد عيسى عليه السلام

ووقعت اختلافات للمفسرين في تعيين الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أهل أنطاكية وتحريفات في الأسماء، والذي ينطبق على ما في كتاب أعمال الرسل من كتب العهد الجديد أن (برنابا) و (شاول) المدعو (بُولس) من تلاميذ الحواريين ووُصِفا بأنهما من الأنبياء، كانا في أنطاكية مرسلَيْن للتعليم، وأنهما عُززا بالتلميذ (سيلا). وذكر المفسرون أن الثالث هو (شمعون)، لكن ليس في سفر الأعمال ما يقتضي أن بُولس وبرنابا عزّزا بسمعان. ووقع في الإِصحاح الثالث عشر منه أنه كان نبيء في أنطاكية اسمه (سمعان).

والمكذبون هم من كانوا سكاناً بأنطاكية من اليهود واليونان، وليس في أعمال الرسل سوى كلمات مجملة عن التكذيب والمحاورة التي جرت بين المرسلين وبين المرسل إليهم، فذكر أنه كان هنالك نفر من اليهود يطعنون في صدق دعوة بولس وبرنابا ويثيرون عليهما نساء الذين يؤمنون بعيسى من وجوه المدينة من اليونان وغيرهم، حتى اضطر (بولس وبرنابا) إلى أن خرجا من أنطاكية وقصدا أيقونية وما جاورها وقاومهما يهود بعض تلك المدن، وأن أحبار النصارى في تلك المدائن رأوا أن يعيدون بولس وبرنابا إلى أنطاكية. وبعد عودتهما حصل لهما ما حصل لهما في الأولى وبالخصوص في قضية وجوب الختان على من يدخل في الدين، فذهب بولس وبرنابا إلى أورشليم لمراجعة الحواريين فرأى أحبار أورشليم أن يؤيدوهما برجلين من الأنبياء هما (برسابا) و (سيلا). فأما (برسابا) فلم يمكث. وأما (سيلا) فبقي مع (بولس وبرنابا) يعظون الناس، ولعل ذلك كان بوحي من الله إليهم وإلى أصحابهم من الحواريين. فهذا معنى قوله تعالى: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} إذ أسند الإرسال والتعزيز إلى الله.

والتعزيز: التقوية، وفي هذه المادة معنى جعل المقوَّى عزيزاً فالأحسن أن التعزيز هو النصر.

وقرأ أبو بكر عن عاصم {فعززنا} بتخفيف الزاي الأولى، وفعل عزّ بمعنى يحيي مرادفاً لعزّز كما قالوا شدّ وشدّد.

وتأكيد قولهم: {إنا إليكم مرسلون} لأجل تكذيبهم إياهم فأكدوا الخبر تأكيداً وسطاً، ويسمى هذا ضرباً طلبياً.

وتقديم المجرور للاهتمام بأمر المرسل إليهم المقصود إيمانهم بعيسى.

قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ۝١٥

كان أهل (أنطاكية) والمدن المجاورة لها خليطاً من اليهود وعبدة الأصنام من اليونان، فقوله: {ما أنتم إلا بشر مثلنا} صالح لأن يصدر من عبدة الأوثان وهو ظاهر لظنهم أن الآلهة لا تبعث الرسل ولا تُوحي إلى أحد، ولذلك جاء في سفر أعمال الرسل أن بعض اليونان من أهل مدينة (لسترة) رأوا معجزة من بولس النبي فقالوا بلسان يوناني: إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا فكانوا يدعون (برنابا) (زفسَ). أي كوكب المشتري، و (بولسَ) (هُرمسَ) أي كوكب عطارد وجاءهما كاهن (زفس) بثيران ليذبحها لهما، وأكاليل ليضعها عليهما، فلما رأى ذلك (بولس وبرنابا) مزّقا ثيابهما وصرخا: «نحن بشر مثلكم نعظكم أن ترجعوا عن هذه الأباطيل إلى الإِله الحي الذي خلق السماوات والأرض» الخ.

وصالح لأن يصدر من اليهود الذين لم يتنصّروا لأن ذلك القول يقتضي أنهما وبقية اليهود سواء وأن لا فضل لهما بما يزعمون من النبوءة ويقتضي إنكار أن يكون الله أنزل شيئاً، أي بعد التوراة. فمن إعجاز القرآن جمع مقالة الفريقين في هاتين الجملتين.

واختيار وصف {الرحمان} في حكاية قول الكفرة {وما أنزل الرحمان من شيء} لكونه صالحاً لعقيدة الفريقين لأن اليونان لا يعرفون اسم الله، وربُّ الأرباب عندهم هو (زفس) وهو مصدر الرحمة في اعتقادهم، واليهود كانوا يتجنبون النطق باسم الله الذي هو في لغتهم (يَهْوَه) فيعوضونه بالصفات.

والاستثناء في {إن أنتم إلا تكذبون} استفهام مفرغ من أخبار محذوفة فجملة {تكذبون} في موضع الخبر عن ضمير {أنتم}.

قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ۝١٦ وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝١٧

حكيت هذه المحاورة على سنن حكاية المحاورات بحكاية أقوال المتحاورين دون عطف.

و{ربنا يعلم} قَسَم لأنه استشهاد بالله على صدق مقالتهم، وهو يمين قديمة انتقلها العرب في الجاهلية فقال الحارث بن عَبَّاد:

لم أكن من جُناتِها عَلِم اللــــــــه وإنِي لِحرّها اليومَ صالي

ويظهر أنه كان مغلّظاً عندهم لقلة وروده في كلامهم ولا يَكاد يقع إلا في مقام مهم. وهو عند علماء المسلمين يمين كسائر الأيمان فيها كفارة عند الحِنث. وقال بعض علماء الحنفية: إن لهم قولاً بأن الحالف به كاذباً تلزمه الردّة لأنه نسب إلى علم الله ما هو مخالف للواقع، فآل إلى جعل علم الله جهلاً. وهذا يرمي إلى التغليظ والتحذير وإلا فكيف يكفر أحد بلوازم بعيدة.

واضطرهم إلى شدّة التوكيد بالقسم ما رأوا من تصميم كثير من أهل القرية على تكذيبهم. ويسمى هذا المقدار من التأكيد ضرباً إنكاريّاً.

وأما قولهم: {وما علينا إلا البالغ المبين} فذلك وعظ وعظوا به القوم ليعلموا أنهم لا منفعة تنجرّ لهم من إيمان القوم وإعلان لهم بالتبرُّؤ من عهدة بقاء القوم على الشرك وذلك من شأنه أن يثير النظر الفكري في نفوس القوم.

و{البلاغ} اسم مصدر من أبلغ إذا أوصل خبراً، قال تعالى:

{ { إن عليك إلا البلاغ } } [الشورى: 48] وقال: { { هذا بلاغ للناس } } [إبراهيم: 52]. ولا يستعمل البلاغ في إيصال الذوات. والفقهاء يقولون في كراء السفن والرواحل: إن منه ما هو على البلاغ. يريدون على الوصول إلى مكان معيَّن بين المكري والمكتري.

و{المبين} وصف للبلاغ، أي البلاغ الواضح دلالة وهو الذي لا إيهام فيه ولا مواربة.

قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٨

لما غلبتهم الحجة من كل جانب وبلغ قول الرسل

{ { وما علينا إلا البلاغ المبين } } [يس: 17] من نفوس أصحاب القرية مبلغ الخجل والاستكانة من إخفاق الحجة والاتسام بميسم المكابرة والمنابذة للذين يبتغون نفعهم انصرفوا إلى ستر خجلهم وانفحامهم بتلفيف السبب لرفض دعوتهم بما حسبوه مقنعاً للرسل بترك دعوتهم ظنّاً منهم أن يدَّعونه شيء خفي لا قِبل لغير مخترعه بالمنازعة فيه، وذلك بأن زعموا أنهم تطيّروا بهم ولحقهم منهم شُؤْم، ولا بد للمغلوب من بارد العذر.

والتطير في الأصل: تكلف معرفة دلالة الطير على خير أو شر من تعرض نوع الطير ومن صفة اندفاعه أو مجيئه، ثم أطلق على كل حدث يَتوهم منه أحد أنه كان سبباً في لحاق شر به فصار مرادفاً للتشاؤم.

وفي الحديث:

لا عَدوى ولا طِيَرَة وإنما الطِيرَة على من تَطيروبهذا المعنى أطلق في هذه الآية، أي قالوا: إنا تشاءمنا بكم.

ومعنى {بكم} بدعوتكم، وليسوا يريدون أن القرية حلّ بها حادث سوء يعمّ الناس كلهم من قحط أو وباء أو نحو ذلك من الضرّ العام مقارن لحلول الرسل أو لدعوتهم، وقد جوزه بعض المفسرين، وإنما معْنى ذلك: أن أحداً لا يخلو في هذه الحياة من أن يناله مكروه. ومن عادة أصحاب الأوهام السخيفة والعقول المأفونة أن يسندوا الأحداث إلى مقارناتها دون معرفة أسبابها ثم أن يتخيروا في تعيين مقارنات الشؤم أموراً لا تلائم شهواتهم وما ينفرون منه، وأن يعينوا من المقارنات للتيمن ما يرغبون فيه وتقبله طباعهم يغالطون بذلك أنفسهم شأن أهل العقول الضعيفة، فمرجع العلل كلها لديهم إلى أحوال نفوسهم ورغائبهم كما حكى الله تعالى عن قوم فرعون:

{ { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يَطَّيَّروا بموسى ومن معه } } [الأعراف: 131] وحكَى عن مشركي مكة { { وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } } [النساء: 78].

ويجوز أن يكونوا أرادوا بالشؤم أن دعوتهم أحدثت مشاجرات واختلافاً بين أهل القرية فلما تمالأت نفوس أهل القرية على أن تعليل كل حدث مكروه يصيب أحدهم بأنه من جراء هؤلاء الرسل اتفقت كلمتهم على ذلك فقالوا: {إنا تطيرنا بكم} أي يقولها الواحد منهم أو الجمع فيوافقهم على ذلك جميع أهل القرية.

ثم انتقلوا إلى المطالبة بالانتهاء عن هذه الدعوة فقالوا: {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم} وبذلك ألجأوا (بولس) و (برنابا) إلى الخروج من أنطاكية فخرجا إلى أيقونية وظهرت كرامة (بولس) في أيقونية ثم في (لسترة) ثم في (دربة). ولم يزل اليهود في كل مدينة من هذه المدن يشاقّون الرسل ويضطهدونهم ويثيرون الناس عليهم ويَلحقونهم إلى كل بلد يحلّون به ليشغبوا عليهم، فمسّهم من ذلك عذاب وضرّ ورُجم (بولس) في مدينة (لسترة) حتى حسبوا أن قد مات.

ولام {لئن لم تنتهوا} موطئة للقسم حكي بها ما صدر منهم من قسم بكلامهم.

قَالُوا۟ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ۝١٩

حكي قول الرسل بما يرادفه ويؤدي معناه بأسلوب عربي تعريضاً بأهل الشرك من قريش الذين ضربت القرية مثلاً لهم، فالرسل لم يذكروا مادة الطيرة والطير وإنما أتوا بما يدل على أن شؤم القوم متصل بذواتهم لا جاءٍ من المرسلين إليهم فحكي بما يوافقه في كلام العرب تعريضاً بمشركي مكة وهذا بمنزلة التجريد لضرب المثل لهم بأن لوحظ في حكاية القصة ما هو من شؤون المشبَّهين بأصحاب القصة.

ولما كانت الطيرة بمعنى الشؤم مشتقة من اسم الطير لوحظ فيها مادة الاشتقاق.

وقد جاء إطلاق الطائر على معنى الشؤم في قوله تعالى في سورة الأعراف (131):

{ { ألا إنما طائرهم عند اللَّه } } على طريقة المشاكلة.

ومعنى {طائركم معكم} الطائر الذي تنسبون إليه الشؤم هو معكم، أي في نفوسكم، أرادوا أنكم لو تدبرتم لوجدتم أن سبب ما سميتموه شؤماً هو كفركم وسوء سمعكم للمواعظ، فإن الذين استمعوا أحسن القول اتبعوه ولم يعْتَدُوا عليكم، وأنتم الذين آثرتم الفتنة وأسعرتم البغضاء والإِحن فلا جرم أنتم سبب سوء الحالة التي حدثت في المدينة.

وأشار آخرُ كلامهم إلى هذا إذ قالوا: {أإن ذكرتم} بطريقة الاستفهام الإِنكاري الداخل على {إِنْ} الشرطية، فهو استفهام على محذوف دلّ عليه الكلام السابق، وقُيّد ذلك المحذوف بالشرط الذي حذف جوابه أيضاً استغناء عنه بالاستفهام عنه، وهما بمعنى واحد، إلا أن سيبويه يرجّح إذا اجتمع الاستفهام والشرط أن يؤتى بما يناسب الاستفهام لو صرح به، فكذلك لمَّا حُذف يكون المقدَّر مناسباً للاستفهام. والتقدير: أتتشاءمون بالتذكير إنْ ذُكرتم، لما يدل عليه قول أهل القرية

{ { إنا تطيرنا بكم } } [يس: 18]، أي بكلامكم وأبطلوا أن يكون الشؤم من تذكيرهم بقولهم: {بل أنتم قوم مسرفون} أي لا طيرة فيما زعمتم ولكنكم قوم كافرون غشيت عقولكم الأوهام فظننتم ما فيه نفعكم ضرّاً لكم، ونُطتم الأشياء بغير أسبابها من إغراقكم في الجهالة والكفر وفساد الاعتقاد. ومن إسرافكم اعتقادكم بالشؤم والبخت.

وقرأ الجمهور {أإن ذكرتم} بهمزة استفهام داخلة على {إنْ} المكسورة الهمزة الشرطية وتشديد الكاف. وقرأه أبو جعفر {أأن ذكرتم} بفتح كلتا الهمزتين وبتخفيف الكاف من {ذكرتم}. والاستفهام تقرير، أي ألأِجلِ إن ذكرنا أسماءَكم حين دعوناكم حلّ الشؤم بينكم كناية عن كونهم أهلاً لأن تكون أسماؤهم شؤماً.

وفي ذكر كلمة {قوم} إيذان بأن الإِسراف متمكن منهم وبه قِوام قوميتهم كما تقدم في قوله:

{ { لآيات لقوم يعقلون } } في سورة البقرة (164).

وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٢٠ ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ۝٢١ وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٢٢ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا وَلَا يُنقِذُونِ ۝٢٣ إِنِّىٓ إِذًا لَّفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٢٤ إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ ۝٢٥

عطف على قصة التحاور الجاري بين أصحاب القرية والرسل الثلاثة لبيان البون بين حال المعاندين من أهل القرية وحالِ الرجل المؤمن منهم الذي وعظهم بموعظة بالغة وهو من نفر قليل من أهل القرية.

فلك أن تجعل جملة {وجاء من أقصا المدينة} عطفاً على جملة

{ { جاءها المرسلون } } [يس: 13] ولك أن تجعلها عطفاً على جملة { { فقالوا إنا إليكم مرسلون } } [يس: 14].

والمراد بالمدينة هنا نفس القرية المذكورة في قوله:

{ { أصحاب القرية } } [يس: 13] عُبر عنها هنا بالمدينة تفنناً، فيكون {أقصا} صفة لمحذوف هو المضاف في المعنى إلى المدينة. والتقدير: من بَعيد المدينة، أي طرف المدينة، وفائدة ذكر أنه جاء من أقصى المدينة الإِشارة إلى أن الإِيمان بالله ظهر في أهل ربض المدينة قبل ظهوره في قلب المدينة لأن قلب المدينة هو مسكن حكامها وأحبار اليهود وهم أبعد عن الإِنصاف والنظر في صحة ما يدعوهم إليه الرسل، وعامة سكانها تبع لعظمائها لتعلقهم بهم وخشيتهم بأسهم بخلاف سكان أطراف المدينة فهم أقرب إلى الاستقلال بالنظر وقلة اكتراثٍ بالآخرين لأن سكان الأطراف غالبهم عملة أنفسهم لقربهم من البدو.

وبهذا يظهر وجه تقديم {من أقصا المدينة} على {رجل} للاهتمام بالثناء على أهل أقصى المدينة. وأنه قد يوجد الخير في الأطراف ما لا يوجد في الوسط، وأن الإِيمان يسبق إليه الضعفاء لأنهم لا يصدهم عن الحق ما فيه أهل السيادة من ترف وعظمة إذ المعتاد أنهم يسكنون وسط المدينة، قال أبو تمام:

كانت هي الوسطَ المحميّ فاتصلتبها الحوادث حتى أصبحت طرَفا

وأما قوله تعالى في سورة القصص (20) { { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } } فجاء النظم على الترتيب الأصلي إذ لا داعي إلى التقديم إذ كان ذلك الرجل ناصحاً ولم يكن داعياً للإِيمان.

وعلى هذا فهذا الرجل غير مذكور في سفر أعمال الرسل وهو مما امتاز القرآن بالإعلام به. وعن ابن عباس وأصحابه وجد أن اسمه حبيب بن مرة قيل: كان نجاراً وقيل غير ذلك فلما أشرف الرسل على المدينة رآهم ورأى معجزة لهم أو كرامة فآمن. وقيل: كان مُؤمناً من قبل، ولا يبعد أن يكون هذا الرجل الذي وصفه المفسرون بالنِجّار أنه هو (سمعان) الذي يدعى (بالنيجر) المذكور في الإِصحاح الحادي عشر من سفر أعمال الرسل وأن وصف النجار محرف عن (نيجر) فقد جاء في الأسماء التي جرت في كلام المفسرين عن ابن عباس اسم شمعون الصفا أو سمعان. وليس هذا الاسم موجوداً في كتاب أعمال الرسل.

ووصفُ الرجل بالسعي يفيد أنه جاء مسرعاً وأنه بلغه همُّ أهل المدينة برجم الرسل أو تعذيبهم، فأراد أن ينصحهم خشيةً عليهم وعلى الرسل، وهذا ثناء على هذا الرجل يفيد أنه ممن يُقتدَى به في الإِسراع إلى تغيير المنكر.

وجملة {قال يا قوم} بدل اشتمال من جملة «جاء رجل» لأن مجيئه لما كان لهذا الغرض كان مما اشتمل عليه المجيء المذكور.

وافتتاح خطابه إياهم بندائهم بوصف القومية له قُصد منه أن في كلامه الإِيماء إلى أن ما سيخاطبهم به هو محْض نصيحة لأنه يحِب لقومه ما يحِب لنفسه.

والاتباع: الامتثال، استعير له الاتّباع تشبيهاً للآخِذِ برأي غيره بالمتبعِ له في سيره.

والتعريف في {المرسلين} للعهد.

وجملة {اتبعوا من لا يسألكم أجراً} مؤكدة لجملة {اتبعوا المرسلين} مع زيادة الإِيماء إلى علة اتّباعهم بلوائح علامات الصدق والنصح على رسالتهم إذ هم يَدْعُون إلى هُدى ولا نفع ينجرّ لهم من ذلك فتمحّضت دعوتهم لقصد هداية المرسَل إليهم، وهذه كلمة حكمة جامعة، أي اتبعوا من لا تخسرون معهم شيئاً من دنياكم وتربحون صحة دينكم.

وإنما قدم في الصلة عدم سؤال الأجر على الاهتداء لأن القوم كانوا في شك من صدق المرسلين وكان من دواعي تكذيبهم اتّهامهم بأنهم يجرّون لأنفسهم نفعاً من ذلك لأن القوم لما غلب عليهم التعلق بحب المال وصاروا بعداء عن إدراك المقاصد السامية كانوا يَعُدّون كل سعي يلوح على امرىء إنما يسعى به إلى نفعه. فقدم ما يزيل عنهم هذه الاسترابة وليَتهَيّؤوا إلى التأمل فيما يدعونهم إليه، ولأن هذا من قبيل التخلية بالنسبة للمرسلين والمرسل إليهم، والتخلية تُقدَّم على التحلية، فكانت جملة {لا يسألكم أجراً} أهم في صلة الموصول.

والأجر يصدق بكل نفع دنيوي يحصل لأحد من عمله فيشمل المال والجاه والرئاسة. فلما نفي عنهم أن يسألوا أجراً فقد نفي عنهم أن يكونوا يرمون من دعوتهم إلى نفع دنيوي يحصل لهم.

وبعد ذلك تهيّأ الموقع لجملة {وهُم مهتدون}، أي وهم متّصفون بالاهتداء إلى ما يأتي بالسعادة الأبدية، وهم إنما يدعونكم إلى أن تسيروا سِيرتهم فإذا كانوا هم مهتدين فإن ما يدعونكم إليه من الاقتداء بهم دعوة إلى الهدى، فتضمنت هذه الجملة بموقعها بعد التي قبلها ثناء على المرسلين وعلى ما يدعون إليه وترغيباً في متابعتهم.

واعلم أن هذه الآية قد مثل بها القزويني في «الإِيضاح» و «التلخيص» للإِطناب المسمى بالإِيغال وهو أن يُوتَى بعد تمام المعنى المقصود بكلام آخر يتمّ المعنى بدونه لنكتة، وقد تبين لك مما فسّرنا به أن قوله: {وهم مهتدون} لم يكن مجرد زيادة بل كان لتوقف الموعظة عليها، وكان قوله: {من لا يسألكم أجراً} كالتوطئة له. ونعتذر لصاحب «التلخيص» بأن المثال يكفي فيه الفرض والتقدير.

وجاءت الجملة الأولى من الصلة فعلية منفية لأن المقصود نفي أن يحدث منهم سؤال أجر فضلاً عن دوامه وثباته، وجاءت الجملة الثانية اسمية لإِفادة إثبات اهتدائهم ودوامه بحيث لا يخشى من يتبعهم أن يكون في وقت من الأوقات غير مهتد.

وقوله: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} عطف على جملة {اتبعوا المرسلين} قَصد إشعارهم بأنه اتَّبع المرسلين وخلع عبادة الأوثان، وأبرز الكلام في صورة استفهام إنكاري وبصيغة: ما لي لاَ أفعل، التي شأنها أن يوردها المتكلم في ردَ على من أنكر عليه فعلاً، أو ملكه العجب من فعله أو يوردها من يقدر ذلك في قلبه، ففيه إشعار بأنهم كانوا منكرين عليه الدعوة إلى تصديق الرسل الذين جاؤوا بتوحيد الله فإن ذلك يقتضي أنه سبقهم بما أمرهم به.

و{ما} استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والمجرور من قوله: {لي} خبر عن {ما} الاستفهامية.

وجملة {لا أعبد} حال من الضمير. والمعنى: وما يكون لي في حال لا أعبد الذي فطرني، أي لا شيء يمنعني من عبادة الذي خلقني، وهذا الخبر مستعمل في التعريض بهم كأنه يقول: وما لي لا أعبد وما لكم لا تعبدون الذي فطركم بقرينة قوله: {وإليه ترجعون}، إذ جعل الإِسناد إلى ضميرهم تقوية لمعنى التعرض، وإنما ابتدأه بإِسناد الخبر إلى نفسه لإِبرازه في معرض المناصحة لنفسه وهو مريد مناصحتهم ليتلَطَّف بهم ويدارئهم فيسمعهم الحق على وجه لا يثير غضبهم ويكون أعون على قبولهم إياه حين يرون أنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه.

ثُمّ أتبعه بإبطال عبادة الأصنام فرجع إلى طريقة التعريض بقوله: {أأتخذ من دونه آلهة} وهي جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لاستشعار سؤال عن وقوع الانتفاع بشفاعة تلك الآلهة عند الذي فطره، والاستفهام إنكاري، أي أنكر على نفسي أن أتخذ من دونه آلهة، أي لا أتخذ آلهة.

والاتخاذ: افتعال من الأخذ وهو التناول، والتناول يشعر بتحصيل ما لم يكن قبل، فالاتخاذ مشعر بأنه صُنع وذلك من تمام التعريض بالمخاطبين أنهم جعلوا الأوثان آلهة وليست بآلهة لأن الإِله الحق لا يُجعل جعلاً ولكنه مستحق الإلهية بالذات.

ووصف الآلهة المزعومة المفروضة الاتخاذَ بجملة الشرط بقوله: {إن يردن الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون}. والمقصود: التعريض بالمخاطبين في اتخاذهم تلك الآلهة بعلة أنها تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه زلفى. وقد علم من انتفاء دفعهم الضر أنهم عاجزون عن جلب نفع لأن دواعي دفع الضر عن المَولى أقوى وأهم، ولحاق العار بالوَليّ في عجزه عنه أشد.

وجاء بوصف {الرحمان} دون اسم الجلالة للوجه المتقدم آنفاً عند قوله تعالى:

{ { قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمٰن من شيء } } [يس: 15].

والإِنقاذ: التخليص من غلب أو كرب أو حيرة، أي لا تنفعني شفاعتهم عند الله الذي أرادني بضر ولا ينقذونني من الضر إذا أصابني.

وإذ قد نفي عن شفاعتهم النفع للمشفوع فيه فقد نفي عنهم أن يشفعوا بطريق الالتزام لأن من يعلم أنه لا يُشفع لا يشْفّع، فكأنه قال: آتخذ من دونه آلهة لا شفاعة لهم عند الله، لإبطال اعتقادهم أنهم شفعاء مقبولو الشفاعة. وإذ كانت شفاعتهم لا تنفع لعجزهم وعدم مساواتهم لله الذي يضرّ وينفع في صفات الإِلهية كان انتفاء أن ينقِذوا أولى. وإنما ذكر العدول عن دلالة الفحوى إلى دلالة المنطوق لأن المقام مقام تصريح لتعلقه بالإِيمان وهو أساس الصلاح.

وجملة {إني إذا لفي ضلال مبين} جواب للاستفهام الإِنكاري. فحرْف {إذن} جزاء للمنفي لا للنفي، أي إن اتخذتُ من دون الله آلهة أكُنْ في ضلال مبين.

وجملة {إني آمنت بربكم فاسمعون} واقعة موقع الغاية من الخطاب والنتيجة من الدليل. وهذا إعلان لإِيمانه وتسجيل عليهم بأن الله هو ربهم لا تلك الأصنام.

وأكد الإِعلان بتفريع {فاسمعون} استدعاءً لتحقيق أسماعهم إن كانوا في غفلة.

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ