انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يس

تفسير الطبريالآيات 1–35

تفسير سورة يس آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة يس

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 35:19

  1. 1 الآيات 1–27في هذه الصفحة 10:35
  2. 2 الآيات 28–59في هذه الصفحة 13:36
  3. 3 الآيات 60–83 11:08

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يسٓ ۝١ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ ۝٢ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٣ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٤

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {يس}، فقال بعضهم: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يس} قال: فإنه قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله.

وقال آخرون: معناه: يا رجل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تُـمَيـلة، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله {يس} قال: يا إنسان، بـالـحبشية.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن شرقـيّ، قال: سمعت عكرمة يقول: تفسير {يس}: يا إنسان.

وقال آخرون: هو مفتاح كلام افتتـح الله به كلامه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: {يس} مفتاح كلام، افتتـح الله به كلامه.

وقال آخرون: بل هو اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يس} قال: كلّ هجاء فـي القرآن اسم من أسماء القرآن.

قال أبو جعفر: وقد بـيَّنا القول فـيـما مضى فـي نظائر ذلك من حروف الهجاء بـما أغنى عن إعادته وتكريره فـي هذا الـموضع.

وقوله: {والقُرآنِ الـحَكِيـمِ} يقول: والقرآن الـمـحكم بـما فـيه من أحكامه، وبـيِّنات حججه {إنَّكَ لَـمِنَ الـمُرْسَلِـينَ} يقول تعالـى ذكره مقسماً بوحيه وتنزيـله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: إنك يا مـحمد لـمن الـمرسلـين بوحي الله إلـى عبـاده، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والقُرآنِ الـحَكِيـمِ إنَّكَ لَـمِنَ الـمُرْسَلـينَ} قسم كما تسمعون {إنَّكَ لَـمِنَ الـمُرْسَلِـينَ علـى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ}.

وقوله: {عَلـى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ} يقول: علـى طريق لا اعوجاج فـيه من الهدى، وهو الإسلام، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {عَلـى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ}: أي علـى الإسلام.

وفـي قوله: {عَلـى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ} وجهان أحدهما: أن يكون معناه: إنك لـمن الـمرسلـين علـى استقامة من الـحقّ، فـيكون حينئذٍ علـى من قوله {عَلـى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ} من صلة الإرسال. والآخر أن يكون خبراً مبتدأ، كأنه قـيـل: إنك لـمن الـمرسلـين، إنك علـى صراط مستقـيـم.

تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ۝٥

اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {تَنْزِيـلَ العَزِيزِ الرَّحِيـمِ} فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: «تَنْزِيـلُ العَزِيز» برفع تنزيـل، والرفع فـي ذلك يتـجه من وجهين أحدهما: بأن يُجعل خبراً، فـيكون معنى الكلام: إنه تنزيـل العزيز الرحيـم. والآخر: بـالابتداء، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: إنك لـمن الـمرسلـين، هذا تنزيـل العزيز الرحيـم. وقرأته عامة قرّاء الكوفة وبعض أهل الشام: {تَنْزِيـلَ} نصبـاً علـى الـمصدر من قوله:

{ إنَّكَ لَـمِنَ الـمُرْسَلِـينَ } لأنّ الإرسال إنـما هو عن التنزيـل، فكأنه قـيـل: لـمنزل تنزيـل العزيز الرحيـم حقاً.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب. ومعنى الكلام: إنك لـمن الـمرسلـين يا مـحمد إرسال الربّ العزيز فـي انتقامه من أهل الكفر به، الرحيـم بـمن تاب إلـيه، وأناب من كفره وفسوقه أن يعاقبه علـى سالف جرمه بعد توبته له.

لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَٰفِلُونَ ۝٦ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٧

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آبـاؤُهُمْ} فقال بعضهم: معناه: لتنذر قوماً ما أنذر الله من قبلهم من آبـائهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شُعْبة، عن سِماك، عن عكرمة فـي هذه الآية: {لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آبـاؤُهُمْ} قال: قد أنذروا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك لتنذر قوماً ما أنذر آبـاؤهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آبـاؤُهُمْ} قال بعضهم: لتنذر قوماً ما أنذر آبـاؤهم من إنذار الناس قبلهم. وقال بعضهم: لتنذر قوماً ما أنذر آبـاؤهم: أي هذه الأمة لـم يأتهم نذير، حتـى جاءهم مـحمد صلى الله عليه وسلم.

واختلف أهل العربـية فـي معنى «ما» التـي فـي قوله: {ما أُنْذرَ آبـاؤُهُمْ} إذا وُجِّه معنى الكلام إلـى أن آبـاءهم قد كانوا أنذروا، ولـم يُرد بها الـجحد، فقال بعض نـحويِّـي البصرة: معنى ذلك: إذا أريد به غير الـجحد لتنذرهم الذي أُنذر آبـاؤهم {فَهُمْ غافِلُونَ}. وقال: فدخول الفـاء فـي هذا الـمعنى لا يجوز، والله أعلـم. قال: وهو علـى الـجحد أحسن، فـيكون معنى الكلام: إنك لـمن الـمرسلـين إلـى قوم لـم ينذر آبـاؤهم، لأنهم كانوا فـي الفترة.

وقال بعض نـحويّـي الكوفة: إذا لـم يرد بـما الـجحد، فإن معنى الكلام: لتنذرهم بـما أنذر آبـاؤهم، فتلقـى البـاء، فتكون «ما» فـي موضع نصب {فَهُمْ غافِلُونَ} يقول: فهم غافلون عما الله فـاعل: بأعدائه الـمشركين به، من إحلال نقمته، وسطوته بهم.

وقوله: {لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ علـى أكْثَرِهِمْ فَهمْ لا يُؤْمِنُونَ} يقول تعالـى ذكره: لقد وجب العقاب علـى أكثرهم، لأن الله قد حتـم علـيهم فـي أمّ الكتاب أنهم لا يؤمنون بـالله، ولا يصدّقون رسوله.

إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَٰقِهِمْ أَغْلَٰلًا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ۝٨ وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: إنا جعلنا أيـمان هؤلاء الكفـار مغلولة إلـى أعناقِهم بـالأغلال، فلا تُبْسط بشيء من الـخيرات وهي فـي قراءة عبد الله فـيـما ذُكر: «إنَّا جَعَلْنا فِـي أيـمَانِهِمْ أغْلالاً فَهِيَ إلـى الأَذْقانِ». وقوله: {إلـى الأَذْقانِ} يعنـي: فأَيـمانهم مـجموعة بـالأغلال فـي أعناقهم، فكُنِّـي عن الأيـمان، ولـم يجر لها ذكر لـمعرفة السامعين بـمعنى الكلام، وأن الأغلال إذا كانت فـي الأعناق لـم تكن إلاَّ وأيدي الـمغلولـين مـجموعة بها إلـيها فـاستغنى بذكر كون الأغلال فـي الأعناق من ذكر الأيـمان، كما قال الشاعر:

وَما أَدْرِي إذَا يَـمَّـمْتُ وَجْهاً أُرِيدُ الـخَيْرَ أيُّهُما يَـلِـينِـي أألْـخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ أمِ الشَّرُّ الَّذِي لا يَأْتَلِـينِـي

فكنى عن الشرّ، وإنـما ذكر الـخير وحده لعلـم سامع ذلك بـمعنـيّ قائله، إذ كان الشرّ مع الـخير يُذكر. والأذقان: جمع ذَقَن، والذَّقَن: مـجمع اللَّـحْيَـين.

وقوله: {فَهُمْ مُقْمَـحُونَ} والـمُقْمَـح: هو الـمقنع، وهو أن يحدر الذقن حتـى يصير فـي الصدر، ثم يرفع رأسه فـي قول بعض أهل العلـم بكلام العرب من أهل البصرة. وفـي قول بعض الكوفـيـين: هو الغاضّ بصره، بعد رفع رأسه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّا جَعَلْنا فِـي أعْناقِهِمْ أغْلاَلاً فَهِيَ إلـى الأَذْقان فَهُمْ مُقْمَـحُونَ} قال: هو كقول الله:

{ {وَلا تَـجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلـى عُنُقِكَ }يعنـي بذلك أن أيديهم موثقة إلـى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسُطوها بخير.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {فَهُمْ مُقْمَـحُونَ} قال: رافعو رؤوسهم، وأيديهم موضوعة علـى أفواههم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّا جَعَلْنا فِـي أعْناقِهِمْ أغْلالاً فَهِيَ إلـى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَـحُونَ}: أي فهم مغلولون عن كلّ خير.

وقوله: {وَجَعَلْنا مِنْ بـينِ أيْدِيهِمْ سَدًّا} يقول تعالـى ذكره: وجعلنا من بـين أيدي هؤلاء الـمشركين سدًّا، وهو الـحاجز بـين الشيئين إذا فتـح كان من فعل بنـي آدم، وإذا كان من فعل الله كان بـالضمّ. وبـالضمّ قرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين. وقرأه بعض الـمكيـين وعامة قرّاء الكوفـيـين بفتـح السين {سَدّاً} فـي الـحرفـين كلاهما والضم أعجب القراءتـين إلـيّ فـي ذلك، وإن كانت الأخرى جائزة صحيحة.

وعنى بقوله: {وَجَعَلْنا مِن بـينِ أيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَـلْفِهِمْ سَدًّا} أنه زيَّن لهم سوء أعمالهم، فهم يَعْمَهون، ولا يبصرون رشداً، ولا يتنبهون حقاً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة، عن مـجاهد، فـي قوله: {مِنْ بـينِ أيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَـلْفِهِمْ سَدًّا} قال: عن الـحقّ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَجَعَلْنا مِنْ بـين أيْديهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَـلْفهِمْ سَدًّا} عن الـحقّ فهم يتردّدون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَجَعَلْنا مِنْ بـينِ أيْدِيهِمْ سدًّا وَمِنْ خَـلْفِهِمْ سَدًّا} قال: ضلالات.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: {وَجَعَلْنا مِنْ بَـينِ أيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَـلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} قال: جعل هذا سدًّا بـينهم وبـين الإسلام والإيـمان، فهم لا يخـلصون إلـيه، وقرأ:

{ وَسَوَاءٌ عَلَـيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ أمْ لَـمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ }، وقرأ: { إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَـيْهِمْ كَلِـمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ... } الآية كلها، وقال: من منعه الله لا يستطيع.

وقوله: {فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} يقول: فأغشينا أبصار هؤلاء: أي جعلنا علـيها غشاوة فهم لا يبصرون هدى ولا ينتفعون به، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} هُدًى، ولا ينتفعون به.

وذُكر أن هذه الآية نزلت فـي أبـي جهل بن هشام حين حلف أن يقتله أو يشدخ رأسه بصخرة. ذكر الرواية بذلك:

حدثنـي عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا عُمارة بن أبـي حفصة، عن عكرمة قال: قال أبو جهل: لئن رأيت مـحمداً لأفعلنّ ولأفعلنّ، فأنزلت: {إنَّا جَعَلْنا فِـي أعْناقِهِمْ أغْلالاً...} إلـى قوله {فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} قال: فكانوا يقولون: هذا مـحمد، فـيقول: أين هو، أين هو؟ لا يبصره.

وقد رُوي عن ابن عبـاس أنه كان يقرأ ذلك: «فَأَعْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» بـالعين بـمعنى أعشيناهم عنه، وذلك أن العَشَا هو أن يـمشي بـاللـيـل ولا يبصر.

وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١٠ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: وسواء يا مـحمد علـى هؤلاء الذين حقّ علـيهم القول، أيّ الأمرين كان منك إلـيهم الإنذار، أو ترك الإنذار، فإنهم لا يؤمنون، لأن الله قد حكم علـيهم بذلك. وقوله: {إنَّـمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذّكْرَ} يقول تعالـى ذكره: إنـما ينفع إنذارك يا مـحمد من آمن بـالقران، واتبع ما فـيه من أحكام الله {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} يقول: وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناظرين، لا الـمنافق الذي يستـخفّ بدين الله إذا خلا، ويظهر الإيـمان فـي الـملأ، ولا الـمشرك الذي قد طبع الله علـى قلبه. وقوله: {فَبشِّرْهُ بِـمغْفِرَةٍ} يقول: فبشر يامـحمد هذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بـالغيب بـمغفرة من الله لذنوبه {وأجْرٍ كَرِيـم} يقول: وثواب منه له فـي الآخرة كريـم، وذلك أن يعطيه علـى عمله ذلك الـجنة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّـمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذّكْرَ} واتبـاع الذكر: اتبـاع القرآن.

إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَٰرَهُمْ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَٰهُ فِىٓ إِمَامٍ مُّبِينٍ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: {إنَّا نَـحْنُ نُـحْيـي الـمَوْتـى} من خـلقنا {وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا} فـي الدنـيا من خير وشرّ، وصالـح الأعمال وسيئها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّا نَـحْنُ نُـحْيِـي الـمَوْتَـى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا} من عمل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا} قال: ما عملوا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {ما قَدَّمُوا} قال: أعمالهم.

وقوله: {وآثارَهُمْ} يعنـي: وآثار خُطاهم بأرجلهم، وذكر أن هذه الآية نزلت فـي قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لـيقرب علـيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا نصر بن علـيّ الـجهضميّ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبـيري، قال: ثنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كانت منازل الأنصار متبـاعدة من الـمسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلـى الـمسجد فنزلت {وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ} فقالوا: نثبت فـي مكاننا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من الـمسجد، فأرادوا أن ينتقلوا، قال: فنزلت {وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ} فثبتوا.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا الـجريريّ، عن أبـي نضرة، عن جابر، قال: أراد بنو سَلِـمة قرب الـمسجد، قال: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا بَنِـي سَلِـمَةَ دِيارَكُمْ، إنَّها تُكْتَبُ آثارُكُمْ

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا معتـمر، قال: سمعت كهمسا يحدّث، عن أبـي نضرة، عن جابر، قال: أراد بنو سَلِـمة أن يتـحوّلوا إلـى قُرب الـمسجد، قال: والبقاع خالـية، فبلغ ذلك النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:

يا بَنِـي سَلِـمَةَ دِيارَكُمْ إنَّها تُكْتَبُ آثارُكُمْقال: فأقاموا وقالوا: ما يسرّنا أنا كنا تـحوّلنا.

حدثنا سلـيـمان بن عمر بن خالد الرقـي، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن سفـيان، عن طريف، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد الـخُدريّ، قال: شكت بنو سلِـمة بُعد منازلهم إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {إنَّا نَـحْنُ نُـحْيِـي الـمَوْتَـى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ} فقال:

عَلَـيْكُمْ مَنازلَكُمْ تُكْتَبُ آثارُكم

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تُـمَيـلة، قال: ثنا الـحسين، عن ثابت، قال: مشيت مع أنس، فأسرعت الـمشي، فأخذ بـيدي، فمشينا رُويداً، فلـما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت، فأسرعت الـمشي، فقال: يا أنس أما شعرت أن الآثار تكتب؟

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن يونس، عن الـحسن أن بنـي سَلِـمة كانت دورهم قاصية عن الـمسجد، فهموا أن يتـحوّلوا قرب الـمسجد، فـيشهدون الصلاة مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال لهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

ألا تَـحْتَسِبُونَ آثارَكُمْ يا بَنـي سَلِـمَةَ؟فمكثوا فـي ديارهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم ابن أبـي بَزَّة، عن مـجاهد، فـي قوله {ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ} قال: خُطَاهم بأرجلهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وآثارَهُمْ} قال: خطاهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وآثارَهُمْ} قال: قال الـحسن: وآثارهم قال: خُطَاهم. وقال قتادة: لو كان مُغْفِلاً شيئاً من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفّـي الرياح من هذه الآثار.

وقوله: {وكُلَّ شَيْء أحْصَيْناهُ فـي إمام مُبِـينٍ} يقول تعالـى ذكره: وكل شيء كان أو هو كائن أحصيناه، فأثبتناه فـي أمّ الكتاب، وهو الإمام الـمبـين. وقـيـل: {مُبـين}، لأنه يبـين عن حقـيقة جميع ما أثبت فـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد {فـي إمامٍ مُبِـينٍ} قال: فـي أمّ الكتاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِـي إمامٍ مُبِـينٍ} كلّ شيء مـحصيٌّ عند الله فـي كتاب.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وكُلَّ شَيْء أحْصَيْناهُ فِـي إمام مُبِـينٍ} قال: أمّ الكتاب التـي عند الله فـيها الأشياء كلها هي الإمام الـمبـين.

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ۝١٣ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: ومثل يا مـحمد لـمشركي قومك مثلاً أصحابَ القرية ذُكر أنها أنطاكية، {إذْ جاءَها الـمُرْسَلُونَ}. اختلف أهل العلـم فـي هؤلاء الرسل، وفـيـمن كان أرسلهم إلـى أصحاب القرية، فقال بعضهم: كانوا رسل عيسى بن مريـم، وعيسى الذي أرسلهم إلـيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَاضْربْ لَهُمْ مَثَلاً أصحَابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها الـمُرْسَلُونَ إذْ أرْسَلْنا إلَـيْهِمُ اثْنَـيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ} قال: ذُكر لنا أن عيسى بن مريـم بعث رجلـين من الـحواريـين إلـى أنطاكية مدينة بـالروم فكذّبوهما، فأعزّهما بثالث، {فَقالُوا إنَّا إلَـيْكُمْ مُرْسَلُونَ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفـيان، قال: ثنـي السديّ، عن عكرمة {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أصحَابَ القَرْيَةِ} قال: أنطاكية.

وقال آخرون: بل كانوا رسلاً أرسلهم الله إلـيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَـمة، قال: ثنا ابن إسحاق، فـيـما بلغه، عن ابن عبـاس، وعن كعب الأحبـار، وعن وهب بن مُنَبه، قال: كان بـمدينة أنطاكية، فرعون من الفراعنة يقال له أبطيحس بن أبطيحس يعبد الأصنام، صاحب شرك، فبعث الله الـمرسلـين، وهم ثلاثة: صادق، ومصدوق، وسلوم، فقدم إلـيه وإلـى أهل مدينته، منهم اثنان فكذّبوهما، ثم عزّز الله بثالث فلـما دعته الرسل ونادته بأمر الله، وصدعت بـالذي أُمرت به، وعابت دينه، وما هم علـيه، قال لهم:

{ إنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَـمْ تَنْتَهُوا لَنرْجُمَنَّكُمْ وَلَـيَـمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ ألِـيـمٌ }

وقوله: {إذْ أرْسَلْنا إلَـيْهِمُ اثْنَـيْنِ فَكَذّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ} يقول تعالـى ذكره: حين أرسلنا إلـيهم اثنـين يدعوانهم إلـى الله فكذّبوهما فشددناهما بثالث، وقوّيناهما به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ} قال: شدّدنا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزّة، عن مـجاهد فـي قوله {فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ} قال: زدنا.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ} قال: جعلناهم ثلاثة، قال: ذلك التعزّز، قال: والتعزّز: القوّة.

وقوله: {فَقالُوا إنَّا إلَـيْكُمْ مُرْسَلُونَ} يقول: فقال الـمرسلون الثلاثة لأصحاب القرية: إنا إلـيكم أيها القومُ مرسلون، بأن تُـخْـلِصوا العبـادة لله وحده، لا شريك له، وتتبرّءوا مـما تعبدون من الآلهة والأصنام. وبـالتشديد فـي قوله: {فَعَزَّزْنا} قرأت القرّاء سِوى عاصم، فإنه قرأه بـالتـخفـيف، والقراءة عندنا بـالتشديد، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه، وأن معناه، إذا شُدّد: فقوّينا، وإذا خُفف: فغلبنا، ولـيس لغلبنا فـي هذا الـموضع كثـير معنى.

قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ۝١٥ قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ۝١٦ وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره: قال أصحاب القرية للثلاثة الذين أُرسلوا إلـيهم حين أخبروهم أنهم أرسلوا إلـيهم بـما أرسلوا به: ما أنتـم أيها القوم إلاَّ أُناس مثلنا، ولو كنتـم رسلاً كما تقولون، لكنتـم ملائكة {وَما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} يقول: قالوا: وما أنزل الرحمن إلـيكم من رسالة ولا كتاب ولا أمركم فـينا بشيء {إنْ أنْتُـمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ} فـي قـيـلكم إنكم إلـينا مرسلون {قالُوا رَبُّنا يَعْلَـمُ إنَّا إلَـيْكُمْ لَـمُرْسَلُونَ} يقول: قال الرسل: ربنا يعلـم إنا إلـيكم لـمرسلون فـيـما دعوناكم إلـيه، وإنا لصادقون {وَما عَلَـيْنا إلاَّ البَلاغُ الـمُبِـينُ} يقول: وما علـينا إلاَّ أن نبلغكم رسالة الله التـي أرسلنا بها إلـيكم بلاغاً يبـين لكم أنا أبلغناكموها، فإن قبلتـموها فحظّ أنفسكم تصيبون، وإن لـم تقبلوها فقد أدّينا ما علـينا، والله ولـيّ الـحكم فـيه.

قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: قال أصحاب القرية للرسل: {أنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ} يعنون: إنا تشاءمنا بكم، فإن أصابنا بَلاء فمن أجلكم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالُوا إنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ} قالوا: إن أصابنا شرّ، فإنـما هو من أجلكم.

وقوله: {لَئِنْ لَـمْ تَنْتَهُوا لَنرْجُمَنَّكُمْ} يقول: لئن لـم تنتهوا عما ذكرتـم من أنكم أرسلتـم إلـينا بـالبراءة من آلهتنا، والنهي عن عبـادتنا لنرجمنكم، قـيـل: عُنـي بذلك لنرجُمَنَّكم بـالـحجارة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لَئِنْ لَـمْ تَنْتَهُوا لَنرْجُمَنَّكُمْ} بـالـحجارة {وَلَـيَـمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ ألِـيـمٌ} يقول: ولـينالنكم منا عذاب مُوجِع.

قَالُوا۟ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ۝١٩ وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٢٠ ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: قالت الرسل لأصحاب القرية: {طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ} يقولون: أعمالكم وأرزاقكم وحظُّكم من الـخير والشرّ مَعكم، ذلك كله فـي أعناقكم، وما ذلك من شؤمنا إن أصابكم سوء فـيـما كتب علـيكم، وسبق لكم من الله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ}: أي أعمالكم معكم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـيـما بلغه عن ابن عبـاس، وعن كعب، وعن وهب بن منبه، قالت لهم الرسل: {طائِرُكُمْ مَعَكُمْ}: أي أعمالكم معكم.

وقوله: {أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار {أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ} بكسر الألف من «إنْ» وفتـح ألف الاستفهام: بـمعنى إن ذكرناكم فمعكم طائركم، ثم أدخـل علـى «إن» التـي هي حرف جزاء ألفَ استفهام فـي قول بعض نـحويّـي البصرة، وفـي قول بعض الكوفـيـين منويّ به التكرير، كأنه قـيـل: قالوا طائركم معكم إن ذُكِّرتـم فمعكم طائركم، فحذف الـجواب اكتفـاء بدلالة الكلام علـيه. وإنـما أنكر قائل هذا القول القول الأوّل، لأن ألف الاستفهام قد حالت بـين الـجزاء وبـين الشرط، فلا تكون شرطاً لـما قبل حرف الاستفهام. وذُكر عن أبـي رَزِين أنه قرأ ذلك: {أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ} بـمعنى: ألأِن ذُكِّرتُـم طائركم معكم؟. وذُكر عن بعض قارئيه أنه قرأه: «قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أيْنَ ذُكِرْتُـمْ» بـمعنى: حيث ذُكِرتـم بتـخفـيف الكاف من ذُكِرْتـم.

والقراءة التـي لا نـجيز القراءة بغيرها القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار، وهي دخول ألف الاستفهام علـى حرف الـجزاء، وتشديد الكاف علـى الـمعنى الذي ذكرناه عن قارئيه كذلك، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ}: أي إن ذكَّرناكم اللّهَ تطيرتـم بنا؟ {بَلْ أنْتُـمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ}.

وقوله: {بَلْ أنْتُـمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} يقول: قالوا لهم: ما بكم التطَيُّر بنا، ولكنكم قومٌ أهل معاص لله وآثام، قد غلبت علـيكم الذنوب والآثام.

وقوله: {وَجاءَ مِنْ أقْصَى الـمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} يقول: وجاء من أقصى مدينة هؤلاء القوم الذين أرسلت إلـيهم هذه الرسل رجل يسعى إلـيهم وذلك أن أهل الـمدينة هذه عزموا، واجتـمعت آراؤهم علـى قتل هؤلاء الرسل الثلاثة فـيـما ذُكِر، فبلغ ذلك هذا الرجل، وكان منزله أقصَى الـمدينة، وكان مؤمناً، وكان اسمه فـيـما ذُكر «حبـيب بن مري». وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك جاءت الأخبـار. ذكر الأخبـار الواردة بذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيـل، قال: ثنا سفـيان، عن عاصم الأحول، عن أبـي مُـجَلِّز، قال: كان صاحب يس «حبـيب بن مري».

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: كان من حديث صاحب يس فـيـما حدثنا مـحمد بن إسحاق فـيـما بلغه، عن ابن عبـاس، وعن كعب الأحبـار وعن وهب بن منبه الـيـمانـيّ أنه كان رجلاً من أهل أنطاكية، وكان اسمه «حبـيبـاً»، وكان يعمل الـجَرير، وكان رجلاً سقـيـماً، قد أسرع فـيه الـجُذام، وكان منزله عند بـاب من أبوب الـمدينة قاصياً، وكان مؤمناً ذا صدقة، يجمع كسبه إذا أمسى فـيـما يذكرون، فـيقسمه نصفـين، فـيطعم نصفـاً عياله، ويتصدّق بنصف، فلـم يُهِمَّه سقمه ولا عمله ولا ضعفه، عن عمل ربه، قال: فلـما أجمع قومه علـى قتل الرسل، بلغ ذلك حبـيبـاً وهو علـى بـاب الـمدينة الأقصى، فجاء يسعى إلـيهم يذكرهم بـالله، ويدعوهم إلـى اتبـاع الـمرسلـين، فقال: {يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الـمُرْسَلِـينَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن عمرو بن حزم أنه حُدّث عن كعب الأحبـار قال: ذكر له حبـيب بن زيد بن عاصم أخو بنـي مازن بن النـجار الذي كان مسيـلـمة الكذّاب قطعه بـالـيـمامة حين جعل يسأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: أتشهد أن مـحمداً رسول الله؟ فـيقول: نعم، ثم يقول: أتشهد أنـي رسول الله؟ فـيقول له: لا أسمع، فـيقول مسيـلـمة: أتسمع هذا، ولا تسمع هذا؟ فـيقول: نعم، فجعل يقطعه عُضْواً عضواً، كلـما سأله لـم يزده علـى ذلك حتـى مات فـي يديه. قال كعب حين قـيـل له اسمه حبـيب: وكان والله صاحب يس اسمه حبـيب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن الـحسن بن عمارة، عن الـحكم بن عتـيبة، عن مِقْسم أبـي القاسم مولـى عبد الله بن الـحارث بن نوفل، عن مـجاهد، عن عبد الله بن عبـاس أنه كان يقول: كان اسم صاحب يس حبـيبـاً، وكان الـجُذام قد أسرع فـيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَجاءَ مِنْ أقْصَى الـمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} قال: ذُكر لنا أن اسمه حبـيب، وكان فـي غار يعبد ربه، فلـما سمع بهم أقبل إلـيهم.

وقوله: {قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الـمُرْسَلِـينَ} يقول تعالـى ذكره: قال الرجل الذي جاء من أقصى الـمدينة لقومه: يا قوم اتبعوا الـمرسلـين الذين أرسلهم الله إلـيكم، واقبلوا منهم ما أتوكم به.

وذُكر أنه لـما أتـى الرسل سألهم: هل يطلبون علـى ما جاءوا به أجراً؟ فقالت الرسل: لا، فقال لقومه حينئذٍ: اتبعوا من لا يسألكم علـى نصيحتهم لكم أجراً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لـما انتهى إلـيهم، يعنـي إلـى الرسل، قال: هل تسألون علـى هذا من أجر؟ قالوا: لا، فقال عند ذلك: {يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الـمُرْسَلِـينَ اتَّبِعوا مَنْ لا يَسأَلُكُمْ أجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـيـما بلغه، عن ابن عبـاس، وعن كعب الأحبـار، وعن وهب بن منبه {اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسألُكُمْ أجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ}: أي لا يسألونكم أموالكم علـى ما جاؤوكم به من الهدى، وهم لكم ناصحون، فـاتبعوهم تهتدوا بهداهم.

وقوله: {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} يقول: وهم علـى استقامة من طريق الـحقّ، فـاهتدوا أيها القوم بهداهم.

وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٢٢ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا وَلَا يُنقِذُونِ ۝٢٣ إِنِّىٓ إِذًا لَّفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٢٤ إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل هذا الرجل الـمؤمن {وَمالـيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِـي}: أي وأيّ شيء لـي لا أعبد الربّ الذي خـلقنـي {وَإلَـيْهِ تُرْجَعُونَ} يقول: وإلـيه تصيرون أنتـم أيها القوم وتردّون جميعاً، وهذا حين أبدى لقومه إيـمانه بـالله وتوحيده، كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـيـما بلغه، عن ابن عبـاس، وعن كعب الأحبـار، وعن وهب بن منبه قال: ناداهم، يعنـي نادى قومه بخلاف ما هم علـيه من عبـادة الأصنام، وأظهر لهم دينه وعبـادة ربه، وأخبرهم أنه لا يـملك نفعه ولا ضرّه غيره، فقال: {وَمالِـيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِـي وَإلَـيْهِ تُرْجَعُونَ أءتَّـخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} ثم عابها، فقال: {إن يُردْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرّ} وشدّة {لا تُغْنِ عَنِّـي شَفـاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونَ}. وقوله: {أءتَّـخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} يقول: أأعبد من دون الله آلهة، يعنـي معبوداً سواه {إنْ يُردْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرّ} يقول: إذ مسنـي الرحمن بضرّ وشدّة {لا تُغْنِ عَنِّـي شَفـاعَتُهُمْ شَيْئاً} يقول: لا تغنـي عنـي شيئاً بكونها إلـيَّ شفعاء، ولا تقدر علـى دفع ذلك الضرّ عنـي {وَلا يُنْقِذُونِ} يقول: ولا يخـلصونـي من ذلك الضرّ إذا مسنـي.

وقوله: {إنّـي إذاً لَفـي ضَلالٍ مُبِـينٍ} يقول: {إنـي} إن اتـخذت من دون الله آلهة هذه صفتها {إذن لفـي ضلالٍ مبـين} لـمن تأمله، جوره عن سبـيـل الـحقّ.

وقوله: {إنّـي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فـاسمَعُونِ} فـاختلف فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: قال هذا القول هذا الـمؤمنُ لقومه يعلـمهم إيـمانه بـالله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـيـما بلغه، عن ابن عبـاس، وعن كعب، وعن وهب بن منبه {إنّـي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فـاسمَعُونِ} إنـي آمنت بربكم الذي كفرتـم به، فـاسمعوا قولـي.

وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسلَ، وقال لهم: اسمعوا قولـي لتشهدوا لـي بـما أقول لكم عند ربـي، وأنـي قد آمنت بكم واتبعتكم فذكر أنه لـما قال هذا القول، ونصح لقومه النصيحة التـي ذكرها الله فـي كتابه وثبوا به فقتلوه.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي صفة قتلهم إياه، فقال بعضهم: رَجَموه بـالـحجارة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما لـيَ لا أعْبُدُ الذِي فَطَرَنِـي وَإلَـيْهِ تُرْجَعُونَ} هذا رجل دعا قومه إلـى الله، وأبدى لهم النصيحة فقتلوه علـى ذلك. وذُكر لنا أنهم كانوا يرجمونه بـالـحجارة، وهو يقول: اللَّهم اهدِ قومي، اللهمّ اهدِ قومي، اللهمّ اهدِ قومي، حتـى أَقْعصُوه وهو كذلك.

وقال آخرون: بل وثبوا علـيه، فوطئوه بأقدامهم حتـى مات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـيـما بلغه، عن ابن عبـاس، وعن كعب، وعن وهب بن منبه قال لهم: {وَما لـيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِـي...} إلـى قوله: {فـاسمَعُونِ} وثبوا وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه لضعفه وسقمه، ولـم يكن أحد يدفع عنه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: وطِئوه بأرجلهم حتـى خرج قُصْبه من دُبُره.

قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يَٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ ۝٢٦ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: قال الله له إذ قتلوه كذلك فلقـيه: {ادْخُـلِ الـجَنَّةَ} فلـما دخـلها وعاين ما أكرمه الله به لإيـمانه وصبره فـيه {قالَ يا لَـيْتَ قَوْمي يَعْلَـمُونَ بِـمَا غَفَرَ لـي رَبّـي} يقول: يا لـيتهم يعلـمون أن السبب الذي من أجله غفر لـي ربـي ذنوبـي، وجعلنـي من الذين أكرمهم الله بإدخاله إياه جنته، كان إيـمانـي بـالله وصبري فـيه، حتـى قتلت، فـيؤمنوا بـالله ويستوجبوا الـجنة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، عن بعض أصحابه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: قال الله له: ادخـل الـجنة، فدخـلها حياً يُرزق فـيها، قد أذهب الله عنه سقم الدنـيا وحزنها ونصبها، فلـما أفضى إلـى رحمة الله وجنته وكرامته {قالَ يا لَـيْتَ قَوْمي يَعْلَـمُونَ بِـمَا غَفَرَ رَبّـي وَجَعَلَنِـي مِنَ الـمُكْرَمِينَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قِـيـلَ ادْخُـلِ الـجَنَّةِ} فلـما دخـلها{ قالَ يا لَـيْتَ قَوْمي يَعْلَـمُونَ بِـما غَفَرَ لـي رَبّـي وَجَعَلِنـي مِنَ الـمُكْرَمِينَ} قال: فلا تلقـى الـمؤمن إلاَّ ناصحاً، ولا تلقاه غاشاً، فلـما عاين من كرامة الله {قالَ يا لَـيْتَ قَوْمي يَعْلَـمُونَ بـمَا غَفَرَ لـي رَبّـي وَجَعَلَنِـي مِنَ الـمُكْرَمِينَ} تـمنى علـى الله أن يعلـم قومه ما عاين من كرامة الله، وما هجم علـيه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {قِـيـلَ ادْخُـلِ الـجَنَّةَ} قال: قـيـل: قد وجبت له الـجنة قال ذاك حين رأى الثواب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {قِـيـلَ ادْخُـلِ الـجَنَّةَ} قال: وجبت لك الـجنة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزّة، عن مـجاهد {قِـيـلَ ادْخُـلِ الـجَنَّةَ} قال: وجبت له الـجنة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفـيان، عن عاصم الأحول، عن أبـي مـجلز، فـي قوله: {بـمَا غَفَرَ لـي رَبّـي} قال: إيـمانـي بربـي، وتصديقـي رسله، والله أعلـم.

وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ۝٢٨ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَٰمِدُونَ ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره: وما أنزلنا علـى قوم هذا الـمؤمن الذي قتله قومه لدعائه إياهم إلـى الله ونصيحته لهم {مِنْ بَعْدِهِ} يعنـي: من بعد مهلكه {مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ}.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الـجند الذي أخبر الله أنه لـم ينزل إلـى قوم هذا الـمؤمن بعد قتلهموه فقال بعضهم: عُنِـي بذلك أنه لـم ينزل الله بعد ذلك إلـيهم رسالة، ولا بعث إلـيهم نبـياً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ} قال: رسالة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما أنْزَلْنا عَلـى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِـينَ} قال: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله {إنْ كانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فإذَا هُمْ خامدُونَ}.

وقال آخرون: بل عُنـي بذلك أن الله تعالـى ذكره لـم يبعث لهم جنوداً يقاتلهم بها، ولكنه أهلكهم بصيحة واحدة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، أن عبد الله بن مسعود، قال: غضب الله له، يعنـي لهذا الـمؤمن، لاستضعافهم إياه غضبةً لـم تبق من القوم شيئاً، فعجَّل لهم النقمة بـما استـحلوا منه، وقال: {وَما أنْزَلْنا عَلـى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السمَّاءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِـينَ} يقول: ما كاثرناهم بـالـجموع: أي الأمر أيسر علـينا من ذلك {إنْ كانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فإذَا هُمْ خامِدُونَ} فأهلك الله ذلك الـملك وأهل أنطاكية، فبـادوا عن وجه الأرض، فلـم تبق منهم بـاقـية.

وهذا القول الثانـي أولـى القولـين بتأويـل الآية، وذلك أن الرسالة لا يقال لها جند إلا أن يكون أراد مـجاهد بذلك الرُّسُل، فـيكون وجهاً، وإن كان أيضاً من الـمفهوم بظاهر الآية بعيداً، وذلك أن الرسُل من بنـي آدم لا ينزلون من السماء والـخبر فـي ظاهر هذه الآية عن أنه لـم ينزل من السماء بعد مَهْلِك هذا الـمؤمن علـى قومه جنداً وذلك بـالـملائكة أشبه منه ببنـي آدم.

وقوله: {إنْ كانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فإذَا هُمْ خامِدُونَ} يقول: ما كانت هَلَكتهم إلا صيحة واحدة أنزلها الله من السماء علـيهم.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار {إنْ كانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} نصبـاً علـى التأويـل الذي ذكرت، وأنّ فـي «كانت» مضمراً. وذُكر عن أبـي جعفر الـمدنـي أنه قرأه: «إلاَّ صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ» رفعاً علـى أنها مرفوعة بكان، ولا مضمر فـي كان.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندي النصب لإجماع الـحجة علـى ذلك، وعلـى أن فـي «كانت» مضمراً.

وقوله: {فإذَا هُمْ خامِدُونَ} يقول: فإذا هم هالكون.

يَٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره: يا حسرةً من العبـاد علـى أنفسها وتندّماً وتلهفـاً فـي استهزائهم برسل الله {ما يَأتِـيهِمْ مِنْ رَسُولٍ} من الله {إلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}. وذُكر أن ذلك فـي بعض القراءات: «يا حَسْرَةَ العِبـادِ عَلـى أنْفُسِها». وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يا حَسْرَةً عَلـى العِبـادِ}: أي يا حسرة العبـاد علـى أنفسها علـى ما ضَيَّعت من أمر الله، وفرّطت فـي جنب الله. قال: وفـي بعض القراءات: «يا حَسْرَةَ العِبـادِ عَلـى أنْفُسِها».

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {يا حَسْرَةً عَلـى العِبـادِ} قال: كان حسرةً علـيهم استهزاؤهم بـالرسل.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يا حَسْرَةً عَلـى العِبـادِ} يقول: يا ويلاً للعبـاد. وكان بعض أهل العربـية يقول: معنى ذلك: يا لها حسرةً علـى العبـاد.

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ۝٣١ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: ألـم ير هؤلاء الـمشركون بـالله من قومك يا مـحمد كم أهلكنا قبلهم بتكذيبهم رسلنا، وكفرهم بآياتنا من القرون الـخالـية {أنَّهُمْ إلَـيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ} يقول: ألـم يَرَوا أنهم إلـيهم لا يرجعون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أَلَـمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ القُرُونَ أنَّهُمْ إلَـيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ} قال: عاد وثمود، وقرون بـين ذلك كثـير.

و«كم» من قوله: {كَمْ أهْلَكْنَا} فـي موضع نصب إن شئت بوقوع يروا علـيها. وقد ذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «أَلَـمْ يَرَوْا مَنْ أهْلَكْنا» وإن شئت بوقوع أهلكنا علـيها وأما «أنهم»، فإن الألف منها فتـحت بوقوع يروا علـيها. وذُكر عن بعضهم أنه كسر الألف منها علـى وجه الاستئناف بها، وترك إعمال «يروا» فـيها.

وقوله: {وإنْ كُلٌّ لـمَّا جَميعٌ لَدَيْنا مُـحْضَرُونَ} يقول تعالـى ذكره: وإن كل هذه القرون التـي أهلكناها والذين لـم نهلكهم وغيرهم عندنا يوم القـيامة جميعهم مـحضرون، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة {وَإنْ كُلّ لـمَّا جَميعٌ لَدَيْنا مُـحْضَرُونَ} أي هم يوم القـيامة.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: «وَإنْ كُلٌّ لَـمَا» بـالتـخفـيف توجيهاً منهم إلـى أن ذلك «ما» أدخـلت علـيها اللام التـي تدخـل جوابـاً لإنْ وأن معنى الكلام: وإن كلّ لـجميع لدينا مـحضرون. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: {لَـمَّا} بتشديد الـميـم. ولتشديدهم ذلك عندنا وجهان: أحدهما: أن يكون الكلام عندهم كان مراداً به: وإن كلّ لـمـما جميع، ثم حذفت إحدى الـميـمات لـما كثرت، كما قال الشاعر:

غَدَاةَ طَفَت عَلْـماءِ بَكْرُ بنُ وَائِلٍوَعُجنْا صُدُورَ الـخَيْـلِ نَـحْوَ تَـمِيـمِ

والآخر: أن يكونوا أرادوا أن تكون {لَـمَّا} بـمعنى إلا، مع إنْ خاصة فتكون نظيرة إنـما إذا وضعت موضع «إلا». وقد كان بعض نـحويـيِّ الكوفة يقول: كأنها «لَـمْ» ضمت إلـيها «ما»، فصارتا جميعاً استثناء، وخرجتا من حدّ الـجحد. وكان بعض أهل العربـية يقول: لا أعرف وجه «لـمَّا» بـالتشديد.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلْأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ۝٣٣ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَٰبٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره: ودلالة لهؤلاء الـمشركين علـى قُدرة الله علـى ما يشاء، وعلـى إحيائه من مات من خـلقه وإعادته بعد فنائه، كهيئته قبل مـماته إحياؤه الأرض الـميتة، التـي لا نبت فـيها ولا زرع بـالغيث الذي ينزله من السماء حتـى يخرج زرعها، ثم إخراجه منها الـحبّ الذي هو قوت لهم وغذاء، فمنه يأكلون.

وقوله:{ وَجَعَلْنا فِـيها جَنَّاتٍ مِنْ نَـخِيـلٍ وأعْنابٍ} يقول تعالـى ذكره: وجعلنا فـي هذه الأرض التـي أحيـيناها بعد موتها بساتـين من نـخيـل وأعناب {وَفَجَّرْنا فِـيها مِنَ العُيُونِ} يقول: وأنبعنا فـيها من عيون الـماء.

لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره: أنشأنا هذه الـجنات فـي هذه الأرض لـيأكل عبـادي من ثمره، وما عملت أيديهم يقول: لـيأكلوا من ثمر الـجنات التـي أنشأنا لهم، وما عملت أيديهم مـما غرسوا هم وزرعوا. و«ما» التـي فـي قوله: {وَما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ} فـي موضع خفض عطفـاً علـى الثمر، بـمعنى: ومن الذي عملت وهي فـي قراءة عبد الله فـيـما ذُكر: «وَمـمَّا عَمِلَتْهُ» بـالهاء علـى هذا الـمعنى فـالهاء فـي قراءتنا مضمرة، لأن العرب تضمرها أحياناً، وتظهرها فـي صلات: من، وما، والذي. ولو قـيـل: «ما» بـمعنى الـمصدر كان مذهبـاً، فـيكون معنى الكلام: ومن عمل أيديهم. ولو قـيـل: إنها بـمعنى الـجحد ولا موضع لها كان أيضاً مذهبـاً، فـيكون معنى الكلام: لـيأكلوا من ثمره ولـم تعمله أيديهم. وقوله: {أفَلا يَشْكُرُونَ} يقول: أفلا يشكر هؤلاء القوم الذين رزقناهم هذا الرزق من هذه الأرض الـميتة التـي أحيـيناها لهم مَنْ رزقهم ذلك وأنعم علـيهم به؟.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 10 جمادى الأولى 1448 هـ