انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنبياء

تفسير الطبريالآيات 85–96

تفسير سورة الأنبياء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأنبياء

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:04:08

  1. 1 الآيات 83–112في هذه الصفحة 18:02

التفسير الصوتي لسورة الأنبياء كاملًا (4 مقاطع)

وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝٨٥ وَأَدْخَلْنَٰهُمْ فِى رَحْمَتِنَآ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٨٦

يعنـي تعالـى ذكره بإسماعيـل بن إبراهيـم صادق الوعد، وبإدريس: أخنوخ، وبذي الكفل: رجلاً تكفل من بعض الناس، إما من نبـيّ وإما من ملك من صالـحي الـملوك بعمل من الأعمال، فقام به من بعده، فأثنـى الله علـيه حسن وفـائه بـما تكفل به وجعله من الـمعدودين فـي عبـاده، مع من حمد صبره علـى طاعة الله. وبـالذي قلنا فـي أمره جاءت الأخبـار عن سلف العلـماء. ذكر الرواية بذلك عنهم:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن الـمنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الـحارث: أن نبـيًّا من الأنبـياء، قال: من تكفل لـي أن يصوم النهار ويقوم اللـيـل ولا يغضب؟ فقام شاب فقال: أنا. فقال: اجلس: ثم عاد فقال: من تكفل لـي أن يقوم اللـيـل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: أنا. فقال: اجلس ثم عاد فقال: من تكفل لـي أن يقوم اللـيـل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: أنا فقال: تقوم اللـيـل وتصوم النهار ولا تغضب. فمات ذلك النبـيّ، فجلس ذلك الشاب مكانه يقضي بـين الناس، فكان لا يغضب. فجاءه الشيطان فـي صورة إنسان لـيُغضبه وهو صائم يريد أن يَقِـيـل، فضرب البـاب ضربـاً شديدا، فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة. فأرسل معه رجلاً، فقال: لا أرضى بهذا الرجل. فأرسل معه آخر، فقال: لا أرضى بهذا. فخرج إلـيه فأخذ بـيده فـانطلق معه، حتـى إذا كان فـي السوق خلاّه وذهب، فسُمِّي ذا الكفل.

حدثنا ابن الـمثنـي، قال: ثنا عفـان بن مسلـم، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا داود، عن مـجاهد، قال: لـما كبر الـيسع قال: لو أنـي استـخـلفت علـى الناس رجلاً يعمل علـيهم فـي حياتـي حتـى أنظر كيف يعمل. قال: فجمع الناس، فقال: من يَتَقَبَّلْ لـي بثلاث أستـخـلفه: يصوم النهار، ويقوم اللـيـل، ولا يغضب؟ قال: فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا. فقال: أنت تصوم النهار وتقوم اللـيـل ولا تغضب؟ قال: نعم. قال: فردّهم ذلك الـيوم، وقال مثلها الـيوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل، فقال: أنا. فـاسْتَـخْـلَفَه. قال: فجعل إبلـيس يقول للشياطين: علـيكم بفلان فأعياهم، فقال: دعونـي وإياه فأتاه فـي صورة شيخ كبـير فقـير، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام اللـيـل والنهار إلا تلك النومة، فدقّ البـاب، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبـير مظلوم. قال: فقام ففتـح البـاب، فجعل يقصّ علـيه، فقال: إن بـينـي وبـين قومي خصومة، وإنهم ظلـمونـي وفعلوا بـي وفعلوا. فجعل يطوّل علـيه، حتـى حضر الرَّواح وذهبت القائلة، وقال: إذا رحت فأتنى آخذ لك بحقك فـانطلق وراح، فكان فـي مـجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ، فلـم يره، فجعل يبتغيه. فلـما كان الغد جعل يقضي بـين الناس وينتظره فلا يراه. فلـما رجع إلـى القائلة، فأخذ مضجعه، أتاه فدقّ البـاب، فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبـير الـمظلوم. ففتـح له، فقال: ألـم أقل لك إذا قعدت فأْتنـي؟ فقال: إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نـحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدونـي. قال: فـانطلِقْ فإذا رحت فأتنـي قال: ففـاتته القائلة، فراح فجعل ينظر فلا يراه، فشقّ علـيه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعُنّ أحداً يقرب هذا البـاب حتـى أنام، فإنـي قد شقّ علـيّ النوم فلـما كان تلك الساعة جاء، فقال له الرجل وراءَك، فقال: إنـي قد أتـيته أمس فذكرت له أمري، قال: والله لقد أمرنا أن لا ندع أحداً يقربه. فلـما أعياه نظر فرأى كوّة فـي البـيت، فتسوّر منها، فإذا هو فـي البـيت، وإذا هو يدقّ البـاب، قال: واستـيقظ الرجل فقال: يا فلان، ألـم آمرك؟ قال: أما من قِبلـى والله فلـم تُؤْتَ، فـانظر من أين أُتِـيتَ قال: فقام إلـى البـاب، فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا هو معه فـي البـيت، فعرفه فقال: أعدوّ الله؟ قال: نعم أعيـيتنـي فـي كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك. فسماه ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفـى به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَذَا الكِفْلِ} قال رجل صالـح غير نبـيّ، تكفل لنبـيّ قومه أن يكفـيه أمر قومه ويقـيـمه لهم ويقضي بـينهم بـالعدل، ففعل ذلك، فسُمِّي ذا الكِفل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد بنـحوه، إلا أنه قال: ويقضي بـينهم بـالـحقّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن قـيس قال: كان فـي بنـي إسرائيـل مِلك صالـح، فكبر، فجمع قومه فقال: أيكم يكفل لـي بـمُلكي هذا علـى أن يصوم النهار ويقوم اللـيـل ويحكم بـين بنـي إسرائيـل بـما أنزل الله ولا يغضب؟ قال: فلـم يقم أحد إلا فتـى شاب، فـازدراه لـحداثة سنه، فقال: أيكم يكفل لـي بـملكي هذا علـى أن يصوم النهار ويقوم اللـيـل ولا يغضب ويحكم بـين بنـي إسرائيـل بـما أنزل الله؟ فلـم يقم إلا ذلك الفتـى قال: فـازدراه. فلـما كانت الثالثة قال مثل ذلك، فلـم يقم إلا ذلك الفتـى، فقال: تعال فخـلـى بـينه وبـين ملكه. فقام الفتـى لـيـلة فلـما أصبح جعل يحكم بـين بنـي إسرائيـل فلـما انتصف النهار دخـل لـيقـيـل، فأتاه الشيطان فـي صورة رجل من بنـي آدم، فجذب ثوبه، فقال: أتنام والـخصوم ببـابك؟ قال: إذا كان العشية فأتنـي قال فـانتظره بـالعشيّ فلـم يأته فلـما انتصف النهار دخـل لـيَقِـيـل، جذب ثوبه وقال: أتنام والـخصوم علـى بـابك؟ قال: قلت لك: ائتنـي العشيّ فلـم تأتنـي، ائتنـي، بـالعشيّ فلـما كان بـالعشيّ انتظره فلـم يأت فلـما دخـل لـيقـيـل جذب ثوبه، فقال: أتنام والـخصوم ببـابك؟ قال: أخبرنـي من أنت، لو كنت من الإنس سمعت ما قلت قال: هو الشيطان، جئت لأفتنك فعصمك الله منـي. فقضي بـين بنـي إسرائيـل بـما أنزل الله زماناً طويلاً، وهو ذو الكفل، سُمي ذا الكفل لأنه تكفل بـالـملك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، عن أبـي موسى الأشعريّ، قال وهو يخطب الناس: إن ذا الكفل لـم يكن نبـيًّا ولكن كان عبداً صالـحاً، تكفل بعمل رجل صالـح عند موته، كان يصلـي لله كل يوم مئة صلاة، فأحسن الله علـيه الثناء فـي كفـالته إياه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم، قال: ثنا عمرو، قال: أمَّا ذو الكفل فإنه كان علـى بنـي إسرائيـل مَلِك فلـما حضره الـموت، قال: من يكفل لـي أن يكفـينـي بنـي إسرائيـل ولا يغضب ويصلـي كل يوم مئة صلاة؟ فقال ذو الكفل: أنا. فجعل ذو الكفل يقضي بـين الناس، فإذا فرغ صلـى مئة صلاة. فكاده الشيطان، فأمهله حتـى إذا قضي بـين الناس وفرغ من صلاته وأخذ مضجعه فنام، أتـى الشيطان بـابه فجعل يدقه، فخرج إلـيه، فقال: ظُلـمت وصُنع بـي فأعطاه خاتـمه وقال: اذهب فأتنـي بصاحبك وانتظره، فأبطأ علـيه الآخر، حتـى إذا عرف أنه قد نام وأخذ مضجعه، أتـى البـاب أيضا كي يغضبه، فجعل يدقه، وخدش وجه نفسه فسالت الدماء، فخرج إلـيه فقال: ما لك؟ فقال: لـم يتبعنـي، وضُربت وفُعل فأخذه ذو الكفل، وأنكر أمره، فقال: أخبرنـي من أنت؟ وأخذه أخذا شديدا، قال: فأخبره من هو.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَذَا الكِفْل} قال: قال أبو موسى الأشعريّ: لـم يكن ذو الكفل نبـيًّا، ولكنه كَفَل بصلاة رجل كان يصلـي كل يوم مئة صلاة، فوفـى، فكفل بصلاته، فلذلك سُمي ذا الكفل.

ونُصِبَ «إسماعيـل» و «إدريس» و «ذا الكفل»، عطفـاً علـى «أيوب»، ثم استؤنف بقوله: {كُلّ} فقال: {كُلّ مِنَ الصَّابِرِينَ} ومعنى الكلام: كلهم من أهل الصبر فـيـما نابهم فـي الله.

وقوله: {وأدْخَـلْناهُمْ فِـي رَحْمَتِنا إنَّهُمْ مِنَ الصَّالِـحِينَ} يقول تعالـى ذكره: وأدخـلنا إسماعيـل وإدريس وذا الكفل والهاء والـميـم عائدتان علـيهم {فِـي رَحْمَتِنا إنَّهُمْ مِنَ الصَّالِـحِين} يقول: إنهم مـمن صلـح، فأطاع الله وعمل بـما أمره.

وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٨٧

يقول تعالـى ذكره: واذكر يا مـحمد ذا النون، يعنـي صاحب النون. والنون: الـحوت. وإنـما عَنَى بذي النون: يونس بن متـى، وقد ذكرنا قصته فـي سورة يونس بـما أغنـي عن ذكره فـي هذا الـموضع، وقوله: {إذْ ذَهَبَ مُغاضِبـاً} يقول: حين ذهب مغاضبـاً.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى ذهابه مغاضبـاً، وعمن كان ذهابه، وعلـى من كان غضبه، فقال بعضهم: كان ذهابه عن قومه وإياهم غاضب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَذَا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبـاً} يقول: غضب علـى قومه.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إذْ ذَهَبَ مُغاضِبـاً} أما غضبه فكان علـى قومه.

وقال آخرون: ذهب عن قومه مغاضبـاً لربه، إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه. ذكر من قال ذلك: وذكر سبب مغاضبته ربه فـي قولهم:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبـي سلـمة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: بعثه الله يعنـي يونس إلـى أهل قريته، فردّوا علـيه ما جاءهم به وامتنعوا منه. فلـما فعلوا ذلك أوحى الله إلـيه: إنـي مرسل علـيهم العذاب فـي يوم كذا وكذا، فـاخرج من بـين أظهرهم فأعلـم قومه الذين وعده الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمقوه، فإن خرج من بـين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم. فلـما كانت اللـيـلة التـي وعدوا بـالعذاب فـي صبحها أدلـج ورآه القوم، فخرجوا من القرية إلـى براز من أرضهم، وفرّقوا بـين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلـى الله، فـاستقالوه، فأقالهم، وتنظّر يونس الـخبر عن القرية وأهلها، حتـى مرّ به مارّ، فقال: ما فعل أهل القرية؟ فقال: فعلوا أن نبـيهم خرج من بـين أظهرهم، عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلـى براز من الأرض، ثم فرقوا بـين كل ذات ولد وولدها. وعجُّوا إلـى الله وتابوا إلـيه. فقبل منهم، وأخَّر عنهم العذاب. قال: فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إلـيهم كذّابـاً أبداً، وعدتهم العذاب فـي يوم ثم رُدّ عنهم ومضى علـى وجهه مغاضبـاً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن سعيد بن أبـي الـحسن، قال: بلغنـي أن يونس لـما أصاب الذنب، انطلق مغاضبـاً لربه، واستزلَّه الشيطان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبـي زائدة، عن مـجالد بن سعيد، عن الشعبـيّ، فـي قوله: {إذْ ذَهَبَ مُغاضِبـاً} قال: مغاضبـاً لربه.

حدثنا الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن إسماعيـل بن عبد الـملك، عن سعيد بن جبـير فذكر نـحو حديث ابن حميد، عن سلـمة، وزاد فـيه: قال: فخرج يونس ينظر العذاب، فلـم ير شيئاً، قال: جرّبوا علـيّ كذبـاً فذهب مغاضبـاً لربه حتـى أتـى البحر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، عن ربـيعة بن أبـي عبد الرحمن، عن وهب بن منبه الـيـمانـي، قال: سمعته يقول: إن يونس بن متـى كان عبداً صالـحاً، وكان فـي خـلقه ضيق. فلـما حملت علـيه أثقال النبوّة، ولها أثقال لا يحملها إلا قلـيـل، تفسخ تـحتها تفسخ الربع تـحت الـحمل، فقذفها بـين يديه، وخرج هاربـاً منها. يقول الله لنبـيه صلى الله عليه وسلم:

{ فـاصْبرْ كمَا صَبَرَ أُولُو العَزْم مِنَ الرسُلِ وَاصْبِرْ لِـحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الـحُوتِ }: أي لا تُلْقِ أمري كما ألقاه.

وهذا القول، أعنـي قول من قال: ذهب عن قومه مغاضبـاً لربه، أشبه بتأويـل الآية، وذلك لدلالة قوله: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} علـى ذلك. علـى أن الذين وجهوا تأويـل ذلك إلـى أنه ذهب مغاضبـاً لقومه، إنـما زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكاراً منهم أن يغاضب نبـيّ من الأنبـياء ربه واستعظاماً له. وهم بقـيـلهم أنه ذهب مغاضبـاً لقومه قد دخـلوا فـي أمر أعظم مـما أنكروا، وذلك أن الذين قالوا: ذهب مغاضبـاً لربه اختلفوا فـي سبب ذهابه كذلك، فقال بعضهم: إنـما فعل ما فعل من ذلك كراهة أن يكون بـين قوم قد جربوا علـيه الـخـلف فـيـما وعدهم، واسْتَـحْيَا منهم، ولـم يعلـم السبب الذي دفع به عنهم البلاء. وقال بعض من قال هذا القول: كان من أخلاق قومه الذين فـارقهم قتل من جرّبوا علـيه الكذب، عسى أن يقتلوه من أجل أنه وعدهم العذاب، فلـم ينزل بهم ما وعدهم من ذلك. وقد ذكرنا الرواية بذلك فـي سورة يونس، فكرهنا إعادته فـي هذا الـموضع.

وقال آخرون: بل إنـما غاضب ربه من أجل أنه أمر بـالـمصير إلـى قوم لـينذرهم بأسه ويدعوهم إلـيه، فسأل ربه أن يُنْظره لـيتأهب للشخوص إلـيهم، فقـيـل له: الأمر أسرع من ذلك ولـم يُنْظر حتـى شاء أن ينظر إلـى أن يأخذ نعلاً لـيـلبسها، فقـيـل له نـحو القول الأوّل. وكان رجلاً فـي خـلقه ضيق، فقال: أعجلنـي ربـي أن آخذ نعلاً فذهب مغاضبـاً.

ومـمن ذُكر هذا القول عنه: الـحسن البصريّ.

حدثنـي بذلك الـحارث، قال: ثنا الـحسن بن موسى، عن أبـي هلال، عن شهر بن حوشب، عنه.

قال أبو جعفر: ولـيس فـي واحد من هذين القولـين من وصف نبـيّ الله يونس صلوات الله علـيه شيء إلا وهو دون ما وصفه بـما وصفه الذين قالوا: ذهب مغاضبـاً لقومه لأن ذهابه عن قومه مغاضبـاً لهم، وقد أمره الله تعالـى بـالـمُقام بـين أظهرهم، لـيبلغهم رسالته ويحذّرهم بأسه وعقوبته علـى تركهم الإيـمان به والعمل بطاعته لا شك أن فـيه ما فـيه. ولولا أنه قد كان صلى الله عليه وسلم أتـى ما قاله الذين وصفوه بإتـيان الـخطيئة، لـم يكن الله تعالـى ذكره لـيعاقبه العقوبة التـي ذكرها فـي كتابه ويصفه بـالصفة التـي وصفه بها، فـيقول لنبـيه صلى الله عليه وسلم:

{ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الـحُوتِ إذْ نادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ } ويقول: { فـالْتَقَمَهُ الـحُوتُ وَهُوَ مُلِـيـمٌ فَلَوْلا أنهُ كانَ مِنَ الـمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِـي بَطْنِهِ إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }

وقوله: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: فظنّ أن لن نعاقبه بـالتضيـيق علـيه. من قولهم قدرت علـى فلان: إذا ضيقت علـيه، كما قال الله جلّ ثناؤه:

{ وَمَنْ قُدِرَ عَلَـيْهِ رِزْقُهُ فَلْـيُنْفِقْ مِـمَّا آتاهُ اللَّهُ }. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} يقول: ظنّ أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} يقول: ظنّ أن لن نقضيَ علـيه عقوبة ولا بلاء فـيـما صنع بقومه فـي غضبه إذ غضب علـيهم وفراره. وعقوبته أخذ النون إياه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، عن شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد، أنه قال فـي هذه الآية: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} قال: فظنّ أن لن نعاقبه بذنبه.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـي، قال: ثنا زيد بن حبـاب، قال: ثنـي شعبة، عن مـجاهد، ولـم يذكر فـيه الـحكم.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} قال: يقول: ظنّ أن لن نعاقبه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والكلبـيّ: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} قالا: ظنّ أن لن نقضيَ علـيه العقوبة.

حُدثت عن الـحسين. قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ} يقول: ظنّ أن الله لن يقضي علـيه عقوبة ولا بلاء فـي غضبه الذي غضب علـى قومه وفراقه إيّاهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} قال: البلاء الذي أصابه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظنّ أنه يُعجز ربه فلا يقدر علـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن سعيد بن أبـي الـحسن، قال: بلغنـي أن يونس لـما أصاب الذنب، انطلق مغاضبـاً لربه، واستزلَّه الشيطان، حتـى ظن أن لن نقدر علـيه. قال: وكان له سلف وعبـادة وتسبـيح. فأبى الله أن يدعه للشيطان، فأخذه فقذفه فـي بطن الـحوت، فمكث فـي بطن الـحوت أربعين من بـين لـيـلة ويوم، فأمسك الله نفسه، فلـم يقتله هناك. فتاب إلـى ربه فـي بطن الـحوت، وراجع نفسه. قال: فقال: {سُبْحانَكَ إنّـي كُنْتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ} قال: فـاستـخرجه الله من بطن الـحوت برحمته بـما كان سلف من العبـادة والتسبـيح، فجعله من الصالـحين. قال عوف: وبلغنـي أنه قال فـي دعائه: وبنـيت لك مسجداً فـي مكان لـم يبنه أحد قبلـي.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} وكان له سلف من عبـادة وتسبـيح، فتداركه الله بها فلـم يَدَعْه للشيطان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الـحارث، عن إياس بن معاوية الـمدنـي، أنه كان إذا ذكر عنده يونس، وقوله: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} يقول إياس: فلِـم فرّ؟

وقال آخرون: بل ذلك بـمعنى الاستفهام، وإنـما تأويـله: أفظنّ أن لن نقدر علـيه؟ ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَـيْهِ} قال: هذا استفهام. وفـي قوله: {فَمَا تُغْنِـي النُّذُر} قال: استفهام أيضاً.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال فـي تأويـل ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: عَنَى به: فظنّ يونس أن لن نـحبسه ونضيق علـيه، عقوبة له علـى مغاضبته ربه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بتأويـل الكلـمة، لأنه لا يجوز أن يُنْسب إلـى الكفر وقد اختاره لنبوّته، ووَصْفُه بأن ظنّ أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر علـيه، وَصْفٌ له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصف له بـالكفر، وغير جائز لأحد وصفه بذلك. وأما ما قاله ابن زيد، فإنه قول لو كان فـي الكلام دلـيـل علـى أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فـيه علـى أن ذلك كذلك. والعرب لا تـحذف من الكلام شيئا لهم إلـيه حاجة إلا وقد أبقت دلـيلاً علـى أنه مراد فـي الكلام، فإذا لـم يكن فـي قوله: {فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدرَ عَلَـيْهِ} دلالة علـى أن الـمراد به الاستفهام كما قال ابن زيد، كان معلوماً أنه لـيس به وإذ فسد هذان الوجهان، صحّ الثالث وهو ما قلنا.

وقوله: {فَنَادَى فـي الظُّلُـماتِ} اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بهذه الظلـمات، فقال بعضهم: عُنـي بها ظلـمة اللـيـل، وظلـمة البحر، وظلـمة بطن الـحوت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عمرو بن ميـمون: {فَنادَى فـي الظُّلُـمات} قال: ظلـمة بطن الـحوت، وظلـمة البحر، وظلـمة اللـيـل. وكذلك قال أيضاً ابن جُرَيْج.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبـي سلـمة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: نادى فـي الظلـمات: ظلـمة اللـيـل، وظلـمة البحر، وظلـمة بطن الـحوت {لا إله إلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنّـي كُنْتُ مِنَ الظَّالِـمينَ}.

حدثنـي مـحمد بن إبراهيـم السلـمي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا مـحمد بن رفـاعة، قال: سمعت مـحمد ابن كعب يقول فـي هذه الآية: {فَنادَى فـي الظُّلُـماتِ} قال: ظلـمة اللـيـل، وظلـمة البحر، وظلـمة بطن الـحوت.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {فَنادَى فـي الظُّلُـماتِ} قال: ظلـمة اللـيـل، وظلـمة البحر، وظلـمة بطن الـحوت.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {فَنادَى فـي الظُّلُـماتِ} قال: ظلـمة بطن الـحوت، وظلـمة البحر، وظلـمة اللـيـل.

وقال آخرون: إنـما عَنَى بذلك أنه نادى فـي ظلـمة جوف حوت فـي جوف حوت آخر فـي البحر. قالوا: فذلك هو الظلـمات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن سالـم بن أبـي الـجعد: {فَنادَى فـي الظُّلُـماتِ} قال: أوحى الله إلـى الـحوت أن لا تضرّ له لـحماً ولا عظماً. ثم ابتلع الـحوت حوت آخر، قال: {فَنادَى فـي الظُّلُـماتِ} قال: ظلـمة الـحوت، ثم حوت، ثم ظلـمة البحر.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن يونس أنه ناداه فـي الظلـمات: {إنْ لا إلهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنّـي كُنْتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ} وَلا شك أنه قد عنى بإحدى الظلـمات: بطن الـحوت، وبـالأخرى: ظلـمة البحر، وفـي الثالثة اختلاف، وجائز أن تكون تلك الثالثة ظلـمة اللـيـل، وجائز أن تكون كون الـحوت فـي جوف حوت آخر. ولا دلـيـل يدلّ علـى أيّ ذلك من أيّ، فلا قول فـي ذلك أولـى بـالـحق من التسلـيـم لظاهر التنزيـل.

وقوله: {لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحانَك} يقول: نادى يونس بهذا القول معترفـاً بذنبه تائبـاً من خطيئته {إنّـي كُنْتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ} فـي معصيتـي إياك. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبـي سلـمة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: {نادَى فـي الظُّلُـماتِ أنْ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنّـي كُنْتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ} معترفـا بذنبه، تائبـا من خطيئته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: أبو معشر: قال مـحمد بن قـيس: قوله: {لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ} ما صنعتُ من شيء فلـم أعبد غيرك، {إنّـي كُنْتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ} حين عصيتك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا جعفر بن سلـيـمان، عن عوف الأعرابـي، قال: لـما صار يونس فـي بطن الـحوت ظن أنه قد مات. ثم حرّك رجله، فلـما تـحركت سجد مكانه، ثم نادى: يا ربّ اتـخذتُ لك مسجداً فـي موضع ما اتـخذه أحد

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع، مولـى أمّ سلـمة زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت أبـا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَـمَّا أرَادَ اللَّهُ حَبْسَ يُونُسَ فِـي بَطْنِ الـحُوتِ، أوْحَى اللَّهُ إلـى الـحُوتِ: أنْ خُذْهُ وَلا تَـخْدِشْ لَهُ لَـحْما وَلا تَكْسِرْ عَظْما فأخَذَهُ، ثُمَّ هَوَى بِهِ إلـى مَسْكَنِهِ مِنَ البَحْرِ فَلَـمَّا انْتَهَى بِهِ إلـى أسْفَلِ البَحْرِ، سَمِعَ يُونُسُ حِسًّا، فَقالَ فِـي نَفْسِهِ: ما هَذَا؟ قالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إلَـيْهِ وَهُوَ فِـي بَطْنِ الـحُوتِ: إنَّ هَذَا تَسْبِـيحُ دَوَابّ البَحْرِ، قالَ: فَسَبَّحَ وَهُوَ فِـي بَطْنِ الـحُوتِ، فَسَمِعَتِ الـمَلائِكَةُ تَسْبِـيحَهُ، فَقالُوا: يا رَبَّنا إنَّا نَسْمَعُ صَوْتا ضَعِيفـا بأرْضٍ غَرِيبَة؟ قالَ: ذَاكَ عَبْدِي يُونُسُ، عَصَانِـي فَحَبَسْتُهُ فِـي بَطْنِ الـحُوتِ فِـي البَحْرِ. قالُوا: العَبْدُ الصَّالِـحُ الَّذِي كانَ يَصْعَدُ إلَـيْكَ مِنْهُ فِـي كُلّ يَوْمٍ وَلَـيْـلَةٍ عَمَلٌ صَالِـحٌ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذلكَ، فَأمَرَ الـحُوتَ فَقَذَفَهُ فِـي السَّاحِلِ كما قالَ اللَّهُ تَبـارَكَ وَتَعالـى: وَهُوَ سَقِـيـمٌ

فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَنَجَّيْنَٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٨٨

يقول تعالى ذكره: {فـاسَتْـجَبْنَا} لـيونس دعاءه إيانا، إذ دعانا فـي بطن الـحوت، ونـجيناه من الغمّ الذي كان فـيه بحبْسناه فـي بطن الـحوت وغمه بخطيئته وذنبه {وكذَلكَ نُنْـجِي الـمُؤْمِنِـينَ} يقول جلّ ثناؤه: وكما أنـجينا يونس من كرب الـحبس فـي بطن الـحوت فـي البحر إذ دعانا، كذلك ننـجي الـمؤمنـين من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك جاء الأثر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمران بن بكار الكُلاعيّ، قال: ثنا يحيى بن صالح قال: ثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، قال: ثنـي بشر بن منصور، عن علـيّ بن زيد، عن سعيد بن الـمسيب، قال: سمعت سعد بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

اسْمُ اللَّهِ الَّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أجابَ وَإذَا سُئلَ بِهِ أعْطَى، دَعْوَةُ يُونُسَ بْنِ مَتَّـى. قال: فقلت: يا رسول الله، هي لـيونس بن متـى خاصة أم لـجماعة الـمسلـمين؟ قالَ: هيَ لِـيُونُسَ بْنِ مَتَّـى خاصَّةً، وللْـمُؤْمِنِـينَ عامَّةً إذَا دَعَوْا بِها ألَـمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَبـارَكَ وَتَعالـى {فَنادَى فِـي الظُّلُـماتِ أنْ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنّـي كُنْتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ فـاسْتَـجَبْنا لَهُ وَنّـجيَّنْاهُ مِنَ الغَمِّ وكَذلكَ نُنْـجِي الـمُؤْمنـينَ}؟ فهو شرط الله لـمن دعاه بها

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {نُنْـجِي الـمُؤْمِنِـينَ} فقرأت ذلك قرّاء الأمصار، سوى عاصم، بنونـين الثانـية منهما ساكنة، من أنـجيناه، فنـحن ننـجيه. وإنـما قرءوا ذلك كذلك وكتابته فـي الـمصاحف بنون واحدة، لأنه لو قرىء بنون واحدة وتشديد الـجيـم، بـمعنى ما لـم يسمّ فـاعله، كان «الـمؤمنون» رفعاً، وهم فـي الـمصاحف منصوبون، ولو قرىء بنون واحدة وتـخفـيف الـجيـم، كان الفعل للـمؤمنـين وكانوا رفعاً، ووجب مع ذلك أن يكون قوله «نـجى» مكتوبـاً بـالألف، لأنه من ذوات الواو، وهو فـي الـمصاحف بـالـياء.

فإن قال قائل: فكيف كتب ذلك بنون واحد، وقد علـمت أن حكم ذلك إذا قرىء: {نُنْـجِي} أن يُكتب بنونـين؟ قـيـل: لأن النون الثانـية لـما سكنت وكان الساكن غير ظاهر علـى اللسان حذفت كما فعلو ذلك ب «إلاّ»، فحذفوا النون من «إنْ» لـخفـائها، إذ كانت مندغمة فـي اللام من «لا». وقرأ ذلك عاصم: «نُـجِّي الـمُؤمِنِـينَ» بنون واحدة، وتثقـيـل الـجيـم، وتسكين الـياء. فإن يكن عاصم وجه قراءته ذلك إلـى قول العرب: ضرب الضرب زيداً، فكنى عن المصدر الذي هو النـجاء، وجعل الخبر أعنـي خبر ما لـم يسمّ فـاعله الـمؤمنـين، كأنه أراد: وكذلك نُـجّي النّـجاءُ المؤمنين، فكنى عن النـجاء فهو وجه، وإن كان غيره أصوب، وإلا فإن الذي قرأ من ذلك علـى ما قرأه لـحنّ، لأن الـمؤمنـين اسم علـى القراءة التـي قرأها ما لـم يسمّ فـاعله، والعرب ترفع ما كان من الأسماء كذلك. وإنـما حمل عاصماً علـى هذه القراءة أنه وجد الـمصاحف بنون واحدة وكان فـي قراءته إياه علـى ما علـيه قراءة القرّاء إلـحاق نون أخرى ليست فـي المصحف، فظنَّ أن ذلك زيادة ما لـيس فـي المصحف، ولم يعرف لـحذفها وجهاً يصرفه إلـيه.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة التـي لا أستـجيز غيرها فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، من قراءته بنونـين وتـخفـيف الـجيـم، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها وتـخطئتها خلافه.

وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ ۝٨٩ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا۟ لَنَا خَٰشِعِينَ ۝٩٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا مـحمد زكريا حين نادى ربه {رَبّ لا تَذَرْنِـي} وحيداً {فَرْداً} لا ولد لـي ولا عَقِب {وأنْتَ خَيْرُ الوَارِثِـينَ} يقول: فـارزقنـي وارثاً من آل يعقوب يرثنـي. ثم ردّ الأمر إلـى الله فقال: {وأنْتَ خَيْرُ الوَارِثِـينَ} يقول الله جلّ ثناؤه: فـاستـجبنا لزكريا دعاءه، ووهبنا له يحيى ولداً ووارثاً يرثه، {وأصلـحنا له زوجه}.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الصلاح الذي عناه الله جلّ ثناؤه بقوله: {وأصْلَـحْنا لَهُ زَوْجَه} فقال بعضهم: كانت عقـيـماً فأصلـحها بأن جعلها وَلُوداً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـيّ، قال: ثنا حاتـم بن إسماعيـل، عن حميد بن صخر، عن عمار، عن سعيد، فـي قوله: {وأصْلَـحْنا لَهُ زَوْجَهُ} قال: كانت لا تلد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس، فـي قوله: {وأصْلَـحْنا لَهُ زَوْجَهُ} قال: وهبنا له ولدها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وأصلْـحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} كانت عاقرا، فجعلها الله وَلوداً، ووهب له منها يحيى.

وقال آخرون: كانت سيئة الـخُـلق، فأصلـحها الله له بأن رزقها حُسن الـخُـلُق.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله أصلـح لزكريا زوجه، كما أخبر تعالـى ذكره بأن جعلها ولوداً حسنة الـخُـلُق لأن كل ذلك من معانـي إصلاحه إياها. ولـم يخصُصِ الله جلّ ثناؤه بذلك بعضاً دون بعض فـي كتابه ولا علـى لسان رسوله، ولا وضع علـى خصوص ذلك دلالة، فهو علـى العموم ما لـم يأت ما يجب التسلـيـم له بأن ذلك مراد به بعض دون بعض.

وقوله:{إنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِـي الـخَيْرَاتِ} يقول الله: إن الذين سميناهم يعنـي زكريا وزوجه ويحيى كانوا يسارعون فـي الـخيرات فـي طاعتنا، والعمل بـما يقرّبهم إلـينا. وقوله: {وَيَدْعُونَنا رَغَبـاً وَرَهَبـاً} يقول تعالـى ذكره: وكانوا يعبدوننا رغبـاً ورهَبـاً. وعَنَى بـالدعاء فـي هذا الـموضع: العبـادة، كما قال:

{ وأعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبّـي عَسى أن لا أكُونَ بدُعاءِ رَبّـي شَقِـيًّا } ويعنـي بقوله: {رَغَبـا} أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فـيـما يرجون منه من رحمته وفضله. {وَرَهَبـاً} يعنـي رهبة منهم من عذابه وعقابه، بتركهم عبـادته وركوبهم معصيته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج: {إنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِـي الـخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبـاً وَرَهبَـاً} قال: رغبـاً فـي رحمة الله، ورهبـاً من عذاب الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَيَدْعُونَنا رَغَبـاً وَرَهَبـاً} قال: خوفـاً وطمعاً. قال: ولـيس ينبغي لأحدهما أن يفـارق الآخر.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: رَغَبـاً وَرَهبـاً بفتح الغين والهاء من الرغَب والرهَب. واختلف عن الأعمش فـي ذلك، فرُويت عنه الـموافقة فـي ذلك للقرّاء، ورُوي عنه أنه قرأها: «رُغْباً» «ورُهْباً» بضم الراء في الحرفين وتسكين الغين والهاء.

والصواب من القراءة فـي ذلك ما علـيه قرّاء الأمصار، وذلك الفتـح فـي الـحرفـين كلـيهما.

وقوله: {وكانُوا لَنا خاشِعِينَ} يقول: وكانوا لنا متواضعين متذللين، ولا يستكبرون عن عبـادتنا ودعائنا.

وَٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَٰهَا وَٱبْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَٰلَمِينَ ۝٩١

يقول تعالى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر التي أحصنت فرجها، يعنـي مريم بنت عمران. ويعنـي بقوله: {أحْصَنَتْ}: حفظت، ومنعت فرجها مـما حرّم الله علـيها إبـاحته فـيه.

واختُلف فـي الفرّج الذي عنى الله جلّ ثناؤه أنها أحصنته، فقال بعضهم: عَنَى بذلك فَرْجَ نفسها أنها حفظته من الفـاحشة.

وقال آخرون: عَنَى بذلك جيب درعها أنها منعت جبرئيـل منه قبل أن تعلـم أنه رسول ربها وقبل أن تثبته معرفة. قالوا: والذي يدلّ علـى ذلك قوله: {فَنَفَخْنا فِـيها} ويعقب ذلك قوله: {والَّتِـي أحْصَنَتْ فَرْجَها} قالوا: وكان معلوما بذلك أن معنى الكلام: والتـي أحصنت جيبها {فَنَفَخْنا فِـيها مِنْ رُوحِنا}.

قال أبو جعفر: والذي هو أولـى القولـين عندنا بتأويـل ذلك قول من قال: أحصنت فرجها من الفـاحشة لأن ذلك هو الأغلب من معنـيـيه علـيه والأظهر فـي ظاهر الكلام. {فَنَفَخْنا فِـيها مِنْ رُوحِنا} يقول: فنفخنا فـي جيب درعها من روحنا. وقد ذكرنا اختلاف الـمختلفـين فـي معنى قوله: {فَنَفَخْنا فِـيها} فـي غير هذا الـموضع والأولـى بـالصواب من القول فـي ذلك فـيـما مضى بـما أغنـي عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً للْعَالـمِينَ} يقول: وجعلنا مريـم وابنها عبرة لعالـمي زمانهما يعتبرون بهما ويتفكرون فـي أمرهما، فـيعلـمون عظيـم سلطاننا وقُدرتنا علـى ما نشاء وقـيـل «آية» ولـم يقل «آيتـين» وقد ذكر آيتـين لأن معنى الكلام: جعلناهما عَلَـماً لنا وحجة، فكل واحدة منهما فـي معنى الدلالة علـى الله وعلـى عظيـم قُدرته يقوم مقام الآخر، إذْ كان أمرهما فـي الدلالة علـى الله واحداً.

إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ ۝٩٢

يقول تعالـى ذكره: إن هذه مِلتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فـاعبدون دون الآلهة والأوثان وسائر ما تعبدون من دونـي.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} يقول: دينكم دين واحد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مـجاهد، فـي قوله: {إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال: دينكم دين واحد.

ونصبت الأمة الثانـية علـى القطع، وبـالنصب قرأه جماعة قرّاء الأمصار، وهو الصواب عندنا لأن الأمة الثانـية نكرة والأولـى معرفة وإذا كان ذلك كذلك، وكان الـخبر قبل مـجيء النكرة مستغنـياً عنها كان وجه الكلام النصب، هذا مع إجماع الـحجة من القرّاء علـيه، وقد ذُكر عن عبد الله بن أبـي إسحاق رفع ذلك أنه قرأه: «أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ» بنـية تكرير الكلام، كأنه أراد: إن هذه أمتكم هذه أمة واحدة.

وَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَٰجِعُونَ ۝٩٣

يقول تعالـى ذكره: وتفرّق الناس في دينهم الذي أمرهم الله به ودعاهم إليه، فصاروا فـيه أحزابـاً فهوّدت اليهود، وتنصَّرت النصارى وعُبدت الأوثان. ثم أخبر جلّ ثناؤه عما هم إلـيه صائرون، وأن مرجع جميع أهل الأديان إلـيه متوعداً بذلك أهل الزيغ منهم والضلال، ومعلمهم أنه لهم بـالـمرصاد، وأنه مـجاز جميعهم جزاء المحسن بإحسانه والـمسيء بإساءته.

وبنحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله: {وتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ بَـيْنَهُمْ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ بَـيْنَهُمْ} قال: تقطَّعوا: اختلفوا فـي الدين.

فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ۝٩٤

يقول تعالـى ذكره: فمن عمل من هؤلاء الذين تفرّقوا فـي دينهم بـما أمره الله به من العمل الصالـح، وأطاعه فـي أمره ونهيه، وهو مقرّ بواحدانـية الله مصدّق بوعده ووعيده متبرّىء من الأنداد والآلهة {فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} يقول: فإن الله يشكر عمله الذي عمل له مطيعاً له، وهو به مؤمن، فـيثـيبه فـي الآخرة ثوابه الذي وعد أهل طاعته أن يثـيبهموه، ولا يكفر ذلك له فيجحده ويحرمه ثوابه علـى عمله الصالـح. {وَإنَّا لَهُ كاتِبُونَ} يقول: ونـحن نكتب أعماله الصالـحة كلها فلا نترك منها شيئاً، لنـجزيه علـى صغير ذلك وكبـيره وقلـيـله وكثـيره.

قال أبو جعفر: والكفران مصدر من قول القائل: كفرت فلانا نعمته فأنا أكفُره كُفْراً وكُفْراناً ومنه قوله الشاعر:

مِنَ النَّاسِ ناسٌ ما تَنامُ خُدُودهُم وخَدّي وَلا كُفْرَانَ للَّهِ نائِمُ

وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَآ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ۝٩٥

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَحَرَامٌ} فقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: «وَحِرْمٌ» بكسر الـحاء. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة: {وَحَرَامٌ} بفتـح الـحاء والألف.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متفقتا الـمعنى غير مختلفتـيه وذلك أن الـحِرْم هو الـحرام والـحرام هو الـحِرْم، كما الـحلّ هو الـحلال والـحلال هو الـحلّ، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وكان ابن عبـاس يقرؤه: «وَحِرْم» بتأويـل: وعزم.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا بن علـية، عن أبـي الـمعلـى، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، كان يقرؤها: {وحِرْمَ علـى قرية} قال: فقلت لسعيد: أيّ شيء حرم؟ قال: عزم.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي الـمعلـي، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، كان يقرؤها: «وحِرْمٌ عَلـى قَرْيَةٍ» قلت لأبـي الـمعلـى: ما الـحرم؟ قال: عزم علـيها.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: أنه كان يقرأ هذه الآية: «وَحِرْمٌ عَلـى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ» فلا يرجع منهم راجع، ولا يتوب منهم تائب.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود عن عكرمة، قال: {وَحَرَامٌ عَلـى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} قال: لـم يكن لـيرجع منهم راجع، حرام علـيهم ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عيسى بن فرقد، قال: ثنا جابر الـجعفـي، قال: سألت أبـا جعفر عن الرجعة، فقرأ هذه الآية: {وَحَرَامٌ عَلـى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ}.

فكأن أبـا جعفر وجه تأويـل ذلك إلـى أنه: وحرام علـى أهل قرية أمتناهم أن يرجعوا إلـى الدنـيا. والقول الذي قاله عكرِمة فـي ذلك أولـى عندي بـالصواب وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر عن تفريق الناس دينهم الذي بُعث به إليه الرسل، ثم أخبر عن صنـيعه بـمن عمل بـما دعته إلـيه رسله من الإيـمان به والعمل بطاعته، ثم أتبع ذلك قوله: {وَحَرامٌ عَلـى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} فلأن يكون ذلك خبراً عن صنيعه بـمن أبى إجابة رسله وعمل بمعصيته وكفر به، أحرى، لـيكون بيانا عن حال القرية الأخرى التـي لم تعمل الصالحات وكفرت به.

فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: حرام علـى أهل قرية أهلكناهم بطبعنا علـى قلوبهم وختـمنا علـى أسماعهم وأبصارهم، إذ صدّوا عن سبـيـلنا وكفروا بآياتنا، أن يتوبوا ويراجعوا الإيـمان بنا واتبـاع أمرنا والعمل بطاعتنا. وإذ كان ذلك تأويـل قوله الله: «وَحِرْمٌ» وعَزْم، علـى ما قال سعيد، لـم تكن «لا» فـي قوله: {أنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} صلة، بل تكون بـمعنى النفـي، ويكون معنى الكلام: وعزم منا علـى قرية أهلكناها أن لا يرجعوا عن كفرهم. وكذلك إذا كان معنى قوله: «وَحَرَمٌ» نوجبه. وقد زعم بعضهم أنها فـي هذا الـموضع صلة، فإن معنى الكلام: وحرام علـى قرية أهلكناها أن يرجعوا، وأهل التأويـل الذين ذكرناهم كانوا أعلـم بـمعنى ذلك منه

حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ۝٩٦

يقول تعالـى ذكره: حتـى إذا فُتـح عن يأجوج ومأجوج، وهما أمَّتان من الأمـم ردمهما كما:

حدثنـي عصام بن داود بن الـجراح، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا سفـيان بن سعيد الثوريّ، قال: ثنا منصور بن الـمعتـمر، عن رِبْعِيّ بن حِرَاش، قال: سمعت حُذيفة بن الـيـمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أوَّلُ الآياتِ: الدَّجَّالُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنارٌ تَـخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنِ أبْـيَنَ، تَسُوق النَّاسَ إلـى الـمَـحْشَرِ، تَقِـيـلُ مَعَهُمْ إذَا قالُوا. والدُّخانُ، والدَّابَّةُ، ثُمَّ يَأْجُوجُ ومَأْجَوجُ قال حُذيفة: قلت: يا رسول الله، وما يأجوج ومأجوج؟ قال: يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ أُمَـمٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعُ مِئَةِ ألْفٍ، لا يَـمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حتـى يَرَى ألْفَ عَيْنٍ تَطْرِفُ بـينَ يَدَيْهِ مِنْ صُلْبِهِ، وَهُمْ وَلَدُ آدَمَ، فَـيَسِيرُونَ إلـى خَرَابِ الدُّنـيْا، يَكُونُ مُقَدِّمَتُهُمْ بـالشَّامِ وَساقَتُهُمْ بـالعِرَاقِ، فَـيَـمُرُّونَ بأنهَارِ الدُّنـيا، فَـيَشْرَبُونَ الفُرَاتَ والدَّجْلَةَ وبُحَيْرَةَ الطَّبَرِيَّةِ حتـى يَأْتُوا بَـيْتَ الـمَقْدِسِ، فَـيَقُولُونَ قَدْ قَتَلْنا أهْلَ الدُّنـيْا فَقاتِلُوا مَنْ فِـي السَّماءِ، فَـيْرمَونَ بـالنُّشَّابِ إلـى السَّماءِ، فَترْجِعُ نُشابُهُمْ مُخَضَّبَةً بـالدَّمِ، فَـيَقُولُونَ قَدْ قَتَلْنا مَنْ فِـي السَّماءِ، وَعِيسَى والـمُسْلِـمُونَ بِجَبَلِ طُورِ سِينِـينَ، فَـيُوحِي اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ إلـى عِيسَى: أنْ أحْرِزْ عِبـادِي بـالطُّورِ وَما يَـلـي أيْـلَةَ ثُمَّ إنَّ عِيسَ يَرْفَعُ رأسَهُ إلـى السَّماءِ، وَيُؤَمِّنُ الـمُسْلِـمونَ فَـيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَـيْهِمْ دَابَّةً يُقالُ لَهَا النَّغَفُ، تَدْخُـلُ مِنْ مَناخِرِهِمْ فَـيُصْبِحَونَ مَوْتَـى مِنْ حاقِ الشَّامِ إلـى حاقِ العِرَاقِ، حتـى تَنْتَنَ الأرْضُ مِنْ جِيفِهِمْ ويَأْمُرُ اللَّهُ السَّماءَ فتُـمْطِرُ كأفْوَاهِ القِرَبِ، فَتَغْسِلُ الأرْض مِنْ جِيَفِهِمْ وَنَتْنِهِمْ، فَعِنْدَ ذلكَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبها

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: إن يأجوج ومأجوج يزيدون علـى سائر الإنس الضِّعف، وإن الـجنّ يزيدون علـى الإنس الضعف، وإن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت وهب بن جابر يحدث، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن يأجوج ومأجوج يـمرّ أولهم بنهر مثل دجلة، ويـمرّ آخرهم فـيقول: قد كان فـي هذا مرّة ماء. لا يـموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفـاً فصاعداً. وقال: مِن بعدهم ثلاثُ أمـم لا يعلـم عددهم إلا الله: تاويـل، وتاريس، وناسك أو منسك شكّ شعبة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن وهب بن جابر الـحيوانـي، قال: سألت عبد الله بن عمرو، عن يأجوج ومأجوج، أمن بنـي آدم هم؟ قال: نعم، ومن بعدهم ثلاث أمـم لا يعلـم عددهم إلا الله: تاريس، وتاويـل، ومنسك.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا سهل بن حماد أبو عتاب، قال: ثنا شعبة، عن النعمان بن سالـم، قال: سمعت نافع بن جبـير بن مطعم يقول: قال عبد الله بن عمرو: يأجوج ومأجوج لهم أنهار يَـلْقَمون ما شاءوا، ونساء يجامعون ما شاءوا، وشجر يـلقمون ما شاءوا، ولا يـموت رجل إلا ترك من ذرّيته ألفـاً فصاعداً.

حدثنا مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا زكريا، عن عامر، عن عمرو بن ميـمون، عن عبد الله بن سلام، قال: ما مات أحد من يأجوج ومأجوج إلا ترك ألف ذرء فصاعداً.

حدثنـي يحيى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن عطية، قال: قال أبو سعيد: يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحداً إلا قتلوه، إلا أهل الـحصون، فـيـمرّون علـى البحيرة فـيشربونها، فـيـمرّ الـمارُّ فـيقول: كأنه كان ههنا ماء، قال: فـيبعث الله علـيهم النغف حتـى يكسر أعناقهم فـيصيروا خبـالاً، فتقول أهل الـحصون: لقد هلك أعداء الله، فـيدلّون رجلاً لـينظر، ويشترط علـيهم إن وجدهم أحياء أن يرفعوه، فـيجدهم قد هلكوا، قال: فـينزل الله ماء من السماء فـيقذفهم فـي البحر، فتطهر الأرض منهم، ويغرس الناس بعدهم الشجر والنـخـل، وتـخرج الأرض ثمرتها كما كانت تـخرج فـي زمن يأجوج ومأجوج.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عبـيد الله بن أبـي يزيد، قال: رأى ابن عبـاس صبـياناً ينزو بعضهم علـى بعض يـلعبون، فقال ابن عبـاس: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم، قال: ثنا عمرو بن قـيس، قال: بلغنا أن ملكاً دون الردم يبعث خيلاً كل يوم يحرسون الردم لا يأمن يأجوج ومأجوج أن تـخرج علـيهم، قال: فـيسمعون جلبة وأمراً شديداً.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أبـي إسحاق، أن عبد الله بن عمرو، قال: ما يـموت الرجل من يأجوج ومأجوج حتـى يولد له من صلبه ألف، وإن من ورائهم لثلاث أمـم ما يعلـم عددهم إلا الله: منسك، وتاويـل، وتاريس.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن عمرو البِكالـي، قال: إن الله جزأ الـملائكة والإنس والـجنّ عشرة أجزاء فتسعة منهم الكروبـيون وهم الـملائكة الذي يحملون العرش، ثم هم أيضاً الذين يسبحون اللـيـل والنهار لا يفترون. قال: ومن بقـي من الـملائكة لأمر الله ووحيه ورسالته. ثم جزّأ الإنس والـجنّ عشرة أجزاء، فتسعة منهم الـجن، لا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الـجن تسعة. ثم جزأ الإنس علـى عشرة أجزاء، فتسعة منهم يأجوج ومأجوج، وسائر الإنس جزء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {حتـى إذَا فُتـحتْ يَأْجُوج وَمأْجُوجُ} قال: أُمَّتانِ من وراء ردم ذي القرنـين.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن غير واحد، عن حميد بن هلال، عن أبـي الصيف، قال: كعب: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج حفروا حتـى يسمع الذين يـلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان اللـيـل قالوا: نـجيء غدا فنـخرج، فـيعيدها الله كما كانت، فـيجيئون من الغد فـيجدونه قد أعاده الله كما كان، فـيحفرونه حتـى يسمع الذين يـلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان اللـيـل ألقـى الله علـى لسان رجل منهم يقول: نـجيء غدا فنـخرج إن شاء الله. فـيجيئون من الغد فـيجدونه كما تركوه، فـيحفرون ثم يخرجون. فتـمرّ الزمرة الأولـى بـالبحيرة فـيشربون ماءها، ثم تـمرّ الزمرة الثانـية فـيـلـحسون طينها، ثم تـمرّ الزمرة الثالثة فـيقولون: قد كان ههنا مرّة ماء. وتفرّ الناس منهم، فلا يقوم لهم شيء، يرمون بسهامهم إلـى السماء، فترجع مخضبة بـالدماء، فـيقولون: غلبْنا أهل الأرض وأهل السماء. فـيدعو علـيهم عيسى ابن مريـم، فـيقول: اللهمّ لا طاقة ولا يدين لنا بهم، فـاكفناهم بـما شئت فـيسلط الله علـيهم دوداً يقال له النغف فتفرس رقابهم، ويبعث الله علـيهم طيراً فتأخذهم بـمناقرها فتلقـيهم فـي البحر، ويبعث الله عيناً يقال لها الـحياة تطهر الأرض منهم وتنبتها، حتـى إن الرمانة لـيشبع منها السكن. قـيـل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البـيت. قال: فبـينا الناس كذلك، إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتـين يريده، فـيبعث عيسى طلـيعة سبع مئة، أو بين السبع مئة والثمان مئة، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ريحاً يـمانـية طيبة، فـيقبض الله فـيها روح كلّ مؤمن، ثم يبقـى عَجَاجٌ من الناس يتسافدون كما تتسافد البهائم فمثَل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه ينتظرها متـى تضع. فمن تكلف بعد قولـي هذا شيئا أو علـى هذا شيئا فهو الـمتلكف.

حدثنا العبـاس بن الولـيد البـيروتـي، قال: أخبرنـي أبـي، قال: سمعت ابن جابر، قال: ثنـي مـحمد بن جابر الطائي ثم الـحمصي، ثنـي عبد الرحمن بن جبـير بن نفـير الـحضرمي، قال: ثنـي أبـي أنه سمع النوّاس بن سمعان الكلابـي يقول: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال، وذكر أمره، وأن عيسى ابن مريـم يقتله، ثم قال:

فَبـيْنَا هُوَ كَذَلِكَ، أَوْحَى الله إلـيه: يا عِيسَى، إنـي قد أخْرَجْتُ عِبَـاداً لـي لا يَد لأحَدٍ بِقتَالِهِمْ، فَحَرّزْ عِبَـادِي إلـى الطُّورِ فـيَبعثَ الله يأجُوجَ ومَأْجُوجَ، وهم مِنْ كُلِّ حَدْبٍ يَنْسِلُونَ، فَـيـمُرّ أحَدُهُمْ علـى بحيرة طَبَريَّةَ، فـيَشْرَبُونَ ما فـيها، ثم ينزل آخرهم، ثم يقول: لقد كان بهذه ماء مَرّة. فـيحاصر بنـيّ الله عِيسَى وأصحابه، حتـى يكون رَأْسُ الثور يومئذ خَيْرا لأحدهم مِنْ مِئَةِ دينارٍ لأحدكم، فـيرغب نبـيّ الله عيسى وأصحابُه إلـى الله، فـيُرْسِل الله علـيهم النَّغَفَ فـي رِقَابِهِمْ، فـيُصْبِحُونَ فَرْسى مَوْت نَفْسٍ واحِدَةٍ، فَـيهْبِطُ نبـيُّ الله عيسى وأصْحَابُه، فلا يَجِدُونَ مَوْضَعا إلا قد ملأه زُهْمُهُمْ ونتنهم ودماؤهم، فـيرغب نبـيّ الله عيسى وأصحابه إلـى الله، فـيُرْسِل علـيهم طيرا كأعْنَاقِ البُخْتِ، فتَـحْمِلُهُم فَتطْرَحُهُمْ حَيْثُ شاء الله، ثم يُرْسِلُ الله مطرا لا يَكُنُّ منه بَـيْتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، فـيغسل الأرض حتـى يتركها كالزَّلَفة

وأما قوله:{وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي الـمعنـيّ به، فقال بعضهم: عُنـي بذلك بنو آدم أنهم يخرجون من كل موضع كانوا دفنوا فـيه من الأرض، وإنـما عُنـي بذلك الـحشرُ إلـى موقـف الناس يوم القـيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} قال: جمع الناس من كلّ مكان جاءوا منه يوم القـيامة، فهو حَدَبٌ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج: {وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ}، قال ابن جُرَيج: قال مـجاهد: جمع الناس من كلّ حدب من مكان جاءوا منه يوم القـيامة فهو حدب.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك يأجوج، ومأجوج وقوله: «وهم» وكناية أسمائهم ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن سلـمة بن كهيـل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله أنه قال: يخرج يأجوج ومأجوج فـيـمرحون فـي الأرض، فـيُفسدون فـيها. ثم قرأ عبد الله: {وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} قال: ثم يبعث الله علـيهم دابَّة مثل النغف، فتَلِـجُ فـي أسماعهم ومناخرهم فـيـموتون منها فتنتن الأرض منهم، فـيرسل الله عزّ وجلّ ماء فـيطهر الأرض منهم.

والصواب من القول فـي ذلك ما قاله الذين قالوا: عنـي بذلك يأجوج ومأجوج، وأن قوله: {وَهُمْ} كناية عن أسمائهم، للـخبر الذي:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن قتادة الأنصاري، ثم الظفري، عن مـحمود بن لبـيد أخي بنـي عبد الأشهل، عن أبـي سعيد الـخدريّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

يُفْتَـحُ يأْجُوجُ ومَأْجُوجَ يَخْرُجُونَ عَلـى النَّاسِ كمَا قالَ اللَّهُ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَـيُغَشُّونَ الأرضَ

حدثنـي أحمد بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم بن بشير، قال: أخبرنا العوّام بن حوشب، عن جبلة ابن سحيـم، عن مؤثر، وهو ابن عفـازة العبدي، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما يُذكر عن عيسى ابن مريـم، قال: عيسى:

عَهِدَ إلـيَّ رَبّـي أنَّ الدَّجَّالَ خارِجٌ، وأنَّهُ مُهْبِطِي إلَـيْهِ، فذكر أنَّ مَعَهُ قَضِيبَـيْنِ، فإذَا رآنـي أهْلَكَهُ اللَّهُ. قالَ: فَـيَذُوبُ كمَا يَذُوبُ الرّصَاصُ، حتـى إنَّ الشَّجَرَ والـحَجَرَ لـيَقُولُ: يا مُسْلِـمُ هَذَا كافِرٌ فـاقْتُلْهُ فَـيُهْلِكُهُمْ اللَّهُ تَبـارَكَ وَتَعالـى، وَيَرْجِعُ النَّاسُ إلـى بِلادِهِمْ وأوْطانِهِمْ. فَـيَسْتَقْبِلُهُمْ يَأْجُوجُ وَمأْجُوجُ مِنْ كُلّ حَدْبٍ يَنْسِلُونَ، لاَ يأْتُونَ عَلـى شَيْءٍ إلاَّ أهْلَكُوهُ، وَلاَ يـمُرُّونَ علـى ماءٍ إلاَّ شَرِبوهُ

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهبـاري، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن أصبغ بن زيد، عن العوّام بن حوشب، عن جبلة بن سحيـم، عن موثر بن عفـازة، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحوه.

وأما قوله: {مِنْ كُلّ حَدَبٍ} فإنه يعنـي من كل شرف ونشَز وأكمة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} يقول: من كلّ شرف يُقْبِلون.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر عن قتادة: { مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} قال: من كلّ أكمة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} قال: الـحَدَبُ: الشيء الـمشرف. وقال الشاعر:

.................. عَلـى الـحِدَابِ تَـمُورُ

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {حتـى إذا فُتْـحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} قال: هذا مبتدأ يوم القـيامة.

وأما قوله: {يَنْسِلُونَ} فإنه يعنـي: أنهم يخرجون مشاة مسرعين فـي مشيهم كنسلان الذئب، كما قال الشاعر:

عَسَلانَ الذّئْبِ أمْسَى قَارِبـا بَرَدَ اللَّـيْـلُ عَلَـيْهِ فَنَسَلْ

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ