انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنبياء

تفسير الطبريالآيات 1–30

تفسير سورة الأنبياء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأنبياء

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:04:08

  1. 1 الآيات 1–28في هذه الصفحة 15:01
  2. 2 الآيات 29–50في هذه الصفحة 15:19
  3. 3 الآيات 51–82 15:46
  4. 4 الآيات 83–112 18:02

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ۝١

يقول تعالـى ذكره: دنا حساب الناس علـى أعمالهم التـي عملوها فـي دنـياهم ونعمهم التـي أنعمها علـيهم فـيها فـي أبدانهم، أجسامهم، ومطاعمهم، ومشاربهم، وملابسهم وغير ذلك من نعمه عندهم، ومسئلته إياهم ماذا عملوا فـيها وهل أطاعوه فـيها، فـانتهوا إلـى أمره ونهيه فـي جميعها، أم عصوه فخالفوا أمره فـيها؟{وَهُمْ فـي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} يقول: وهم فـي الدنـيا عما الله فـاعل بهم من ذلك يوم القـيامة، وعن دنوّ مـحاسبته إياهم منهم، واقترابه لهم فـي سهو وغفلة، وقد أعرضوا عن ذلك، فتركوا الفكر فـيه والاستعداد له والتأهب، جهلاً منهم بـما هم لاقوه عند ذلك من عظيـم البلاء وشديد الأهوال.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله {وَهُمْ فِـي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} قال أهل التأويـل، وجاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنـي أبو معاوية، قال: أخبرنا الأعمش، عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم{ وَهُمْ فِـي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} قال:

فـي الدنـيا».

مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ۝٢

يقول تعالـى ذكره: ما يحدث الله من تنزيـل شيء من هذا القرآن للناس ويذكرهم به ويعظهم، إلا استـمعوه وهم يـلعبون لاهية قلوبهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ ما يَأْتِـيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُـحْدَثٍ}... الآية، يقول: ما ينزل علـيهم من شيء من القرآن إلا استـمعوه وهم يـلعبون.

لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ هَلْ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ۝٣

يقول تعالـى ذكره:{ لاهيَةً قُلُوبُهُمْ} غافلة، يقول: ما يستـمع هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم هذا القرآن إلا وهم يـلعبون غافلة عنه قلوبهم، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فـيـما أودعه الله من الـحجج علـيهم. كما:

حدثنا بِشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ } يقول: غافلة قلوبهم.

وقوله:{ وأَسَرُّوا النَّـجْوَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا} يقول: وأسرّ هؤلاء الناس الذين اقتربت الساعة منهم وهم فـي غفلة معرضون، لاهية قلوبهم، النـجوى بـينهم، يقول: وأظهروا الـمناجاة بـينهم فقالوا: هل هذا الذي يزعم أنه رسول من الله أرسله إلـيكم{ إلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}؟ يقولون: هل هو إلا إنسان مثلكم فـي صوركم وخـلقكم؟ يعنون بذلك مـحمدا صلى الله عليه وسلم. وقال الذين ظلـموا فوصفهم بـالظلـم بفعلهم وقـيـلهم الذي أخبر به عنهم فـي هذه الآيات إنهم يفعلون ويقولون من الإعراض عن ذكر الله والتكذيب برسوله. ولـ«الّذين» من قوله:{ وأسَرُّوا النَّـجْوَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا} فـي الإعراب وجهان: الـخفض علـى أنه تابع للناس فـي قوله: {اقْتَرَبَ للنَّاسِ حِسابُهُمْ} والرفع علـى الردّ علـى الأسماء الذين فـي قوله: {وأسَرُّوا النَّـجْوَى} من ذكر الناس، كما قـيـل:

{ ثمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كثِـيرٌ مِنْهُمْ }. وقد يحتـمل أن يكون رفعا علـى الابتداء، ويكون معناه: وأسرّوا النـجوى، ثم قال: هم الذين ظلـموا.

وقوله:{ أفَتَأتُونَ السِّحْرَ وأنْتُـمْ تُبْصِرُونَ } يقول: وأظهروا هذا القول بـينهم، وهي النـجوى التـي أسرّوها بـينهم، فقال بعضهم لبعض: أتقبلون السحر وتصدّقون به وأنتـم تعلـمون أنه سحر؟ يعنون بذلك القرآن كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ أفَتَأُتُونَ السِّحْرَ وأنْتُـمْ تُبْصِرُونَ } قال: قاله أهل الكفر لنبـيهم لـما جاء به من عند الله، زعموا أنه ساحر، وأن ما جاء به سحر، قالوا: أتأتون السحر وأنتـم تبصرون؟

قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٤

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: «قُلْ رَبّـي» فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: «قُلْ رَبْـي» علـى وجه الأمر. وقرأه بعض قرّاء مكة وعامة قرّاء الكوفة:{ قالَ رَبّـي } علـى وجه الـخبر.

وكأن الذين قرؤوه علـى وجه الأمر أرادوا من تأويـله: قل يا مـحمد للقائلـين

{ أتأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُـمْ تُبْصِرُونَ }: ربـي يعلـم قول كلّ قائل فـي السماء والأرض، لا يخفـى علـيه منه شيء وهو السميع لذلك كله ولِـما يقولون من الكذب، العلـيـم بصدقـي وحقـيقة ما أدعوكم إلـيه وبـاطل ما تقولون وغير ذلك من الأشياء كلها. وكأن الذين قرءوا ذلك قال علـى وجه الـخبر أرادوا: قال مـحمد: ربـي يعلـم القول خبرا من الله عن جواب نبـيه إياهم.

والقول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان فـي قَرَأة الأمصار، قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، وجاءت بهما مصاحف الـمسلـمين متفقتا الـمعنى وذلك أن الله إذا أمر مـحمدا بقـيـل ذلك قاله، وإذا قاله فعن أمر الله قاله، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي قراءته.

بَلْ قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۭ بَلِ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ ۝٥

يقول تعالـى ذكره: ما صدّقوا بحكمة هذا القرآن ولا أنه من عند الله، ولا أقرّوا بأنه وحي أوْحَى الله إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم بل قال بعضهم: هو أهاويـل رؤيا رآها في النوم، وقال بعضهم: هو فرْية واختلاق افتراه واختلقه من قِبَل نفسه، وقال بعضهم: بل مـحمد شاعر، وهذا الذي جاءكم به شعر.{ فَلْـيَأْتِنا } يقول: قالوا فلـيجئنا مـحمد إن كان صادقا فـي قوله إن الله بعثه رسولاً إلـينا وإن هذا الذي يتلوه علـينا وحي من الله أوحاه إلـينا،{ بآية} يقول: بحجة ودلالة علـى حقـيقة ما يقول ويدّعي،{كمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ} يقول: كما جاءت به الرسل الأوّلون من قبْله من إحياء الـموَتـى وإبراء الأكمه والأبرص وكناقة صالـح، وما أشبه ذلك من الـمعجزات التـي لا يقدر علـيها إلا الله ولا يأتـي بهاإلا الأنبـياء والرسل.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ أضْغاثُ أحْلامٍ } أي فعل حالـم، إنـما هي رؤيا رآها.{ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ} كل هذا قد كان منهم. وقوله {فَلْـيَأْتِنا بآيَةٍ كمَا أُرْسِل الأوّلُونَ} يقول: كما جاء عيسى بـالبـيِّنات وموسى بـالبـينات، والرسل.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أضْغاثُ أحْلامٍ} قال: مشتبهة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {أضْغاثُ أحْلامٍ} قال أهاويـلها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال تعالـى ذكره:{ بَلْ قَالُوا} ولا جحد فـي الكلام ظاهر فـيحقق بـ «بَلْ»، لأن الـخبر عن أهل الـجحود والتكذيب، فـاجتُزِي بـمعرفة السامعين بـما دلّ علـيه قوله «بل» من ذكر الـخبر عنهم علـى ما قد بـينا.

مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ۝٦

يقول تعالـى ذكره: ما آمن قبل هؤلاء الـمكذّبـين مـحمدا من مشركي قومه الذين قالوا فلـيأتنا مـحمد بآية كما جاءت به الرسل قبله من أهل قرية عذّبناهم بـالهلاك فـي الدنـيا، إذ جاءهم رسولنا إلـيهم بآية معجزة.{ أفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} يقول: أفهؤلاء الـمكذّبون مـحمدا السائلوه الآية يؤمنون به إن جاءتهم آية ولـم تؤمن قبلهمْ أسلافهم من الأمـم الـخالـية التـي أهلكناها برسلها مع مـجيئها؟

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أهْلَكْناها أفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } يصدّقون بذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } أي الرسل كانوا إذا جاءوا قومهم بـالبـينات فلـم يؤمنوا لـم يُنْاظَروا.

وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝٧

يقول تعالـى ذكره لنبـيه: وما أرسلنا يا مـحمد قبلك رسولاً إلـى أمة من الأمـم التـي خـلت قبل أمتك إلا رجالاً مثلهم نوحي إلـيهم ما نريد أن نوحيه إلـيهم من أمرنا ونهينا، لا ملائكة فماذا أنكروا من إرسالناك إلـيهم، وأنت رجل كسائر الرسل الذين قبلك إلـى أمـمهم؟ وقوله:{ فـاسأَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُـمْ لا تَعْلَـمُونَ} يقول للقائلـين لـمـحمد صلى الله عليه وسلم فـي تناجيهم بـينهم «هل هذا إلا بشر مثلكم»: فإن أنكرتـم وجهلتـم أمر الرسل الذين كانوا من قبل مـحمد، فلـم تعلـموا أيها القوم أمرهم إنسا كانوا أم ملائكة، فـاسألوا أهل الكتب من التوراة والإنـجيـل ما كانوا يخبروكم عنهم كما»:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:{ فـاسْأَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنتُـمْ لا تَعْلَـمُونَ } يقول: فـاسألوا أهل التوراة والإنـجيـل قال أبو جعفر: أراه أنا قال: يخبروكم أن الرسل كانوا رجالاً يأكلون الطعام، ويـمشون فـي الأسواق.

وقـيـل: أهلُ الذكر: أهلُ القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أحمد بن مـحمد الطوسيّ، قال: ثنـي عبد الرحمن بن صالـح، قال: ثنـي موسى بن عثمان، عن جابر الـجعفـيّ، قال: لـما نزلت:{ فـاسْأَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُـمْ لا تَعْلَـمُونَ} قال علـيّ: نـحن أهل الذِّكر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ فـاسْأَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُـمْ لا تَعْلَـمُونَ} قال: أهل القرآن، والذكر: القرآن. وقرأ:

{ إنَّا نَـحْنُ نَزَّلْنا الذّكْرَ وَإنَّا لَهُ لـحَافِظُونَ }

وَمَا جَعَلْنَٰهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُوا۟ خَٰلِدِينَ ۝٨

يقول تعالى ذكره: وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم من قبلك يا مـحمد إلـى الأمـم الـماضية قبل أمتك،{ جَسَدا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ } يقول: لـم نـجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجسادا مثلك يأكلون الطعام. كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:{ وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدا لا يَأْكُلُونَ الطَّعام} يقول: ما جعلناهم جسدا إلا لـيأكلوا الطعام.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ ومَا جَعَلْناهُمْ جَسَدا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ } يقول: لـم أجعلهم جسدا لـيس فـيهم أرواح لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم جسدا فـيها أرواح يأكلون الطعام.

قال أبو جعفر: وقال{ وما جَعَلْنَاهُمْ جَسَدا} فوحَّد «الـجسد» وجعله موحدا، وهو من صفة الـجماعة، وإنـما جاز ذلك لأن الـجسد بـمعنى الـمصدر، كما يقال فـي الكلام: وما جعلناهم خَـلْقا لا يأكلون.

وقوله:{ومَا كانُوا خالِدِينَ } يقول: ولا كانوا أربـابـا لا يـموتون ولا يفنون، ولكنهم كانوا بشرا أجسادا فماتوا وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قد أخبر الله عنهم:

{ لَنْ نُؤْمنَ لَكَ حتـى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعا... }إلـى قوله: { أوْ تَأَتِـيَ بـاللَّهِ وَالـمَلائِكَةِ قَبِـيلاً } قال الله تبـارك وتعالـى لهم: ما فعلنا ذلك بأحد قبلكم فنفعل بكم، وإنـما كنا نرسل إلـيهم رجالاً نوحي إلـيهم كما أرسلنا إلـيكم رسولاً نوحي إلـيه أمرنا ونهينا.

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ ومَا كانُوا خالِدِينَ}: أي لا بد لهم من الموت أن يـموتوا.

ثُمَّ صَدَقْنَٰهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَٰهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرِفِينَ ۝٩

يقول تعالى ذكره: ثم صدقنا رسلنا الذين كذبتهم أمـمهم وسألتهم الآيات، فأتـيناهم ما سألوه من ذلك ثم أقاموا علـى تكذيبهم إياها، وأصرّوا علـى جحودهم نبوّتها بعد الذي أتتهم به من آيات ربها، وعدَنا الذي وعدناهم من الهلاك علـى إقامتهم علـى الكفر بربهم بعد مـجيء الآية التـي سألوا. وذلك كقوله جلّ ثناؤه:

{ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فإنِّـي أُعَذّبُهُ عَذَابـا لا أُعَذّبُهُ أحَدا مِنَ العالَـمِينَ } وكقوله: { وَلا تَـمَسُّوها بِسُوءٍ فَـيَأْخْذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ }ونـحو ذلك من الـمواعيد التـي وعد الأمـم مع مـجيء الآيات. وقوله:{ فَأَنْـجَيْناهُمْ } يقول تعالـى ذكره: فأنـجينا الرسل عند إصرار أمـمها علـى تكذيبها بعد الآيات،{ وَمَنْ نَشاءُ } وهم أتبـاعها الذين صدّقوها وآمنوا بها. وقوله: {وأهْلَكنا الـمسْرِفِـينَ } يقول تعالـى ذكره: وأهلكنا الذين أسرفوا علـى أنفسهم بكفرهم بربهم، كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وأهلَكْنا الـمُسْرِفِـين } والـمسرفون: هم الـمشركون.

لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَٰبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٠

اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه، لقد أنزلنا إلـيكم كتابـا فـيه ذكركم، فـيه حديثكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد، قوله:{ فِـيهِ ذِكْرُكُمْ} قال: حديثكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد:{ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَـيْكُمْ كَتابـا فـيه ذِكْرُكُمْ } قال: حديثكم: {أفَلا تَعْقِلونَ} قال: «في قد أفلـح»

{ بَلْ أتَـيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ }}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا سفـيان: نزل القرآن بـمكارم الأخلاق، ألـم تسمعه يقول:{لَقَدْ أنْزَلْنا إلَـيْكُمْ كِتابـا فِـيهِ ذِكْرُكُمْ أفَلا تَعْقِلُونَ}؟

وقال آخرون: بل عُنـي بـالذكر فـي هذا الـموضع: الشرفُ، وقالوا: معنى الكلام: لقد أنزلنا إلـيكم كتابـا فـيه شرفكم.

قال أبو جعفر: وهذا القول الثانـي أشبه بـمعنى الكلـمة، وهو نـحو مـما قال سفـيان الذي حكينا عنه، وذلك أنه شرفٌ لـمن اتبعه وعمل بـما فـيه.

وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ۝١١ فَلَمَّآ أَحَسُّوا۟ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: وكثـيرا قصمنا من قرية. والقصم: أصله الكسر، يقال منه: قصمت ظهر فلان إذا كسرته، وانْقَصَمَتْ سِنُّه: إذا انكسرت. وهو ههنا معنـيّ به «أهلكنا»، وكذلك تأوّله أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ وكَمْ قَصَمْنا} قال: أهلكنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {وكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ} قال: أهلكناها.

قال ابن جُرَيج: قصمنا من قرية، قال: بـالـيـمن، قصمنا، بـالسيف أُهلكوا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قول الله:{ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ} قال: قصمها أهلكها.

وقوله:{ مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِـمَةً }أجرى الكلام علـى القرية، والـمراد بها أهلها لـمعرفة السامعين بـمعناه. وكأن ظُلْـمَها كُفْرُها بـالله وتكذيبُها رسله. وقوله:{وأنْشأْنا بَعْدَهَا قَوْما آخَرِينَ} يقول تعالـى ذكره: وأحدثنا بعد ما أهلكنا هؤلاء الظلـمة من أهل هذه القرية التـي قصمناها بظلـمها قوما آخرين سواهم.

وقوله:{ فَلَـمَّا أحَسُّوا بأْسَنا } يقول: فلـما عاينوا عذابنا قد حلّ بهم ورأوه قد وجدوا مَسَّه، يقال منه: قد أحْسَسْتُ من فلان ضعفـا، وأَحَسْتُه منه.{ إذَا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ} يقول: إذا هم مـما أحَسُّوا بأسنا النازل بهم يهربون سراعا عَجْلـىَ يَعْدُون منهزمين، يقال منه: ركض فلان فَرَسَهُ: إذا كَدَّه بسياقته.

لَا تَرْكُضُوا۟ وَٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْـَٔلُونَ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره: لا تهربوا وارجعوا إلـى ما أُترفتـم فـيه: يقول: إلـى ما أُنعمتـم فـيه من عيشتكم ومساكنكم كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله:{ لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إلـى ما أُتْرِفْتُـمْ فِـيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ } يعنـي من نزل به العذاب فـي الدنـيا مـمن كان يعصي الله من الأمـم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ لا تَرْكُضُوا}: لا تفرّوا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة:{ وَارْجِعُوا إلـى ما أُتْرِفْتُـمْ فِـيهِ } يقول: ارجعوا إلى دنياكم التـي أُترفتـم فـيها.

حدثنا محمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر، عن قتادة: {وَارْجِعُوا إلـى ما أُتْرِفْتُـمْ فِـيهِ } قال: إلـى ما أُترفتـم فـيه من دنـياكم.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله:{ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ} فقال بعضهم: معناه: لعلكم تفقهون وتفهمون بـالـمسألة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله:{لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ} قال: تفقهون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ} قال: تفقهون.

وقال آخرون: بل معناه لعلكم تُسئلون من دنـياكم شيئا علـى وجه السخرية والاستهزاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة:{ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ } استهزاء بهم.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ } من دنـياكم شيئاً، استهزاء بهم.

قَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ۝١٤ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَىٰهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَٰهُمْ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: قال هؤلاء الذين أحلّ الله بهم بأسه بظلـمهم لـما نزل بهم بأس الله: يا ويـلنا إنا كنا ظالـمين بكفرنا بربنا{ فما زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} يقول: فلـم تزل دعواهم، حين أتاهم بأس الله، بظلـمهم أنفسهم:{ يا وَيْـلَنا إنَّا كُنَّا ظالِـمِينَ } حتـى قتلهم الله، فحصدهم بـالسيف كما يُحْصَد الزرع ويستأصل قَطْعا بـالـمناجل. وقوله:{ خامِدِينَ } يقول: هالكين قد انطفأت شرارتهم، وسكنت حركتهم، فصاروا همودا كما تـخمد النار فتطفأ.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ...} الآية. فلـما رأوا العذاب وعاينوه لـم يكن لَهُمْ هِجِّيرَي إلا قولهم: {يا وَيْـلَنا إنَّا كُنَّا ظالِـمِينَ} حتـى دمَّر الله علـيهم وأهلكهم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {قالُوا يا وَيْـلَنا إنَّا كُنَّا ظالِـمِينَ فمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حتـى جَعَلْناهُمْ حَصِيدا خامِدِينَ } يقول: حتـى هلكوا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال ابن عبـاس:{ حَصِيدا} الـحصاد.{ خامدين} خمود النار إذا طفئت.

حدثنا سعيد بن الربـيع، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: إنهم كانوا أهل حصون، وإن الله بعث علـيهم بختنصر، فبعث إلـيهم جيشا فقتلهم بـالسيف، وقتلوا نبـيًّا لهم فحُصِدوا بـالسيف وذلك قوله: {فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حتـى جَعَلْناهُمْ حَصِيدا خامِدِينَ} بـالسيف.

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَٰعِبِينَ ۝١٦

يقول تعالى ذكره:{ ومَا خَـلَقْنَا السَّماءَ والأرْض ومَا بَـيْنَهُما} إلا حجة علـيكم أيها الناس، ولتعتبروا بذلك كله، فتعلـموا أن الذي دبره وخـلقه لا يشبهه شيء، وأنه لا تكون الألوهة إلا له، ولا تصلـح العبـادة لشيء غيره، ولـم يَخْـلق ذلك عبثا ولعبـا. كما:

حدثنابِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَما خَـلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ ومَا بَـيْنَهُما لاعِبِـينِ } يقول: ما خـلقناهما عَبَثا ولا بـاطلاً.

لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّٱتَّخَذْنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ۝١٧

يقول تعالى ذكره: لو أردنا أن نتـخذ زوجة وولدا لاتـخذنا ذلك من عندنا، ولكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلـح لنا فعله ولا ينبغي لأنه لا ينبغي أن يكون لله ولد ولا صاحبة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سلـيـمان بن عبـيد الله الغيدانـي، قال: ثنا أبو قُتـيبة، قال: ثنا سلام بن مسكين، قال: ثنا عقبة بن أبـي حمزة، قال: شهدت الـحسن بـمكة، قال: وجاءه طاوس وعطاء ومـجاهد، فسألوه عن قول الله تبـارك وتعالـى:{ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّـخِذَ لَهْوا لاتَّـخَدْناهُ} قال الـحسن: اللهو: الـمرأة.

حدثنـي سعيد بن عمرو السكونـي، قال: ثنا بقـية بن الولـيد، عن علـيّ بن هارون، عن مـحمد، عن لـيث، عن مـجاهد فـي قوله:{ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّـخِذَ لَهْوا} قال: زوجة.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:{ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّـخِذَ لَهْوا... } الآية، أي أن ذلك لا يكون ولا ينبغي. واللهو بلغة أهل الـيـمن: الـمرأة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّـخِذَ لَهْوا} قال: اللهو فـي بعض لغة أهل الـيـمن: الـمرأة.{ لاتَّـخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا}. وقوله:{ إنْ كنَّا فـاعِلِـينَ}.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله: {إنْ كُنَّا فـاعِلِـينَ } يقول: ما كنا فـاعلـين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قالوا مريـم صاحبته، وعيسى ولده، فقال تبـارك وتعالـى:{ لَوْ أرَدْنا أن نَتَّـخِذَ لَهْوا} نساء وولدا،{ لاتـخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إنْ كُنَّا فـاعِلِـينَ} قال: من عندنا، ولا خـلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابـاً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله:{ لاتّـخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا } من عندنا، وما خـلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا.

بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَٰطِلِ فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: ولكن ننزل الـحقّ من عندنا، وهو كتاب الله وتنزيـله علـى الكفر به وأهله، {فـيَدْمَغُهُ} يقول: فـيهلكه كما يدمغ الرجل الرجل بأن يشجّه علـى رأسه شجة تبلغ الدماغ، وإذا بلغت الشجة ذلك من الـمشجوج لـم يكن له بعدها حياة.

وقوله{ فإذَا هُوَ زَاهِقٌ } يقول: فإذا هو هالك مضمـحلّ كما:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ فإذَا هَوَ زَاهِقٌ} قال: هالك.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: فإذَا هُوَ زَاهِقٌ قال: ذاهب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ بَلْ نَقْذِفُ بـالـحَقّ عَلـى البـاطِلِ فَـيَدْمَغُهُ فإذَا هُوَ زَاهِقٌ } والـحقّ كتاب الله القرآن، والبـاطل: إبلـيس،{ فَـيدْمَغُهُ فإذَا هُوَ زَاهِقٌ }أي ذاهب.

وقوله:{ وَلَكُمُ الوَيْـلُ مِـمَّا تَصِفُونَ } يقول: ولكم الويـل من وصفكم ربكم بغير صفته، وقِـيـلكم إنه اتـخذ زوجة وولدا، وفِريتكم علـيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل، إلا أن بعضهم قال: معنى تصفون تكذبون. وقال آخرون: معنى ذلك: تشركون. وذلك وإن اختلفت به الألفـاظ فمتفقة معانـيه لأن من وصف الله بأن له صاحبة فقد كذب فـي وصفه إياه بذلك، وأشرك به، ووصفه بغير صفته. غير أن أولـى العبـارات أن يُعَبر بها عن معانـي القرآن أقربها إلـى فهم سامعيه. ذكر من قال ما قلنا فـي ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَلَكُمْ الوَيْـلُ مِـمَّا تَصِفُونَ } أي تكذبون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج: {وَلَكُمُ الوَيْـلُ مِـمَّا تَصِفونَ } قال: تشركون وقوله {عَمَّا يَصِفُونَ} قال: يشركون قال: وقال مـجاهد:

{ سيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } قال: قولَهم الكذب فـي ذلك.

وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُۥ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ۝١٩

يقول تعالـى ذكره: وكيف يجوز أن يتـخذ الله لهوا، وله مُلك جميع من فـي السموات والأرض، والذين عنده من خـلقه لا يستنكفون عن عبـادتهم إياه ولا يَعْيَون من طول خدمتهم له، وقد علـمتـم أنه لا يستعبد والد ولده ولا صاحبته، وكل من فـي السموات والأرض عبـيده، فأنى يكون له صاحبة وولد يقول: أولا تتفكرون فـيـما تفترون من الكذب علـى ربكم؟

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَلا يَسْتَـحْسِرُونَ } لا يرجعون.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ وَلا يَسْتَـحْسِرُونَ} لا يحسَرون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:{ وَلا يَسْتَـحْسِرُونَ} قال: لا يُعيون.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قوله:{ وَلا يَسْتَـحْسِرُونَ} قال: لا يعيون.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ لا يَسْتَكْبِرونَ عَنْ عِبـادَتِهِ وَلا يَسْتَـحْسِرُون} قال: لا يستـحسرون، لا يـملُّون ذلك الاستـحسار، قال: ولا يفترون، ولا يسأَمون.

هذا كله معناه واحد والكلام مختلف، وهو من قولهم: بعير حَسِير: إذا أعيا وقام ومنه قول علقمة بن عبدة:

بِها جِيَفُ الـحَسْرَى فأمَّا عِظامُها فَبِـيضٌ، وأمَّا جِلْدُها فَصَلِـيبُ

يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ۝٢٠ أَمِ ٱتَّخَذُوٓا۟ ءَالِهَةً مِّنَ ٱلْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ ۝٢١

يقول تعالى ذكره: يسبح هؤلاء الذين عنده من ملائكة ربهم اللـيـل والنهار لا يفترون من تسبـيحهم إياه. كما:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، قال: أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الـحارث، عن أبـيه أن ابن عبـاس سأل كعبـا عن قوله:{ يُسَبِّحُون اللَّـيْـلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} و «يسبحون اللـيـل والنهار لا يسأمون» فقال: هل يَئُودك طرفك؟ هل يَئُودك نَفَسُك؟ قال: لا قال: فإنهم أُلهموا التسبـيح كما أُلهمتـم الطَّرْف والنَّفَس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي أبو معاوية، عن أبـي إسحاق الشيبـانـي، عن حسان بن مخارق، عن عبد الله بن الـحرث، قال: قلت: لكعب الأحبـار:{ يُسَبِّحُونَ اللَّـيْـلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرونَ }أما يشغلهم رسالة أو عمل؟ قال: يا ابن أخي إنهم جُعل لهم التسبـيح كما جُعل لكم النفس، ألست تأكل وتشرب وتقوم وتقعد وتـجيء وتذهب وأنت تنفَّس؟ قلت: بلـى قال: فكذلك جُعل لهم التسبـيح.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن وأبو داود، قالا: ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن معدان بن أبـي طلـحة، عن عمرو البكالـي، عن عبد الله بن عمر، قال: إن الله خـلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الـملائكة وجزءا سائر الـخـلق. وجَزَّأ الـملائكة عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء يسبحون اللـيـل والنهار لا يفترون وجزءا لرسالته. وجَزَّأ الـخـلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الـجنّ وجزءا سائر بنـي آدم. وجَزَّأ بنـي آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء وجزءا سائر بنـي آدم.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:{ يُسَبِّحُونَ اللَّـيْـلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُون} يقول: الـملائكة الذين هم عند الرحمن لا يستكبرون عن عبـادته ولا يسأمون فـيها. وذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بـينـما هو جالس مع أصحابه، إذ قال:

تَسْمَعُونَ ما أسْمَعُ؟ قالوا: ما نسمع من شيء يا نبـيّ الله قال: إنّـي لأسْمَعُ أطِيطَ السَّماءِ، ومَا تُلامُ أنْ تَئِطَّ وَلَـيْسَ فِـيها مَوْضِعُ رَاحَةٍ إلاَّ وَفِـيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أو قَائمٌ

وقوله:{ أم اتـخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ } يقول تعالـى ذكره: أتـخذ هؤلاء الـمشركون آلهة من الأرض هم ينشرون يعنـي بقوله «هم»: الآلهة. يقول: هذه الآلهة التـي اتـخذوها تنشر الأموات يقول: يحيون الأموات، وينشرون الـخـلق، فإن الله هو الذي يحيـي ويـميت. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنـي عيسى «ح» وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: يُنْشِرُونَ يقول: يُحيون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ أمِ اتَّـخَذُوا آلهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} يقول: أفـي آلهتهم أحد يحيـي ذلك يُنْشِرُون؟ وقرأ قول الله:

{ قُلْ مَنْ يَرْزقُكمْ مِنَ السّماءِ والأرْضِ... }إلـى قوله: { ما لَكُمْ كَيْفَ تَـحْكُمُونَ }}.

لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: لو كان فـي السموات والأرض آلهة تصلـح لهم العبـادة سوى الله الذي هو خالق الأشياء، وله العبـادة والألوهة التـي لا تصلـح إلا له{لَفَسَدَتا} يقول: لفسد أهل السموات والأرض.{فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} يقول جلّ ثناؤه: فتنزيه لله وتبرئة له مـما يفتري به علـيه هؤلاء الـمشركون به من الكذب. كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:{لَوْ كانَ فِـيهِما آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} يسبح نفسه إذا قـيـل علـيه البهتان.

لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ ۝٢٣

يقول تعالـى ذكره: لا سائل يسأل ربّ العرش عن الذي يفعل بخـلقه من تصريفهم فـيـما شاء من حياة وموت وإعزاز وإذلال وغير ذلك من حكمه فـيهم لأنهم خـلقه وعبـيده، وجميعهم فـي ملكه وسلطانه، والـحكم حكمه، والقضاء قضاؤه، لا شيء فوقه يسأله عما يفعل فـيقول له لـم فعلت؟ ولـمَ لـم تفعل؟{ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} يقول جلّ ثناؤه: وجميع من فـي السموات والأرض من عبـاده مسؤولون عن أفعالهم، ومـحاسبون علـى أعمالهم، وهو الذي يسألهم عن ذلك ويحاسبهم علـيه لأنه فوقهم ومالكهم، وهم فـي سلطانه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} يقول: لا يسئل عما يفعل بعبـاده، وهم يُسئلون عن أعمالهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قوله:{ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } قال: لا يسئل الـخالق عن قضائه فـي خـلقه، وهو يسأل الـخـلق عن عملهم.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْئَلُونَ} قال: لا يسئل الـخالق عما يقضي فـي خـلقه، والـخـلق مسؤولون عن أعمالهم.

أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ ۝٢٤

يقول تعالى ذكره: أتـخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضرّ وتـخـلق وتـحيـي وتـميت؟ قل يا مـحمد لهم: هاتوا برهانكم يعنـي حجتكم يقول: هاتوا إن كنتـم تزعمون أنكم مـحقون فـي قـيـلكم ذلك حجة ودلـيلاً علـى صدقكم. كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:{قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ} يقول: هاتوا بـينتكم علـى ما تقولون.

وقوله: {هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ} يقول: هذا الذي جئتكم به من عند الله من القرآن والتنزيـل،{ ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ} يقول: خبر من معي مـما لهم من ثواب الله علـى إيـمانهم به وطاعتهم إياه وما علـيهم من عقاب الله علـى معصيتهم إياه وكفرهم به.{ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِـي} يقول: وخبر من قبلـي من الأمـم التـي سلفت قبلـي، وما فعل الله بهم فـي الدنـيا وهو فـاعل بهم فـي الآخرة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي بِشْر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:{هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ} يقول: هذا القرآن فـيه ذكر الـجلال والـحرام. {وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِـي} يقول: ذكر أعمال الأمـم السالفة وما صنع الله بهم وإلـى ما صاروا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج{ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ} قال: حديث من معي، وحديث من قبلـي.

وقوله:{ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَـمُونَ الـحَقَّ } يقول: بل أكثر هؤلاء الـمشركين لا يعلـمون الصواب فـيـما يقولون ولا فـيـما يأتون ويذرون، فهم معرضون عن الـحقّ جهلاً منهم به وقلَّة فهم.

وكان قَتادة يقول فـي ذلك ما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة:{بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَـمُونَ الـحَقّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ}عن كتاب الله.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره: وما أرسلنا يا مـحمد من قبلك من رسول إلـى أمة من الأمـم إلا نوحي إلـيه أنه لا معبود فـي السموات والأرض تصلـح العبـادة له سواي {فـاعْبُدُونِ} يقول: فأخـلصوا لـي العبـادة، وأفردوا لـي الألوهة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{وَمَا أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسولٍ إلاَّ نُوحِي إِلَـيْهِ أنَّه لا إلَهَ إلاَّ أنا فـاعْبُدُونِ} قال: أرسلت الرسل بـالإخلاص والتوحيد، لا يقبل منهم قال أبو جعفر: أظنه أنا قال عمل حتـى يقولوه ويقرّوا به والشرائع مختلفةٌ، فـي التوراة شريعة وفـي الإنـجيـل شريعة وفـي القرآن شريعة حلال وحرام. وهذا كله فـي الإخلاص لله والتوحيد له.

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ۝٢٦ لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ ۝٢٧

يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الكافرون بربهم: اتـخذ الرحمن ولدا من ملائكته فقال جلّ ثناؤه استعظاما مـما قالوا وتبرِّيا مـما وصفوه به سبحانه، يقول تنزيها له عن ذلك: ما ذلك من صفته{ بَلْ عِبـادٌ مُكْرَمُونَ} يقول: ما الـملائكة كما وصفهم به هؤلاء الكافرون من بنـي آدم، ولكنهم عبـاد مكرمون يقول: أكرمهم الله. كما:

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَقالُوا اتَّـخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدا سُبْحانَهُ بَلْ عِبـادٌ مُكْرَمُونَ } قال: قالت الـيهود: إن الله تبـارك وتعالـى صاهر الـجنّ، فكانت منهم الـملائكة. قال الله تبـارك وتعالـى تكذيبـا لهم وردّا علـيهم:{ بَلْ عِبَـادٌ مُكْرَمُونَ} وإن الـملائكة لـيس كما قالوا، إنـما هم عبـاد أكرمهم بعبـادته.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة. وحدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة:{ وقَالُوا اتَّـخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدا} قالت الـيهود وطوائف من الناس: إن الله تبـارك وتعالـى خاتن إلـى الـجنّ والـملائكة من الـجنّ قال الله تبـارك وتعالـى:{سُبْحانَهُ بَلْ عِبـادٌ مُكْرَمُونَ}.

وقوله:{لا يَسْبِقُونَهُ بـالقَوْلِ} يقول جلّ ثناؤه: لا يتكلـمون إلا بـما يأمرهم به ربهم، ولا يعملون عملاً إلا به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الله:{ لا يَسْبِقُونَهُ بِـالْقَوْلِ} يُثْنـي علـيهم{ وَهُمْ بأمْرِهِ يَعْمَلُونَ}.

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره: يعلـم ما بـين أيدي ملائكته ما لـم يبلغوه ما هو وما هم فـيه قائلون وعاملون،{ وَمَا خَـلْفَهُمْ} يقول: وما مضى من قبل الـيوم مـما خـلفوه وراءهم من الأزمان والدهور ما عملوا فـيه، قالوا: ذلك كله مُـحْصًى لهم وعلـيهم، لا يخفـى علـيه من ذلك شيء.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{يَعْلَـمُ ما بـينَ أيْدِيهمْ ومَا خَـلْفَهُمْ} يقول: يعلـم ما قدّموا وما أضاعوا من أعمالهم.

{ وَلا يَشْفَعُونَ إلاَّ لِـمَنِ ارْتَضَى} يقول: ولا تشفع الـملائكة إلا لـمن رضي الله عنه

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَلا يَشْفَعُونَ إلاَّ لِـمَنِ ارْتَضَى } يقول: الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ إلاَّ لِـمَنِ ارْتَضَى} قال: لـمن رضي عنه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:{ وَلا يَشْفَعُونَ إلاَّ لِـمَنِ ارْتَضَى} يوم القـيامة،{ وَهُمْ منْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة يقول: ولا يشفعون يوم القـيامة.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

وقوله: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} يقول: وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحلّ بهم مشفقون، يقول: حذرون أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه.

وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَٰهٌ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٢٩

يقول تعالى ذكره: ومن يقل من الـملائكة إنـي إله من دون الله،{ فَذَلِكَ } الذي يقول ذلك منهم{ نَـجْزِيهِ جَهَنّـمَ} يقول: نثـيبه علـى قـيـله ذلك جهنـم.{ كَذلِكَ نَـجْزِي الظَّالِـمينَ} يقول: كما نـجزي من قال من الـملائكة إنـي إله من دون الله جهنـم، كذلك نـجزي ذلك كل من ظلـم نفسه فكفر بـالله وعبد غيره. وقـيـل: عنـي بهذه الآية إبلـيس. وقال قائلو ذلك: إنـما قلنا ذلك، لأنه لا أحد من الملائكة قال إني إله من دون الله سواه ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ} قال: قال ابن جُرَيج: من يقل من الـملائكة إنـي إله من دونه فلـم يقله إلا إبلـيس دعا إلـى عبـادة نفسه، فنزلت هذه فـي إبلـيس.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة:{ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنّـي إلَهٌ منْ دُونِهِ فَذَلكَ نـجْزِيهِ جَهَنَّـمَ كَذلكَ نَـجْزِي الظَّالِـمينَ} وإنـما كانت هذه الآية خاصة لعدوّ الله إبلـيس لـما قال ما قال لعنه الله وجعله رجيـما، فقال:{ فَذلكَ نَـجْزِيهِ جَهَنَّـمَ كَذلكَ نَـجزِي الظَّالِـمينَ}.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنّـي إلَهٌ منْ دُونِهِ فَذلكَ نَـجْزِيهِ جَهَنَّـمَ } قال: هي خاصة لإبلـيس.

أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَٰهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ۝٣٠

يقول تعالى ذكره: أو لـم ينظر هؤلاء الذي كفروا بـالله بأبصار قلوبهم، فـيروا بها، ويعلـموا أن السموات والأرض كانتا رَتْقا: يقول: لـيس فـيهما ثقب، بل كانتا ملتصقتـين يقال منه: رتق فلان الفتق: إذا شدّه، فهو يرتقه رَتْقا ورتوقا ومن ذلك قـيـل للـمرأة التـي فرجها ملتـحم: رتقاء. ووحد الرَّتقْ، وهو من صفة السماء والأرض، وقد جاء بعد قوله:{ كانَتا} لأنه مصدر، مثل قول الزّور والصوم والفطر.

وقوله: {فَفَتَقْناهُما} يقول: فصدعناهما وفرجناهما.

ثم اختلف أهل التأويل فـي معنى وصف الله السموات والأرض بـالرتق، وكيف كان الرتق، وبأيّ معنى فتق؟ فقال بعضهم: عَنَى بذلك أن السموات والأرض كانتا ملتصقتـين ففصل الله بـينهما بـالهواء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{أوَ لَـمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقا} يقول: ملتصقتـين.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ أوَ لَـمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رتْقا فَفَتَقْناهما... } الآية، يقول: كانتا ملتصقتـين، فرفع السماء ووضع الأرض.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ أنَّ السَّمَوَاتِ والأرْضَ كانتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما} كان ابن عبـاس يقول: كانتا ملتزقتـين، ففتقهما الله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ أنَّ السَّمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما} قال: كان الـحسن وقَتادة يقولان: كانتا جميعا، ففصل الله بـينهما بهذا الهواء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أن السموات كانت مرتتقة طبقة، ففتقها الله فجعلها سبع سموات. وكذلك الأرض كانت كذلك مرتتقة، ففتقها فجعلها سبع أرضين ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تبـارك وتعالـى:{ رَتْقا فَفَتَقْناهُما} من الأرض ستّ أرضين معها فتلك سبع أرضين معها، ومن السماء ستّ سموات معها فتلك سبع سموات معها. قال: ولـم تكن الأرض والسماء متـماسَّتـين.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{رَتْقا فَفَتَقْناهُما} قال: فتقهنّ سبع سموات بعضهنّ فوق بعض، وسبع أرضين بعضهنّ تـحت بعض.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد نـحو حديث مـحمد بن عمرو، عن أبـي عاصم.

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان، قال: أخبرنا مـحمد بن يزيد، عن إسماعيـل، قال: سألت أبـا صالـح عن قوله:{ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما} قال: كانت الأرض رتقا والسموات رتقا، ففتق من السماء سبع سموات، ومن الأرض سبع أرضين.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: كانت سماء واحدة ثم فتقها، فجعلها سبع سموات فـي يومين، فـي الـخميس والـجمعة، وإنـما سُمي يوم الـجمعة لأنه جمع فـيه خـلق السموات والأرض، فذلك حين يقول:

{ خَـلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فـي سِتَّةِ أيَّامٍ } يقول:{ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما}.

وقال آخرون: بل عُنـي بذلك أن السموات كانت رتقا لا تـمطر والأرض كذلك رتقا لا تنبت، ففتق السماء بـالـمطر والأرض بـالنبـات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة:{ أوَ لَـمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما} قال: كانتا رتقا لا يخرج منهما شيء، ففتق السماء بـالـمطر وفتق الأرض بـالنبـات. قال: وهو قوله:

{ والسَّماءِ ذَاتِ الرَّجْعِ والأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ }

حدثني الـحسين بن علـيّ الصدائي، قال: ثنا أبـي، عن الفضيـل بن مرزوق، عن عطية، فـي قوله: {أوَ لَـمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما} قال: كانت السماء رتقا لا تـمطر والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بـالـمطر وفتق الأرض بـالنبـات وجعل من الـماء كلّ شيء حيّ، أفلا يؤمنون؟

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ أوَ لَـمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أن السَّمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما} قال: كانت السموات رتقا لا ينزل منها مطر، وكانت الأرض رتقا لا يخرج منها نبـات، ففتقهما الله، فأنزل مطر السماء، وشقّ الأرض فأخرج نبـاتها. وقرأ: {فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الماء كلَّ شَيْءٍ حَيّ أفَلا يُؤْمِنُونَ}.

وقال آخرون: إنما قيل {فَفَتَقْناهُما} لأن اللـيـل كان قبل النهار، ففتق النهار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبـيه، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس، قال: خـلق اللـيـل قبل النهار. ثم قال:{كانَتا رَتْقا فَفَتَقْنَاهُما}.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: أو لـم ير الذي كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا من الـمطر والنبـات، ففتقنا السماء بـالغيث والأرض بـالنبـات.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب فـي ذلك لدلالة قوله:{وجَعَلْنا مِنَ الـماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ} علـى ذلك، وأنه جلّ ثناؤه لـم يعقب ذلك بوصف الـماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبـابه.

فإن قال قائل: فإن كان ذلك كذلك، فكيف قـيـل: أو لـم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا، والغيث إنـما ينزل من السماء الدنـيا؟ قـيـل: إن ذلك مختلف فـيه، قد قال قوم: إنـما ينزل من السماء السابعة، وقال آخرون: من السماء الرابعة، ولو كان ذلك أيضا كما ذكرت من أنه ينزل من السماء الدنـيا، لـم يكن فـي قوله: {أنّ السَّمَوَاتِ والأرْضَ} دلـيـل علـى خلاف ما قلنا، لأنه لا يـمتنع أن يقال «السموات» والـمراد منها واحدة فتـجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق، وقميص أسمال.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل إن السموات والأرض كانتا، فـالسموات جمع، وحكم جمع الإناث أن يقال فـي قلـيـلة كنّ، وفـي كثـيره كانت؟ قـيـل: إنـما قـيـل ذلك كذلك لأنهما صنفـان، فـالسموات نوع، والأرض آخر وذلك نظير قول الأسود بن يعفر:

إنَّ الـمَنِـيَّةَ والـحتُوُفَ كِلاهُما تُوفِـي الـمَخارِمَ يَرْقُبـانِ سَوَادِي

فقال: «كلاهما»، وقد ذكر المنية والحتوف لِما وصفت من أنه عنى النوعين. وقد أُخبرت عن أبـي عبـيدة معمر بن الـمثنـي، قال: أنشدنـي غالب النفـيـلـي للقطامي:

ألَـمْ يحْزُنْكَ أنَّ حِبـالَ قَـيْسٍوَتَغْلِبَ قَدْ تَبـايَنَتا انْقِطاعَا

فجعل حبـال قـيس وهي جمع وحبـال تغلب وهي جمع اثنـين.

وقوله:{ وَجَعَلْنا مِنَ الـمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ} يقول تعالـى ذكره: وأحيـينا بـالـماء الذي ننزله من السماء كلّ شيء. كما:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ وَجَعَلْنا مِنَ الـمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيّ} قال: كلّ شيء حيّ خُـلق من الـماء.

فإن قال قائل: وكيف خصّ كل شيء حيّ بأنه جعل من الـماء دون سائر الأشياء غيره، فقد علـمت أنه يحيا بـالـماء الزروع والنبـات والأشجار وغير ذلك مـما لا حياة له، ولا يقال له حيّ ولا ميت؟ قـيـل: لأنه لا شيء من ذلك إلا وله حياة وموت، وإن خالف معناه فـي ذلك معنى ذوات الأرواح فـي أنه لا أرواح فـيهنّ وأن فـي ذوات الأرواح أرواحا فلذلك قـيـل:{ وَجَعَلْنا مِنَ الـمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ}.

وقوله:{ أفَلا يُؤْمِنُون} يقول: أفلا يصدّقون بذلك، ويقرّون بألوهة من فعل ذلك ويفردونه بـالعبـادة؟

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ