انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنبياء

تفسير البغويالآيات 1–78

تفسير سورة الأنبياء آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ۝١ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ۝٢

{ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ}، قيل اللام بمعنى من، أي اقترب من الناس حسابهم، أي وقت محاسبة الله إيّاهم على أعمالهم، يعني يوم القيامة، نزلت في منكري البعث، {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}، عن التأهب له.

{مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ}، يعني ما يُحدِث الله من تنزيل شيء من القرآن يذَكِّرهُم ويعظُهم به.

قال مقاتل: يُحدِث الله الأمر بعد الأمر. وقيل: الذكر المحدَثُ ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبيَّنه من السُّننِ والمواعظ سوى ما القرآن، وأضافه إلى الربِّ عزّ وجلّ لأنه قال بأمر الرب، {إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}، أي استمعوه لاعبين لا يعتبرون ولا يتَّعِظون.

لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ هَلْ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ۝٣ قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٤ بَلْ قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۭ بَلِ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ ۝٥ مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ۝٦

{لاَهِيَةً}، ساهيةً غافلة، {قُلُوبُهُمْ}، معرضةً عن ذكر الله، وقوله: {لاَهِيَةً} نعتٌ تقدَّم الاسم، ومن حق النعت أن يتبعَ الاسم في الإِعراب، وإذا تقدَّم النعتُ الاسمَ فله حالتان: فصلٌ ووصلٌ، فحالتُه في الفصل النصبُ كقوله تعالى:

{ خُشَّعاً أَبْصَـٰرُهُمْ }[القمر: 7]، { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا } [الإنسان: 14]، و{لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ}، وفي الوصل حالة ما قبله من الإِعراب كقوله، { أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا }[النساء: 75]؛ {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}، أي أشركوا، قوله: {وَأَسَرُّواْ} فعل تقدم الجمع وكان حقه وأسر، قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، أراد: والذين ظلموا أسروا النجوى.

وقيل: محل "الذين" رفعٌ على الابتداء، معناه: وأسروا النجوى، ثم قال: وهم الذين ظلموا.

وقيل: رفع على البدل من الضمير في أسروا. قال المبرِّد: هذا كقولك إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله، على البدل مما في انطلقوا ثم بيّن سرهم الذي تناجَوْا به فقال: {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}، انكروا إرسال البشر وطلبوا إرسال الملائكة.

{أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ}، أي تحضرون السحر وتقبلونه، {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}، تعلمون أنه سحر.

{قَالَ}، لهم يا محمد، {رَبِّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص: "قال ربي"، على الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم، {يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي لا يخفىٰ عليه شيء، {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ}، لأقوالهم، {ٱلْعَلِيمُ}، بأفعالهم.

{بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَـٰثُ أَحْلاَمٍ}، أباطيلُها وأقاويلها وأهاويلُها رآها في النوم، {بَلِ ٱفْتَرَاهُ}، اختلقه، {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ}، يعني أن المشركين اقتسموا القول فيه وفيما يقوله: فقال بعضهم: أضغاث أحلام. وقال بعضهم: بل هو فِرْية. وقال بعضهم: بل محمد شاعر وما جاءكم به شعر. {فَلْيَأْتِنَا} محمد، {بِـآيَةٍ}، إنْ كان صادقاً {كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ}، من الرسل بالآيات.

قال الله تعالى مجيباً لهم: {مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم}، قبل مشركي مكة، {مِّن قَرْيَةٍ}، أي من أهل قرية أتتهم الآيات، {أَهْلَكْنَـٰهَآ}، أهلكناهم بالتكذيب، {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ}؟، إن جاءتهم آية، معناه: أن أولئك لم يؤمنوا بالآيات لمّا أتتهم أفيؤمنُ هؤلاء؟.

وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝٧ وَمَا جَعَلْنَٰهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُوا۟ خَٰلِدِينَ ۝٨ ثُمَّ صَدَقْنَٰهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَٰهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرِفِينَ ۝٩ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَٰبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٠

قوله عز وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ}، هذا جواب لقولهم: {هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} يعني: إنّا لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالاً نوحي إليهم، {فَسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ}، يعني: أهل التوراة والإِنجيل، يريد علماء أهل الكتاب، فإنهم لا ينكرون أن الرسل كانوا بشراً، وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر المشركين بمسألتهم لأنهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أقرب منهم إلى تصديق من آمن به. وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن أراد: فسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن، {إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.

{وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ}، أي الرسل، {جَسَداً}، ولم يقل أجساداً لأنه اسم الجنس، {لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ}، هذا ردّ لقولهم

{ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ } [الفرقان: 7]، يقول لم نجعل الرسل ملائكةً بل جعلناهم بشراً يأكلون الطعام، {وَمَا كَانُواْ خَـٰلِدِينَ}، في الدنيا.

{ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ}، الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم، {فَأَنجَيْنَـٰهُمْ وَمَن نَّشَآءُ}، أي أنجينا المؤمنين الذين صدّقوهم، {وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ}، أي المشركين المكذبين، وكلُ مشركٍ مسرفٌ على نفسه.

{لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً}، يا معشر قريش، {فِيهِ ذِكْرُكُمْ}، أي شرفكم، كما قال:

{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } [الزخرف: 44]، وهو شرف لمن آمن به.

وقال مجاهد: فيه حديثكم. وقال الحسن: فيه ذكركم أي ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.

وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ۝١١ فَلَمَّآ أَحَسُّوا۟ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ۝١٢ لَا تَرْكُضُوا۟ وَٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْـَٔلُونَ ۝١٣ قَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ۝١٤ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَىٰهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَٰهُمْ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ۝١٥

{وَكَمْ قَصَمْنَا}، أهلكنا، والقَصْم: الكسر، {مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَـٰلِمَةً}، أي كافرة، يعني أهلها، {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا}، أي: أحدثنا بعد هلاك أهلها، {قَوْماً ءَاخَرِينَ}.

{فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ}، أي رأوا عذابنا بحاسة البصر، {إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ}، أي يُسرعون هاربين.

{لاَ تَرْكُضُواْ}، أي قيل لهم لا تركضوا لا تهربوا، {وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ}، أي نَعِمتم به، {وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ}، قال ابن عباس: عن قتل نبيكم. وقال قتادة: من دنياكم شيئاً، نزلت الآية في أهل حصورا، وهي قرية باليمن وكان أهلها العرب، فبعث الله إليهم نبياً يدعوهم إلى الله فكذَّبوه وقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر، حتى قتلهم وسباهم، فلما استمر فيهم القتلُ ندِموا وهربوا وانهزموا، فقالت الملائكة لهم استهزاءً: لا تركضوا وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم لعلكم تسألون.

قال قتادة: لعلكم تسئلون شيئاً من دنياكم، فتعطون مَنْ شئتم وتمنعون مَنْ شئتم، فإنكم أهل ثروة ونعمة، يقولون ذلك استهزاءً بهم، فاتّبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى منادٍ من جو السماء: يا ثارات الأنبياء، فلما رأَوْا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعْهم.

{قَالُواْ يَٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ}.

{فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ}، أي تلك الكلمة وهي قولهم يا ويلنا، دعاؤهم يدعون بها ويرددونها.

{حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيداً}، بالسيوف كما يحصد الزرع، {خَـٰمِدِينَ}، ميتين.

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَٰعِبِينَ ۝١٦ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّٱتَّخَذْنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ۝١٧ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَٰطِلِ فَيَدْمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ۝١٨ وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُۥ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ۝١٩ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ۝٢٠

قوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ}، أي عبثاً وباطلاً.

{لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً}، واختلفوا في اللهو، قال ابن عباس في رواية عطاء: اللهو المرأة، وهو قول الحسن وقتادة، وقال في رواية الكلبي: اللهو الولد، وهو قول السدي، وهو في المرأة أظهر لأن الوطء يسمى لهواً في اللغة، والمرأة محل الوطء. {لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّآ}، أي من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض. وقيل: معناه لو كان جائزاً ذلك في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم ويستر ذلك حتى لا يطلعوا عليه.

وتأويل الآية أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رَدّ الله عليهم بهذا وقال: {لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّآ} لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده، لا عند غيره {إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ}، قال قتادة ومقاتل وابن جريج: {إن} للنفي، أي: ما كنا فاعلين. وقيل: {إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ} للشرط أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا، ولكنا لم نفعله لأنه لا يليق بالربوبية.

{بَلْ}، أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، {نَقْذِفُ}، نرمي ونسلَّط، {بِٱلْحَقِّ}، بالإِيمان، {عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ}، على الكفر، وقيل: الحق قول الله، فإنه لا ولد له، والباطل قولهم اتخذ الله ولداً، {فَيَدْمَغُهُ}، فيهلكه، وأصل الدمْغِ: شجُّ الرأس حتى يبلغَ الدماغ، {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}، ذاهب، والمعنى: أنا نبطل كذبهم بما نبين من الحق حتى يضمحل ويذهب، ثم أوعدهم على كذبهم فقال: {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ}، يا معشر الكفار. {مِمَّا تَصِفُونَ}، الله بما لا يليق به من الصاحبة والولد. وقال مجاهد: مما تكذبون.

{وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، عبيداً وملكاً، {وَمَنْ عِندَهُ}، يعني الملائكة، {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ}، ولا يأنفون عن عبادته ولا يتعظَّمون عنها، {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ}، لا يعيون، يقال: حَسِرَ واستَحْسَرَ إذا تَعِبَ وأعيا. وقال السدي: لا يتعظمون عن العبادة.

{يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}، لا يضعفون ولا يسأمون، قال كعب الأحبار: التسبيح لهم كالنَّفَسِ لبني آدم.

أَمِ ٱتَّخَذُوٓا۟ ءَالِهَةً مِّنَ ٱلْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ ۝٢١ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝٢٢ لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ ۝٢٣ أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ ۝٢٤

{أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً} استفهام بمعنى الجحد، أي لم يتخذوا، {مِّنَ ٱلأَرْضِ}، يعني الأصنام من الخشب والحجارة، وهما من الأرض، {هُمْ يُنشِرُونَ}، يُحْيُون الأموات، ولا يستحق الإِلهية إلاّ مَن ْيقدر على الإِحياء والإِيجاد من العدم والإِنعام بأبلغ وجوه النِّعم.

{لَوْ كَانَ فِيهِمَآ}، أي في السماء والأرض، {آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ}، أي غير الله، {لَفَسَدَتَا}، لخربتا وهلك من فيهما بوجود التمانع بين الآلهة لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام، ثم نزّه نفسه فقال: {فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}، أي عما يصفه به المشركون من الشريك والولد.

{لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}، ويحكم على خلقه لأنه الربُّ {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ} أي الخلق يسئلون، عن أفعالهم وأعمالهم لأنهم عبيد.

{أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً}، استفهامُ إنكارٍ وتوبيخ، {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ}، أي حجتكم على ذلك، ثم قال مستأنفاً، {هَـٰذَآ}، يعني القرآن. {ذِكْرُ مَن مَّعِىَ}، فيه خبر من معي على ديني ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. {وَذِكْرُ}، خبر، {مَن قَبْلِى}، من الأمم السالفة ما فُعل بهم في الدنيا وما يُفعل بهم في الآخرة. وعن ابن عباس في رواية عطاء: ذكر من معي: القرآن، وذكر من قبلي: التوراة والإِنجيل، ومعناه: راجعوا القرآن والتوراة والإِنجيل وسائر الكتب هل تجدون فيها أنّ الله اتخذ ولداً، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ}.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ ۝٢٥ وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ۝٢٦ لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ ۝٢٧ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ ۝٢٨ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَٰهٌ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٢٩

{وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم نوحي إليه بالنون وكسر الحاء على التعظيم، لقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَـا}، وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول، {أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ}، وحِّدون.

قوله عز وجل: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً}، نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، {سُبْحَانَهُ}، نزّه نفسه عمّا قالوا، {بَلْ عِبَادٌ}، أي هم عباد، يعني الملائكة، {مُّكْرَمُونَ}.

{لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ}، لا يتقدمونه بالقول ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به، {وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}، معناه أنهم لا يخالفونه قولاً ولا عملاً.

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}، أي ما عملوا وما هم عاملون. وقيل: ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}، قال ابن عباس: لمن قال لا إله إلا الله، وقال مجاهد: إي لمن رضى عنه، {وهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون}، خائفون لا يأمنون مكره.

{وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ}، قال قتادة: عنى به إبليس حيث دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه، فإن أحداً من الملائكة لم يقل إنّي إلهٌ من دون الله {فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ}، الواضعين الإِلهية والعبادة في غير موضعها.

أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَٰهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ۝٣٠

{أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} قرأ ابن كثير {أَلَمْ يرَ} بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم، معناه: ألم يعلم الذين كفروا، {أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً} قال ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء وقتادة: كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين، {فَفَتَقْنَـٰهُمَا}، فصلنا بينهما بالهواء، والرّتْقُ في اللغة: السدّ، والفتق: الشق.

قال كعب: خلق الله السمواتِ والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً فوسطها ففتحها بها.

قال مجاهد والسدي: كانت السماوات مرتفعة طبقة واحدة ففتقها وجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض كانت مرتقة طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين.

قال عكرمة وعطية: كانت السماء رتقاً لا تمطر والأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات. وإنما قال: {رَتْقاً} على التوحيد وهو من نعت السماوات والأرض لأنه مصدر وُضع موضع الاسم، مثل الزور والصوم ونحوهما.

{وَجَعَلْنَا}، وخلقنا، {مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ}، أي: وأحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر، يعني أنه سبب لحياة كل شيء. والمفسرون يقولون: يعني أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء. كقوله تعالى:

{ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ } [النور: 45]، قال أبو العالية: يعني النطفة، فإن قيل: قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء؟ قيل: هذا على وجه التكثير، يعني أن أكثر الأحياء في الأرض مخلوقة من الماء أو بقاؤه بالماء، {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ}.

وَجَعَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ۝٣١ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ ءَايَٰتِهَا مُعْرِضُونَ ۝٣٢ وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ۝٣٣

{وَجَعَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ}، جبالاً ثوابت، {أَن تَمِيدَ بِهِمْ}؛ يعني كي لا تميد بهم، {وَجَعَلْنَا فِيهَا}، في الرواسي، {فِجَاجاً}، طرقاً ومسالك، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين، أي جعلنا بين الجبال طرقاً حتى يهتدوا إلى مقاصدهم، {سُبُلاً}، تفسير للفجاج، {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}.

{وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً}، من أن تسقط، دليله قوله تعالى:

{ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }[الحج: 65]، وقيل: محفوظاً من الشياطين بالشهب، دليله قوله تعالى: { وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ }[الحجر: 17]، {وَهُمْ}، يعني الكفار، {عَنْ ءَايَـٰتِهَا}، ما خلق الله فيها من الشمس والقمر والنجوم وغيرها، {مُّعْرِضُونَ}، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.

{وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَـٰرَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}، يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء، وإنما قال: {يَسْبَحُونَ}، ولم يقل يسبح على ما يقال لما لا يعقل، لأنه ذكر عنها فعل العقلاء من الجري والسبح، فذكر على ما يعقل.

والفَلَكُ: مدار النجوم الذي يضمها، والفَلَكُ في كلامِ العرب: كل شيء مستدير وجمعه أفلاك، ومنه فلك المغزل.

وقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فَلَكَةِ المغزل: يريد أن الذي يجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الطاحونة.

وقال بعضهم: الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه، وهو معنى قول قتادة.

وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء.

وقال آخرون: الفلك موج مكفوف دون السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم.

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِي۟ن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَٰلِدُونَ ۝٣٤ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ۝٣٥ وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَٰنِ هُمْ كَٰفِرُونَ ۝٣٦

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ}، دوام البقاء في الدنيا، {أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ}، أي أفهم الخالدون إن مت؟ نزلت هذه الآية حين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون.

{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم}، نختبركم {بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ}، بالشدة والرخاء، والصحة والسَّقَم، والغنى والفقر، وقيل: بما تحبون وما تكرهون، {فِتْنَةً}، ابتلاءً لننظر كيف شكركم فيما تحبون، وصبركم فيما تكرهون، {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.

{وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ}، ما يتخذونك، {إِلاَّ هُزُواً}، سخرياً، قال السدي: نزلت في أبي جهل مرّ به النبي صلى الله عليه وسلم فضحك، وقال: هذا نبيُّ بني عبد مناف، {أَهَـٰذَا ٱلَّذِى}، أي يقول بعضهم لبعض أهذا الذي، {يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ}، أي يعيبها، يقال: فلان يذكر فلاناً أي يعيبه، وفلان يذكر الله أي يُعظّمُه ويُجِلُّه، {وَهُم بِذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ هُمْ كَـٰفِرُونَ}، وذلك أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة، {وهم} الثانية صلة.

خُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُو۟رِيكُمْ ءَايَٰتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ۝٣٧ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٣٨ لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ۝٣٩

قوله عز وجل: {خُلِقَ ٱلإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} اختلفوا فيه، فقال قوم: معناه أن بنيته وخلقته من العَجَلةِ وعليها طبعُ، كما قال تعالى:

{ وَكَانَ ٱلإِنسَـٰنُ عَجُولاً }[الإِسراء: 11].

قال سعيد بن جبير والسدي: لما دخلت الروح في رأس آدم وعينه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت في جوفه اشتهىٰ الطعام، فوثب قائماً قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلاً إلى ثمار الجنة، فوقعَ فقيل: "خلق الإِنسان من عجل" والمراد بالإِنسان آدم وأورث أولاده العجلة، والعرب تقول للذي يكثر في الشيء: خلقت منه، كما تقول العرب: خلقت من لعب، وخلقت من غضب، تريد المبالغة في وصفه بذلك، يدل على هذا قوله تعالىٰ: {وَكَانَ ٱلإِنسَـٰنُ عَجُولاً}.

وقال قوم: معناه خُلق الإِنسانُ يعني آدم من تعجيل في خلق الله إيّاه، لأن خَلْقَه كان بعد خلق كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس.

قال مجاهد: فلما أحيا الروحُ رأسه قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. وقيل: بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خَلَقَ سائر الآدميين من النطفة والعلقة والمضغة وغيرها.

وقال قوم: من عَجَلٍ، أي: من طين، قال الشاعر:

والنَّبْعُ في الصخرةِ الصَّمَّاءِ مُنبتةٌ والنخلُ ينبتُ بينَ الماءِ والعَجَلِ

{سَأُوْرِيكُمْ ءَايَـٰتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ}، نزل هذا في المشركين كانوا يستعجلون العذاب ويقولون: أمطرْ علينا حجارة من السماء، وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، فقال تعالى: {سَأُوْرِيكُمْ ءَايَـٰتِى} أي مواعيدي فلا تستعجلون، أي فلا تطلبوا العذاب من قبل وقته، فأراهم يوم بدر، وقيل: كانوا يستعجلون القيامة.

{وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}، فقال تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ}، لا يدفعون {عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ}، قيل: ولا عن ظهورهم السياط، {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}، يُمنعون من العذاب، وجواب لو في قوله: {لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ} محذوف معناه: لو علموا لَمَا أقاموا على كفرهم، ولَمَا استعجلوا، ولا قالوا: متى هذا الوعد؟.

بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ۝٤٠ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٤١ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَٰنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ ۝٤٢ أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ ۝٤٣ بَلْ مَتَّعْنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ ۝٤٤

{بَلْ تَأْتِيهِم}، يعني الساعة {بَغْتَةً}، فجأة، {فَتَبْهَتُهُمْ}، أي تُحيِّرهم، يقال: فلان مبهوت أي متحيِّر، {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ}، يمهلون.

{وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ}، نزل، {بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}، أي جزاء استهزائهم.

{قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم}، يحفظكم، {بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ}، إن أنزل بكم عذابه، وقال ابن عباس: من يمنعكم من عذاب الرحمن، {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم}، عن القرآن ومواعظ الله، {مُّعْرِضُونَ}.

{أَمْ لَهُمْ} أم: صلة فيه، وفي أمثاله {آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا}، فيه تقديم وتأخير، تقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم، ثم وصف الآلهة بالضعف، فقال تعالى: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ}، منع أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم، {وَلاَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ}، قال ابن عباس: يمنعون. وقال عطية: عنه يُجَارون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مُجِيْر منه. وقال مجاهد: ينصرون. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير.

{بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ}، الكفار، {وَءَابَآءَهُمْ}، في الدنيا أي أمهلناهم. وقيل: أعطيناهم النعمة، {حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ}، أي امتدَّ بهم الزمانُ فاغتروا.

{أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضِ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ}، يعني ما ننقص من أطراف المشركين ونزيد في أطراف المؤمنين، يريد ظهورَ النبي صلى الله عليه وسلم وفتحَه ديارَ الشرك أرضاً فأرضاً، {أَفَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ}، أم نحن.

قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ وَلَا يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ۝٤٥ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ۝٤٦ وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ۝٤٧

{قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْىِ}، أي أخوفكم بالقرآن، {وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ}، قرأ ابن عامر بالتاء وضمها وكسر الميم، "الصم" نصب، جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها وفتح الميم، "الصم" رفعٌ، {إِذَا مَا يُنذَرُونَ}، يَخوَّفون.

{وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ}، أصابتهم {نَفْحَةٌ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما طَرَفٌ. وقيل: قليلٌ. قال ابن جريج: نصيبٌ، من قولهم نفح فلان لفلان من ماله أي أعطاه حظاً منه. وقيل: ضربة من قولهم نَفَحَتِ الدابةُ برجلها إذا ضربت، {مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ}، أي بإهلاكنا إنّا كنّا مشركين، دعوا على أنفسهم بالويل بعدما أقروا بالشرك.

{وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ}، أي ذوات القسط، والقسط: العدل، {لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً}، لا ينقص من ثواب حسناته ولا يزاد على سيآته، وفي الأخبار: إن الميزان له لسان وكفتان.

روي أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب، فغُشي عليه، فلما أفاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ قال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.

{وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ}، قرأ أهل المدينة {مثقال} برفع اللام هاهنا وفي سورة لقمان، أي وإن وقع مثقال حبة، ونصبها الآخرون على معنى: وإن كان ذلك الشيء مثقال حبة أي زنة من خردل، {أَتَيْنَا بِهَا} أحضرناها لنجازي بها.

{وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ}، قال السدي: مُحصين، والحَسْبُ معناه: العدّ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عالمين حافظين، لأن من حسب شيئاً علمه وحفظه.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ ۝٤٨ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ۝٤٩ وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَٰهُ أَفَأَنتُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ۝٥٠ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ۝٥١

قوله عز وجل: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ}، يعني الكتاب المفرِّق بين الحق والباطل، وهو التوراة. وقال ابن زيد: الفرقان النصر على الأعداء، كما قال الله تعالى:

{ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } [الأنفال: 41]، يعني يوم بدر، لأنه قال {وَضِيَآءً}، أدخل الواو فيه أي آتينا موسى النصر والضياء، وهو التوراة.

ومن قال: المراد بالفرقان التوراة، قال: الواو في قوله: {وَضِيَآءً}، زائدة مقحمة، معناه: آتيناه التوراة ضياء، وقيل: هو صفة أخرى للتوراة، {وَذِكْراً}، تذكيراً، {لِّلْمُتَّقِينَ}.

{ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ}، أي يخافونه ولم يروه، {وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}، خائفون.

{وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ}، يعني القرآن وهو ذكر لمن يذكر به، مبارك يتبرك به ويطلب منه الخير، {أَفَأَنْتُمْ}، يا أهل مكة، {لَهُ مُنكِرُونَ}، جاحدون، وهذا استفهام توبيخ وتعيير.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُ}، قال القرطبي: أي صلاحه، {مَن قَبْلُ}، أي من قبل موسى وهارون، وقال المفسرون: رشده، أي هداه من قبل أي من قبل البلوغ، وهو حين خرج من السرب وهو صغير، يريد هَديناه صغيراً كما قال تعالى ليحيى عليه السلام:

{ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } [مريم: 12]، {وَكُنَّا بِهِ عَـٰلِمِينَ}، أنه أهل للهداية والنبوة.

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِىٓ أَنتُمْ لَهَا عَٰكِفُونَ ۝٥٢ قَالُوا۟ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ۝٥٣ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٥٤ قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ۝٥٥ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝٥٦ وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا۟ مُدْبِرِينَ ۝٥٧

{إِذْ قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ}، أي الصور، يعني الأصنام {ٱلَّتِىۤ أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ}، أي على عبادتها مقيمون.

{قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَـٰبِدِينَ}، فاقتدينا بهم.

{قَالَ} إبراهيم، {لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}، خطأ بيِّن بعبادتكم إيّاها.

{قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللَّـٰعِبِينَ}، يعنون أجادّ أنت فيما تقول أم أنت من اللاعبين؟

{قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِى فطَرَهُنَّ}، خلقهن، {وَأَنَاْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}، أي على أنه الإله الذي لا يستحق العبادةَ غيرهُ. وقيل: من الشاهدين على أنه خالق السموات والأرض.

{وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم}، لأمكرنّ بها، {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ}، أي بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم.

قال مجاهد وقتادة: إنما قال إبراهيم هذا سراً من قومه ولم يسمع ذلك إلاَّ رجل واحد فأفشاه عليه، وقال: إنا سمعنا فتًى يذكرهم يُقالُ له إبراهيم.

قال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك دينُنا فخرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال إني سقيم، يقول اشتكى رجلي فلما مضَوْا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس، {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَـٰمَكُم} فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهنّ في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، والأصنام بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغرُ منه إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة، وقالوا: إذا رجعنا وقد برّكت الآلهة في طعامنا أكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلىٰ ما بين أيديهم من الطعام، قال لهم: على طريق الاستهزاء ألا تأكلون؟، فلما لم تجبه قال: ما لم لا تنطقون، فراغ عليهم ضرباً باليمين، وجعل يكسرهن في يده حتى إذا لم يبق إلاَّ الصنم الأكبر علّق الفأس في عنقه ثم خرج، فذلك قوله عزّ وجلّ. {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ...}.

فَجَعَلَهُمْ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ۝٥٨ قَالُوا۟ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥٩ قَالُوا۟ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ ۝٦٠ قَالُوا۟ فَأْتُوا۟ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ۝٦١ قَالُوٓا۟ ءَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۝٦٢

{فَجَعَلَهُمْ جُذَٰذاً}، قرأ الكسائي {جذاذاً} بكسر الجيم أي كِسَراً وقِطَعاً جمع جذيذ، وهو الهشيم مثل خفيف وخفاف، وقرأ الآخرون بضمه، مثل الحطام والرفات، {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ}، فإنه لم يكسره ووضع الفأس علىٰ عنقه، وقيل ربطه بيده وكانت اثنين وسبعون صنماً بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد ورصاص وشَبّة وخشب وحجر، وكان الصنم الكبير من الذهب مكلّلاً بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان. قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ}، قيل: معناه لعلّهم يرجعون إلى دينه وإلى ما يدعوهم إليه إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها، وقيل: لعلّهم إليه يرجعون فيسألونه، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم جُذاذاً.

{قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ}، أي من المجرمين.

{قَالُوۤاْ} يعني الذين سمعوا قول إبراهيم: وتالله لأكيدن أصنامكم، {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ}، يعيبهم ويسبهم، {يُقَالُ لَهُ إِبْرَٰهِيمُ}، هو الذي نظن أنه صنع هذا، فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه.

{قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ}، قال نمرود: يقول جيئوا به ظاهراً بمرأى من الناس، {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ}، عليه أنه الذي فعله، كرهوا أن يأخذوه بغير بيّنة، قال الحسن وقتادة والسدي، وقال محمد بن إسحاق {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} أي يحضرون عقابه وما يصنع به فلما أتوا به، {قَالُوۤاْ} له {ءَأَنتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِـآلِهَتِنَا يَٰإِبْرَٰهِيمُ}؟.

قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ ۝٦٣

{قَالَ}، إبراهيم، {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا}، غضب من أن تعبدوا معه الصغار وهو أكبر منهم فكسرهنّ، وأراد بذلك إبراهيم إقامة الحجة عليهم، فذلك قوله: {فَسْـئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ}، حتى يخبروا بمن فعل ذلك بهم.

قال القتيبي: معناه بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون على سبيل الشرط، فجعل النطق شرطاً للفعل، أي إن قدروا على النطق قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق، وفي ضمنه أنا فعلت،.

وروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: {بَلْ فَعَلَهُ} ويقول: معناه فعله من فعله، والأول أصح لما رُوي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لم يكذب إبراهيم إلاَّ ثلاث كذبات، اثنتان منهن في ذات الله، قوله: {إِنِّى سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ}، وقوله على سارة (هذه أختي). وقيل في قوله: {إِنِّى سَقِيم} أي سأسقم، وقيل: سقم القلب أي مغتم بضلالتكم، وقوله لسارة: هذه أختي أي في الدين، وهذه التأويلات لنفي الكذب عن إبراهيم، والأولىٰ هو الأول للحديث فيه، ويجوز أن يكون الله عزّ وجلّ أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حتى أمر مناديه فقال لإخوته: { أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ }[يوسف: 70]. ولم يكونوا سرقوا.

فَرَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٦٤ ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ۝٦٥ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًٔا وَلَا يَضُرُّكُمْ ۝٦٦ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٦٧ قَالُوا۟ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓا۟ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ ۝٦٨

{فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ}، أي فتفكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى عقولهم، {فَقَالُوۤاْ}، ما نراه إلا كما قال، {إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، يعني بعبادتكم مَنْ لا يتكلم. وقيل: أنتم الظالمون لهذا الرجل في سؤالكم إيّاه وهذه آلهتكم حاضرة فاسئلوها.

{ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ}، قال أهل التفسير: أجرى الله الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، فهو معنى قوله: {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ} أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، يقال نكس المريض إذا رجع إلى حاله الأول، وقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ}، فكيف نسألهم؟ فلما اتجهت الحجة لإِبراهيم عليه السلام، {قَالَ}، لهم، {أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً}، إن عبدتموه، {وَلاَ يَضُرُّكُمْ}، إن تركتم عبادته.

{أُفٍّ لَّكُمْ} يعني تباً وقذراً لكم، {وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، أي أليس لكم عقل تعرفون هذا، فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب.

{قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَـٰعِلِينَ}، أي: إن كنتم ناصرين لها.

قال ابن عمر رضي الله عنهما: إن الذي قال هذا رجل من الأكراد. وقيل: إن اسمه "هيزن" فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.

وقيل: قاله نمرود، فلما أجمع نمرود وقومه على إحراق إبراهيم عليه السلام، حبسوه في بيت، وبنوا له بنياناً كالحظيرة.

وقيل: بنوا أتوناً بقرية يقال لها "كُوثَى" ثم جمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب مدة حتى كان الرجل يمرض فيقول لئن عافاني الله لأجمعنّ حطباً لإِبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لَتحطِبَنَّ في نار إبراهيم، وكان الرجل يُوصي بشراء الحطب وإلقائه فيه، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه فيه احتساباً في دينها.

قال ابن إسحاق كانوا يجمعون الحطب شهراً فلما جمعوا ما أرادوا أشعلوا في كل ناحية من الحطب فاشتعلت النار واشتدت حتى إن كان الطير ليمرّ بها فيحترق من شدة وهجها، فأوقدوا عليها سبعة أيام.

روي أنهم لم يعلموا كيف يلقونه فيها فجاء إبليس فعلمهم عمل المنجنيق فعملوا ثم عمدوا إلى إبراهيم فرفعوه على رأس البنيان وقيّدوه ثم وضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة، أيْ ربنا إبراهيم خليلك يُلقَى في النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره فٱذنْ لنا في نصرته، فقال الله عزّ وجلّ: إنه خليلي ليس لي غيره خليل، وإنا إلهه وليس له إله غيري، فإن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلْينصرْه فقد أذِنتْ له في ذلك، وإن لم يدعُ غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال: إن أردتَ أخمدتُ النار، وأتاه خازن الرياح فقال: إنْ شئتَ طيَّرتُ النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل.

وروي عن أُبيّ بن كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، واستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم لك حاجة؟ فقال أمّا إليك فلا، فقال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم حسبي من سؤالي علمه بحالي.

قال كعب الأحبار: جعل كل شيء يطفىء عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في النار.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبيد الله بن موسى وابن سلام عنه أخبرنا ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن سعيد بن المسيب عن أم شريك

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ، وقال: «كان ينفخ النار على إبراهيم«

.

قُلْنَا يَٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ۝٦٩

قال تعالى: {قُلْنَا يَٰنَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَـٰمًا عَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ}، قال ابن عباس: لو لم يقل سلاماً لمات إبراهيم من بردها، ومن المعروف في الآثار أنه لم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت، فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم، ولو لم يقل وسلاماً على إبراهيم بقيت ذات برد أبداً.

قال السدي: فأخذت الملائكة بضَبْعَي إبراهيم فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس.

قال كعب: ما أحرقت النار في إبراهيم إلا وثاقه، قالوا: وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام.

قال المنهال بن عمرو: قال إبراهيم ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار.

قال ابن يسار: وبعث الله عز وجل ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنب إبراهيم يؤنسه، قالوا وبعث الله جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه، وقال جبريل: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي.

ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرح له فرآه جالساً في روضة والملك قاعداً إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب، فناداه: يا إبراهيم كبيرٌ إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى، يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟ قال: لا، قال: فقم فاخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال له: يا إبراهيم مَنِ الرجل الذي رأيتُه معك في صورتك قاعداً إلى جنبك؟ قال: ذلك ملك الظل أرسله إليّ ربّي ليؤنسني فيها، فقال نمرود: يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال له إبراهيم: إذاً لا يقبل الله منك ما كنت على دينك حتى تفارقه إلى ديني، فقال: لا أستطيع ترك ملكي. ولكن سوف أذبحها له فذبحها له نمرود ثم كف عن إبراهيم، ومنعه الله منه. قال شعيب الجبائي: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة.

وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًا فَجَعَلْنَٰهُمُ ٱلْأَخْسَرِينَ ۝٧٠ وَنَجَّيْنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَٰلَمِينَ ۝٧١

قوله عز وجل:{وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ}، قيل: معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم. وقيل: معناه إن الله عزّ وجلّ أرسل على نمرود وقومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته.

قوله عز وجل: {وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطاً}، من نمرود وقومه من أرض العراق، {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ}، يعني الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء. وقال أبي بن كعب: سماها مباركة لأنه ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي هي ببيت المقدس.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب قال لكعب: ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجَرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبرُهُ، فقال كعب: إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنزُ الله من أرضه، وبها كنزه من عباده.

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الديري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنها ستكون هجرةٌ بعد هجرة، فخيار الناس إلى مهاجَر إبراهيم «.

وقال محمد بن إسحاق: استجاب لإِبراهيم رجال قومه حين رأَوْا ما صنع الله به من جعل النار عليه برداً وسلاماً على خوف من نمرود وملئه وآمن به لوط، وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران ابن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم وكان لهما أخ ثالث يقال له ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضاً سارة وهي بنت عمه وهي سارة بنت هاران الأكبر، عم إبراهيم فخرج من كوثى من أرض العراق مهاجراً إلى ربه، ومعه لوط وسارة، كما قال الله تعالى:

{ فَـآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىۤ }[العنكبوت: 26]، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه، حتى نزل حَرَّان فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السَّبْع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة، وأقرب، فبعثه الله نبياً فذلك قوله تعالى: {وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ }.

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَٰلِحِينَ ۝٧٢ وَجَعَلْنَٰهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ وَكَانُوا۟ لَنَا عَٰبِدِينَ ۝٧٣

{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً}، قال مجاهد وعطاء: معنى النافلة العطية وهما جميعاً من عطاء الله نافلة يعني عطاء، قال الحسن والضحاك: فضلاً. وعن ابن عباس وأُبّي بن كعب وأبي زيد وقتادة رضي الله عنهم: النافلة هو يعقوب لأن الله عزّ وجلّ أعطاه إسحاق بدعائه حيث قال:

{ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }[الصافات: 100]، وزاد يعقوب [ولد الولد]، والنافلة الزيادة، {وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَـٰلِحِينَ}، يعني: إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً}، يُقتدى بهم في الخير، {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}، يدعون الناس إلى ديننا، {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَٰتِ}، العمل بالشرائع، {وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ}، يعني المحافظة عليها، {وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـوٰةِ}، إعطاءها، {وَكَانُواْ لَنَا عَـٰبِدِينَ}، موحدين.

وَلُوطًا ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍ فَٰسِقِينَ ۝٧٤ وَأَدْخَلْنَٰهُ فِى رَحْمَتِنَآ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٧٥ وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَنَجَّيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ۝٧٦ وَنَصَرْنَٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٧٧ وَدَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَٰهِدِينَ ۝٧٨

{وَلُوطاً آتَيْنَـٰهُ}، أي وآتينا لوطاً، وقيل: واذكر لوطاً آتيناه، {حُكْماً}، يعني: الفصل بين الخصوم بالحق، {وَعِلْماً}، {وَنَجَّيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَـٰئِثَ}، يعني: سدوماً وكان أهلها يأتون الذكران في أدبارهم ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أخر، كانوا يعملون من المنكرات، {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَـٰسِقِينَ}.

{وَأَدْخَلْنَـٰهُ فِى رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }.

{وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ}، دعا، {مِن قَبْلُ}، أي من قبل إبراهيم ولوط، {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ}، قال ابن عباس: من الغرق وتكذيب قومه. وقيل: لأنه كان أطول الأنبياء عمراً وأشدهم بلاء، والكرب أشد الغم.

{وَنَصَرْنَـٰهُ}، منعناه، {مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا}، أن يصلوا إليه بسوء. وقال أبو عبيدة: أي على القوم، {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ}.

قوله عز وجل: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ}، اختلفوا في الحرث، قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وأكثر المفسرين: كان الحرث كرماً قد تدلّت عناقيدُه. وقال قتادة: كان زرعاً، {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ}، أي رعته ليلاً فأفسدته، والنفش: الرعي بالليل والهمل بالنهار وهما الرعي بلا راع، {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـٰهِدِينَ}، أي: كان ذلك بعلمنا ومرأى منّا لا يخفى علينا علمه. قال الفراء: جمع اثنين، فقال لحكمهم وهو يريد داود وسليمان لأن الإثنين جمع وهو مثل قوله:

{ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُِمِّهِ ٱلسُّدُسُ }[النساء: 11]، وهو يريد أخوين.

قال ابن عباس وقتادة والزهري: وذلك أن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاب الزرع: إن هذا انفلتت غنمه ليلاً ووقعت في حرثي فأفسدته فلم يبقَ منه شيء، فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث، فخرجا فمرا على سليمان فقال: كيف قضىٰ بينكما فأخبراه، فقال سليمان: لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا.

وروي أنه قال غير هذا أرفق بالفريقين فأخبر بذلك داود فدعاه فقال كيف تقضي؟ ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته يوم أُكل دُفع إلى أهله، وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود القضاء ما قضيت وحكم بذلك.

وقيل: إن سليمان يوم حكم كان ابن إحدى عشرة سنة، وأما حكم الإِسلام في هذه المسألة أن ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير فلا ضمان على ربها، وما أفسدت بالليل ضمنه ربها لأن في عرف الناس أن أصحاب الزرع يحفظونه بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار وترد بالليل إلى المراح.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة

أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضمانه على أهلها. وذهب أصحاب الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه فيما أتلفت ماشيته ليلاً كان أو نهاراً.
الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ