انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنبياء

تفسير الطبريالآيات 97–111

تفسير سورة الأنبياء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأنبياء

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:04:08

  1. 1 الآيات 83–112في هذه الصفحة 18:02

التفسير الصوتي لسورة الأنبياء كاملًا (4 مقاطع)

وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَٰخِصَةٌ أَبْصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَٰلِمِينَ ۝٩٧

يقول تعالى ذكره: حتـى إذا فُتـحت يأجوج ومأجوج، اقترب الوعد الـحقّ، وذلك وعد الله الذي وعد عبـاده أنه يبعثهم من قبورهم للـجزاء والثواب والعقاب، وهو لا شكّ حق كما قال جلّ ثناؤه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، يعنـي ابن قـيس، قال: ثنا حذيفة: لو أن رجلاً افْتَلَـى فُلُوًّا بعد خروج يأجوج ومأجوج لـم يركبه حتـى تقوم القـيامة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَاقْتَرَبَ الوَعْد الـحَقُّ} قال: اقترب يوم القـيامة منهم.

والواو فـي قوله: {وَاقْتَرَب الْوَعْدُ الـحَقُّ} مقحمة، ومعنى الكلام: حتـى إذا فُتـحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الـحقّ، وذلك نظير قوله:

{ فَلَـمَّا أسْلَـما وَتَلَّهُ للـجَبِـينِ وَنادَيناهُ }معناه: ناديناه، بغير واو، كما قال امرؤ القـيس:

فَلَـمَّا أجَزْنا ساحَة الـحَيّ وانْتَـحَى بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِ

يريد: فلـما أجزنا ساحة الـحيّ انتـحى بنا.

وقوله: {فإذَا هِيَ شاخِصَةٌ أبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ففـي هي التـي فـي قوله فإذا هي وجهان: أحدهما أن تكون كناية عن الأبصار وتكون الأبصار الظاهرة بـيانا عنها، كما قال الشاعر:

لَعَمْرُو أبِـيها لا تَقُولُ ظَعِينَتـي ألا فَرَّ عَنِّـي مالكُ بن أبـي كَعْبِ

فكنى عن الظعينة فـي: «لعمرو أبـيها»، ثم أظهرها، فـيكون تأويـل الكلام حينئذٍ: فإذا الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا.

والثانـي: أن تكون عماداً كما قال جلّ ثناؤه:

{ فإنَّها لا تَعْمَى الأبْصَارُ } وكقول الشاعر:

فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِـما هَهُنا رأْسْ

وقوله: {يا وَيْـلَنا قَدْ كُنَّا فِـي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} يقول تعالـى ذكره: فإذا أبصار الذين كفروا قد شخصت عند مـجيء الوعد الـحقّ بأهواله وقـيام الساعة بحقائقها، وهم يقولون: يا ويـلنا قد كنا قبل هذا الوقت فـي الدنـيا فـي غفلة من هذا الذي نرى ونعاين ونزل بنا من عظيـم البلاء. وفـي الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذُكر علـيه عنه، وذلك «يقولون» من قوله: {فإذَا هِيَ شاخصَةٌ أبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} يقولون: يا ويـلنا. وقوله: {بَلْ كُنَّا ظالِـمِينَ} يقول مخبراً عن قـيـل الذين كفروا بـالله يومئذٍ: ما كنا نعمل لهذا الـيوم ما ينـجينا من شدائده، بل كنا ظالـمين بـمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبلـيس وجنده فـي عبـادة غير الله عزّ وجلّ.

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَٰرِدُونَ ۝٩٨

يقول تعالـى ذكره: إنكم أيها الـمشركون بـالله، العابدون من دونه الأوثان والأصنام، وما تعبدون من دون الله من الآلهة. كما:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} يعنـي الآلهة ومن يعبدها، {حَصَبُ جَهَنَّـمَ}.

وأما حصب جهنـم، فقال بعضهم: معناه: وقود جهنـم وشجرها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{حَصَبُ جَهَنَّـمَ}: شجر جهنـم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّـمَ} يقول: وقودها.

وقال آخرون: بل معناه: حطب جهنـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {حَصَبُ جَهَنَّـمَ} قال: حطبها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، وزاد فـيه: وفـي بعض القراءة: «حَطَبُ جَهَنَّـمَ» يعنـي فـي قراءة عائشة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: {حَصَبُ جَهَنَّـمَ} قال: حطب جهنـم يقذفون فـيها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن الـحر، عن عكرِمة، قوله: {حَصَبُ جَهَنَّـمَ} قال: حطب جهنـم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يُرْمَى بهم فـي جهنـم. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {حَصَبُ جَهَنَّـمَ} يقول: إن جهنـم إنـما تـحصب بهم، وهو الرمي يقول: يرمي بهم فـيها.

واختلف فـي قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار: {حَصَبُ جَهَنَّـمَ} بـالصاد، وكذلك القراءة عندنا لإجماع الـحجة علـيه.

ورُوي عن علـيّ وعائشة أنهما كانا يقرآن ذلك: «حَطَبُ جَهَنَّـمَ» بـالطاء. ورُوي عن ابن عبـاس أنه قرأه: «حَضَبُ» بـالضاد.

حدثنا بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا إبراهيـم بن مـحمد، عن عثمان بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، أنه قرأها كذلك.

وكأن ابن عبـاس إن كان قرأ ذلك كذلك، أراد أنهم الذين تُسجر بهم جهنـم ويوقد بهم فـيها النار وذلك أن كل ما هيجت به النار وأوقدت به، فهو عند العرب حضب لها. فإذا كان الصواب من القراءة فـي ذلك ما ذكرنا، وكان الـمعروف من معنى الـحصب عند العرب: الرمي، من قولهم: حصبت الرجل: إذا رميته، كما قال جلّ ثناؤه: إنَّا أرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ حاصِبـا كان الأولـى بتأويـل ذلك قول من قال: معناه أنهم تقذف جهنـم بهم ويرمى بهم فـيها. وقد ذكر أن الـحصب فـي لغة أهل الـيـمين: الـحطب، فإن يكن ذلك كذلك فهو أيضا وجه صحيح. وأما ما قلنا من أن معناه الرمي فإنه فـي لغة أهل نـجد. وأما قوله: {أنْتُـمْ لَهَا وَارِدُونَ} فإن معناه: أنتـم علـيها أيها الناس أو إلـيها واردون، يقول: داخـلون. وقد بـيَّنت معنى الورود فـيـما مضى قبل بـما أغنـي عن إعادته فـي هذا الـموضع.

لَوْ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٩٩

يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـمشركين الذين وصف صفتهم أنهم ما يأتـيهم من ذكر من ربهم مـحدث إلا استـمعوه وهم يـلعبون، وهم مشركو قريش: أنتـم أيها الـمشركون، وما تعبدون من دون الله واردو جهنـم، ولو كان ما تعبدون من دون الله آلهة ما وردوها، بل كانت تـمنع من أراد أن يوردكموها إذ كنتـم لها فـي الدنـيا عابدين، ولكنها إذ كانت لا نفع عندها لأنفسها ولا عندها دفع ضرّ عنها، فهي من أن يكون ذلك عندها لغيرها أبعد، ومن كان كذلك كان بـينا بعده من الألوهة، وأن الإله هو الذي يقدر علـى ما يشاء ولا يقدر علـيه شيء، فأما من كان مقدورا علـيه فغير جائز أن يكون إلها. وقوله: {وكلٌّ فِـيها خالِدُونَ} يعنـي الآلهة ومن عبدها أنهم ماكثون فـي النار أبداً بغير نهاية وإنـما معنى الكلام: كلكم فـيها خالدون.

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {لَوْ كانَ هُؤُلاءِ آلهَةً ما وَرَدُوها وَكُلّ فِـيها خالِدُونَ} قال: الآلهة التـي عبد القوم، قال: العابد والـمعبود.

لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ۝١٠٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُو۟لَٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ۝١٠١

يعنـي تعالـى ذكره بقولهم: {لَهُمْ}المشركين وآلهتهم، والهاء، والميم فـي قوله: {لَهُمْ} من ذكر «كلّ» التـي فـي قوله:

{ وُكلّ فِـيها خالِدُونَ }. يقول تعالـى ذكره: لكلهم فـي جهنـم زفـير،{ وَهُمْ فِـيها لا يَسْمَعُونَ} يقول: وهم فـي النار لا يسمعون.

وكان ابن مسعود يتأوّل فـي قوله: {وَهُمْ فِـيها لا يَسْمَعُونَ} ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن الـمسعودي، عن يونس بن خبـاب، قال: قرأ ابن مسعود هذه الآية: {لَهُمْ فِـيها زَفِـير وَهُمْ فِـيها لا يَسْمَعُونَ} قال: إذا ألقـي فـي النار من يخـلد فـيها جعلوا فـي توابـيت من نار، ثم جعلت تلك التوابـيت فـي توابـيت أخرى، ثم جعلت التوابـيت في توابيت أخرى فـيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أن فـي النار أحدا يعذّب غيره. ثم قرأ: {لَهُمْ فِـيها زَفِـيرٌ وَهُمْ فِـيها لا يَسْمَعُونَ}.

وأما قوله: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الـحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي الـمعنـيّ به، فقال بعضهم: عُنـي به كل من سبقت له من الله السعادة من خـلقه أنه عن النار مُبعد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن يوسف بن سعد ولـيس بـابن ماهَك عن مـحمد بن حاطب، قال: سمعت علـيًّا يخطب فقرأ هذه الآية: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الـحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ}. قال: عثمان رضي الله عنه منهم.

وقال آخرون: بل عُنـي: من عُبد مِن دون الله، وهو لله طائع ولعبـادة من يَعبد كاره. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ} قال: عيسى، وعُزَير، والـملائكة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

قال ابن جُرَيج: قوله:

{ إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ }ثم استثنى فقال:{ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الـحُسْنَى}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الـحسين، عن يزيد، عن عكرمة، والـحسن البصري قالا: قال فـي سورة الأنبـياء: {إنَّكُمْ وَما تَعْبُدونَ مِنْ دونِ اللَّهِ حَصَب جَهَنـمَ أنْتُـمْ لَهَا وَارِدونَ لَوْ كانَ هَؤلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلّ فِـيها خالِدُونَ لَهُمْ فِـيها زَفِـيرٌ وَهُمْ فِـيها لا يَسْمَعُونَ} ثم استثنى فقال: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الـحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ} فقد عُبدت الـملائكة من دون الله، وعُزَيرٌ وعيسى من دون الله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد: {أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ} قال: عيسى.

حدثنـي إسماعيـل بن سيف، قال: ثنا علـيّ بن مسهر، قال: ثنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح فـي قوله: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الـحُسْنَى} قال: عيسى، وأمه، وعُزَير، والـملائكة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما بلغنـي يوماً مع الولـيد بن الـمغيرة، فجاء النضر بن الـحارث حتـى جلس معهم وفـي الـمـجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلـم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض له النضر بن الـحارث، وكلَّـمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى أفحمه، ثم تلا علـيه وعلـيهم:

{ إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّـمَ أنْتُـمْ لَهاَ وَارِدُونَ لَوْ كان هَؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وكُلّ فِـيها خالِدُونَ.... }إلـى قوله: {وَهُمْ فِـيها لا يَسْمَعُونَ}. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزِّبَعْرَي بن قـيس بن عدي السهميّ حتـى جلس، فقال الولـيد بن الـمغيرة لعبد الله بن الزّبَعْري: والله ما قام النضر بن الـحارث لابن عبد الـمطلب آنفـا وما قعد، وقد زعم أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حَصَب جهنـم فقال عبد الله بن الزِّبَعْري: أما والله لو وجدته لـخصَمته فسلوا مـحمدا: أكلّ من عبد من دون الله فـي جهنـم مع من عَبده؟ فنـحن نعبد الـملائكة، والـيهود تعبد عُزَيراً، والنصارى تعبد الـمسيح عيسى ابن مريـم. فعجب الولـيد بن الـمغيرة ومن كان فـي الـمـجلس من قول عبد الله بن الزِّبَعْري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ كُلُّ مَنْ أحَبَّ أنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، إنَّـمَا يَعْبَدُونَ الشَّياطِينَ وَمَنْ أمَرَهُمْ بعِبـادَتهِ. فأنزل الله علـيه: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الـحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ...} إلـى: {خالِدُونَ} أي عيسى ابن مريـم، وعُزير، ومن عَبدوا من الأحبـار والرهبـان الذين مضَوا علـى طاعة الله، فـاتـخذهم مَنْ بعدهم من أهل الضلالة أربـابـاً من دون الله. فأنزل الله فـيـما ذكروا أنهم يعبدون الـملائكة وأنها بنات الله: { وَقالُوا اتَّـخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحانَهَ بَلْ عِبـادٌ مُكْرَمونَ... }إلـى قوله: { نَـجْزِي الظَّالِـمينَ }

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك، قال: يقول ناس من الناس {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الـحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ} يعنـي من الناس أجمعين. فلـيس كذلك، إنـما يعنـي من يعبد الآلهة وهو لله مطيع مثل عيسى وأمه وعُزَير والـملائكة، واستثنى الله هؤلاء الآلهة الـمعبودة التـي هي ومَنْ يعبدها في النار.

حدثنا ابن سِنان القزاز، قال: ثنا الـحسن بن الـحسين الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما نزلت:

{ إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّـمَ أنْتُـمْ لَهَا وَارِدُون } قال الـمشركون: فإن عيسى يُعبد وعُزَير والشمس والقمر يُعبدون فأنزل الله: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الـحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ} لعيسى وغيره.

وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب قول من قال: عنـي بقوله: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْـحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ} ما كان من معبود كان الـمشركون يعبدونه والـمعبود لله مطيع وعابدوه بعبـادتهم إياه بـالله كفَّـار لأن قوله تعالـى ذكره: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْـحُسْنَى} ابتداء كلام مـحقق لأمر كان ينكره قوم، علـى نـحو الذي ذكرنا فـي الـخبر عن ابن عباس، فكأن الـمشركين قالوا لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم إذ قال لهم:

{ إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّـمَ }: ما الأمر كما تقول، لأنا نعبد الـملائكة، ويعبد آخرون الـمسيح وعُزَيراً. فقال عزّ وجلّ ردّاً علـيهم قولهم: بل ذلك كذلك، ولـيس الذين سبقت لهم منا الـحسنى هم عنها مبعدون، لأنهم غير معنـيـين بقولنا: { إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّـمَ }. فأما قول الذين قالوا ذلك استثناء من قوله: { إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّـمَ } فقول لا معنى له لأن الاستثناء إنـما هو إخراج الـمستثنى من الـمستثنى منه، ولا شكّ أن الذين سبقت لهم منا الـحسنى إنـما هم إما ملائكة وإما إنس أو جانّ، وكلّ هؤلاء إذا ذكرتها العرب فإن أكثر ما تذكرها بمن لا بما، والله تعالـى ذكره إنـما ذكر الـمعبودين الذين أخبر أنهم حَصَب جهنـم بما، قال: { إنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّـمَ }إنـما أريد به ما كانوا يعبدونه من الأصنام والآلهة من الـحجارة والـخشب، لا من كان من الـملائكة والإنس. فإذا كان ذلك كذلك لـما وصفنا، فقوله: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الـحُسْنَى} جواب من الله للقائلـين ما ذكرنا من الـمشركين مبتدأ. وأما الـحُسنى فإنها الفُعلـى من الـحسن، وإنـما عنـي بها السعادة السابقة من الله لهم. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الـحُسْنَى} قال: الـحسنى: السعادة. وقال: سبقت السعادة لأهلها من الله، وسبق الشقاء لأهله من الله.

لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَٰلِدُونَ ۝١٠٢

يقول تعالـى ذكره: لا يسمع هؤلاء الذين سبقت لهم منا الـحسنى حَسِيس النار، ويعنـي بـالـحسيس: الصوت والـحسّ.

فإن قال قائل: فكيف لا يسمعون حسيسها، وقد علـمت ما رُوي من أن جهنـم يُؤْتَـي بها يوم القـيامة فتزفر زفرة لا يبقـى ملك مقرّب ولا نبـيّ مرسل إلا جثا علـى ركبتـيه خوفـا منها؟ قـيـل: إن الـحال التـي لا يسمعون فـيها حسيسها هي غير تلك الـحال، بل هي الـحال التـي:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِـيـما اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ خالِدُونَ} يقول: لا يسمع أهل الـجنة حسيس النار إذا نزلوا منزلهم من الـجنة.

وقوله: {وَهُمْ فِـيـما اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ خالِدُونَ} يقول: وهم فـيـما تشتهيه نفوسهم من نعيـمها ولذّاتها ماكثون فـيها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً عنها.

لَا يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ۝١٠٣

اختلف أهل التأويـل فـي الفزع الأكبر أيّ الفزع هو؟ فقال بعضهم: ذلك النار إذا أطبقت علـى أهلها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بن يـمان، قال: ثنا سفـيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير: {لا يَحْزُنهُمْ الفَزَعُ الأكْبَرُ} قال: النار إذا أطبقت علـى أهلها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله: {لا يَحْزُنهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ} قال: حين تطبق جهنم، وقال: حين ذُبح الـموت.

وقال آخرون: بل ذلك النفخة الآخرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {لا يَحْزُنهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ} يعنـي النفخة الآخرة.

وقال آخرون: بل ذلك حين يؤمر بـالعبد إلـى النار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن رجل، عن الـحسن: {لا يَحْزُنهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ} قال: انصراف العبد حين يُؤْمر به إلى النار.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: ذلك عند النفخة الآخرة وذلك أن من لـم يحزنه ذلك الفزع الأكبر وأمن منه، فهو مـما بعدَه أحْرَى أن لا يفزَع، وأن من أفزعه ذلك فغير مأمون علـيه الفزع مـما بعده.

وقوله: {وَتَتَلَقَّاهُمُ الـمَلائِكَةُ} يقول: وتستقبلهم الـملائكة يهنئونهم يقولون: {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُـمْ تُوعَدُونَ} فـيه الكرامة من الله والـحِبـاء والـجزيـل من الثواب علـى ما كنتـم تنصَبون فـي الدنـيا لله فـي طاعته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال ابن زيد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُـمْ تُوعَدُونَ} قال: هذا قبل أن يدخـلوا الـجنة.

يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُۥ وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ ۝١٠٤

يقول تعالـى ذكره: لا يحزنهم الفزع الأكبر، يوم نطوي السماء. فـ «يوم» من صلة «يحزنهم».

واختلف أهل التأويـل فـي معنى السجلّ الذي ذكره الله فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: هو اسم ملَك من الـملائكة. ذكر من قال ذلك:

حدثناأبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا أبو الوفـاء الأشجعيّ، عن أبـيه، عن ابن عمر، فـي قوله: {يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيّ السِّجلّ للْكِتَابِ} قال: السجِلّ: مَلَك، فإذا صعد بـالاستغفـار قال: اكتبها نوراً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، قال: سمعت السديّ يقول، فـي قوله: {يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيّ السِّجِلّ} قال: السجلّ: ملَك.

وقال آخرون: السجل: رجل كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا نصر بن علـيّ، قال: ثنا نوح بن قـيس، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبـي الـجوزاء، عن ابن عباس فـي هذه الآية: {يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيّ السِّجِلّ لِلْكُتُبِ} قال: كان ابن عبـاس يقول: هو الرجل.

قال: ثنا نوح بن قـيس، قال: ثنا يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبـي الـجوزاء، عن ابن عبـاس، قال: السجلّ: كاتب كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل هو الصحيفة التـي يُكتب فـيها. ذكر من قال ذلك:

حدثني علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علـيّ، عن ابن عباس، قوله: {كَطَيّ السِّجِلِّ للْكِتابِ} يقول: كطيّ الصحيفة علـى الِكتاب.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيّ السِّجِلِّ للْكِتابِ} يقول: كطيّ الصحف.

حدثني مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: السِّجلّ: الصحيفة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: {يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ} قال: السجل: الصحيفة.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بـالصواب قول من قال: السجلّ فـي هذا الـموضع الصحيفة لأن ذلك هو الـمعروف فـي كلام العرب، ولا يعرف لنبينا صلى الله عليه وسلم كاتب كان اسمه السجلّ، ولا فـي الملائكة مَلك ذلك اسمه.

فإن قال قائل: وكيف تَطْوي الصحيفة بالكتاب إن كان السجلّ صحيفة؟ قيل: ليس المعنى كذلك، وإنما معناه: يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ علـى ما فـيه من الكتاب ثم جعل نطوِي مصدرا، فقـيـل: {كَطَيّ السِّجِلّ لِلْكِتابِ} واللام فـي قوله للكتاب بـمعنى علـى.

واختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار، سوى أبـي جعفر القارىء: {يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ} بـالنون. وقرأ ذلك أبو جعفر: {يَوْم تُطْوَي السَّماءُ} بـالتاء وضمها، علـى وجه ما لـم يُسمّ فـاعله.

والصواب من القراءة فـي ذلك ما علـيه قرّاء الأمصار، بـالنون، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه وشذوذ ما خالفه. وأما السِّجلّ فإنه فـي قراءة جميعهم بتشديد اللام. وأما الكتاب، فإن قرّاء أهل الـمدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة قرءوه بـالتوحيد: «كطيّ السجلّ للكتاب»، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: {للْكُتُبِ} علـى الـجماع.

وأولى القراءتين عندنا فـي ذلك بـالصواب: قراءة من قرأه علـى التوحيد للكتاب لما ذكرنا من معناه، فإِن الـمراد منه: كطيّ السجلّ علـى ما فـيه مكتوب. فلا وجه إذ كان ذلك معناه لـجميع الكتب إلا وجه نتبعه من معروف كلام العرب، وعند قوله: {كَطَيّ السِّجِلّ} انقضاء الـخبر عن صلة قوله:

{ لا يَحْزُنهُمُ الْفَزَعُ الأْكْبَرُ }، ثم ابتدأ الـخبر عما الله فـاعل بخـلقه يومئذ فقال تعالـى ذكره: {كمَا بَدَأْنا أوَّلَ خَـلْقٍ نُعِيدُهُ} فـالكاف التـي فـي قوله: {كمَا} من صلة {نعيده}، تقدّمت قبلها ومعنى الكلام: نعيد الـخـلق عُراة حُفـاة غُرْلاً يوم القـيامة، كما بدأناهم أوّل مرّة فـي حال خـلقناهم فـي بطون أمهَاتهم، علـى اختلاف من أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك.

وبـالذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل، وبه الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك اخترت القول به علـى غيره. ذكر من قال ذلك والأثر الذي جاء فـيه:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أوَّلَ خَـلْقٍ نُعِيدُهُ} قال: حُفاة عُراة غُرْلاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قوله: {أوَّلَ خَـلْقٍ نُعِيدُهُ} قال: حُفـاة غُلْفـاً. قال ابن جُرَيج أخبرنـي إبراهيـم بن ميسرة، أنه سمع مـجاهداً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحدى نسائه:

يَأْتُونَهُ حُفاةً عُرَاةً غُلْفـاً فـاسْتَترَتْ بِكُمِّ دِرْعِها، وَقالَتْ وَاسَوأتاهُ قال ابن جُرَيج: أخبرت أنها عائشة قالت: يا نبـيّ الله، لا يحتشمُ الناس بعضهم بعضا؟ قال: { لكُلّ امُرِىءٍ يَوْمِئِذٍ شأْنٌ يُغْنِـيهِ }

حدثناابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثني المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبـاس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

يُحْشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُرَاةً غُرْلاً، فَأوَّلَ مَنْ يُكْسَى إبراهِيمُ ثم قرأ: {كمَا بَدأْنا أوَّلَ خَـلْقٍ نُعِيدُه وَعْدا عَلَـيْنا إنَّا كُنَّا فـاعِلِـينَ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، قال: ثنا سفـيان، عن الـمغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، قال: «قام فـينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـموعظة» فذكره نـحوه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـمغيرة بن النعمان النَـخَعِيّ، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، قال: «قام فـينا رسول الله صلى الله عليه وسلم» فذكره نـحوه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، قال: ثنا الـمغيرة بن النعمان النـخَعيّ، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، نـحوه.

حدثنا عيسى بن يوسف بن الطبـاع أبو يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، قال: سمعت النبـيّ صلى الله عليه وسلم يخطب فقال:

إنَّكُمْ مُلاقُو اللَّهِ مُشاةً غُرْلاً

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد، عن عائشة، قالت: دخـل علـيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي عجوز من بنـي عامر، فقال:

مَنْ هَذه العَجُوزُ يا عائِشَةُ؟ فقلت: إحدى خالاتـي. فقالت: ادع الله أن يدخـلنـي الـجنة فقال:إنَّ الـجَنَّةَ لا يَدْخُـلُها العَجَزةُ. قالت: فأخذ العجوزَ ما أخذها، فقال: إنَّ اللَّهَ يُنْشِئُهُنَّ خَـلْقا غيرَ خَـلْقِهِنَّ، ثم قال: يُحْشَرُونَ حُفـاةً عُرَاةً غُلْقاً. فقالت: حاش لله من ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بَلـى إنَّ اللَّهَ قالَ: {كمَا بَدأْنا أوَّلَ خَـلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدا عَلَـيْنا...} إلـى آخر الآية، فأوَّلُ مَنْ يُكْسَى إبْرَاهِيـمُ خَـلِـيـلُ الله

حدثنـي مـحمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبـيد الله، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عطاء، عن عقبة بن عامر الـجهنـي، قال: يجمع الناس فـي صعيد واحد ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفـاة عراة، كما خُـلقوا أوّل يوم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عبـاد بن العوّام، عن هلال بن حبـان، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال:

يحشر الناس يوم القـيامة حُفـاة عراة مشاة غرلاً. قلت: يا أبـا عبد الله ما الغُرْل؟ قال: الغُلْف. فقال بعض أزواجه: يا رسول الله، أينظر بعضنا إلـى بعض إلـى عورته؟ فقال لِكُلّ امْرىءٍ منهم يَوْمَئِذٍ ما يَشْغَلُهُ عَن النَّظَر إلـى عَوْرَة أخِيهِ. قال هلال: قال سعيد بن جُبـير: { وَلَقَدْ جِئْتُـمُونا فُرَادَى كمَا خَـلَقْناكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ } قال: كيوم ولدته أمه، يردّ علـيه كل شيءٍ انتقص منه مثل يوم وُلد.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: كما كنا ولا شيء غيرنا قبل أن نـخـلق شيئاً، كذلك نهلك الأشياء فنعيدها فـانـية، حتـى لا يكون شيء سوانا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {كمَا بَدأْنا أوَّلَ خَـلْقٍ نُعِيدُهُ...} الآية، قال: نهلك كل شيء كما كان أوّل مرّة.

وقوله: {وَعْداً عَلَـيْنا} يقول: وعدناكم ذلك وعدا حقًّا علـينا أن نوفـي بـما وعدنا، إنا كنا فـاعلـي ما وعدناكم من ذلك أيها الناس، لأنه قد سبق فـي حكمنا وقضائنا أن نفعله، علـى يقـين بأن ذلك كائن، واستعدوا وتأهبوا.

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّٰلِحُونَ ۝١٠٥

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنىّ بـالزَّبور والذكر فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: عُنـي بـالزَّبور: كتب الأنبـياء كلها التـي أنزلها الله علـيهم، وعُنـي بـالذكر: أمّ الكتاب التـي عنده فـي السماء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عيسى بن عثمان بن عيسى الرملـيّ، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: سألت سعيداً، عن قول الله: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ} قال: الذكر: الذي فـي السماء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ} قال: قرأها الأعمش: «الزُّبُر» قال: الزبور، والتوراة، والإنـجيـل، والقرآن {مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ} قال: الذكر الذي فـي السماء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {الزَّبُورِ} قال: الكتاب. {مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ} قال: أمّ الكتاب عند الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله: {الزَّبُورِ} قال: الكتاب. بَعْدِ الذِّكْرِ قال: أم الكتاب عند الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ} قال: الزبور: الكتب التـي أُنزلت علـى الأنبـياء. والذكر: أمّ الكتاب الذي تُكتب فـيه الأشياء قبل ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد، فـي قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ} قال: كتبنا فـي القرآن من بعد التوراة.

وقال آخرون: عُنـي بـالزَّبور: الكتب التـي أنزلها الله علـى مَنْ بعد موسى من الأنبـياء، وبـالذكر: التوراة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدَ الذّكْرِ...} الآية، قال: الذكر: التوراة، والزبور: الكتب.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ... } الآية، قال: الذكر: التوراة، ويعنـي بـالزبور من بعد التوراة: الكتب.

وقال آخرون: بل عُنـي بـالزَّبور زَبور داود، وبـالذكر تَوراة موسى صلـى الله علـيهما. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر أنه قال فـي هذه الآية: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ} قال: زبور داود. من بعد الذكر: ذكر موسى التوراة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن داود، عن الشعبـيّ، أنه قال فـي هذه الآية: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ} قال: فـي زبور داود، من بعد ذكر موسى.

وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب فـي ذلك ما قاله سعيد بن جُبـير ومـجاهد ومن قال بقولهما فـي ذلك، من أن معناه: ولقد كتبنا فـي الكتب من بعد أمّ الكتاب الذي كتب الله كل ما هو كائن فـيه قبل خـلق السموات والأرض. وذلك أن الزبور هو الكتاب، يقال منه: زبرت الكتاب وذَبرته: إذا كتبته، وأن كلّ كتاب أنزله الله إلـى نبـيّ من أنبـيائه، فهو ذِكْر. فإذ كان ذلك كذلك، فإن فـي إدخاله الألف واللام فـي الذكر، الدلالة البـينة أنه معنـيّ به ذكر بعينه معلوم عند الـمخاطبـين بـالآية، ولو كان ذلك غير أمّ الكتاب التـي ذكرنا لـم تكن التوراة بأولـى من أن تكون الـمعنـية بذلك من صحف إبراهيـم، فقد كان قبل زَبور داود.

فتأويل الكلام إذن، إذ كان ذلك كما وصفنا: ولقد قضينا، فأثبتنا قضاءنا فـي الكتب من بعد أمّ الكتاب، أن الأرض يرثها عبادي الصالحون يعني بذلك: أن أرض الجنة يرثها عبـادي العاملون بطاعته المنتهون إلـى أمره ونهيه من عبـاده، دون العاملـين بمعصيته منهم المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الله الهلالـي، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى القَتَّات، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قوله: {أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبـادِيَ الصَّالِـحُونَ} قال: أرض الـجنة.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبـادِيَ الصَّالِـحُونَ} قال: أخبر سبحانه فـي التوراة والزبور وسابق علـمه قبل أن تكون السموات والأرض، أن يورث أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم الأرض ويُدخـلهم الـجنة، وهم الصالحون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جُبـير فـي قوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبـادِيَ الصَّالِـحُونَ} قال: كتبنا فـي القرآن بعد التوراة، والأرض أرض الـجنة.

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية: {أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبـادِيَ الصَّالِـحُونَ} قال: الأرض: الـجنة.

حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملـيّ، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: سألت سعيداً عن قول الله: {أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبـادِيَ الصَّالِـحُونَ} قال: أرض الـجنة.

حدثني مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {أنَّ الأرْضَ} قال: الـجنة،{ يَرِثُها عِبـادِيَ الصَّالـحُونَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبـادِيَ الصَّالِـحُونَ} قال: الـجنة. وقرأ قول الله جلّ ثناؤه:

{ وَقالُوا الـحَمْدِ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأوْرَثنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الـجَنةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِـينَ } قال: فـالـجنة مبتدؤها فـي الأرض ثم تذهب درجات عُلوًّا، والنار مبتدؤها فـي الأرض وبـينهما حجاب سُور ما يدري أحد ما ذاك السور، وقرأ: { بـابٌ بـاطِنُهُ فِـيهِ الرَّحَمةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ } قال: ودرجها تذهب سَفـالاً فـي الأرض، ودرج الـجنة تذهب عُلوًّا فـي السموات.

حدثنا مـحمد بن عوف، قال: ثنا أبو الـمغيرة، قال: ثنا صفوان، سألت عامر بن عبد الله أبـا الـيـمان: هل أنفس الـمؤمنـين تـجتـمع؟ قال: فقال: إن الأرض التـي يقول الله: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِـي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبـادِيَ الصَّالِـحُونَ} قال: هي الأرض التـي تـجتـمع إلـيها أرواح الـمؤمنـين حتـى يكون البعث.

وقال آخرون: هي الأرض يورثها الله الـمؤمنـين فـي الدنـيا.

وقال آخرون: عُنـي بذلك بنو إسرائيـل وذلك أن الله وعدهم ذلك فوفـيَّ لهم به. واستشهد لقوله ذلك بقول الله:

{ وأَورَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ وَمَغارِبَها الَّتِـي بـارَكْنا فِـيها }. وقد ذكرنا قول من قال:{ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبـادِيَ الصَّالِـحُونَ} أنها أرض الأمـم الكافرة، ترثها أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم. وهو قول ابن عبـاس الذي رَوَى عنه علـيّ بن أبـي طلـحة.

إِنَّ فِى هَٰذَا لَبَلَٰغًا لِّقَوْمٍ عَٰبِدِينَ ۝١٠٦ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٧

يقول تعالـى ذكره: إن فـي هذا القرآن الذي أنزلناه علـى نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم، لبلاغاً لـمن عبد الله بـما فـيه من الفرائض التـي فرضها الله، إلـى رضوانه وإدراك الطَّلِبة عنده.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن الـجَريريّ، عن أبـي الوَرْد بن ثُمامة، عن أبـي مـحمد الـحضرميّ، قال: ثنا كعب فـي هذا الـمسجد، قال: والذي نفس كعب بـيده {إنّ فـي هَذَا لبَلاغا لقَوْمٍ عَابِدِينَ} إنهم لأهل أو أصحاب الصلوات الـخمس، سماهم الله عابدين.

حدثنا الـحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن سعيد بن إياس الـجريريّ، عن أبـي الوَرْد عن كعب، فـي قوله: {إنَّ فِـي هَذَا لَبَلاغا لِقَوْمٍ عابِدِينَ} قال: صوم شهر رمضان، وصلاة الـخمس، قال: هي ملء الـيدين والبحر عبـادة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا مـحمد بن الـحسين، عن الـجريريّ، قال: قال كعب الأحبـار: {إنَّ فِـي هَذَا لَبَلاغا لِقَوْمٍ عابِدِينَ} لأمة مـحمد.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّ فِـي هَذَا لَبَلاغا لِقَوْمٍ عابِدِينَ} يقول: عاملـين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {إنَّ فِـي هَذَا لَبَلاغا لِقَوْمٍ عابِدِينَ} قال: يقولون فـي هذه السورة لبلاغاً.

ويقول آخرون: فـي القرآن تنزيـل لفرائض الصلوات الـخمس، من أداها كان بلاغاً لقوم عابدين، قال: عاملـين.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّ فِـي هَذَا لَبَلاغا لِقَوْمٍ عابِدِينَ} قال: إن فـي هذا لـمنفعة وعلـماً لقوم عابدين ذاك البلاغ.

وقوله: {وَما أرْسَلْناكَ إلاَّ رَحْمَةً للْعَالَـمِينَ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا مـحمد إلـى خـلقنا إلا رحمة لـمن أرسلناك إلـيه من خـلقـي.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي معنى هذه الآية، أجميع العالـم الذي أرسل إلـيهم مـحمد أُريد بها مؤمنهم وكافرهم؟ أم أريد بها أهل الإيـمان خاصة دون أهل الكفر؟ فقال بعضهم: عُنـي بها جميع العالـم الـمؤمن والكافر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي إسحاق بن شاهين، قال: ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن الـمسعوديّ، عن رجل يقال له سعيد، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، فـي قول الله فـي كتابه: {وَما أرْسَلْناكَ إلاَّ رَحْمَةً للْعَالَـمِينَ} قال: من آمن بـالله والـيوم الآخر كُتب له الرحمة فـي الدنـيا والآخرة، ومن لـم يؤمن بـالله ورسوله عُوفِـيَ مـما أصاب الأمـم من الـخَسْف والقذف.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الـمسعوديّ، عن أبـي سعيد، عن سعيد جُبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَما أرْسَلْناكَ إلاَّ رَحْمَةً للْعَالَـمِينَ} قال: تـمت الرحمة لـمن آمن به فـي الدنـيا والآخرة، ومن لـم يؤمن به عُوفـيَ مـما أصاب الأمـم قبل.

وقال آخرون: بل أريد بها أهل الإيـمان دون أهل الكفر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما أرْسَلْناكَ إلاَّ رَحْمَةً للْعَالَـمِينَ} قال: العالـمون: من آمن به وصدّقه. قال:

{ وَإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إلـى حِينِ } قال: فهو لهؤلاء فتنة ولهؤلاء رحمة، وقد جاء الأمر مـجملاً رحمة للعالـمين. والعالَـمون ههنا: من آمن به وصدّقه وأطاعه.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب القول الذي رُوي عن ابن عبـاس، وهو أن الله أرسل نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم رحمة لـجميع العالـم، مؤمنهم وكافرهم. فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخـله بـالإيـمان به وبـالعمل بـما جاء من عند الله الـجنة. وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بـالأمـم الـمكذّبة رسلها من قبله.

قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝١٠٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد: ما يوحي إلـيّ ربـي إلا أنَّه لا إله لكم يجوز أن يُعبد إلا إله واحد لا تصلح العبادة إلا له ولا ينبغي ذلك لغيره. {فَهَلْ أنْتُـمْ مُسْلِـمُونَ} يقول: فهل أنتـم مذعنون له أيها الـمشركون العابدون الأوثان والأصنام بـالـخضوع لذلك، ومتبرّئون من عبـادة ما دونه من آلهتكم؟

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ وَإِنْ أَدْرِىٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ ۝١٠٩

يقول تعالى ذكره: فإن أدبر هؤلاء الـمشركون يا مـحمد عن الإقرار بـالإيـمان، بأن لا إله لهم إلا إله واحد، فأعرضوا عنه وأبوا الإجابة إلـيه، فقل لهم: {قَدْ آذَنْتُكُمْ عَلـى سَوَاءٍ} يقول: أعلـمهم أنك وهم علـى علـم من أن بعضكم لبعض حرب، لاصلـح بـينكم ولا سلـم.

وإنـما عُنـي بذلك قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قُرَيش، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {فإنْ تَوَلَّوْا فَقُل آذَنْتُكُمْ عَلـى سَوَاءٍ} فإن تولوا، يعنـي قريشا.

وقوله:{ وَإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه: قل وما أدري متـى الوقت الذي يحلّ بكم عقاب الله الذي وعدكم، فـينتقم به منكم، أقريب نزوله بكم أم بعيد؟

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج: {وَإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ} قال: الأجل.

إِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ۝١١٠ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُۥ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ ۝١١١

يقول تعالى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الـمشركين، إن الله يعلـم الـجهر الذي يجهرون به من القول، ويعلـم ما تـخفونه فلا تـجهرون به، سواء عنده خفـيه وظاهره وسرّه وعلانـيته، إنه لا يخفـى علـيه منه شيء فإن أخَّر عنكم عقابه علـى ما تـخفون من الشرك به أو تـجهرون به، فما أدري ما السبب الذي من أجله يؤخِّر ذلك عنكم؟ لعلّ تأخيره ذلك عنكم مع وعده إياكم لفتنة يريدها بكم، ولتتـمتعوا بحياتكم إلـى أجل قد جعله لكم تبلغونه، ثم ينزل بكم حينئذٍ نقمته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـيّ، عن ابن عبـاس: {وَإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إلـى حينٍ} يقول: لعلّ ما أُقرِّب لكم من العذاب والساعة، أن يؤخَّر عنكم لـمدتكم، ومتاع إلـى حين، فـيصير قولـي ذلك لكم فتنة.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ