انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة العنكبوت

تفسير الطبريالآيات 30–49

تفسير سورة العنكبوت آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة العنكبوت

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 49:48

  1. 1 الآيات 26–45في هذه الصفحة 14:30
  2. 2 الآيات 46–69في هذه الصفحة 17:30

التفسير الصوتي لسورة العنكبوت كاملًا (3 مقاطع)

قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٣٠ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوٓا۟ إِنَّا مُهْلِكُوٓا۟ أَهْلِ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ ۝٣١

يقول تعالـى ذكره: {وَلـما جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيـمَ بـالبُشْرَى} من الله بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، {قالُوا إنَّا مُهْلِكُوا أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ} يقول: قالت رسل الله لإبراهيـم: إنا مهلكو أهل هذه القرية، قرية سَدُوم، وهي قرية قوم لوط {إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِـمِينَ} يقول: إن أهلها كانوا ظالـمي أنفسهم بـمعصيتهم الله، وتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {ولَـمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْرَاهِيـمَ بـالبُشْرَى...} إلـى قوله

{ نَـحْنُ أعْلَـمُ بِـمَنْ فِـيها }قال: فجادل إبراهيـم الـملائكة فـي قوم لوط أن يتركوا، قال: فقال أرأيتـم إن كان فـيها عشرة أبـيات من الـمسلـمين أتتركونهم؟ فقالت الـملائكة: لـيس فـيها عشرة أبـيات، ولا خمسة، ولا أربعة، ولا ثلاثة، ولا اثنان قال: فحَزِن علـى لوط وأهل بـيته، فقال { إنَّ فِـيها لُوطاً، قالُوا نَـحْنُ أعْلَـمُ بِـمَنْ فِـيها، لَنُنَـجِّيَنَّه وأهْلَهُ، إلاَّ امْرأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ }فذلك قوله: { يُجادِلُنا فِـي قَوْمِ لُوطٍ، إنَّ إبْرَاهِيـم لَـحَلِـيـمٌ أوَّاهٌ مُنِـيبٌ }. فقالت الـملائكة: { يا إبْرَاهِيـمُ أعْرِضْ عَنْ هَذَا، إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ، وإنَّهُمْ آتِـيهِمْ عَذابٌ غيرُ مَرْدودٍ }فبعث الله إلـيهم جبرائيـل صلى الله عليه وسلم، فـانتسف الـمدينة وما فـيها بأحد جناحية، فجعل عالـيها سافلها، وتتبعهم بـالـحجارة بكل أرض.

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: قال إبراهيـم للرسل من الـملائكة، إذ قالوا له:

{ إنَّا مُهْلِكُوا أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِـمِينَ }فلـم يستثنوا منهم أحداً، إذ وصفوهم بـالظلـم: إن فـيها لوطاً، ولـيس من الظالـمين، بل هو من رسل الله، وأهل الإيـمان به، والطاعة له، فقالت الرسل له: {نَـحْنُ أعْلَـمُ بِـمَنْ فِـيها} من الظالـمين الكافرين بـالله منك، وإن لوطاً لـيس منهم، بل هو كما قلت من أولـياء الله، لننـجِّينه وأهله من الهلاك الذي هو نازل بأهل قريته {إلاَّ امْرأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ} الذين أبقتهم الدهور والأيام، وتطاولت أعمارهم وحياتهم، وأنها هالكة من بـين أهل لوط مع قومها.

وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره: {ولَـمَّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً} من الـملائكة {سِيءَ بِهِمْ} يقول: ساءته الـملائكة بـمـجيئهم إلـيه، وذلك أنهم تَضَيفوه، فساءوه بذلك، فقوله {سِيءَ بِهِمْ}: فُعِلَ بهم، مِنْ ساءه بذلك.

وذُكر عن قتادة أنه كان يقول: ساء ظنه بقومه، وضاق بضيفه ذَرْعاً.

حدثنا بذلك الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعمَر عنه {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} يقول: وضاق ذرعه بضيافتهم لِـما علـم من خُبث فعل قومه. كما:

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {ولَـمَّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} قال: بـالضيافة مخافة علـيهم مـما يعلـم من شرّ قومه.

وقوله: {وقَالُوا لا تَـخَفْ وَلا تَـحْزَنْ} يقول تعالـى ذكره: قالت الرسل للوط: لا تـخف علـينا أن يصل إلـينا قومك، ولا تـحزَن مـما أخبرناك من أنَّا مهلكوهم، وذلك أن الرسل قالت له:

{ يا لُوطُ إنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَـيْكَ فَأسْرِ بأهْلِكَ بقِطْعٍ مِنَ اللَّـيْـلِ } {إنَّا مَنَـجُّوكَ} من العذاب الذي هو نازل بقومك {وأهْلَكَ} يقول: ومنـجو أهلِك معك {إلاَّ امْرأتَكَ} فإنها هالكة فـيـمن يهلك من قومها، كانت من البـاقـين الذين طالت أعمارهم.

إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل الرسل للوط {إنَّا مُنْزِلُونَ} يا لُوط {عَلـى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ} سَدُوم {رِجْزاً مِنَ السَّماءِ} يعنـي عذابـاً. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {إنَّا مُنْزِلُونَ عَلـى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزاً}: أي عذابـاً.

وقد بـيَّنا معنى الرجز وما فـيه من أقوال أهل التأويـل فـيـما مضى، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {بِـمَا كانُوا يَفْسُقُونَ} يقول: بـما كانوا يأتون من معصية الله، ويركبون من الفـاحشة.

وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره: ولقد أبقـينا من فَعْلتنا التـي فَعَلْنا بهم آية، يقول: عبرة بـينة وعظة واعظة، لقوم يعقلون عن الله حُجَجه، ويتفكرون فـي مواعظه، وتلك الآية البـينة هي عندي عُفُوُّ آثارهم، ودروس معالـمهم.

وذُكر عن قتادة فـي ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَـيِّنَةً لقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} قال: هي الـحجارة التـي أُمطرت علـيهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {مِنْها آيَةً بَـيِّنَةً} قال: عِبرة.

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: وأرسلت إلـى مَدْين أخاهم شعيبـاً، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده، وذِلُّوا له بـالطاعة، واخضعوا له بـالعبـادة {وَارْجُوا الـيَوْمَ الآخِرَ} يقول: وارجوا بعبـادتكم إياي جزاءَ الـيوم الآخر، وذلك يوم القـيامة {وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} يقول: ولا تكثرِوا فـي الأرض معصية الله، ولا تقـيـموا علـيها، ولكن توبوا إلـى الله منها وأنـيبوا.

وقد كان بعض أهل العلـم بكلام العرب يتأوّل قوله: {وَارْجُوا الـيَوْمَ الآخِرَ} بـمعنى: واخشَوُا الـيوم الآخر. وكان غيره من أهل العلـم بـالعربـية يُنكر ذلك ويقول: لـم نـجد الرجاء بـمعنى الـخوف فـي كلام العرب إلاَّ إذا قارنه الـجَحْد.

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره: فكذّب أهل مَدين شعيبـاً فـيـما أتاهم به عن الله من الرسالة، فأخذتهم رَجْفة العذاب فأصبحوا فـي دارهم جاثمين جُثوما، بعضهم علـى بعض مَوْتَـى. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَأصْبَحُوا فِـي دَارِهِمْ جاثِمِين}: أي ميتـين.

وَعَادًا وَثَمُودَا۟ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: واذكروا أيها القوم عاداً وثمود، وقد تبـين لكم من مساكنهم خرابُها وخلاؤُها منهم بوقائعنا بهم، وحلول سَطْوتنا بجميعهم {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهمْ} يقول: وحسَّن لهم الشيطان كفرهم بـالله، وتكذيبَهم رسله {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِـيـلِ} يقول: فردّهم بتزيـينه لهم ما زيَّن لهم من الكفر، عن سبـيـل الله، التـي هي الإيـمان به ورسله، وما جاءوهم به من عند ربهم {وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} يقول: وكانوا مستبصرين فـي ضلالتهم، مُعْجَبـين بها، يحسِبون أنهم علـى هدى وصواب، وهم علـى الضلال. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِـيـلِ، وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} يقول: كانوا مستبصرين فـي دينهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} فـي الضلالة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} فـي ضلالتهم مُعْجَبـين بها.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله {وكانُوا مُسْتَبْصرِينَ} يقول: فـي دينهم.

وَقَٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَٰبِقِينَ ۝٣٩

يقول تعالـى ذكره: واذكر يا مـحمد قارون وفرعون وهامان، ولقد جاء جميعهم موسى بـالبـيِّنات، يعنـي بـالواضحات من الآيات، فـاستكبروا فـي الأرض عن التصديق بـالبـينات من الآيات، وعن اتبـاع موسى صلوات الله علـيه {وما كانوا سابقـين}: يقول تعالـى ذكره: وما كانوا سابقـينا بأنفسهم، فـيفوتونا، بل كنا مقتدرين علـيهم.

فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره: فأخذنا جميع هذه الأمـم التـي ذكرناها لك يا مـحمد بعذابنا {فَمِنْهُمْ مَنْ أرْسَلْنا عَلَـيْهِ حاصِبـاً} وهم قوم لُوط، الذين أمطر الله علـيهم حجارة من سجِيـل مَنضُود، والعرب تسمي الريح العاصف التـي فـيها الـحصى الصغار أو الثلـج أو البَرَد والـجلـيد حاصبـاً ومنه قول الأخطل:

وَلقدْ عَلِـمْتُ إذا العِشارُ تَرَوَّحَتْ هَدَجَ الرّئالِ يَكُبُّهُنَّ شَمالا تَرْمي العِضَاهَ بحاصِبٍ مِن ثَلْـجِها حتـى يَبِـيتَ علـى العِضَاهِ جُفـالا

وقال الفرزدق:

مُسْتَقْبِلِـينَ شَمالَ الشَّأْمِ تَضْرِبُنا بحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُور

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس: {فَمِنْهُمْ مَنْ أرْسَلْنا عَلَـيْهِ حاصِبـاً} قوم لوط.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَمِنْهُمْ مَنْ أرْسَلْنا عَلَـيْهِ حاصبـاً} وهم قوم لوط. {وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ}. اختلف أهل التأويـل فـي الذين عُنوا بذلك، فقال بعضهم: هم ثمود قوم صالـح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس {وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} ثمود.

وقال آخرون: بل هم قوم شعيب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ} قوم شعيب.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله قد أخبر عن ثمود وقوم شعيب من أهل مدين أنه أهلكهم بـالصيحة فـي كتابه فـي غير هذا الـموضع، ثم قال جلّ ثناؤه لنبـيه صلى الله عليه وسلم: فمن الأمـم التـي أهلكناهم من أرسلنا علـيهم حاصبـاً، ومنهم مَنْ أخذته الصيحة، فلـم يخصُصِ الـخبر بذلك عن بعض مَنْ أخذته الصيحة من الأمـم دون بعض، وكلا الأمتـين أعنـي ثمود ومَدين قد أخذتهم الصَّيحة.

وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الأرْضِ}: يعنـي بذلك قارون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس: {وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الأرْضِ} قارون {وَمِنْهُمْ مَنْ أغْرَقْنا} يعنـي: قوم نوح وفرعون وقومه.

واختلف أهل التأويـل فـي ذلك، فقال بعضهم: عُنـي بذلك: قومُ نوح علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس: {وَمِنْهُمْ مَنْ أغْرَقْنا} قومُ نوح.

وقال آخرون: بل هم قوم فرعون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَمِنْهُمْ مَنْ أغْرَقْنا} قوم فرعون.

والصواب من القول فـي ذلك، أن يُقال: عُنـي به قوم نوح وفرعونُ وقومه، لأن الله لـم يخصص بذلك إحدى الأمتـين دون الأخرى، وقد كان أهلكهما قبل نزول هذا الـخبر عنهما، فهما مَعْنـيتان به.

وقوله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيَظْلِـمَهُمْ وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: ولـم يكن الله لـيهلك هؤلاء الأمـم الذين أهلكهم بذنوب غيرهم، فـيظلـمَهم بإهلاكه إياهم بغير استـحقاق، بل إنـما أهلكهم بذنوبهم، وكفرهم بربهم، وجحودهم نعمه علـيهم، مع تتابع إحسانه علـيهم، وكثرة أياديه عندهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلـمون بتصرّفهم فـي نعم ربهم، وتقلبهم فـي آلائه وعبـادتهم غيره، ومعصيتهم من أنعم علـيهم.

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٤١

يقول تعالـى ذكره: مثل الذين اتـخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولـياء يرجون نَصْرها ونفعها عند حاجتهم إلـيها فـي ضعف احتـيالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختـيارهم لأنفسهم، كمَثلِ العنكبوت فـي ضعفها، وقلة احتـيالها لنفسها، اتـخذت بـيتاً لنفسها، كيـما يُكِنَّها، فلـم يغن عنها شيئاً عند حاجتها إلـيه، فكذلك هؤلاء الـمشركون لـم يغن عنهم حين نزل بهم أمر الله، وحلّ بهم سخطه أولـياؤُهم الذين اتـخذوهم من دون الله شيئاً، ولـم يدفعوا عنهم ما أحلّ الله بهم من سخطه بعبـادتهم إياهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّـخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ أوْلِـياءَ كمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّـخَذَتْ بَـيْتاً...} إلـى آخر الآية، قال: ذلك مثل ضربه الله لـمن عبد غيره، إن مثله كمثل بـيت العنكبوت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّـخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ أوْلـياءَ كمَثَلِ العَنْكَبُوتِ} قال: هذا مثل ضربه الله للـمشرك مثَلُ إلهه الذي يدعوه من دون الله كمثل بـيت العنكبوت واهن ضعيف لا ينفعه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّـخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ أوْلِـياء كمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّـخَذَتْ بَـيْتاً} قال: هذا مثل ضربه الله، لا يغنـي أولـياؤهم عنهم شيئاً كما لا يغنـي العنكبوت بـيتها هذا.

وقوله: {وإنَّ أوْهَنَ البُـيُوتِ} يقول: وإن أضعف البـيوت {لَبَـيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: لو كان هؤلاء الذين اتـخذوا من دون الله أولـياء، يعلـمون أن أولـياءهم الذين اتـخذوهم من دون الله فـي قلة غنائهم عنهم، كغناء بـيت العنكبوت عنها، ولكنهم يجهلون ذلك، فـيحسبون أنهم ينفعونهم ويقرّبونهم إلـى الله زلفـى.

إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٤٢ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَٰلِمُونَ ۝٤٣

اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {إنَّ اللّهَ يَعْلَـمُ ما يدْعُونَ} فقرأته عامة قرّاء الأمصار «تَدْعُونَ» بـالتاء بـمعنى الـخطاب لـمشركي قريش {إنَّ اللّهَ} أيها الناس «يَعْلَـمُ ما تَدْعُونَ إلَـيْهِ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ». وقرأ ذلك أبو عمرو: {إنَّ اللّهَ يَعْلَـمُ ما يَدْعُونَ} بـالـياء بـمعنى الـخبر عن الأمـم، إن الله يعلـم ما يدعو هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمـم من دونه من شيء.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا، قراءة من قرأ بـالتاء، لأن ذلك لو كان خبراً عن الأمـم الذين ذكر الله أنه أهلكهم، لكان الكلام: إن الله يعلـم ما كانوا يدعون، لأن القوم فـي حال نزول هذا الـخبر علـى نبـيّ الله لـم يكونوا موجودين، إذ كانوا قد هلكوا فبـادوا، وإنـما يقال: إن الله يعلـم ما تدعون إذا أريد به الـخبر عن موجودين، لا عمن قد هلك.

فتأويـل الكلام إذ كان الأمر كما وصفنا: إن الله يعلـم أيها القوم حال ما تعبدون من دونه من شيء، وأن ذلك لا ينفعكم ولا يضرّكم، إن أراد الله بكم سوءاً، ولا يغنـي عنكم شيئا وإن مثله فـي قلة غنائه عنكم، مَثَلُ بـيت العنكبوت فـي غنَائه عنها.

وقوله: {وَهُوَ العَزِيزُ الـحَكِيـمُ} يقول: والله العزيز فـي انتقامه مـمن كفر به، وأشرك فـي عبـادته معه غيره فـاتقوا أيها الـمشركون به عقابه بـالإيـمان به قبل نزوله بكم، كما نزل بـالأمـم الذين قصّ الله قصصهم فـي هذه السورة علـيكم، فإنه إن نزل بكم عقابُه لـم تغن عنكم أولـياؤكم الذين اتـخذتـموهم من دونه أولـياء، كما لـم يُغْنِ عنهم من قبلكم أولـياؤهم الذين اتـخذوهم من دونه، {الـحكيـم} فـي تدبـيره خـلقه، فمُهلك من استوجب الهلاك فـي الـحال التـي هلاكه صلاح، والـمؤخر من أخَّر هلاكه من كفرة خـلقه به إلـى الـحين الذي فـي هلاكه الصلاح.

وقوله: {وَتِلكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها للنَّاسِ} يقول تعالـى ذكره: وهذه الأمثال، وهي الأشبـاه والنظائر نضربها للناس يقول: نـمثلها ونشبهها ونـحتـجّ بها للناس، كما قال الأعشى:

هَلْ تَذْكُرَ العَهْدَ مِنْ تَنَـمَّصَ إذْ تَضْرِبُ لـي قاعِدا بِها مَثَلا

{وَما يَعْقلُها إلاَّ العالِـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: وما يعقل أنه أصيب بهذه الأمثال التـي نضربها للناس منهم الصواب والـحقّ فـيـما ضربت له مثلاً إلاَّ العالـمون بـالله وآياته.

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: خـلق الله يا مـحمد السموات والأرض وحده منفرداً بخـلقها، لا يشركه فـي خـلقها شريك {إنَّ فِـي ذلكَ لآيَةً}: يقول إن فـي خـلقه ذلك لـحجة لـمن صدق بـالـحجج إذا عاينها، والآيات إذا رآها.

ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ۝٤٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم {اتْلُ} يعنـي اقرأ {ما أُوحِيَ إلَـيْكَ} مِنَ الكِتابِ يعنـي ما أنزل إلـيك من هذا القرآن {وأقِمِ الصَّلاة} يعنـي: وأدّ الصلاة التـي فرضها الله علـيك بحدودها {إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالـمُنْكَر}.

اختلف أهل التأويـل فـي معنى الصلاة التـي ذكرت فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: عنى بها القرآن الذي يقرأ فـي موضع الصلاة، أو فـي الصلاة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن أبـي الوفـاء، عن أبـيه، عن ابن عمر {إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالـمُنْكَرِ} قال: القرآن الذي يقرأ فـي الـمساجد.

وقال آخرون: بل عنى بها الصلاة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {إنَّ الصَّلاة تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالـمُنْكَرِ} يقول: فـي الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن العلاء بن الـمسيب، عمن ذكره، عن ابن عبـاس، فـي قول الله {إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالـمُنْكَرِ} من لـم تنهه صلاته عن الفحشاء والـمنكر لـم يزدد بصلاته إلاَّ بُعْداً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا خالد، قال: قال العلاء بن الـمسيب، عن سمرة بن عطية، قال: قـيـل لابن مسعود، إن فلانا كثـير الصلاة، قال: فإنها لا تنفع إلاَّ من أطاعها.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مالك بن الـحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، قال: من لـم تأمره صلاته بـالـمعروف، وتنهه عن الـمنكر، لـم يزدد بها من الله إلاَّ بعداً.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا علـيّ بن هاشم بن البريد، عن جُوَيبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

لا صَلاةَ لِـمَنْ لَـمْ يُطِعِ الصَّلاةَ، وَطاعَةُ الصَّلاةِ أنْ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالـمُنْكَرِقال: قال سفـيان قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ قال: فقال سفـيان: إي والله تأمره وتنهاه.

قال علـي: وحدثنا إسماعيـل بن مسلـم، عن الـحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَنْ صَلـى صَلاةً لَـمْ تَنْهَهُ عَنِ الفَحْشاءِ وَالـمُنْكَرِ لَـمْ يَزْدَدْ بِها مِنَ اللّهِ إلاَّ بُعْداً. حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن يونس، عن الـحسن، قال: الصلاة إذا لـم تنهه عن الفحشاء والـمنكر، قال: من تنهه صلاته عن الفحشاء والـمنكر، لـم يزدد من الله إلاَّ بعداً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة والـحسن، قالا: من لـم تنهه صلاته عن الفحشاء والـمنكر، فإنه لا يزداد من الله بذلك إلاَّ بعداً.

والصواب من القول فـي ذلك أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والـمنكر، كما قال ابن عبـاس وابن مسعود.

فإن قال قائل: وكيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والـمنكر إن لـم يكن معنـياً بها ما يتلـى فـيها؟ قـيـل: تنهى من كان فـيها، فتـحول بـينه وبـين إتـيان الفواحش، لأن شغله بها يقطعه عن الشغل بـالـمنكر، ولذلك قال ابن مسعود: من لـم يطع صلاته لـم يزدد من الله إلاَّ بعداً. وذلك أن طاعته لها إقامته إياها بحدودها، وفـي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والـمنكر.

حدثنا أبو حميد الـحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: ثنا أرطاة، عن ابن عون، فـي قول الله {إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ والـمُنْكَرِ} قال: إذا كنت فـي صلاة، فأنت فـي معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والـمنكر، والفحشاء: هو الزنا. والـمنكر: معاصي الله. ومن أتـى فـاحشة أو عَصَى الله فـي صلاته بـما يفسد صلاته، فلا شكّ أنه لا صلاة له.

وقوله: {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربـيعة، قال: قال لـي ابن عبـاس: هل تدري ما قوله {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَر} قال: قلت: نعم، قال: فما هو؟ قال: قلت: التسبـيح والتـحميد والتكبـير فـي الصلاة، وقراءة القرآن ونـحو ذلك، قال: لقد قلت قولاً عجبـا وما هو كذلك، ولكنه إنـما يقول: ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتـموه أكبر من ذكركم إياه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن عطاء بن السائب، عن ابن ربـيعة، عن ابن عبـاس قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عبد الله بن ربـيعة، قال: سألنـي ابن عبـاس، عن قول الله {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} فقلت: ذكره بـالتسبـيح والتكبـير والقرآن حسن، وذكره عند الـمـحارم فـيحتـجز عنها، فقال: لقد قلت قولاً عجيبـا وما هو كما قلت، ولكن ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربـيعة، عن ابن عبـاس {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: ذكر الله للعبد أفضل من ذكره إياه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى وابن وكيع، قال ابن الـمثنى: ثنـي عبد الأعلـى، وقال ابن وكيع: ثنا عبد الأعلـى قال: ثنا داود، عن مـحمد بن أبـي موسى، قال: كنت قاعداً عند ابن عبـاس، فجاءه رجل، فسأل ابن عبـاس عن ذكر الله أكبر، فقال ابن عبـاس: الصلاة والصوم قال: ذاك ذكر الله، قال رجل: إنـي تركت رجلاً فـي رحلـي يقول غير هذا، قال: {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: ذكر الله العبـاد أكبر من ذكر العبـاد إياه، فقال ابن عبـاس: صدق والله صاحبك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَـير، قال: جاء رجل إلـى ابن عبـاس، فقال: حدثنـي عن قول الله {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن داود، عن عكرمة {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: ذكر الله للعبد أفضل من ذكره إياه.

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا ابن فضيـل، قال: ثنا فضيـل بن مرزوق، عن عطية {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: هو قوله:

{ فـاذْكُرُونِـي أذْكُرْكُمْ }وذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {وَلَذِكْرُ اللّهِ} لعبـاده إذا ذكروه {أكْبَرُ} من ذكركم إياه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: ذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه فـي الصلاة أو غيرها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، عن داود بن أبـي هند، عن مـحمد بن أبـي موسى، عن ابن عبـاس، قال: ذكر الله إياكم إذا ذكرتـموه أكبر من ذكركم إياه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو تُـمَيْـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عامر، عن أبـي قرة، عن سلـمان، مثله.

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنـي عبد الـحميد بن جعفر، عن صالـح بن أبـي عَريب، عن كثـير بن مرّة الـحضرميّ، قال: سمعت أبـا الدرداء، يقول: «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلـى ملـيككم، وأرفعها فـي درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، وخير من إعطاء الدنانـير والدراهم؟ قالوا: ما هو؟ قال: ذكركم ربكم، وذكر الله أكبر».

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سفـيان، عن جابر، عن عامر، عن أبـي قرّة، عن سلـمان {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: قال ذكر الله إياك أكبر من ذكركم إياه.

قال: ثنـي أبـي، عن إسرائيـل، عن جابر، عن عامر، قال: سألت أبـا قرة، عن قوله {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن جابر، عن مـجاهد وعكرمة قالا: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

قال: ثنا ابن فضيـل، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عبـاس، قال: هو كقوله:

{ فـاذْكُرُونِـي أذْكرْكُمْ }فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

قال: ثنا حسن بن علـيّ، عن زائدة، عن عاصم، عن شقـيق، عن عبد الله {ولَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لربه.

قال: ثنا أبو يزيد الرازي، عن يعقوب، عن جعفر، عن شعبة، قال: ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولذكركم الله أفضل من كلّ شيء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عمر بن أبـي زائدة، عن العيزار بن حريث، عن رجل، عن سلـمان، أنه سئل: أيّ العمل أفضل؟ قال: أما تقرأ القرآن {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ}: لا شيء أفضل من ذكر الله.

حدثنا ابن حميد أحمد بن الـمغيرة الـحمصي، قال: ثنا علـي بن عياش، قال: ثنا اللـيث، قال: ثنـي معاوية، عن ربـيعة بن يزيد، عن إسماعيـل بن عبـيد الله، عن أمّ الدرداء، أنها قالت: {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} فإن صلـيت فهو من ذكر الله، وإن صمت فهو من ذكر الله، وكلّ خير تعمله فهو من ذكر الله وكل شرّ تـجتنبه فهو من ذكر الله، وأفضل ذلك تسبـيحُ الله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: لا شيء أكبر من ذكر الله، قال: أكبر الأشياء كلها، وقرأ

{ أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي }قال: لذكر الله: وإنه لـم يصفه عند القتال إلاَّ أنه أكبر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الأعمش، عن أبـي إسحاق، قال: قال رجل لسلـمان: أيّ العمل أفضل، قال: ذكر الله.

وقال آخرون: هو مـحتـمل للوجهين جميعا، يعنون القول الأوّل الذي ذكرناه والثانـي. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن خالد، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: لها وجهان: ذكر الله أكبر مـما سواه، وذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا إسماعيـل بن إبراهيـم، قال: ثنا خالد الـحذّاء، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس فـي: {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: لها وجهان: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، وذكر الله عند ما حُرم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لذكر الله العبد فـي الصلاة أكبر من الصلاة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبـيد الله، عن إسرائيـل، عن السُّدِّي عن أبـي مالك، فـي قوله {وَلَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ} قال: ذكر الله العبد فـي الصلاة، أكبر من الصلاة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللصلاة التـي أتـيت أنت بها، وذكرك الله فـيها أكبر مـما نهتك الصلاة من الفحشاء والـمنكر.

حدثنـي أحمد بن الـمغيرة الـحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: ثنا أرطاة، عن ابن عون، فـي قول الله {إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالـمُنْكَرِ} والذي أنت فـيه من ذكر الله أكبر.

قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل قول من قال: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه.

وقوله: {وَاللّهُ يَعْلَـمُ ما تَصْنَعُونَ} يقول: والله يعلـم ما تصنعون أيها الناس فـي صلاتكم من إقامة حدودها، وترك ذلك وغيره من أموركم، وهو مـجازيكم علـى ذلك، يقول: فـاتقوا أن تضيعوا شيئاً من حدودها، والله أعلـم.

وَلَا تُجَٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ۝٤٦

يقول تعالـى ذكره: {وَلا تُـجادِلُوا} أيها الـمؤمنون بـالله وبرسوله الـيهود والنصارى، وهم {أهْلَ الكِتابِ إلاَّ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ} يقول: إلاَّ بـالـجميـل من القول، وهو الدعاء إلـى الله بآياته، والتنبـيه علـى حُججه.

وقوله: {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله فقال بعضهم: معناه: إلاَّ الذين أبوا أن يقرّوا لكم بإعطاء الـجزية، ونصبوا دون ذلك لكم حربـا، فإنهم ظلـمة، فأولئك جادلوهم بـالسيف حتـى يسلـموا أو يعطوا الـجزية. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا يزيد، عن سفـيان، عن خصيف، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَلا تُـجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلاَّ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا منهمْ} قال: من قاتل ولـم يُعط الـجزية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن سفـيان، عن خصيف، عن مـجاهد، بنـحوه. إلاَّ أنه قال: من قاتلك ولـم يعطك الـجزية.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلا تُـجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلاَّ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ} قال: إن قالوا شرّاً، فقولوا خيراً، {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنهُمْ} فـانتصروا منهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ} قال: قالوا مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مَغْلولة، أو الله فقـير، أو آذَوْا مـحمداً صلى الله عليه وسلم، قال: هم أهل الكتاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سالـم، عن سعيد {وَلا تُـجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلاَّ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ، إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ} قال: أهل الـحرب، مَنْ لا عهد له، جادِلْه بـالسيف.

وقال آخرون: معنى ذلك: {وَلا تُـجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ} الذين قد آمنوا به، واتبعوا رسوله فـيـما أخبروكم عنه مـما فـي كتبهم {إلاَّ بـالتـي هِيَ أحْسَنُ، إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ}. فأقاموا علـى كفرهم، وقالوا: هذه الآية مُـحْكَمة، ولـيست بـمنسوخة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلا تُـجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلاَّ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ} قال: لـيست بـمنسوخة، لا ينبغي أن تـجادل من آمن منهم، لعلهم يحسنون شيئاً فـي كتاب الله، لا تعلـمه أنت، فلا تـجادله، ولا ينبغي أن تـجادل إلاَّ الذين ظلـموا، الـمقـيـمَ منهم علـى دينه. فقال: هو الذي يُجادَلُ، ويُقال له بـالسيف. قال: وهؤلاء يهود. قال: ولـم يكن بدار الهجرة من النصارى أحد، إنـما كانوا يهوداً هم الذي كلَّـموا وحالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغدرت النضير يوم أُحُد، وغدرت قُريظة يوم الأحزاب.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية قبل أن يؤمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـالقتال، وقالوا: هي منسوخة نسخها قوله:

{ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـاللّهِ وَلا بـالـيَوْمِ الآخِرِ }. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَلا تُـجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلاَّ بـالَّتِـي هِيَ أحْسَنُ} ثم نسخ بعد ذلك، فأمر بقتالهم فـي سورة براءة، ولا مـجادلة أشدّ من السيف أن يقاتلوا حتـى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأن مـحمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقرّوا بـالـخَراج.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب، قول من قال: عنى بقوله {إلاَّ الَّذِينَ ظَلـمُوا مِنْهُمْ}: إلاَّ الذين امتنعوا من أداء الـجزية، ونصبوا دونها الـحرب.

فإن قال قائل: أو غير ظالـم من أهل الكتاب، إلاَّ من لـم يؤدّ الـجزية؟ قـيـل: إن جميعهم وإن كانوا لأنفسهم بكفرهم بـالله، وتكذيبهم رسوله مـحمداً صلى الله عليه وسلم، ظَلَـمة، فإنه لـم يعن بقوله {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ} ظُلْـمَ أنفسهم. وإنـما عنى به: إلاَّ الذين ظلـموا منهم أهل الإيـمان بـالله ورسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، فإن أولئك جادلوهم بـالقتال.

وإنـما قلنا: ذلك أولـى الأقوال فـيه بـالصواب، لأن الله تعالـى ذكره أذِن للـمؤمنـين بجدال ظلـمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن، بقوله {إلاَّ الَّذِينَ ظَلـمُوا مِنْهُمْ} فمعلوم إذ كان قد أذن لهم فـي جدالهم، أن الذين لـم يؤذن لهم فـي جدالهم إلاَّ بـالتـي هي أحسن، غير الذين أذن لهم بذلك فـيهم، وأنهم غير الـمؤمن، لأن الـمؤمن منهم غير جائز جداله إلاَّ فـي غير الـحقّ، لأنه إذا جاء بغير الـحقّ، فقد صار فـي معنى الظلـمة فـي الذي خالف فـيه الـحقّ. فإذ كان ذلك كذلك، تبـين أن لا معنى لقول من قال: عنى بقوله {وَلا تُـجادِلُوا أهلَ الكِتابِ} أهل الإيـمان منهم، وكذلك لا معنى لقول من قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بـالقتال، وزعم أنها منسوخة، لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة علـى صحته من فطرة عقل.

وقد بـيَّنا فـي غير موضع من كتابنا، أنه لا يجوز أن يحكم علـى حكم الله فـي كتابه بأنه منسوخ إلاَّ بحجة يجب التسلـيـم لها من خبر أو عقل.

وقوله: {وَقُولُوا آمَنَّا بـالَّذِي أُنْزِلَ إلَـيْنا وأُنْزِلَ إلَـيْكُمْ، وَإلَهُنا وإلهُكُمْ وَاحِدٌ، ونَـحنُ لَهُ مُسْلِـمُونَ} يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين به وبرسوله، الذين نهاهم أن يجادلوا أهل الكتاب إلاَّ بـالتـي هي أحسن: إذا حدثكم أهل الكتاب أيها القوم عن كتبهم، وأخبروكم عنها بـما يـمكن ويجوز أن يكونوا فـيه صادقـين، وأن يكونوا فـيه كاذبـين، ولـم تعلـموا أمرهم وحالهم فـي ذلك فقولوا لهم {آمَّنَّا بِـالَّذِي أُنْزِلَ إلَـينا وأنْزِلَ إلَـيْكُمْ} مـما فـي التوراة والإنـجيـل {وَإلَهُنا وإلهُكُمْ وَاحِدٌ} يقول: ومعبودنا ومعبودكم واحد {ونَـحْنُ لَهُ مُسْلِـمُونَ} يقول: ونـحن له خاضعون متذللون بـالطاعة فـيـما أمرنا ونهانا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا علـيّ، عن يحيى بن أبـي كثـير، عن أبـي سلـمة عن أبـي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بـالعبرانـية، فـيفسرونها بـالعربـية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تُصَدّقُوا أهْلَ الكِتابِ وَلا تُكَذّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بـالَّذِي أُنْزِلَ إلَـيْنا وأُنْزِلَ إلَـيْكُمْ، وَإلهُنا وإلهُكُمْ وَاحِدٌ، ونَـحْنُ لَهُ مُسْلِـمُونَ« حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن سعد بن إبراهيـم، عن عطاء بن يسار، قال: كان ناس من الـيهود يحدثون ناساً من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:لا تُصَدّقُوهُمْ وَلا تُكَذّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بـالَّذِي أُنْزِلَ إلَـيْنا وأُنْزِلَ إلَـيْكُمْ«

قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفـيان، عن سلـيـمان، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، عن عبد الله، قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحقّ أو تصدّقوا ببـاطل، فإنه لـيس أحد من أهل الكتاب إلاَّ وفـي قلبه تالـية تدعوه إلـى دينه كتالـية الـمال. وكان مـجاهد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي به مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ} قال: قالوا مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقـير، أو آذوا مـحمداً، {وقُولُوا آمَنَّا بـالَّذِي أُنْزِل إلَـيْنا وأُنْزِلَ إلَـيْكُمْ} لـمن لـم يقل هذا من أهل الكتاب.

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَمِنْ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٤٧

يقول تعالـى ذكره: كما أنزلنا الكتب علـى مَن قبلك يا مـحمد من الرسل {كَذلكَ أنْزَلْنا إلَـيْكَ} هذا {الكِتابَ، فـالَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ} من قبلك من بنـي إسرائيـل {يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} يقول: ومن هؤلاء الذين هم بـين ظهرانـيك الـيوم من يؤمن به كعبد الله بن سلام، ومن آمن برسوله من بنـي إسرائيـل.

وقوله: {وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاَّ الكافِرُونَ} يقول تعالـى ذكره: وما يجحد بأدلتنا وحججنا إلاَّ الذي يجحد نعمنا علـيه، وينكر توحيدنا وربوبـيتنا علـى علـم منه عناداً لنا. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاَّ الكافِرُونَ} قال: إنـما يكون الـجحود بعد الـمعرفة.

وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ۝٤٨

يقول تعالـى ذكره: {وَما كُنْتَ} يا مـحمد {تَتْلُوا} يعنـي تقرأ {مِنْ قَبْلِهِ} يعنـي من قبل هذا الكتاب الذي أنزلته إلـيك {مِنْ كِتَابٍ وَلا تَـخُطُّهُ بِـيَـمِينِكَ} يقول: ولـم تكن تكتب بـيـمينك، ولكنك كنت أمِّيًّا {إذاً لارْتابَ الـمُبْطِلُونَ} يقول: ولو كنت من قبل أن يُوحَى إلـيك تقرأ الكتاب، أو تـخطه بـيـمينك، إذن لارتاب: يقول: إذن لشكّ بسبب ذلك فـي أمرك، وما جئتهم به من عند ربك من هذا الكتاب الذي تتلوه علـيهم الـمبطلون القائلون إنه سجع وكهانة، وإنه أساطير الأوّلـين. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَما كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَـخُطُّهُ بِـيَـمِينِكَ إذاً لارْتابَ الـمُبْطِلُونَ} قال: كان نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم أمِّياً لا يقرأ شيئاً ولا يكتب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَما كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَـخُطُّهُ بِـيَـمِينِكَ} قال: كان نبـيّ الله لا يقرأ كتابـاً قبله، ولا يخطه بـيـمينه قال: كان أُمِّياً، والأميّ: الذي لا يكتب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إدريس الأودي، عن الـحكم، عن مـجاهد {وَما كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَـخُطُّهُ بِـيَـمِينِكَ} قال: كان أهل الكتاب يجدون فـي كتبهم أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم لا يخطّ بـيـمينه، ولا يقرأ كتابـاً، فنزلت هذه الآية.

وبنـحو الذي قلنا أيضا فـي قوله {إذاً لارْتابَ الـمُبْطِلُونَ} قالوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {إذاً لارْتابَ الـمُبْطِلُونَ} إذن لقالوا: إنـما هذا شيء تعلَّـمه مـحمد صلى الله عليه وسلم وكتبه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله {إذاً لارْتابَ الـمُبْطِلُون} قال قريش.

بَلْ هُوَ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٤٩

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله: {بَلْ هُوَ آياتٌ بَـيِّناتٌ فِـي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ} فقال بعضهم: عنى به نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: معنى الكلام: بل وجود أهل الكتاب فـي كتبهم أن مـحمداً صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، وأنه أميّ، آيات بـينات فـي صدورهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {بَلْ هُوَ آياتٌ بَـيِّناتٌ فِـي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ} قال: كان الله تعالـى أنزل شأن مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي التوراة والإنـجيـل لأهل العلـم وعلـمه لهم، وجعله لهم آية، فقال لهم: إن آية نبوّته أن يخرج حين يخرج لا يعلـم كتابـاً، ولا يخطه بـيـمينه، وهي الآيات البـينات.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {وَما كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ} قال: كان نبـيّ الله لا يكتب ولا يقرأ، وكذلك جعل الله نعته فـي التوراة والإنـجيـل، أنه نبـيّ أميّ لا يقرأ ولا يكتب، وهي الآية البـينة فـي صدور الذين أوتوا العلـم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {بَلْ هُوَ آياتٌ بَـيِّناتٌ فِـي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ} من أهل الكتاب صدّقوا بـمـحمد ونعته ونبوّته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، {بَلْ هُوَ آياتٌ بَـيِّناتٌ} قال: أنزل الله شأن مـحمد فـي التوراة والإنـجيـل لأهل العلـم، بل هو آية بـينة فـي صدور الذين أوتوا العلـم، يقول: النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: عنى بذلك القرآن، وقالوا: معنى الكلام: بل هذا القرآن آيات بـيِّنات فـي صدور الذين أوتوا العلـم من الـمؤمنـين بـمـحمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، قال: قال الـحسن، فـي قوله: {بَلْ هُوَ آياتٌ بَـيِّناتٌ فِـي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ} القرآن آيات بـينات فـي صدور الذين أوتوا العلـم، يعنـي الـمؤمنـين.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عنى بذلك: بل العلـم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابـاً، ولا تـخطه بـيـمينك، آيات بـينات فـي صدور الذين أوتوا العلـم من أهل الكتاب.

وإنـما قلت ذلك أولـى التأويـلـين بـالآية، لأن قوله: {بَلْ هُوَ آياتٌ بَـيِّناتٌ فِـي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْـمَ} بـين خبرين من أخبـار الله عن رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، فهو بأن يكون خبراً عنه أولـى من أن يكون خبراً عن الكتاب الذي قد انقضى الـخبر عنه قبل.

وقوله: {وَما يَجْحَدُ بآياتِنا إلاَّ الظَّالِـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: ما يجحد نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم وأدلته، ويُنكر العلـم الذي يعلـم من كتب الله التـي أنزلها علـى أنبـيائه، ببعث مـحمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته ومبعثه إلاَّ الظالـمون، يعنـي الذين ظلـموا أنفسهم بكفرهم بـالله عزّ وجلّ.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ