انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة العنكبوت

تفسير الطبريالآيات 1–29

تفسير سورة العنكبوت آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة العنكبوت

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 49:48

  1. 1 الآيات 1–25في هذه الصفحة 17:48
  2. 2 الآيات 26–45في هذه الصفحة 14:30
  3. 3 الآيات 46–69 17:30

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝٢

قال أبو جعفر: وقد بـيَّنا معنى قول الله تعالـى ذكره {آلـم} وذكرنا أقوال أهل التأويـل فـي تأويـله، والذي هو أولـى بـالصواب من أقوالهم عندنا، بشواهده فـيـما مضى، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وأما قوله: {أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} فإن معناه: أظَنَّ الذين خرجوا يا مـحمد من أصحابك من أذى الـمشركين إياهم، أن نتركَهم بغير اختبـار، ولا ابتلاء امتـحان، بأن قالوا: آمنا بك يا مـحمد، فصدّقناك فـيـما جئتنا به من عند الله، كَلاَّ لنـختبرهم، لـيتبـين الصادق منهم من الكاذب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله {آمَّنا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} قال: يُبْتلَون فـي أنفسهم وأموالهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}: أي لا يُبْتَلَون.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي هاشم، عن مـجاهد، فـي قوله {وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} قال: لا يُبْتَلَون.

فَأَنِ الأولـى منصوبة بحسب، والثانـية منصوبة فـي قول بعض أهل العربـية، بتعلق يتركوا بها، وأن معنى الكلام علـى قوله {أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا} لأن يقولوا آمنا فلـما حذفت اللام الـخافضة من لأَنْ، نصبت علـى ما ذكرت. وأما علـى قول غيره فهي فـي موضع خفض بإضمار الـخافض، ولا تكاد العرب تقول: تركت فلانا أن يذهب، فتدخـل أنْ فـي الكلام، وإنـما تقول: تركته يذهب، وإنـما أدخـلت أن هاهنا لاكتفـاء الكلام بقوله {أنْ يُتْرَكُوا} إذ كان معناه: أحسب الناس أن يُتركوا وهم لا يفتنون، من أجل أن يقولوا آمنا، فكان قوله: {أنْ يُتْرَكُوا} مكتفـية بوقوعها علـى الناس، دون أخبـارهم. وإن جعلت «أن» فـي قوله {أنْ يَقُولُوا} منصوبة بنـية تكرير أحسب، كان جائزاً، فـيكون معنى الكلام: أحسب الناس أن يُتركوا: أحسبوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون.

وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٣

يقول تعالـى ذكره: ولقد اختبرنا الذين من قبلهم من الأمـم، مـمن أرسلنا إلـيهم رسلنا، فقالوا مثل ما قالته أمتك يا مـحمد بأعدائهم، وتـمكيننا إياهم من أذاهم، كموسى إذا أرسلناه إلـى بنـي إسرائيـل، فـابتلـيناهم بفرعون وملئهم، وكعيسى إذ أرسلناه إلـى بنـي إسرائيـل، فـابتلَـينا من اتبعه بـمن توَلـى عنه، فكذلك ابتلـينا أتبـاعك بـمخالفـيك من أعدائك {فَلَـيَعْلَـمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا} منهم فـي قـيـلهم آمنا {وَلَـيَعْلَـمَنَّ الكاذِبِـين} منهم فـي قـيـلهم ذلك، والله عالـم بذلك منهم قبل الاختبـار، وفـي حال الاختبـار، وبعد الاختبـار، ولكن معنى ذلك: ولَـيُظْهِرَنّ الله صدق الصادق منهم فـي قـيـله آمنا بـالله من كذب الكاذب منهم بـابتلائه إياه بعدوّه، لـيعلـم صدقه من كذبه أولـياؤه، علـى نـحو ما قد بـيَّناه فـيـما مضى قبلُ.

وذكر أن هذه الآية نزلت فـي قوم من الـمسلـمين عذّبهم الـمشركون، ففتن بعضهم، وصبر بعضهم علـى أذاهم حتـى أتاهم الله بفرج من عنده. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عبد الله بن عبـيد بن عمير يقول: نزلت، يعنـي هذه الآية

{ آلـم. أحَسِبَ الناسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنَّا... }إلـى قوله {وَلَـيَعْلَـمَنَّ الكاذِبِـينَ} فـي عمَّار بن ياسر، إذ كان يعذّب فـي الله.

وقال آخرون: بل نزل ذلك من أجل قوم كانوا قد أظهروا الإسلام بـمكة، وتـخـلفوا عن الهجرة، والفتنة التـي فتن بها هؤلاء القوم علـى مقالة هؤلاء، هي الهجرة التـي امتـحنوا بها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن مطر، عن الشعبـيِّ، قال: إنها نزلت، يعنـي

{ الـم. أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُترَكُوا }الآيتـين فـي أناس كانوا بـمكة أقرّوا بـالإسلام، فكتب إلـيهم أصحاب مـحمد نبـيِّ الله صلى الله عليه وسلم من الـمدينة: إنه لا يقبل منكم إقرارا بـالإسلام حتـى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلـى الـمدينة، فـاتبعهم الـمشركون، فردّوهم، فنزلت فـيهم هذه الآية، فكتبوا إلـيهم: إنه قد نزلت فـيكم آية كذا وكذا، فقالوا: نـخرج، فإن اتبعنا أحد قاتلناه قال: فخرجوا فـاتبعهم الـمشركون فقاتلوهم ثم، فمنهم من قتل، ومنهم من نـجا، فأنزل الله فـيهم: { ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا، ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رحِيـمٌ }

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {وَلَقَدْ فَتَنَّا} قال: ابتلـينا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثْله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي هاشم، عن مـجاهد {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} قال: ابتلـينا الذين من قبلهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن أبـي هاشم، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي ابتلـينا.

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ۝٤

يقول تعالـى ذكره: أم حسب الذين يشركون بـالله فـيعبدون معه غيره، وهم الـمعنـيون بقوله {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبَقُونا} يقول: أن يعجزونا فـيفوتونا بأنفسهم، فلا نقدر علـيهم فننتقم منهم لشركهم بـالله؟ وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ} أي الشرك أن يسبقونا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أنْ يَسْبِقُونا} أن يعجزونا.

وقوله: {ساءَ ما يَحْكُمونَ} يقول تعالـى ذكره: ساء حكمهم الذي يحكمون بأن هؤلاء الذين يعملون السيئات يسبقوننا بأنفسهم.

مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٥ وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦

يقول تعالـى ذكره: من كان يرجو الله يوم لقائه، ويطمع فـي ثوابه، فإن أجل الله الذي أجله لبعث خـلقه للـجزاء والعقاب لآت قريبـا، {وهو السميع}، يقول: والله الذي يرجو هذا الراجي بلقائه ثوابه، السميع لقوله: آمنا بـالله، {العلـيـم} بصدق قـيـله، إنه قد آمن من كذبه فيه. وقوله: {وَمَنْ جاهَدَ فإنَّـمَا يُجاهِدُ لنَفْسِهِ} يقول: ومن يجاهد عدوَّه من الـمشركين فإنـما يجاهد لنفسه، لأنه يفعل ذلك ابتغاء الثواب من الله علـى جهاده، والهرب من العقاب، فلـيس بـالله إلـى فعله ذلك حاجة، وذلك أن الله غنـيّ عن جميع خـلقه، له الـملك والـخـلق والأمر.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: والذين آمنوا بـالله ورسوله، فصحّ إيـمانهم عند ابتلاء الله إياهم وفتنته لهم، ولـم يرتدّوا عن أديانهم بأذى الـمشركين إياهم {وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ} التـي سلفت منهم فـي شركهم {وَلَنَـجْزِيَنَّهُمْ أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ} يقول: ولنثـيبنهم علـى صالـحات أعمالهم فـي إسلامهم، أحسن ما كانوا يعملون فـي حال شركهم مع تكفـيرنا سيئات أعمالهم.

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: {وَوَصَّيْنا الإنْسانَ} فـيـما أنزلنا إلـى رسولنا {بِوَالِدَيْهِ} أن يفعل بهما {حُسْناً}.

واختلف أهل العربـية فـي وجه نصب الـحسن، فقال بعض نـحويِّـي البصرة: نُصب ذلك علـى نـية تكرير وصّينا. وكأن معنى الكلام عنده: ووصينا الإنسان بوالديه، ووصيناه حسنا. وقال: قد يقول الرجل وصيته خيراً: أي بخير.

وقال بعض نـحويـي الكوفة: معنى ذلك: ووصينا الإنسان أن يفعل حُسناً، ولكن العرب تسقط من الكلام بعضه إذا كان فـيـما بقـي الدلالة علـى ما سقط، وتعمل ما بقـي فـيـما كان يعمل فـيه الـمـحذوف، فنصب قوله {حُسْناً} وإن كان الـمعنى ما وصفت وصينا، لأنه قد ناب عن الساقط، وأنشد فـي ذلك:

عَجِبْتُ مِنْ دَهْماءَ إذْ تَشْكُوناوَمِنْ أبـي دَهْماءَ إذْ يُوصِيناخَيْراً بها كأنَّنا جافُونا

وقال: معنى قوله: يوصينا خيراً: أن نفعل بها خيرا، فـاكتفـى بـيوصينا منه، وقال: ذلك نـحو قوله { فَطَفِقَ مَسْحاً }أي يـمسح مسحاً.

وقوله: {وَإنْ جاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِـي ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ فَلا تُطِعْهُما} يقول: ووصينا الإنسان، فقلنا له: إن جاهداك والداك لتشرك بـي ما لـيس لك به علـم أنه لـيس لـي شريك، فلا تطعهما فتشرك بـي ما لـيس لك به علـم ابتغاء مرضاتهما، ولكن خالفهما فـي ذلك {إلـيّ مرجعكم} يقول تعالـى ذكره: إلـيّ معادكم ومصيركم يوم القـيامة {فَأُنَبِّئكُمْ بِـما كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} يقول: فأخبركم بـما كنتـم تعملون فـي الدنـيا من صالـح الأعمال وسيئاتها، ثم أجازيكم علـيها الـمـحسن بـالإحسان، والـمسيء بـما هو أهله.

وذُكر أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب سعد بن أبـي وقاص. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً...} إلـى قوله {فَأُنَبِّئُكُمْ بِـمَا كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} قال: نزلت فـي سعد بن أبـي وَقَّاص لـما هاجر، قالت أمه: والله لا يُظِلُّنـي بـيت حتـى يرجع، فأنزل الله فـي ذلك أن يُحْسِن إلـيهما، ولا يطيعَهما فـي الشرك.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: {والَّذِينَ آمَنُوا} بـالله ورسوله {وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ} من الأعمال، وذلك أن يُؤَدُّوا فرائض الله، ويجتنبوا مَـحارمه {لَندْخِـلَنَّهمْ فـي الصَّالِـحِينَ} فـي مَدْخـل الصالـحين، وذلك الـجنة.

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره: ومن الناس من يقول: أقررنا بـالله فوحَّدناه، فإذا آذاه الـمشركون فـي إقراره بـالله، جعل فتنة الناس إياه فـي الدنـيا، كعذاب الله فـي الآخرة، فـارتدّ عن إيـمانه بـالله، راجعاً علـى الكفر به {وَلَئِنْ جاءَ نَصْر مِنْ رَبِّكَ} يا مـحمد أهل الإيـمان به {لَـيَقُولُنَّ} هؤلاء الـمرتدّون عن إيـمانهم، الـجاعلون فتنة الناس كعذاب الله: {إنَّا كُنَّا} أيها الـمؤمنون {مَعَكُمْ} ننصركم علـى أعدائكم، كذبـاً وإفكاً. يقول الله: {أوَ لَـيْسَ اللّهُ بأعْلَـمَ} أيها القوم من كلّ أحد {بـمَا فـي صُدُور العَالـمينَ} جميع خـلقه، القائلـين آمنا بـالله وغَيرِهم، فإذا أُوذِي فـي الله ارتد عن دين الله فكيف يخادع من كان لا يخفـى علـيه خافـية، ولا يستتر عنه سراً ولا علانـية. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثن عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بـاللّهِ، فإذَا أُوذِيَ فِـي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ} قال: فتنته أن يرتدّ عن دين الله إذا أوذي فـي الله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فإذَا أُوذِيَ فِـي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ...} إلـى قوله

{ وَلَـيَعْلَـمَنَّ الـمُنافِقِـينَ }قال: أناس يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة فـي أنفسهم افتتنوا، فجعلوا ذلك فـي الدنـيا كعذاب الله فـي الآخرة.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول: قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بـاللّهِ...} الآية، نزلت فـي ناس من الـمنافقـين بـمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا وأصابهم بلاء من الـمشركين، رجعوا إلـى الكفر مخافة من يؤذيهم، وجعلوا أذى الناس فـي الدنـيا كعذاب الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، فـي قول الله {فإذَا أُوذِيَ فِـي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ} قال: هو الـمنافق إذا أوذي فـي الله رجع عن الدين وكفر، وجعل فتنة الناس كعذاب الله.

وذُُُكر أن هذه الآية نزلت فـي قوم من أهل الإيـمان كانوا بـمكة، فخرجوا مهاجرين، فأدركوا وأُخذوا فأعطوا الـمشركين لـما نالهم أذاهم ما أرادوا منهم. ذكر الـخبر بذلك:

حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا مـحمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلـموا، وكانوا يستـخفون بإسلامهم، فأخرجهم الـمشركون، يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال الـمسلـمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلـمين، وأكرهوا، فـاستغفروا لهم، فنزلت:

{ إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّـاهُمُ الـمَلائِكَةُ ظالِـمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِـيـمَ كُنْتُـمْ... }إلـى آخر الآية، قال: فكتب إلـى من بقـي بـمكة من الـمسلـمين بهذه الآية أن لا عذر لهم، فخرجوا، فلـحقهم الـمشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت فـيهم هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بـاللّهِ، فإذَا أُوذِيَ فِـي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ...} إلـى آخر الآية، فكتب الـمسلـمون إلـيهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كلّ خير، ثم نزلت فـيهم: { ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا، ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبرُوا، إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيـمٌ }فكتبوا إلـيهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجاً، فخرجوا، فأدركهم الـمشركون، فقاتلوهم، حتـى نـجا من نـجا، وقُتل من قُتل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بـاللّهِ، فإذَا أُوذِيَ فِـي اللّهِ...} إلـى قوله

{ وَلَـيَعْلَـمَنَّ الـمُنافِقِـينَ }قال: هذه الآيات أنزلت فِـي القوم الذين ردّهم الـمشركون إلـى مكة، وهذه الآيات العشر مدنـية إلـى ههنا وسائرها مكيّ.

وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: ولـيعلـمنّ الله أولـياء الله، وحزبه أهل الإيـمان بـالله منكم أيها القوم، ولـيعلـمنّ الـمنافقـين منكم حتـى يـميزوا كلّ فريق منكم من الفريق الآخر، بإظهار الله ذلك منكم بـالـمـحن والابتلاء والاختبـار وبـمسارعة الـمسارع منكم إلـى الهجرة من دار الشرك إلـى دار الإسلام، وتثاقل الـمتثاقل منكم عنها.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَٰيَٰكُمْ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنْ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: وقال الذين كفروا بـالله من قريش للذين آمنوا بـالله منهم: {اتَّبِعُوا سَبِـيـلَنا} يقول: قالوا: كونوا علـى مثل ما نـحن علـيه من التكذيب بـالبعث بعد الـمـمات وجحود الثواب والعقاب علـى الأعمال {وَلْنَـحْمِلْ خَطاياكُمْ} يقول: قالوا فإنكم إن اتبعتـم سبـيـلنا فـي ذلك، فبعثتـم من بعد الـمـمات، وجوزيتـم علـى الأعمال، فإنا نتـحمل آثام خطاياكم حينئذٍ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {اتَّبِعُوا سَبِـيـلَنا وَلْنَـحْمِلْ خَطاياكُمْ} قال: قول كفـار قريش بـمكة لـمن آمن منهم، يقول: قالوا: لا نبعث نـحن ولا أنتـم، فـاتبعونا إن كان علـيكم شيء فهو علـينا.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} هم القادة من الكفـار، قالوا لـمن آمن من الأتبـاع: اتركوا دين مـحمد واتبعوا ديننا، وهذا أعنـي قوله {اتَّبِعُوا سَبِـيـلَنا وَلْنَـحْمِلْ خَطاياكُمْ} وإن كان خرج مخرج الأمر، فإن فـيه تأويـل الـجزاء، ومعناه ما قلت: إن اتبعتـم سبـيـلنا حملنا خطاياكم، كما قال الشاعر:

فَقُلْت ادْعِي وأَدْع فإنَّ أنْدَىلِصَوْتٍ أنْ يُنادِيَ دَاعيانِ

يريد: ادعي ولأدع، ومعناه: إن دعوت دعوت.

وقوله: {وَما هُمْ بِحامِلِـينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ} وهذا تكذيب من الله للـمشركين القائلـين للذين آمنوا {اتَّبِعُوا سَبِـيـلَنا وَلْنَـحْمِلْ خَطاياكُمْ} يقول جلّ ثناؤه: وكذبوا فـي قـيـلهم ذلك لهم، ما هم بحاملـين من آثام خطاياهم من شيء، إنهم لكاذبون فـيـما قالوا لهم ووعدوهم، من حمل خطاياهم إن هم اتبعوهم.

وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْـَٔلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره: ولـيحملنّ هؤلاء الـمشركون بـالله القائلون للذين آمنوا به اتبعوا سبـيـلنا ولنـحمل خطاياكم أوزار أنفسهم وآثامها، وأوزار من أضلوا وصدّوا عن سبـيـل الله مع أوزارهم، ولـيسئلنّ يوم القـيامة عما كانوا يكذّبونهم فـي الدنـيا بوعدهم إياهم الأبـاطيـل، وقـيـلهم لهم: اتبعوا سبـيـلنا ولنـحمل خطاياكم فـيفترون الكذب بذلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَلَـيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ} أي أوزارهم {وأثْقالاً مَعَ أثْقالِهِمْ} يقول: أوزار من أضلوا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَلَـيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ، وأثْقالاً مَعَ أثْقالِهِمْ}. وقرأ قوله:

{ لِـيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِـيامَةِ، وَمِنْ أوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بغَيْرِ عِلْـمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ }قال: فهذا قوله {وأثْقالاً مَعَ أثْقالِهِمْ}.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَٰلِمُونَ ۝١٤

وهذا وعيد من الله تعالـى ذكره هؤلاء الـمشركين من قريش، القائلـين للذين آمنوا: اتبعوا سبـيـلنا، ولنـحمل خطاياكم، يقول لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزننك يا مـحمد ما تلقـى من هؤلاء الـمشركين أنت وأصحابك من الأذى، فإنـي وإن أملـيت لهم فأطلت إملاءهم، فإن مصير أمرهم إلـى البوار، ومصير أمرك وأمر أصحابك إلـى العلوّ والظفر بهم، والنـجاة مـما يحلّ بهم من العقاب، كفعلنا ذلك بنوح، إذ أرسلناه إلـى قومه، فلبث فـيهم ألف سنة إلاَّ خمسين عاما يدعوهم إلـى التوحيد، وفراق الآلهة والأوثان، فلـم يزدهم ذلك من دعائه إياهم إلـى الله من الإقبـال إلـيه، وقبول ما أتاهم به من النصيحة من عند الله إلاَّ فراراً.

وذُكر أنه أُرسل إلـى قومه وهو ابن ثلاث مئة وخمسين سنة، كما:

حدثنا نصر بن علـيّ الـجهضمي، قال: ثنا نوح بن قـيس، قال: ثنا عون بن أبـي شداد، قال: إن الله أرسل نوحا إلـى قومه وهو ابن خمسين وثلاث مئة سنة فلبث فـيهم ألف سنة إلاَّ خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاث مئة سنة {فأخذهم الطوفـان}، يقول تعالـى ذكره: فأهلكهم الـماء الكثـير، وكلّ ماء كثـير فـاش طامٌّ، فهو عند العرب طوفـان، سيلاً كان أو غيره، وكذلك الـموت إذا كان فـاشيا كثـيرا، فهو أيضا عندهم طوفـان ومنه قول الراجز:

(أفْناهُمُ طُوفـان مَوْتٍ جارِفِ )

وبنـحو قولنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {فأخَذَهُمُ الطُّوفـانُ} قال: هو الـماء الذي أرسل علـيهم.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول: الطوفـان: الغرق.

وقوله: {وَهُمْ ظالِـمُونَ} يقول: وهم ظالـمون أنفسهم بكفرهم.

فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَصْحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَٰهَآ ءَايَةً لِّلْعَٰلَمِينَ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: فأنـجينا نوحا وأصحاب سفـينته، وهم الذين حملهم فـي سفـينته من ولده وأزواجهم.

وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى قبل، وذكرنا الروايات فـيه، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

{وَجَعَلْناها آيَةً للْعالَـمِينَ} يقول: وجعلنا السفـينة التـي أنـجيناه وأصحابه فـيها عبرة وعظة للعالـمين، وحجة علـيهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله {فأنـجَيْناهُ وأصحَابَ السَّفِـينَةِ...} الآية. قال: أبقاها الله آية للناس بأعلـى الـجوديّ. ولو قـيـل: معنى: {وَجَعَلْناها آيَةً للعالَـمِينَ} وجعلنا عقوبتنا إياهم آية للعالـمين، وجعل الهاء والألف فـي قوله {وَجَعَلْناها} كناية عن العقوبة أو السخط، ونـحو ذلك، إذ كان قد تقدم ذلك فـي قوله

{ فأخَذَهُمُ الطُّوفـانُ وَهُمْ ظالِـمُونَ }كان وجهاً من التأويـل.

وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝١٦

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر أيضا يا مـحمد إبراهيـم خـلـيـل الرحمن، إذ قال لقومه: اعبدوا الله أيها القوم دون غيره من الأوثان والأصنام، فإنه لا إله لكم غيره، {واتقوه} يقول: واتقوا سخطه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إن كُنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ} ما هو خير لكم مـما هو شرّ لكم.

إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَٰنًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره مخبرا عن قـيـل خـلـيـله إبراهيـم لقومه: إنـما تعبدون أيها القوم من دون الله أوثاناً، يعنـي مُثُلاً. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {إنَّـمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أوْثاناً} أصناماً

.WWW واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {وتَـخْـلُقُونَ إفْكاً} فقال بعضهم: معناه: وتصنعون كذبـاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وتَـخْـلُقُونَ إفْكاً} يقول: تصنعون كذبـاً.

وقال آخرون: وتقولون كذبـاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وتَـخْـلُقُونَ إفْكاً} يقول: وتقولون إفكاً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وتَـخْـلُقُونَ إفْكاً} يقول: تقولون كذبـاً.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتنـحِتون إفكاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وتَـخْـلُقونَ إفْكاً} قال: تنـحِتون تصوّرون إفكاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وتَـخْـلُقُونَ إفْكاً} أي تصنعون أصناماً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَتَـخْـلُقُونَ إفْكاً} الأوثان التـي ينـحِتونها بأيديهم.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: وتصنعون كذبـاً. وقد بـيَّنا معنى الـخـلق فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. فتأويـل الكلام إذن: إنـما تعبدون من دون الله أوثاناً، وتصنعون كذبـاً وبـاطلاً. وإنـما فـي قوله: {إفْكاً} مردود علـى إنـما، كقول القائل: إنـما تفعلون كذا، وإنـما تفعلون كذا.

وقرأ جميع قرّاء الأمصار: {وتَـخْـلُقُونَ إفْكاً} بتـخفـيف الـخاء من قوله: {وتَـخْـلُقُونَ} وضمّ اللام: من الـخَـلْق. وذُكر عن أبـي عبد الرحمن السُلـميّ أنه قرأ: {وتُـخَـلِّقونَ إفْكاً} بفتـح الـخاء وتشديد اللام من التـخـلـيق.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

وقوله: {إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَـمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً} يقول جلّ ثناؤه: إن أوثانكم التـي تعبدونها، لا تقدر أن ترزقكم شيئا {فـابتغُوا عندَ اللّهِ الرِّزْقَ} يقول: فـالتـمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم، تدركوا ما تبتغون من ذلك {وَاعْبُدُوهُ} يقول: وذلوا له {وَاشْكُرُوا لَهُ} علـى رزقه إياكم، ونعمه التـي أنعمها علـيكم. يقال: شكرته وشكرتُ له، والثانـية أفصح من شكرته. وقوله: {إلَـيْهِ تُرْجَعُونَ} يقول: إلـى الله تُرَدّون من بعد مـماتكم، فـيسألكم عما أنتـم علـيه من عبـادتكم غيره وأنتـم عبـاده وخـلقه، وفـي نعمه تتقلَّبون، ورزقه تأكلون.

وَإِن تُكَذِّبُوا۟ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: وإن تكذِّبوا أيها الناس رسولنا مـحمداً صلى الله عليه وسلم فـيـما دعاكم إلـيه من عبـادة ربكم الذي خـلقكم ورزقكم، والبراءة من الأوثان، فقد كَذَّبت جماعات من قبلكم رسلَها فـيـما دعتهم إلـيه الرسل من الـحقّ، فحلّ بها من الله سخطه، ونزل بها منه عاجل عقوبته، فسبـيـلكم سبـيـلها فـيـما هو نازل بكم بتكذيبكم إياه {وَما علـى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ الـمُبِـينُ} يقول: وما علـى مـحمد إلاَّ أن يبلِّغكمَ رسالته، ويؤدّي إلـيكم ما أَمره بأدائه إلـيكم ربُّه. ويعنـي بـالبلاغ الـمبـين: يُبِـين لـمن سمعه ما يراد به، ويفهم به ما يعنـي به.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ۝١٩ قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْـَٔاخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢٠

يقول تعالـى ذكره: أو لـم يروا كيف يستأنف الله خـلق الأشياء طفلاً صغيراً، ثم غلاماً يافعاً، ثم رجلاً مـجتـمعاً، ثم كهلاً. يقال منه: أبدأ وأعاد، وبدأ وعاد، لغتان بـمعنى واحد. وقوله: {ثُمَّ يُعِيدُه} يقول: ثم هو يعيده من بعد فنائه وبلاه، كما بدأه أوّل مرّة خـلقاً جديداً، لا يتعذّر علـيه ذلك {إنَّ ذلكَ علـى اللّهِ يَسِيرٌ} سهل كما كان يسيراً علـيه إبداؤه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، فـي قوله {أو لَـمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِىءُ اللّهُ الـخَـلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}: بـالبعث بعد الـموت.

وقوله: {قُلْ سِيرُوا فِـي الأرْضِ} يقول تعالـى ذكره لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للـمنكرين للبعث بعد الـمـمات، الـجاحدين الثواب والعقاب: سيروا فـي الأرض فـانظروا كيف بدأ الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها وكما أوجدها وأحدثها ابتداء، فلـم يتعذّر علـيه إحداثها مُبدئا، فكذلك لا يتعذّر علـيه إنشاؤها معيدا {ثُمَّ اللّهُ يُنْشِىءُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} يقول: ثم الله يبدىء تلك البدأة الآخرة بعد الفناء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {قُلْ سِيرُوا فِـي الأرْضِ فـانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الـخَـلْق} خَـلْق السموات والأرض {ثُمَّ اللّهُ يُنْشِىءُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ}: أي البعث بعد الـموت.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُمَّ اللّهُ يُنْشِىءُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ} قال: هي الـحياة بعد الـموت، وهو النشور.

وقوله: {إنَّ اللّهَ عَلـى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول تعالـى ذكره: إن الله علـى إنشاء جميع خـلقه بعد إفنائه كهيئته قبل فنائه، وعلـى غير ذلك مـما يشاء فعله قادر لا يُعجزه شيء أراده.

يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ۝٢١ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: ثم الله ينشىء النشأة الآخرة خـلقه من بعد فنائهم، فـيعذّب من يشاء منهم علـى ما أسلف من جرمه فـي أيام حياته، ويرحم من يشاء منهم مـمن تاب وآمن وعمل صالـحاً {وَإلَـيْهِ تُقْلَبُونَ} يقول: وإلـيه ترجعون وتردّون.

وأما قوله: {وَما أنْتُـمْ بِـمُعْجِزِينَ فِـي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ} فإن ابن زيد قال فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرن ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَما أنْتُـمْ بِـمُعْجِزِينَ فِـي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ} قال: لا يُعجزه أهل الأرضين فـي الأرضين ولا أهل السموات فـي السموات إن عصوه، وقرأ:

{ مثقالُ ذَرّةٍ فـي السَّموات ولا فِـي الأرض، وَلا أصْغَرُ مِنْ ذلكَ ولا أكْبَرُ إلاَّ فِـي كِتابٍ مُبِـينٍ }

وقال فـي ذلك بعض أهل العربـية من أهل البصرة: وما أنتـم بـمعجزين من فـي الأرض ولا من فـي السماء مُعْجِزِينَ قال: وهو من غامض العربـية للضمير الذي لـم يظهر فـي الثانـي. قال: ومثله قول حسان بن ثابت:

أمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللّهِ مِنْكُمْ ويَـمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟

أراد: ومن ينصره ويـمدحه، فأضمر «مَنْ». قال: وقد يقع فـي وهم السامع أن النصر والـمدح لـمَنْ هذه الظاهرة ومثله فـي الكلام: أكرمْ من أتاك وأتـى أبـاك، وأكرم من أتاك ولـم يأت زيدا. تريد: ومن لـم يأت زيدا، فـيكتفـي بـاختلاف الأفعال من إعادة مَنْ، كأنه قال: أمَن يهجو، ومن يـمدحه، ومن ينصره. ومنه قول الله عزّ وجلّ: { وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـل وَسارِبٌ بـالنَّهارِ }وهذا القول أصحّ عندي فـي الـمعنى من القول الآخر، ولو قال قائل: معناه: ولا أنتـم بـمعجزين فـي الأرض، ولا أنتـم لو كنتـم فـي السماء بـمعجزين كان مذهبـاً.

وقوله: {وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَلـيّ وَلا نَصِيرٍ} يقول: وما كان لكم أيها الناس من دون الله من ولـيّ يـلـي أموركم، ولا نصير ينصركم من الله إن أراد بكم سوءاً ولا يـمنعكم منه إن أحلّ بكم عقوبتَه.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يَئِسُوا۟ مِن رَّحْمَتِى وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢٣

يقول تعالـى ذكره: والذين كفروا حُجَجَ الله، وأنكروا أدلته، وجحدوا لقاءه والورود علـيه، يوم تقوم الساعة {أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِـي} يقول تعالـى ذكره: أولئك يئسوا من رحمتـي فـي الآخرة لـما عاينوا ما أعدّ لهم من العذاب، وأولئك لهم عذاب مُوجِع.

فإن قال قائل: وكيف اعْترض بهذه الآيات من قوله

{ وَإنْ تُكَذّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَـمٌ مِنْ قَبْلَكُمْ... }إلـى قوله { إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }وترك ضمير قوله { فَمَا كانَ جَوَابَ قَوْمِهِ }وهو من قصة إبراهيـم. وقوله { إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ... }إلـى قوله { فـابْتَغُوا عِنْدَ اللّهِ الرّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إلَـيْهِ تُرْجَعُونَ؟ }

قـيـل: فعل ذلك كذلك، لأن الـخبر عن أمر نوح وإبراهيـم وقومهما، وسائر مَنْ ذَكَر الله من الرسل والأمـم فـي هذه السورة وغيرها، إنـما هو تذكير من الله تعالـى ذكره به الَّذِينَ يبتدىء بذكرهم قبل الاعتراض بـالـخبر، وتـحذير منه لهم أن يحلّ بهم ما حلّ بهم، فكأنه قـيـل فـي هذا الـموضع: فـاعبدوه واشكروا له إلـيه ترجعون، فكذّبتـم أنتـم معشر قريش رسولكم مـحمداً، كما كذّب أولئك إبراهيـم، ثم جَعَل مكان: فكذّبتـم: وإن تكذبوا فقد كَذَّب أمـم من قبلكم، إذ كان ذلك يدل علـى الـخبر عن تكذيبهم رسولَهم، ثم عاد إلـى الـخبر عن إبراهيـم وقومه، وتتـميـم قصته وقصتهم بقوله

{ فَمَا كانَ جَوَابَ قَوْمِهِ }}.

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره: فلـم يكن جواب قوم إبراهيـم له إذ قال لهم: اعبدوا الله واتقوه، ذلكم خير لكم إن كنتـم تعلـمون، إلاَّ أن قال بعضهم لبعض: اقتلوه أو حرّقوه بـالنار، ففعلوا، فأرادوا إحراقه بـالنار، فأضرموا له النار، فألقَوه فـيها، فأنـجاه الله منها، ولـم يسلطها علـيه، بل جعلها علـيه بَرْداً وسلاماً. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: فَمَا كانَ جَوَابَ قوم إبراهيـم {إلاَّ أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرّقُوهُ، فَأنـجاهُ اللّهُ مِنَ النَّارِ} قال: قال كعب: ما حرقت منه إلاّ وثاقه {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يقول تعالـى ذكره: إن فـي إنـجائنا لإبراهيـم من النار، وقد ألقـي فـيها وهي تَسعَر، وتصيـيرها علـيه برداً وسلاماً، لأدلة وحججاً لقوم يصدّقون بـالأدلة والـحجج إذا عاينوا ورأوا.

وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل إبراهيـم لقومه: {وَقالَ} إبراهيـم لقومه: يا قوم {إنَّـمَا اتَّـخَذْتُـمْ مِنْ دُونِ اللّهِ أوْثاناً}.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {مَوَدَّةَ بَـيْنِكُمْ} فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والشأم وبعض الكوفـيـين: «مَوَدَّةً» بنصب مودة بغير إضافة بـينكم بنصبها. وقرأ ذلك بعض الكوفـيـين: {مَوَدَّةَ بَـيْنِكُمْ} بنصب الـمودّة وإضافتها إلـى قوله {بَـيْنِكُمْ}، وخفض بـينِكم. وكأن هؤلاء الذين قرءوا قوله: {مَوَدَّةَ} نصبـاً وجَّهوا معنى الكلام إلـى: إنـما اتـخذتـم أيها القوم أوثاناً مودة بـينكم، فجعلوا إنـما حرفـاً واحداً، وأوقعوا قوله {اتَّـخَذْتـمْ} علـى الأوثان، فنصبوها بـمعنى: اتـخذتـموها مودّة بـينكم فـي الـحياة الدنـيا، تتـحابُّون علـى عبـادتها، وتتوادّون علـى خدمتها، فتتواصلون علـيها. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة والبصرة: «مَوَدَّةُ بَـيْنِكُمْ» برفع الـمودة وإضافتها إلـى البـين، وخفض البـين. وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك، جعلوا «إنَّ مَا» حرفـين، بتأويـل: إن الذين اتـخذتـم من دون الله أوثاناً إنـما هو مودّتكم للدنـيا، فرفعوا مودة علـى خبر إن. وقد يجوز أن يكونوا علـى قراءتهم ذلك رفعاً بقوله «إنـما» أن تكون حرفـاً واحداً، ويكون الـخبر متناهياً عند قوله {إنَّـمَا اتَّـخَذْتُـمْ مِنْ دُونِ اللّهِ أوْثاناً} ثم يبتدىءُ الـخبر فـيقال: ما مودتكم تلك الأوثان بنافعتكم، إنـما مودّة بـينكم فـي حياتكم الدنـيا، ثم هي منقطعة، وإذا أريد هذا الـمعنى كانت الـمودّة مرفوعة بـالصفة بقوله {فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا} وقد يجوز أن يكونوا أرادوا برفع الـمودّة، رفعها علـى ضمير هي.

وهذه القراءات الثلاث متقاربـات الـمعانـي، لأن الذين اتـخذوا الأوثان آلهة يعبدونها، اتـخذوها مودة بـينهم، وكانت لهم فـي الـحياة الدنـيا مودة، ثم هي عنهم منقطعة، فبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب، لتقارب معانـي ذلك، وشهرة القراءة بكلّ واحدة منهنّ فـي قرّاء الأمصار. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَقالَ إنَّـمَا اتَّـخَذْتُـمْ مِنْ دُونِ اللّهِ أوْثاناً مَوَدَّةَ بَـيْنِكُمْ فِـي الـحَياةِ الدنْـيا، ثمَّ يَوْمَ الْقِـيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ ببَعْضٍ، وَيَـلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} ًقال: صارت كلّ خُـلَّة فـي الدنـيا عداوة علـى أهلها يوم القـيامة إلاَّ خُـلَّة الـمتقـين.

وقوله: {ثُمَّ يَوْمَ القِـيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَـلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} يقول تعالـى ذكره: ثم يوم القـيامة أيها الـمتوادّون علـى عبـادة الأوثان والأصنام، والـمتواصلون علـى خدماتها عند ورودكم علـى ربكم، ومعاينتكم ما أعدّ الله لكم علـى التواصل، والتوادّ فـي الدنـيا من ألـم العذاب {يَكْفر بعضكم ببعض} يقول: يتبرأ بعضكم من بعض، ويـلعن بعضُكم بعضاً

وقوله: {ومَأْوَاكُمُ النَّارُ} يقول جلّ ثناؤه: ومصير جميعكم أيها العابدون الأوثان وما تعبدون النارُ {ومَا لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ} يقول: وما لكم أيها القوم الـمتـخذو الآلهة، من دون الله مودّة بـينكم من أنصار ينصرونكم من الله حين يصلـيكم نار جهنـم، فـينقذونكم من عذابه.

فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢٦

يقول تعالـى ذكره: فصدّق إبراهيـمَ خـلـيـلَ الله لوطٌ {وَقالَ إنّـي مُهاجِرٌ إلـى رَبِّـي} يقول: وقال إبراهيـم: إنـي مهاجر دار قومي إلـى ربـي إلـى الشام. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فآمَنَ لَهُ لُوطٌ} قال: صدّق لوط {وَقالَ إنّـي مُهاجِرٌ إلـى رَبِّـي} قال: هو إبراهيـم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فآمَنَ لَهُ لُوطٌ} أي فصدّقه لوط {وَقالَ إنِّـي مُهاجِرٌ إلـى رَبِّـي} قال: هاجَرا جميعا من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلـى الشام. قال: وذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

إنها سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، يَنْـحازُ أهْلُ الأرْضِ إلـى مُهاجَرِ إبْرَاهِيـمَ، وَيَبْقَـى فِـي الأرْضِ شِرَارُ أهْلِها، حتـى تَلْفِظَهُمْ وَتَقْذَرَهُمْ وتَـحْشُرَهُمُ النَّارُ مَعَ القِرَدَةِ والـخَنازِيرِ«

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فآمَنَ لَهُ لُوطٌ} قال: صدّقه لوط، صدق إبراهيـم قال: أرأيت الـمؤمنـين، ألـيس آمنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به؟ قال: فـالإيـمان: التصديق. وفـي قوله: {إنّـي مُهاجِرٌ إلـى رَبِّـي} قال: كانت هِجْرته إلـى الشأم.

وقال ابن زيد فـي حديث الذئب الذي كلـم الرجل، فأخبر به النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فآمَنْتُ لَهُ أنا وأبُو بَكْرٍ وعُمَر، ولَـيْسَ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ مَعَهُيعنـي آمنت له: صدّقته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، فـي قوله {فآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إنِّـي مُهاجِرٌ إلـى رَبِّـي} قال: إلـى حَرَّان، ثم أُمر بعد بـالشأم الذي هاجر إبراهيـم، وهو أوّل من هاجَر يقول: {فآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ} إبْراهِيـمُ {إنّـي مُهاجِرٌ...} الآية.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {فآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إنّـي مُهاجِرٌ إلـى رَبّـي} إبراهيـم القائل: إنـي مهاجر إلـى ربـي.

وقوله: {إنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الـحَكِيـمُ} يقول: إن ربـي هو العزيز الذي لا يذِلّ من نَصَره، ولكنه يـمنعه مـمن أراده بسوء، وإلـيه هجرته، الـحكيـم فـي تدبـيره خـلقه، وتصريفه إياهم فـيـما صرفهم فـيه.

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَٰبَ وَءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: ورزقناه من لدنا إسحاق ولداً، ويعقوبَ من بعده وَلَدَ وَلَدٍ. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وَوَهَبْنا لَهُ إسحَاقَ وَيَعْقُوبَ} قال: هما ولدا إبراهيـم.

وقوله: {وَجَعَلْنا فِـي ذُرِّيَّتِهِ النُّبَوَّةَ والكِتابَ} بـمعنى الـجمع، يراد به الكتب، ولكنه خُرِّج مُخْرج قولهم: كثر الدرهم والدينار عند فلان.

وقوله: {وآتَـيْناهُ أجْرَهُ فِـي الدُّنْـيا} يقول تعالـى ذكره: وأعطيناه ثواب بلائه فـينا فـي الدنـيا {وَإنَّهُ} مع ذلك {فـي الآخِرةِ لَـمِنَ الصَّالِـحينَ} فله هناك أيضا جزاء الصالـحين، غير منتقص حَظُّه بـما أعطي فـي الدنـيا من الأجر علـى بلائه فـي الله، عما له عنده فـي الآخرة.

وقـيـل: إن الأجر الذي ذكره الله عزّ وجلّ، أنه آتاه إبراهيـم فـي الدنـيا هو الثناء الـحسن، والولد الصالـح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وآتَـيْناه أجْرَهُ فِـي الدُّنْـيا} قال: الثناء.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن لـيث قال: أرسل مـجاهد رجلاً يقال له قاسم إلـى عكرِمة يسأله عن قوله {وآتَـيْناهُ أجْرَهُ فِـي الدُّنْـيا. وَإنَّهُ فِـي الآخِرَةِ لَـمِنَ الصَّالِـحِينَ} قال: قال أجره فـي الدنـيا أن كل ملة تتولاه، وهو عند الله من الصالـحين، قال: فرجع إلـى مـجاهد فقال: أصاب.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، عن مندل، عمن ذكره، عن ابن عبـاس {وآتَـيْناهُ أجْرَهُ فِـي الدُّنْـيا} قال: الولد الصالـح والثناء.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {وآتَـيْناهُ أجْرَهُ فِـي الدُّنْـيا} يقول: الذكر الـحسن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وآتَـيْناهُ أجْرَهُ فِـي الدُّنْـيا} قال: عافـية وعملاً صالـحاً، وثناء حسناً، فلست بلاق أحداً من الـملل إلا يرى إبراهيـم ويتولاه {وَإنَّهُ فِـي الآخِرَةِ لَـمِنَ الصَّالِـحِينَ}.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر لوطا إذ قال لقومه: إنكم لتأتون الذكران {ما سَبَقَكُمْ بِها} يعنـي بـالفـاحشة التـي كانوا يأتونها، وهي إتـيان الذكران {مِنْ أحَدٍ مِنَ العالَـمِينَ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن خالد بن خداش ويعقوب بن إبراهيـم، قالا: ثنا إسماعيـل بن علـية، عن ابن أبـي نـجيح، عن عمرو بن دينار، فـي قوله {إنَّكُم لَتَأْتُونَ الفَـاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أحَدٍ مِنَ العالَـمِينَ} قال: ما نَزَا ذَكَرٌ علـى ذَكَر حتـى كان قوم لوط.

أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره مخبرا عن قـيـل لوط لقومه {أئِنَّكُمْ} أيها القوم {لَتأْتُونَ الرّجالَ} فـي أدبـارهم {وَتَقْطَعُونَ السَّبِـيـلَ} يقول: وتقطعون الـمسافرين علـيكم بفعلكم الـخبـيث، وذلك أنهم فـيـما ذُكر عَنْهم كانوا يفعلون ذلك بـمن مرّ علـيهم من الـمسافرين، من ورد بلادهم من الغربـاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَتَقْطَعُونَ السَّبِـيـلَ} قال: السبـيـل: الطريق. الـمسافر إذا مرّ بهم، وهو ابن السبـيـل قَطَعوا به، وعملوا به ذلك العمل الـخبـيث.

وقوله: {وَتأتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} اختلف أهل التأويـل فـي الـمنكر الذي عناه الله، الذي كان هؤلاء القوم يأتونه فـي ناديهم، فقال بعضهم: كان ذلك أنهم كانوا يتضارطُون فـي مـجالسهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا مـحمد بن ربـيعة، قال: ثنا رَوْح بن عُطيفة الثقـفـيّ، عن عمرو بن مصعب، عن عروة بن الزبـير، عن عائشة، فـي قوله {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} قال: الضراط.

وقال آخرون: بل كان ذلك أنهم كانوا يخذفون من مر بهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع قالا: ثنا أبو أسامة، عن حاتـم بن أبـي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن أبـي صالـح، عن أمّ هانىء، قالت: سألت النبـيّ صلى الله عليه وسلم عن قوله {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} قالَ:

كانُوا يَخْذِفُونَ أهْلَ الطَّرِيقِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْفهو الـمنكر الذي كانوا يأتون.

حدثنا الربـيع، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو أُسامة، بإسناده عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، مثله.

حدثنا أحمد بن عبدة الضبـي، قال: ثنا سلـيـم بن أخضر، قال: ثنا أبو يونس القُشَيري، عن سِماك بن حرب، عن أبـي صالـح مولـى أمّ هانىء، أن أمّ هانىء سُئلت عن هذه الآية {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} فقالت: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

كانُوا يَخْذِفُونَ أهْلَ الطَّرِيقِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عمر بن أبـي زائدة، قال: سمعت عكرِمة يقول فـي قوله {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} قال: كانوا يُؤْذون أهل الطريق يخذفون من مَرّ بهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن عمر بن أبـي زائدة، قال: سمعت عكرِمة قال: الـخذف.

حدثنا موسى، قال: أخبرنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} قال: كان كلّ من مرّ بهم خذفوه فهو الـمنكر.

حدثنا الربـيع، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سعيد بن زيد، قال: ثنا حاتـم بن أبـي صغيرة، قال: ثنا سِماك بن حرب، عن بـاذام، عن أبـي صالـح مولـى أمّ هانىء، عن أمّ هانىء، قالت: سألت رسول الله صَلَّـى اللّهُ عَلَـيْهِ وَسَلَّـمَ عن هذه الآية {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} قال:

كانُوا يَجْلِسُونَ بـالطَّرِيقِ، فَـيَخْذِفُونَ أبْناءَ السَّبِـيـلِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ

وقال بعضهم: بل كان ذلك إتـيانهم الفـاحشة فـي مـجالسهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، قال: كان يأتـي بعضهم بعضا فـي مـجالسهم، يعنـي قوله {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ}.

حدثنا سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا ثابت بن مـحمد اللـيثـيّ، قال: ثنا فضيـل بن عياض، عن منصور بن الـمعتـمر، عن مـجاهد، فـي قوله {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} قال: كان يجامع بعضهم بعضا فـي الـمـجالس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مـجاهد {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} قال: كان يأتـي بعضهم بعضا فـي الـمـجالس.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: كانوا يجامعون الرجال فـي مـجالسهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} قال: الـمـجالس، والـمنكَر: إتـيانهم الرجال.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} قال: كانوا يأتون الفـاحشة فـي ناديهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وتَأْتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} قال: ناديهم: الـمـجالس، والـمنكر: عملهم الـخبـيث الذي كانوا يعملونه، كانوا يعترضون بـالراكب فـيأخذونه ويركبونه. وقرأ

{ أتأْتُونَ الفـاحِشَةَ وأنْتُـمْ تُبْصِرُونَ }، وقرأ { ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أحَدٍ مِنَ العالَـمِينَ }

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {وتَأتُونَ فِـي نادِيكُمُ الـمُنْكَرَ} يقول: فـي مـجالسكم.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: وتـحذفون فـي مـجالسكم الـمارّة بكم، وتسخَرون منهم لـما ذكرنا من الرواية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {فَمَا كانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاَّ أنْ قالُوا ائْتِنا بعَذَابِ اللّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِـينَ} يقول تعالـى ذكره: فلـم يكن جواب قوم لُوط إذ نهاهم عما يكرهه الله من إتـيان الفواحش التـي حرمها الله إلا قَـيـلهم: ائتنا بعذاب الله الذي تعدنا، إن كنت من الصادقـين فـيـما تقول، والـمنـجزين لـما تعد.

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 12 جمادى الأولى 1448 هـ