انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة العنكبوت

تفسير الطبريالآيات 50–69

تفسير سورة العنكبوت آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة العنكبوت

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 49:48

  1. 1 الآيات 46–69في هذه الصفحة 17:30

التفسير الصوتي لسورة العنكبوت كاملًا (3 مقاطع)

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: وقالت الـمشركون من قريش: هلا أنزل علـى مـحمد آية من ربه تكون حجة لله علـينا كما جعلت الناقة لصالـح، والـمائدة آية لعيسى، قل يا مـحمد، إنـما الآيات عند الله لا يقدر علـى الإتـيان بها غيره {وَإنـمَا أنَا نَذِيرٌ مُبِـينٌ} وإنـما أنا نذير لكم أنذركم بأس الله وعقابه علـى كفركم برسوله. وما جاءكم به من عند ربكم {مبـين} يقول: قد أبـان لكم إنذاره.

أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٥١

يقول تعالـى ذكره: أو لـم يكف هؤلاء الـمشركين يا مـحمد، القائلـين: لولا أنزل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم آية من ربه، من الآيات والـحجج {أنَّا أنْزَلْنا عَلَـيْكَ} هذا {الكِتابَ يُتْلَـى عَلَـيْهِمْ} يقول: يُقرأ علـيهم {إنَّ فِـي ذلكَ لَرَحْمَةً} يقول: إن فـي هذا الكتاب الذي أنزلنا علـيهم لرحمة للـمؤمنـين به وذكرى يتذكرون بـما فـيه من عبرة وعظة.

وذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتسخوا شيئا من بعض كتب أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة أن ناساً من الـمسلـمين أتوا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بكتب قد كتبوا فـيها بعض ما يقول الـيهود، فلـما أن نظر فـيها ألقاها، ثم قال:

كفـى بها حماقة قوم، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عما جاءهم به نبـيهم، إلـى ما جاء به غير نبـيهم إلـى قوم غيرهم، « ، فنزلت: {أوَ لَـمْ يَكْفِهِمْ أنَّا أنْزَلْنا عَلَـيْكَ الكِتابَ يُتْلَـى عَلَـيْهِمْ إنَّ فِـي ذلكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْم يُؤْمِنُونَ}.

قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْبَٰطِلِ وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٥٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للقائلـين لك: لولا أنزل علـيك آية من ربك، الـجاحدين بآياتنا من قومك: كفـى الله يا هؤلاء بـينـي وبـينكم شاهداً لـي وعلـيّ، لأنه يعلـم الـمـحقّ منا من الـمبطل، ويعلـم ما فـي السموات وما فـي الأرض، لا يخفـى علـيه شيء فـيهما، وهو الـمـجازي كل فريق منا بـما هو أهله، الـمـحقّ علـى ثبـاته علـى الـحقّ، والـمبطل علـى بـاطله، بـما هو أهله {وَالَّذِينَ آمَنُوا بـالبـاطِلِ} يقول: صدّقوا بـالشرك، فأقرّوا به وكفروا به. يقول: وجحدوا الله {أُولَئِكَ هُمُ الـخاسِرُونَ} يقول: هم الـمغبونون فـي صفقتهم. وبنـحو الذي قلنا فـي قوله {والَّذِينَ آمَنُوا بـالبـاطِلِ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَالَّذِينَ آمَنُوا بـالبـاطِل}: الشرك.

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: ويستعجلك يا مـحمد هؤلاء القائلون من قومك: لولا أنزل علـيه آية من ربه بـالعذاب، ويقولون:

{ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ }ولولا أجل سميته لهم فلا أهلكهم حتـى يستوفوه ويبلغوه، لـجاءهم العذاب عاجلاً. وقوله: {وَلَـيَأْتِـيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} يقول: ولـيأتـينهم العذاب فجأة وهم لا يشعرون بوقت مـجيئه قبل مـجيئه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بـالعَذَابِ} قال: قال ناس من جهلة هذه الأمة

{ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ... }} الآية.

يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره: يستعجلكَ يا مـحمد هؤلاء الـمشركون بـمـجيء العذاب ونزوله بهم، والنار بهم مـحيطة لـم يبق إلاَّ أن يدخـلوها. وقـيـل: إن ذلك هو البحر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت عكرِمة يقول فـي هذه الآية {وَإنَّ جَهَنَّـمَ لَـمُـحِيطَةٌ بـالكافِرِينَ} قال: البحر.

أخبرنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرِمة، مثله.

يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٥٥

يقول تعالـى ذكره:

{ وَإنَّ جَهَنَّـمَ لَـمُـحِيطَةٌ بـالكافِرِينَ }يوم يغشى الكافرين العذاب من فوقهم فـي جهنـم، ومن تـحت أرجلهم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَـحْتِ أرْجُلهِمْ}: أي فـي النار.

وقوله: {وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} يقول جلّ ثناؤه: ويقول الله لهم: ذوقوا ما كنتـم تعملون فـي الدنـيا من معاصي الله، وما يسخطه فـيها. وبـالـياء فـي {ويقول ذُوقُوا} قرأت عامة قرّاء الأمصار خلا أبـي جعفر، وأبـي عمرو، فإنهما قرآ ذلك بـالنون: «وَنَقُولُ». والقراءة التـي هي القراءة عندنا بـالـياء لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها.

يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّٰىَ فَٱعْبُدُونِ ۝٥٦

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين به من عبـاده: يا عبـادي الذين وحَّدونـي وآمنوا بـي وبرسولـي مـحمد صلى الله عليه وسلم {إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ}.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي أريد من الـخبر عن سعة الأرض، فقال بعضهم: أريد بذلك أنها لـم تضق علـيكم فتقـيـموا بـموضع منها لا يحلّ لكم الـمُقام فـيه، ولكن إذا عمل بـمكان منها بـمعاصي الله فلـم تقدروا علـى تغيـيره، فـاهرُبوا منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ} قال: إذا عمِل فـيها بـالـمعاصي، فـاخرج منها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن سعيد بن جُبَـير، فـي قوله {إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ} قال: إذا عمل فـيها بـالـمعاصي، فـاخرج منها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن رجل، عن سعيد بن جُبَـير، قال: اهرُبوا فإن أرضي واسعة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شريك، عن منصور، عن عطاء، قال: إذا أمِرتـم بـالـمعاصي فـاهرُبوا، فإن أرضي واسعة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن عطاء {إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ} قال: مـجانبة أهل الـمعاصي.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله {إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ}، فهاجروا وجاهدوا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله {يا عِبـادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرضِي وَاسِعَةٌ فإيَّايَ فـاعْبُدُونِ} فقلت: يريد بهذا من كان بـمكة من الـمؤمنـين، فقال: نعم.

وقال آخرون: معنى ذلك: إن ما أخرج من أرضي لكم من الرزق واسع لكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن عرفة، قال: ثنـي زيد بن الـحبـاب، عن شدّاد بن سعيد بن مالك أبـي طلـحة الراسبـي عن غَيْلان بن جرير الـمِعْولـي، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير العامري، فـي قول الله: {إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ}: قال: إن رزقـي لكم واسع.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حبـاب، عن شدّاد، عن غَيلان بن جرير، عن مُطَرِّف بن الشِّخِّير {إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ} قال: رزقـي لكم واسع.

وأولـى القولـين بتأويـل الآية قول من قال: معنى ذلك: إن أرضي واسعة، فـاهربوا مـمن منعكم من العمل بطاعتـي لدلالة قوله {فإيَّايَ فـاعْبُدُونِ} علـى ذلك، وأن ذلك هو أظهر معنـيـيه، وذلك أن الأرض إذا وصفها بِسعَة، فـالغالب من وصفه إياها بذلك، أنها لا تضيق جميعها علـى من ضاق علـيه منها موضع، لا أنه وصفها بكثرة الـخير والـخصب.

وقوله: {فإيَّايَ فـاعْبُدُونِ} يقول: فأخـلِصوا إلـى عبـادتكم وطاعتكم، ولا تطيعوا فـي معصيتـي أحداً من خلفى..

كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ۝٥٧ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ ۝٥٨ ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝٥٩

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين به من أصحاب نبـيه: هاجِرُوا من أرض الشرك من مكة، إلـى أرض الإسلام الـمدينة، فإن أرضي واسعة، فـاصبروا علـى عبـادتـي، وأخـلِصوا طاعتـي، فإنكم ميتون، وصائرون إلـيّ، لأن كل نفس حية ذائقة الـموت، ثم إلـينا بعد الـموت تُرَدّون. ثم أخبرهم جلّ ثناؤه عما أعدّ للصابرين منهم علـى طاعته، من كرامته عنده، فقال: {والَّذين آمنوا}، يعنـي صدّقوا الله ورسوله، فـيـما جاء به من عند الله، {وعَمِلوا الصَّالِـحاتِ}: يقول: وعملوا بـما أمرهم الله فأطاعوه فـيه، وانتهوا عما نهاهم عنه {لَنُبَوّئَنَّهُمْ مِنَ الـجَنَّةِ غُرَفـاً} يقول: لننزلنهم من الـجنة عَلالـيّ.

واختلفت القُرَّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: {لَنُبَوّئَنَّهُمْ} بـالبـاء وقرأته عامة قرّاء الكوفة بـالثاء: «لَنُثْوِيَنَّهُمْ».

والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار، قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القُرّاء، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن قوله: {لَنُبَوِّئَنّهُمْ} من بوأته منزلاً: أي أنزلته، وكذلك لنُثْوينهم إنـما هو من أثويته مَسْكَناً إذا أنزلته منزلاً، من الثواء، وهو الـمُقام.

وقوله: {تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهارُ} يقول: تـجرى من تـحت أشجارها الأنهار. {خالِدِينَ فِـيها} يقول: ماكثـين فـيها إلـى غير نهاية {نِعْمَ أجْرُ العامِلِـينَ} يقول: نعم جزاء العاملـين بطاعة الله هذه الغرفُ التـي يُثْوِيهُمُوها الله فـي جَنّاته، تـجري من تـحتها الأنهار، الذين صبروا علـى أذى الـمشركين فـي الدنـيا، وما كانوا يَـلْقون منهم، وعلـى العمل بطاعة الله وما يرضيه، وجهاد أعدائه {وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} فـي أرزاقهم وجهاد أعدائهم، فلا يَنْكُلون عنهم ثقة منهم بأن الله مُعْلِـي كلـمته، ومُوهِن كيد الكافرين، وأن ما قُسم لهم من الرزق فلن يَفُوتَهم.

وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٦٠

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين به، وبرسوله من أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم: هاجروا وجاهدوا فـي الله أيها الـمؤمنون أعداءه، ولا تـخافوا عيـلة ولا إقتاراً، فكم من دابة ذات حاجة إلـى غذاء ومطعم ومشرب لا تـحمل رزقها، يعنـي غذاءها لا تـحمله، فترفعه فـي يومها لغدها لعجزها عن ذلك {اللّهُ يَرْزُقُها وَإيَّاكُمْ} يوماً بـيوم {وَهُوَ السَّمِيعُ} لأقوالكم: نـخشى بفراقنا أوطاننا العَيْـلة {العَلِـيـمُ} ما فـي أنفسكم، وما إلـيه صائر أمركم، وأمر عدوّكم من إذلال الله إياهم، ونُصْرتكم علـيهم، وغير ذلك من أموركم، لا يخفـى علـيه شيء من أمور خـلقه. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وكأيِّنْ مِنْ دابَّةٍ لا تَـحْمِلُ رِزْقَها} قال: الطيرُ والبهائم لا تـحمل الرزق.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت عِمران، عن أبـي مُـجَلِّز فـي هذه الآية {وكأيِّنْ مِنْ دابَّةٍ لا تَـحْمِلُ رِزْقَها، اللّهُ يَرْزُقُها وَإيَّاكُمْ} قال: من الدوابّ ما لا يستطيع أن يدّخر لغد، يُوَفَّق لرزقه كلّ يوم حتـى يـموت.

حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن علـي بن الأقمر {وكأيِّنْ مِنْ دابَّة لا تَـحْمِلُ رِزْقَها} قال: لا تدّخر شيئا لغد.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ۝٦١

يقول تعالـى ذكره: ولئن سألت يا مـحمد هؤلاء الـمشركين بـالله من خـلق السموات والأرض فَسَوّاهن، وسخَّر الشمس والقمر لعبـاده، يجريان دائبـين لـمصالـح خـلق الله، لـيقولنّ الذي خـلق ذلك وفَعَلَه الله {فأنَّى يُؤْفَكُونَ} يقول جلّ ثناؤه: فأنى يُصْرفون عمن صنع ذلك، فـيعدلون عن إخلاص العبـادة له. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فأنَّى يُؤْفَكُونَ}: أي يعدلون.

ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝٦٢

يقول تعالـى ذكره: الله يوسع من رزقه لـمن يشاء من خـلقه، ويضيق فـيُقتِّر لـمن يشاء منهم. يقول: فأرزاقكم وقسمتها بـينكم أيها الناس بـيدي دون كل أحد سواي أبسط لـمن شئت منها، وأقتر علـى من شئت، فلا يخـلفنكم عن الهجرة وجهاد عدوّكم خوف العيـلة {إنَّ اللّهَ بكُلّ شَيْءٍ عَلِـيـمٌ} يقول: إن الله علـيـم بـمصالـحكم، ومن لا يصلُـح له إلاَّ البسط فـي الرزق، ومن لا يصلـح له إلاَّ التقتـير علـيه، وهو عالـم بذلك.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ۝٦٣

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا مـحمد هؤلاء الـمشركين بـالله من قومك من نزل من السماء ماء، وهو الـمطر الذي ينزله الله من السحاب {فأحْيا بِه الأرْضِ} يقول: فأحيا بـالـماء الذي نزل من السماء الأرض، وإحياؤها: إنبـاتُه النبـاتَ فـيها {منْ بعدِ مَوْتها} من بعد جدوبها وقحوطها.

وقوله: {لَـيَقُولُنَّ اللّهُ} يقول: لـيقولنّ الذي فعل ذلك الله الذي له عبـادة كل شيء. وقوله: {قُلِ الـحَمْدُ لِلّهِ} يقول: وإذا قالوا ذلك، فقل الـحمد لله {بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} يقول: بل أكثر هؤلاء الـمشركين بـالله لا يعقلون مالهم فـيه النفع من أمر دينهم، وما فـيه الضرّ، فهم لـجهلهم يحسِبون أنهم لعبـادتهم الآلهة دون الله، ينالون بها عند الله زُلْفة وقربة، ولا يعلـمون أنهم بذلك هالكون مستوجبون الـخـلود فـي النار.

وَمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٦٤

يقول تعالـى ذكره: {وَما هَذِهِ الـحَياةُ الدُّنْـيا} التـي يتـمتع منها هؤلاء الـمشركون {إلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} يقول: إلاَّ تعلـيـل النفوس بـما تلتذّ به، ثم هو مُنْقَضٍ عن قريب، لا بقاء له ولا دوام {وإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الـحَيَوَانُ} يقول: وإن الدار الآخرة لفـيها الـحياة الدائمة التـي لا زوال لها ولا انقطاع ولا موت معها. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةِ لَهِيَ الـحَيَوَانُ لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ} حياة لا موت فـيها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {لَهِيَ الـحَيَوَانُ} قال: لا موتَ فـيها.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله {وَإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهيَ الـحَيَوَانُ} يقول: بـاقـية.

وقوله: {لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ} يقول: لو كان هؤلاء الـمشركون يعلـمون أن ذلك كذلك، لقَصَّروا عن تكذيبهم بـالله، وإشراكهم غيره فـي عبـادته، ولكنهم لا يعلـمون ذلك.

فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ۝٦٥

يقول تعالـى ذكره: فإذا ركب هؤلاء الـمشركون السفـينة فـي البحر، فخافوا الغرق والهلاك فـيه {دَعُوا اللّهَ مُخْـلِصِينَ لَهُ الدّينَ} يقول: أخـلصوا لله عند الشدّة التـي نزلت بهم التوحيد، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بـالعبودة، ولـم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم، ولكن بـالله الذي خـلقهم {فلَـمَّا نَـجَّاهُمْ إلـى البَرّ} يقول: فلـما خـلصهم مـما كانوا فـيه وسلَّـمهم، فصاروا إلـى البرّ إذا هم يجعلون مع الله شريكا فـي عبـادتهم، ويدعون الآلهة والأوثان معه أربـابـاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فلَـمَّا نَـجَّاهُمْ إلـى البَرّ إذّا هُمْ يُشْرِكُونَ} فالخلق كلهم يقرّون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك

القول فى تأويل قوله تعالى: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَلمَّا نِجَّيهُمْ إلى البَرَّ إذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} فالخلق كلهم يقرّون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك.

لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝٦٦ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِٱلْبَٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ۝٦٧

يقول تعالـى ذكره: فلـما نـجى الله هؤلاء الـمشركين مـما كانوا فـيه من البحر من الـخوف والـحذر من الغرق إلـى البرّ إذا هم بعد أن صاروا إلـى البرّ يشركون بـالله الآلهة والأنداد {لِـيَكْفُرُوا بِـمَا آتَـيْناهُمْ} يقول: لـيجحدوا نعمة الله التـي أنعمها علـيهم فـي أنفسهم وأموالهم.

{وَلِـيَتَـمَتَّعُوا} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: {وَلِـيَتَـمَتَّعُوا} بكسر اللام، بـمعنى: وكي يتـمتعوا آتـيناهم ذلك. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: {وَلْـيَتَـمَتَّعُوا} بسكون اللام علـى وجه الوعيد والتوبـيخ: أي اكفروا فإنكم سوف تعلـمون ماذا يَـلْقون من عذاب الله بكفرهم به.

وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب، قراءة من قرأه بسكون اللام علـى وجه التهديد والوعيد، وذلك أن الذين قرءوه بكسر اللام زعموا أنهم إنـما اختاروا كسرها عطفـا بها علـى اللام التـي فـي قوله: {لِـيَكْفُرُوا}، وأن قوله {لِـيَكْفُرُوا} لـما كان معناه: كي يكفروا كان الصواب فـي قوله {وَلِـيَتَـمَتَّعُوا} أن يكون: وكي يتـمتعوا، إذ كان عطفـاً علـى قوله: لـيكفروا عندهم، ولـيس الذي ذهبوا من ذلك بـمذهب، وذلك لأن لام قوله {لِـيَكْفُرُوا} صلُـحت أن تكون بـمعنى كي، لأنها شرط لقوله: إذا هم يشركون بـالله كي يكفروا بـما آتـيناهم من النعم، ولـيس ذلك كذلك فـي قوله {وَلِـيَتَـمَتَّعُوا} لأن إشراكهم بـالله كان كفراً بنعمته، ولـيس إشراكهم به تـمتعاً بـالدنـيا، وإن كان الإشراك به يسهل لهم سبـيـل التـمتع بها فإذ كان ذلك كذلك فتوجيهه إلـى معنى الوعيد أولـى وأحقّ من توجيهه إلـى معنى: وكي يتـمتعوا. وبعد فقد ذكر أن ذلك فـي قراءة أُبـيّ: «وتَـمَتَّعُوا» وذلك دلـيـل علـى صحة من قرأه بسكون اللام بـمعنى الوعيد.

وقوله: {أوَ لَـمْ يَرَوْا أنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً} يقول تعالـى ذكره مذكراً هؤلاء الـمشركين من قريش، القائلـين: لولا أنزل علـيه آية من ربه، نِعْمَتَه علـيهم التـي خصهم بها دون سائر الناس غيرهم مع كفرهم بنعمته وإشراكهم فـي عبـادته الآلهة والأنداد: أو لـم ير هؤلاء الـمشركون من قريش، ما خصصناهم به من نعمتنا علـيهم دون سائر عبـادنا، فـيشكرونا علـى ذلك، وينزجروا عن كفرهم بنا، وإشراكهم ما لا ينفعنا ولا يضرّهم فـي عبـادتنا أنا جعلنا بلدهم حرماً، حرّمنا علـى الناس أن يدخـلوه بغارة أو حرب، آمناً، يأمن فـيه من سكنه، فأوى إلـيه من السبـاء والـخوف والـحرام الذي لا يأمنه غيرهم من الناس {وَيُتَـخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} يقول: وتُسْلَب الناس من حولهم قتلاً وسبـاء. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، فـي قوله {أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَـخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} قال: كان لهم فِـي ذلك آية أن الناس يُغزَون ويُتَـخَطَّفون وهم آمنون.

وقوله: {أفَبـالبـاطِلِ يُؤْمِنُونَ} يقول: أفبـالشرك بـالله يقرّون بألوهة الأوثان بأن يصدّقوا، وبنعمة الله التـي خصهم بها من أن جعل بلدهم حرماً آمناً يكفرون، يعنـي بقوله «يكفرون»: يجحدون. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {أفَبـالْبـاطِلِ يُؤْمِنُونَ}: أي بـالشرك {وَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَكْفُرُونَ}: أي يجحدون.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَٰفِرِينَ ۝٦٨

يقول تعالـى ذكره: ومن أظلـم أيها الناس مـمن اختلق علـى الله كذبـاً، فقالوا إذا فعلوا فـاحشة: وجدنا علـيها آبـاءنا، والله أمرنا بها، والله لا يأمر بـالفحشاء {أوْ كَذَّبَ بـالـحَقّ لَـمَّا جاءَهُ} يقول: أو كذّب بـما بعث الله به رسوله مـحمداً صلى الله عليه وسلم من توحيده، والبراءة من الآلهة والأنداد لـما جاءه هذا الـحقّ من عند الله {ألَـيْسَ فِـي جَهَنَّـمَ مَثْوًى للْكافِرِينَ} يقول: ألـيس فـي النار مَثْوًى ومَسْكَن لـمن كفر بـالله، وجحد توحيده وكذّب رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا تقرير، ولـيس بـاستفهام، إنـما هو كقول جرير:

ألَسْتُـمْ خَيْرَ مَنْ رَكبَ الـمَطايا وأنْدَى العالَـمِينَ بُطُونَ رَاحِ

إنـما أخبر أن للكافرين بـالله مَسْكَناً فـي النار، ومنزلاً يَثْوُون فـيه.

وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٦٩

يقول تعالـى ذكره: والذين قاتلوا هؤلاء الـمفترين علـى الله كذبـاً من كفـار قريش، الـمكذّبـين بـالـحقّ لـما جاءهم فـينا، مُبتغين بقتالهم علوّ كلـمتنا، ونُصرة ديننا {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا} يقول: لنوفقنهم لإصابة الطريق الـمستقـيـمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به مـحمداً صلى الله عليه وسلم {وَإنَّ اللّهَ لَـمَعَ الـمُـحْسِنِـينَ} يقول: وإن الله لـمع من أحسن من خـلقه، فجاهد فـيه أهل الشرك، مُصَدّقاً رسوله فـيـما جاء به من عند الله بـالعون له، والنصرة علـى من جاهد من أعدائه. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله {والَّذِينَ جاهَدُوا فِـينا} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِـينا} فقلت له: قاتلوا فـينا، قال: نعم.

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ