انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة العنكبوت

تفسير البغويالآيات 1–69

تفسير سورة العنكبوت آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٣ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ۝٤

{الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ} أظَنَّ الناسُ، {أَن يُتْرَكُوۤاْ}، بغير اختبار ولا ابتلاء، {أَن يَقُولُوۤاْ}, أي: بأن يقولوا، {ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}، لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم؟ كلا لنختبرنهم ليتبَّين المخلص من المنافق والصادق من الكاذب.

واختلفوا في سبب نزول هذه الآية. قال الشعبي: نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإِسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لا يقبل منكم إقرار بالإِسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله هاتين الآيتين.

وكأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وأراد الناس الذين آمنوا بمكة سلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وغيرهم.

وقال ابن جريج: نزلت في عمار بن ياسر كان يعذب في الله عزّ وجلّ.

وقال مقاتل: نزلت في مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة ، فجزع أبواه وامرأته فأنزل الله فيهم هذه الآية.

وقيل: {وَهُمْ وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} بالأوامر والنواهي، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإِيمان، ثم فرض عليهم الصلاة، والزكاة، وسائر الشرائع، فشقّ على بعضهم، فأنزل الله هذه الآية، ثم عزّاهم فقال:

{وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، يعني الأنبياء والمؤمنون، فمنهم من نُشِرَ بالمنشار ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب/، {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ}، في قولهم آمنَّا، {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ}، والله أعلم بهم قبل الاختبار. ومعنى الآية: وليظهرنّ الله الصادقين من الكاذبين حتى يُوجِدَ معلومَه، وقال مقاتل: فليرينّ الله. وقيل: ليميّزن الله كقوله:

{ { لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ } } [الأنفال: 37].

{أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ}، يعني الشرك، {أَن يَسْبِقُونَا}، يُعْجزونا ويفوتونا، فلا نقدر على الانتقام منهم، {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}، أي بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك.

مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٥ وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٧ وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٨

{مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ}, قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف، وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: من كان يطمع في ثواب الله، {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ}، يعني: ما وعد الله من الثواب والعقاب. وقال مقاتل: يعني يوم القيامة لكائن.

ومعنى الآية أن من يخشى الله أو يأمله فليستعدّ له، وليعمل لذلك اليوم، كما قال:

{ { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً } } [الكهف: 110] الآية، {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}.

{وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِ}, له ثوابه، و"الجهاد": هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس. {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، عن أعمالهم وعباداتهم.

{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ}، لنبطلنّها، يعني: حتى تصير بمنزلة ما لم يُعْمل، والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة، {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، أي: بأحسن أعمالهم وهو الطاعة، وقيل: نعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال:

{ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }[الأنعام: 160].

قوله عزّ وجلّ: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً}، أي: براً بهما وعطفاً عليهما، معناه: ووصيّنا الإِنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن.

نزلت هذه الآية والتي في سورة لقمان [الآية 15]، والأحقاف [الآية 15]، في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري، وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس - لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأمه قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنتَ عليه، أو أموت فتعيّر بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمه. ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل فأصبحت وقد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالبر بوالديه والإِحسان إليهما وأن لا تطعهما في الشرك، فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ}.

وجاء في الحديث:

لا طاعة لمخلوق في معصية الله

ثم أوعد بالمصير إليه فقال: {إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٩ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠

{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ}، في زمرة الصالحين، وهم الأنبياء والأولياء، وقيل: في مدخل الصالحين، وهو الجنة.

قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإذَا أُوذىَ فِى ٱللَّهِ}، أصابه بلاء من الناس افتتن، {جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ}، أي جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة، أي: جزع من عذاب الناس ولم يصبر عليه، فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، هذا قول السدي وابن زيد، قالا: هو المنافق: إذا أوذي في الله رجع عن الدين وكفر.

{وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ}، أي: فتح ودولة للمؤمنين، {لَيَقُولُنَّ}، يعني هؤلاء المنافقين للمؤمين، {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ}، على عدوكم وكنا مسلمين وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا فكذّبهم الله فقال:

{أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، من الإِيمان والنفاق.

وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ ۝١١ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَٰيَٰكُمْ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنْ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝١٢

{وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}, صدقوا فثبتوا على الإِسلام عند البلاء، {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ }، بترك الإِسلام عند نزول البلاء.

واختلفوا في نزول هذه الآية. قال مجاهد: نزلت في ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاءٌ من الناس أومصيبة في أنفسهم افتتنوا.

وقال عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه: نزلت في الذين أخرجهم المشركون إلى بدر، وهم الذين نزلت فيهم:

{ { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنفُسِهِمْ } } [النساء: 97].

وقال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة.

وقال الشعبي: وهذه الآيات العشر من أول السورة إلى هاهنا مدنية، وباقي السورة مكية.

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا}، قال مجاهد: هذا من قول كفار مكة لمن آمن منهم. وقال الكلبي ومقاتل: قاله أبو سفيان لمن آمن من قريش "اتبعوا سبيلنا": ديننا وملة آبائنا ونحن الكفلاء بكل تبعة من الله تصيبكم، فذلك قوله: {وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ} أوزاركم، قال الفرَّاء: لفظه أمر ومعناه جزاء، مجازه: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، كقوله:

{ { فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ } } [طه: 39]، وقيل: هو جزم على الأمر، كأنهم أمروا أنفسهم بذلك، فأكذبهم الله عزّ وجلّ فقال: {وَمَا هُمْ بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ}، فيما قالوا من حمل خطاياهم.

وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْـَٔلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝١٣ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَٰلِمُونَ ۝١٤ فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَصْحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَٰهَآ ءَايَةً لِّلْعَٰلَمِينَ ۝١٥ وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝١٦ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَٰنًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝١٧

{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ}، أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم، {وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}، أي: أوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله مع أوزارهم. نظيره قوله عزّ وجلّ:

{ { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } } [النحل: 25]. {وَلَيُسْـئَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}، سؤال توبيخ وتقريع.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ}، فغرقوا، {وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ}، قال ابن عباس: مشركون.

{فأَنْجَيْنـٰهُ وأَصْحَـٰبَ ٱلسَّفِينَةِ}، يعني من الغرق، {وَجَعَلْنَـٰهَآ}، يعني السفينة {ءَايَةً}، أي: عبرة، {لِّلْعَـٰلَمِينَ}، فإنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة. وقيل: جعلنا عقوبتهم بالغرق عبرة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بعث نوح لأربعين سنة، وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشَوا، وكان عمره ألفاً وخمسين سنة.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِبْرَٰهِيمَ}، أي: وأرسلنا إبراهيم، {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ}، أطيعوه الله وخافوه، {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}.

{إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً} أصناماً، {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً}، تقولون كذباً، قال مجاهد: تصنعون أصناماً بأيديكم فتسمونها آلهة، {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً}، لا يقدرون أن يرزقوكم، {فَٱبْتَغُواْ}، فاطلبوا، {عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.

وَإِن تُكَذِّبُوا۟ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝١٨ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ۝١٩ قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْـَٔاخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢٠ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ۝٢١ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝٢٢

{وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ}، مثل عاد وثمود وغيرهم فأهلكوا، {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ}.

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ}، كيف يخلقهم ابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة {ثُمَّ يُعِيدُهُ} في الآخرة عند البعث {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}.

{قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ}، فانظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم، {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخِرَةَ}، أي: ثم الله الذي خلقها ينشئها نشأة ثانية بعد الموت، فكما لم يتعذر عليه إحداثها مبدءاً لا يتعذر عليه إنشاؤها معيداً.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «النشأة» بفتح الشين ممدودة حيث وقعت، وقرأ الآخرون بسكون الشين مقصورة نظيرها الرّافة والرأفة.

{إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

{يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ}، تردون.

{وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَآءِ}، فإن قيل ما وجه قوله: {وَلاَ فِى ٱلسَّمَآءِ} والخطاب مع الآدميين، وهم ليسوا في السماء؟.

قال الفراء: معناه ولا من في السماء بمعجز، كقول حسان بن ثابت:

فَمَنْ يَهْجُو رسولَ الله مِنْكُمْوَيَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ

أراد: من يمدحه ومن ينصره، فأضمر "من"، يريد: لا يعجزه أهل الأرض في الأرض، ولا أهل السماء في السماء. وقال قطرب: معناه: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها، كقول الرجل: لا يفوتني فلان هاهنا ولا بالبصرة، أي: ولا بالبصرة لو كان بها، {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}، أي: من وليٍّ يمنعكم مني ولا نصير ينصركم من عذابي.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يَئِسُوا۟ مِن رَّحْمَتِى وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢٣ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٢٤ وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٢٥ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢٦

{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ}, بالقرآن وبالبعث، {أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى}، جنتي، {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فهذه الآيات في تذكير أهل مكة وتحذيرهم، وهي معترضة في قصة إبراهيم، فقال جل ذكره:

{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ}، وجعلها عليه برداً وسلاماً، { إِنَّ فِى ذٰلِكَ لاََيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، يصدقون.

{وَقَالَ}, يعني إبراهيم لقومه: {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ}، قرأ ابن كثير، والكسائي، وأبو عمرو، ويعقوب: «مودةُ» رفعاً بلا تنوين، «بينكم» خفضاً بالإِضافة على معنى: إن الذين اتخذتم من دون الله أوثاناً هي مودة بينكم، {فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، ثم هي تنقطع ولا تنفع في الآخرة. ونصب حمزة، وحفص: «مودةَ» من بغير تنوين على الإِضافة بوقوع الاتخاذ عليها.

وقرأ اللآخرون «مودةً» منصوبة منونة "بينكُم" بالنصب، معناه إنكم إنما اتخذتم هذه الأوثان مودةً بينكم في الحياة الدنيا تتواردون على عبادتها وتتواصلون عليها في الدنيا.

{ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}، تتبرأ الأوثان من عابديها، وتتبرأ القادة من الأتباع ويلعن الأتباع القادة، {وَمَأْوَاكُمُ}، جميعاً العابدون والمعبودون، {ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ}.

{فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}، يعني: صدقه وهو أول من صدّق إبراهيم وكان ابن أخيه، {وَقَالَ} يعني إبراهيم {إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىۤ}، فهاجر من كوثى، وهو من سواد الكوفة إلى حران ثم إلى الشام، ومعه لوط وامرأته سارة، وهو أول من هاجر، قال مقاتل: هاجر إبراهيم عليه السلام وهو ابن خمس وسبعين سنة، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَٰبَ وَءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٢٧ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٨ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٢٩

{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ}، يقال: إن الله لم يبعث نبياً بعد إبراهيم إلاّ من نسله، {وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِى ٱلدُّنْيَا}، وهو الثناء الحسن فكل أهل الأديان يتولَّونه، وقال السدي: هو الولد الصالح، وقيل: هو أنه رأى مكانه في الجنة، {وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}، أي: في زمرة الصالحين. قال ابن عباس مثل آدم ونوح.

قوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ}، قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: «أئِنكم» بالاستفهام، وقرأ الباقون بلا استفهام، واتفقوا على استفهام الثانية، {لَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ}، وهي إتيان الرجال، {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

{أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ}, وذلك أنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمرّ بهم من المسافرين، فترك الناس الممر بهم. وقيل: تقطعون سبيل النسل بإيثار الرجال على النساء، {وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ}، النادي، والندى، والمنتدى: مجلس القوم ومتحدثهم.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو العباس بن سهل بن محمد المروزي، أخبرنا جدي لأبي أبو الحسن المحمودي، أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، أن بشر بن معاذ حدثهم: أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن أبي صالح مولى أم هانىء بنت أبي طالب عن أم هانىء قالت:

سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ}، قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتونه؟ قال: « كانوا يحذفون أهل الطرق ويسخرون بهم».

ويروي أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى فإذا مرّ بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به.

وقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاضٍ بذلك.

وقال القاسم بن محمد: كانوا يتضارطون في مجالسهم.

وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضاً في مجالسهم.

وعن عبد الله بن سلام قال: كان يبزق بعضهم على بعض.

وعن مكحول قال: كان من أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإِزار، والصفير، والحذف، واللوطية، {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ}, لما أنكر عليهم لوط ما يأتونه من القبائح، {إِلاَّ أَن قَالُواْ}، له استهزاءً: {ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}، أن العذاب نازل بنا، فعند ذلك.

قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٣٠ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوٓا۟ إِنَّا مُهْلِكُوٓا۟ أَهْلِ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ ۝٣١ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٣٢ وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٣٣ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ۝٣٤ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٣٥ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٣٦ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٣٧

{قَالَ}, لوط: {رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ}, بتحقيق قولي في العذاب.

{وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ}، من الله بإسحاق ويعقوب، {قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ}، يعني قوم لوط، والقرية سدوم، {إِنَّ أَهْلَهَا كَانواْ ظَـٰلِمِينَ}.

{قَالَ}، إبراهيم للرسل: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ}، يعني: قالت الملائكة: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ}، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب: «لننجيه» بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، {وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ}، أي: الباقين في العذاب.

{وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً}، ظن أنهم من الإِنس، {سِىءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ}، بمجيئهم {ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ}، من قومك علينا، {وَلاَ تَحْزَنْ}، بإهلاكنا إيّاهم، {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرينَ}، قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، ويعقوب: «مُنَجُوك» بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد.

{إِنَّا مُنزِلُونَ}، قرأ ابن عامر بالتشديد، وقرأ الآخرون بالتخفيف، {عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً} عذاباً، {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}، قال مقاتل: الخسف والحصب، {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}.

{وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ}، من قريات لوط، {ءَايَةً بَيِّنَةً}، عبرة ظاهرة، {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض.

{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً}، أي: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شُعيباً، {فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ}، أي: واخشوا، {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.

{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}.

وَعَادًا وَثَمُودَا۟ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ ۝٣٨ وَقَٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَٰبِقِينَ ۝٣٩ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٤٠

{وَعَاداً وَثَمُودَ}، أي: وأهلكنا عاداً وثموداً، {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم}, يا أهل مكة، {مِّن مَّسَـٰكِنِهِمْ}، منازلهم بالحِجْر واليمن، {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ}، عن سبيل الحق {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ}، قال مقاتل، والكلبي، وقتادة: كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم، يحسبون أنهم على هدى، وهم على الباطل، والمعنى: أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين.

قال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر.

{وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ}، أي: وأهلكنا هؤلاء، {وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ}، بالدَّلالات، {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَـٰبِقِينَ}، أي: فائتين من عذابنا.

{فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً}، وهم قوم لوط، و"الحاصب": الريح التي تحمل الحصباء، وهي الحصا الصغار، {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ}، يعني ثمود، {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ}، يعني قارون وأصحابه، {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا}، يعني: قوم نوح، وفرعون وقومه، {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٤١ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٤٢ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَٰلِمُونَ ۝٤٣

{مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ}, يعني: الأصنام، يرجون نصرها ونفعها، {كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً}، لنفسها تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف والوهاء، لا يدفع عنها حراً ولا برداً، وكذلك الأوثان لا تملك لعابديها نفعاً ولا ضراً. {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}.

{إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}، قرأ أهل البصرة، وعاصم: "يدعون" بالياء لذكر الأمم قبلها، وقرأ الآخرون بالتاء.

{وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ} الأشباه، والمَثَلُ: كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول، يريد أمثال القرآن التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة، {نَضْرِبُهَا}, نبينها، {لِلنَّاسِ}، قال مقاتل: لكفار مكة, {وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ }، أي: ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، أخبرنا ابن برزة، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، أخبرنا داود بن المحبر، أخبرنا عباد بن كثير، عن ابن جريج عن عطاء وأبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ }، قال:

العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه ».

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ۝٤٤ ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ۝٤٥

قوله عزّ وجلّ: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ}، أي: للحق وإظهار الحق، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ}، في خلقها، {لآيَةً}، لدلالة {لِّلْمُؤْمِنِينَ}، على قدرته وتوحيده.

{ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ}، يعني القرآن، {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}، الفحشاء: ما قبح من الأعمال والمنكر: ما لا يعرف في الشرع.

قال ابن مسعود، وابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً.

وقال الحسن، وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه.

وروي عن أنس قال:

كان فتًى من الأنصار يصلي الصلوات الخمس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه، فوصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاله فقال: « إن صلاته تنهاه يوماً » فلم يلبث أن تاب وحسن حاله.

وقال ابن عون: معنى الآية أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها. وقيل: أراد بالصلاة القرآن، كما قال تعالى:

{ { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } } [الإسراء: 110] أي: بقراءتك، أراد أنه يقرأ القرآن في الصلاة، فالقرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم:

إن رجلاً يقرأ القرآن الليل كله فإذا أصبح سرق، قال: « ستنهاه قراءته».

وفي رواية قيل:

يا رسول الله إن فلاناً يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال: إن صلاته لتردعه ».

قوله عزّ وجلّ: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}، أي ذكر الله أفضل الطاعات.

أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان البَرْدعي، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، أخبرنا هارون بن معروف أبو علي الضرير، أخبرنا أنس بن عياض، حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد بن أبي زياد مولى عبدالله بن عياش، عن أبي تجرِيّة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخيرٌ لكم من إعطاء الذهب والوَرِق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم»؟ قالوا: وما ذاك (يا رسول الله) قال: « ذكر الله».

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا أبو الأسود، أخبرنا ابن لهيعة عن دراج، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (أنه)

سئل أيّ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: «الذاكرون لله كثيراً»، فقالوا: يا رسول الله و(من) الغازي في سبيل الله؟ قال: «لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دماً لكان الذاكر لله كثيراً أفضل منه درجة»

وروينا

أن أعرابياً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: «أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله ».

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد ابن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج القشيري، أخبرنا أمية بن بِسْطام العَيْشِيُّ، أخبرنا يزيد، يعني: (بن زريع)، أخبرنا رَوْح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال:

كان رسول الله يسير في طريق مكة فمرّ على جبل يقال له جمدان، فقال: « سيروا هذا جُمْدان سبق المفرِّدون»، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون لله كثيراً والذاكرات».

أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصَّلْت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت الأَغَرَّ قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ».

وقال قوم: معنى قوله: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي « ذكر الله إيّاكم أفضل من ذكركم إيّاه». ويروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ويروى ذلك مرفوعاً عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال عطاء في قوله: {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}، قال: ولذكر الله أكبر من أن تبقى معه معصية.

{وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}، قال عطاء: يريد لا يخفى عليه شيء.

وَلَا تُجَٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ۝٤٦

قوله تعالى: {وَلاَ تُجَـٰدِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ}، لا تخاصموهم، {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ}، أي بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه، وأراد مَنْ قَبِلَ الجزية منهم، {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}، أي أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم، لأن جميعهم ظالم بالكفر. وقال سعيد بن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له. قال قتادة ومقاتل: صارت منسوخة بقوله:

{ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنونَ بِـٱلَلَّه }[التوبة: 29].

{وَقُولُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ}، يريد إذا أخبركم واحد منهم من قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عليه، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم.

{وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا عثمان ابن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم».

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الديري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرنا ابن أبي نملة الأنصاري أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبره:

أنه بينا هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من اليهود ومرّ بجنازة، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله: «الله أعلم»، فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوه وإن كان حقاً لم تكذبوه»

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَمِنْ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٤٧ وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ۝٤٨

قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ}، أي: كما أنزلنا إليهم الكتب، {أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}، يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبدَ الله بن سلام وأصحابه، {وَمِنْ هَـٰؤُلاۤءِ}، يعني: أهل مكة، {مَن يُؤْمِنُ بِهِ}، وهم مؤمنوا أهل مكة، {وَمَا يَجْحَدُ بِـايَـٰتِنَآ إِلاَّ ٱلْكَـٰفِرونَ}، وذلك أن اليهود عرفوا أن محمداً نبيٌ، والقرآن حقٌّ، فجحدوا. قال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة.

{وَمَا كُنتَ تَتْلُو}، يا محمد، {مِن قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ}، من قبل ما أنزلنا إليك الكتاب، {وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ}، ولا تكتبه، أي: لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي، {إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ}، يعني لو كنت تكتب أو تقرأ الكتب قبل الوحي لشك المبطلون المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنه يقرؤه من كتب الأولين وينسخه منها، قاله قتادة. وقال مقاتل: "المبطلون" هم اليهود، ومعناه: إذاً لشكوا فيك واتهموك، وقالوا إن الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت.

بَلْ هُوَ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٤٩ وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٥٠ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٥١ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْبَٰطِلِ وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٥٢ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٥٣ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ ۝٥٤ يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٥٥ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّٰىَ فَٱعْبُدُونِ ۝٥٦

{بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ}، قال الحسن: يعني القرآن آيات بينات، {فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ}، يعني المؤمنين الذين حملوا القرآن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما، وقتادة: بل هو يعني ـ محمداً صلى الله عليه وسلم ـ ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم، {وَمَا يَجْحَدُ بِـئَايَـٰتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّـٰلِمُونَ}.

{وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِ}، كما أنزل على الأنبياء من قبل، قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: "آية" على التوحيد، وقرأ الآخرون: "آيات من ربه"، لقوله عزّ وجلّ: {قُلْ إِنَّمَا ٱلأَيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ}، وهو القادر على إرسالها إذا شاء أرسلها، {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}، أنذر أهل المعصية بالنار، وليس إنزال الآيات بيدي.

{أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ}، هذا الجواب لقوله: {لولا أنزل عليه آيات من ربه} قال: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}، يعني: أولم يكفهم من الآيات القرآن يتلى عليهم، {إِنَّ فِى ذٰلِكَ}، في إنزال القرآن، {لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، أي: تذكيراً وعظة لمن آمن وعمل به.

{ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً}، أني رسوله وهذا القرآن كتابه، {يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ}، قال ابن عباس: بغير الله. وقال قتادة: بعبادة الشيطان، {وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ}.

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ}، نزلت في النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا حجارة من السماء، {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى}، قال ابن عباس: ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة كما قال:

{ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ }[القمر: 46] وقال الضحاك: مدة أعمارهم, لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب، وقيل: يوم بدر، {لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ}، يعني العذاب وقيل الأجل، {بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، بإتيانه.

{يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ}، أعاده تأكيداً، {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ}، جامعة لهم لا يبقى أحد منهم إلا دخلها.

{يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}، يعني: إذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم كما قال:

{ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ }[الأعراف: 41]، {وَيِقُولُ ذُوقُواْ}، قرأ نافع، وأهل الكوفة: «ويقول» بالياء، أي: ويقول لهم الموكل بعذابهم: وقرأ الآخرون بالنون؛ لأنه لما كان بأمره نسب إليه، {مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، أي: جزاء ما كنتم تعملون.

{يـَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَٱعْبُدُونِ}، قال مقاتل والكلبي: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإِيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة، إن أرضي ـ يعني المدينة ـ واسعة آمنة.

قال مجاهد: إنّ أرضي المدينة واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها.

وقال سعيد بن جبير: إذا عمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة. وقال عطاء: إذا أُمرتم بالمعاصي فاهربوا فإن أرضي واسعة. وكذلك يجب على كل من كان في بلد يُعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة.

وقيل: نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى، إن هاجرنا، من الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج.

وقال مطرف بن عبد الله: "أرضي واسعة" أي رزقي لكم واسع فاخرجوا.

كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ۝٥٧ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ ۝٥٨ ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝٥٩ وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٦٠

{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}، خوّفهم بالموت لِيُهوِّن عليهم الهجرة، أي: كل واحد ميت أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفاً من الموت، {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، فنجزيكم بأعمالكم، وقرأ أبو بكر: «يرجعون» بالياء.

{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ}، قرأ حمزة، والكسائي: بالثاء ساكنة من غير همز، يقال: ثوى الرجل إذا أقام وأثويته: إذا أنزلته منزلاً يقيم فيه. وقرأ الآخرون بالباء وفتحها وتشديد الواو وهمزة بعدها، أي: لننزلنّهم، {مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً}، علالي، {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ}.

{ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ}، على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدةٍ لحقتهم، {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } يعتمدون.

{وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا}, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وقد آذاهم المشركون: «هاجروا إلى المدينة»، فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ولا مال، فمن يطعمنا بها ويسقينا؟ فأنزل الله: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ} ذات حاجة إلى غذاء، {لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا}، أي: لا ترفع رزقها معها ولا تدخر شيئاً لغد مثل البهائم والطير، {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ}، حيث كنتم، {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}، السميع لأقوالكم: لا نجد ما ننفق بالمدينة، العليم بما في قلوبكم.

وقال سفيان عن علي بن الأقمر: « وكأيّن من دابةّ لا تحمل رزقها »، قال: لا تدخر شيئاً لغد.

قال سفيان: وليس شيء من خلق الله يخبأ إلا الإِنسان والفأرة والنملة.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الثقفي، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، أخبرنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا إسماعيل بن زرارة الرقي، أخبرنا أبو العطوف الجراح بن منهال، عن الزهري، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال:

دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطاً من حوائط الأنصار، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقط الرطب بيده ويأكل، فقال كلْ يا ابن عمر، قلت: لا أشتهيها يا رسول الله، قال: لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أطعم طعاماً ولم أجده، فقلت إنا لله، الله المستعان، قال: يا ابن عمر لو سألتُ ربي لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر أضعافاً مضاعفة، ولكن أجوع يوماً وأشبع يوماً فكيف بك يا ابن عمر إذا عمّرت وبقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة ويضعف اليقين، فنزلت هذه الآية: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا}.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس السراج، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان لا يدخر شيئاً لغد.

وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ».

أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه، أخبرنا أبو نصر بن حمدويه المطوعي، أخبرنا أبو الموجه محمد بن عمرو، أخبرنا عبدان، عن أبي حمزة، عن إسماعيل هو ابن أبي خالد، عن رجلين أحدهما زبيد اليامي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

أيها الناس ليس من شيء يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم إلى النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين قد نفث في رُوْعِي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفَي رزقها، فاتقوا الله وأَجْمِلُوا في الطلب، ولا يحملنَّكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته ». وقال هشيم عن إسماعيل عن زبيد عمن أخبره عن ابن مسعود.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ۝٦١ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝٦٢ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ۝٦٣ وَمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٦٤ فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ۝٦٥ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝٦٦ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِٱلْبَٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ۝٦٧

قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ}، يعني كفار مكة، {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}.

{ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٍ}.

{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ}، على أن الفاعل لهذه الأشياء هو الله، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}، وقيل: قل الحمد لله على إقرارهم ولزوم الحجة عليهم، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}، ينكرون التوحيد مع إقرارهم بأنه الخالق لهذه الأشياء.

قوله تعالى: {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ}، اللهو هو: الاستمتاع بلذات الدنيا، واللَّعِب: العبث، سميت بها لأنها فانية. {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ}، أي: الحياة الدائمة الباقية، و"الحيوان": بمعنى الحياة، أي: فيها الحياة الدائمة، {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}، فناء الدنيا وبقاء الآخرة.

قوله تعالى: {فَإذَا رَكِبواْ فِى ٱلْفُلْكِ} وخافوا الغرق، {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}، وتركوا الأصنام، {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}، هذا إخبار عن عنادهم وأنهم عند الشدائد يقرّون أن القادر على كشفها هو الله عزّ وجلّ وحده، فإذا زالت عادوا إلى كفرهم. قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر وقالوا: يا رب يا رب.

{لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ}، هذه لام الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، كقوله:

{ { ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } } [فصلت: 40]، أي: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إيّاهم، {وَلِيَتَمَتَّعُواْ}، قرأ حمزة، والكسائي: ساكنة اللام، وقرأ الباقون بكسرها نسقاً على قوله: «ليكفروا»، {فَسَوْفَ يَعلَمُونَ}، قيل: مَنْ كسر اللام جعلها لام كي وكذلك في ليكفروا، والمعنى لا فائدة لهم في الإِشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به في العاجلة من غير نصيب في الآخرة.

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامَناً ويُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهمْ}، يعني العرب، يسبي بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون، {أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ}، بالأصنام والشيطان، {يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ}، بمحمد والإِسلام، {يَكْفُرُونَ}.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَٰفِرِينَ ۝٦٨ وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٦٩

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}، فزعم أن لله شريكاً وأنه أمر بالفواحش، {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ}، بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، {لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ}، استفهام بمعنى التقرير، معناه: أما لهذا الكافر المكذب مأوى في جهنم.

{وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا}، الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا، {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، لنثبتنهم على ما قاتلوا عليه.

وقيل: لنزيدنّهم هدىً كما قال:

{ { وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى } } [مريم: 76]، وقيل: لنوفقنّهم لإِصابة الطريق المستقيمة، والطرق المستقيمة هي التي يوصل بها إلى رضا الله عزّ وجلّ. قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله قال: {وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.

وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات. قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينّهم سُبل العمل به. وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينّهم سبل الجنة. وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينّهم سُبل ثوابنا.

{وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، بالنصر والمعونة في دنياهم وبالثواب والمغفرة في عُقْباهم.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ