انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة العنكبوت

تفسير القرطبيالآيات 1–40

تفسير سورة العنكبوت آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٣

قوله تعالى: {الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } تقدّم القول في أوائل السور. وقال ابن عباس: المعنى أنا الله أعلم. وقيل: هو اسم للسورة. وقيل اسم للقرآن. {أَحَسِبَ} استفهام أريد به التقرير والتوبيخ ومعناه الظن. {أَنْ يُتْرَكُوا} في موضع نصب بـ{ـحَسِبَ} وهي وصلتها مقام المفعولين على قول سيبويه. و{أن} الثانية من {أَنْ يَقُولُوا} في موضع نصب على إحدى جهتين، بمعنى لأن يقولوا أو بأن يقولوا أو على أن يقولوا. والجهة الأخرى أن يكون على التكرير؛ والتقدير {الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} أَحَسِبُوا {أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} قال ابن عباس وغيره: يريد بالناس قوماً من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام؛ كسلمة بن هشام وعيّاش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمّار بن ياسر وياسر أبوه وسُميّة أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم. فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكِر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين؛ قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآية مسلِّية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختباراً للمؤمنين وفتنة. قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر. وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك. وإذا اعتبر أيضاً كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن، ولكن التي تشبه نازلة المسلمين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدوّ في كل ثغر.

قلت: ما أحسن ما قاله، ولقد صدق فيما قال رضي الله عنه. وقال مقاتل: نزلت في مِهْجَع مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل من المسلمين يوم بَدْر؛ رماه عامر بن الحضرميّ بسهم فقتله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ:

سيد الشهداء مِهْجَع وهو أوّل من يُدْعى إلى باب الجنة من هذه الأمة. فجزع عليه أبواه وامرأته فنزلت: {الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ}. وقال الشعبي: نزل مفتتح هذه السورة في أناس كانوا بمكة من المسلمين، فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية أنه لا يقبل منكم إقرار الإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا فأتبعهم المشركون فآذوهم. فنزلت فيهم هذه الآية: {الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} فكتبوا إليهم: نزلت فيكم آية كذا؛ فقالوا: نخرج وإن اتبعنا أحد قاتلناه؛ فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزل فيهم: { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ }[النحل: 110]. {وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} يمتحنون؛ أي أَظنَّ الذين جزعوا من أذى المشركين أن يُقنَع منهم أن يقولوا إنا مؤمنون ولا يمتحنون في إيمانهم وأنفسهم وأموالهم بما يتبيّن به حقيقة إيمانهم.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي ابتلينا الماضين كالخليل ألقي في النار، وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه. وروى البخاريّ عن خَبّاب بن الأَرَتّ: قالوا

شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بُردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا. فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمِنْشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويُمَشط بأمشاط الحديد لحمُه وعظمُه فما يصرفه ذلك عن دينه واللَّهِ ليتِمنّ هذا الأمرُ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّهَ والذئبَ على غنمه ولكنكم تستعجلون». وخرّج ابن ماجه عن أبي سعيد الخدريّ قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُوعَك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف. فقلت: يا رسول الله ما أشدّها عليك. قال: «إنا كذلك يُضعَّف لنا البلاء ويُضعّف لنا الأجر» قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء» وقلت: ثم من. قال: «ثم الصالحون أَنْ كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يَحُوبها وأَنْ كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرحُ أحدكم بالرخاء» وروى سعد بن أبي وقاص قال: قلت يا رسول الله أيّ الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صُلْباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقّة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة». وروى عبد الرحمن بن زيد أن عيسى عليه السلام كان له وزير، فركب يوماً فأخذه السبع فأكله، فقال عيسى: يا رب وزيري في دينك، وعوني على بني إسرائيل، وخليفتي فيهم، سلطت عليه كلباً فأكله. قال: «نعم كانت له عندي منزلة رفيعة لم أجد عمله يبلغها فابتليته بذلك لأبلغه تلك المنزلة». وقال وهب: قرأت في كتاب رجل من الحواريين: إذا سلك بك سبيل البلاء فقرّ عيناً، فإنه سلِك بك سبيل الأنبياء والصالحين، وإذا سلك بك سبيل الرخاء فٱبك على نفسك، فقد خولف بك عن سبيلهم.

قوله تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ} أي فليُرِيَنَّ الله الذين صدقوا في إيمانهم. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. قال الزجاج: ليعلم صدق الصادق بوقوع صدقه منه، وقد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازى عليه. وإنما يعلم صدق الصادق واقعاً كائناً وقوعه، وقد علم أنه سيقع. وقال النحاس: فيه قولان: أحدهما: أن يكون {صَدَقُوا} مشتقاً من الصِّدْق و{الْكَاذِبِينَ} مشتقاً من الكَذِب الذي هو ضد الصِّدق، ويكون المعنى؛ فليبينن الله الذي صدقوا فقالوا نحن مؤمنون واعتقدوا مثل ذلك، والذين كذبوا حين اعتقدوا غير ذلك. والقول الآخر: أن يكون صدَقوا مشتقاً من الصَّدق وهو الصُّلْب، والكاذبين مشتقاً من كَذَّب إذا انهزم، فيكون المعنى؛ فليعلمن الله الذين ثبتوا في الحرب، والذين انهزموا؛ كما قال الشاعر:

لَيثٌ بِعَثَّرَ يصطادُ الرجالَ إذاما اللَّيثُ كَذَّبَ عن أقرانه صَدَقَا

فجعل {لَيَعْلَمَنَّ} في موضع فليبينن مجازاً. وقراءة الجماعة: {فَلَيَعْلَمَنَّ} بفتح الياء واللام. وقرأ علي ابن أبي طالب بضم الياء وكسر اللام وهي تبين معنى ما قاله النحاس. ويحتمل ثلاثة معان: الأول: أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا؛ بمعنى يوقفهم على ما كان منهم. الثاني: أن يكون المفعول الأوّل محذوفاً تقديره؛ فليعلمنّ الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين، أي يفضحهم ويشهرهم؛ هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا والآخرة. الثالث: أن يكون ذلك من العلامة؛ أي يضع لكل طائفة علامة يشتهر بها. فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:من أسر سريرة ألبسه الله رداءها".

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ۝٤ مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٥ وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٧

قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي الشرك {أَن يَسْبِقُونَا} أي يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يفعلون. قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاص بن هشام وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبي معيط وحنظلة بن أبي سفيان والعاص بن وائل. {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي بئس الحكم ما حكموا في صفات ربهم أنه مسبوق والله القادر على كل شيء. و{ما} في موضع نصب بمعنى ساء شيئاً أو حكماً يحكمون. ويجوز أن تكون {ما} في موضع رفع بمعنى ساء الشيء أو الحكم حكمهم. وهذا قول الزجاج. وقدرها ابن كيسان تقديرين آخرين خلاف ذينك: أحدهما؛ أن يكون موضع {مَا يَحْكُمُونَ} بمنزلة شيء واحد، كما تقول: أعجبني ما صنعت؛ أي صنيعك فـ{ـما} والفعل مصدر في موضع رفع، التقدير؛ ساء حكمهم. والتقدير الآخر أن تكون {ما} لا موضع لها من الإعراب، وقد قامت مقام الاسم لساء، وكذلك نعم وبئس. قال أبو الحسن بن كيسان: وأنا أختار أن أجعل لـ{ـما} موضعاً في كل ما أقدر عليه؛ نحو قوله عز وجل:

{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ } [آل عمران: 159] وكذا { فَبِمَا نَقْضِهِم } [المائدة: 13] وكذا { أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ }[القصص: 28] {ما} في موضع خفض في هذا كله وما بعده تابع لها، وكذا؛ { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً }[البقرة: 26] {ما} في موضع نصب و{بَعُوضَةً} تابع لها.

قوله تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} {يَرْجُو} بمعنى يخاف من قول الهُذَليّ في وصف عَسَّال:

إذَا لَسَـعَتْـهُ النَّحـلُ لـم يَـرْجُ لسـعَهـا

وأجمع أهل التفسير على أن المعنى: من كان يخاف الموت فليعمل عملاً صالحاً فإنه لا بدّ أن يأتيه؛ ذكره النحاس. قال الزجاج: معنى {يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ} ثواب الله و{من} في موضع رفع بالابتداء و{كَانَ} في موضع الخبر، وهي في موضع جزم بالشرط، و{يَرْجُو} في موضع خبر كان، والمجازاة {فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}.

قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} أي ومن جاهد في الدِّين، وصبر على قتال الكفار وأعمال الطاعات، فإنما يسعى لنفسه؛ أي ثواب ذلك كله له؛ ولا يرجع إلى الله نفع من ذلك. {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} أي عن أعمالهم. وقيل: المعنى؛ من جاهد عدوّه لنفسه لا يريد وجه الله فليس لله حاجة بجهاده.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدّقوا {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي لنغطينها عنهم بالمغفرة لهم. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعات. ثم قيل: يحتمل أن تكفر عنهم كل معصية عملوها في الشرك، ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الإسلام. ويحتمل أن تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر والإسلام، ويثابوا على حسناتهم في الكفر والإسلام.

وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٨ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٩

قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} نزلت في سعد بن أبي وقّاص فيما روى الترمذي قال: أنزلت فيّ أربعُ آيات فذَكَر قصةً؛ فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبرٰ والله لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى أموت أو تكفر؛ قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعموها شَجَرُوا فَاهَا فنزلت هذه الآية. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وروي عن سعد أنه قال: كنت باراً بأمي فأسلمتُ، فقالت: لتدعنّ دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيَّر بي، ويقال يا قاتل أمه، وبقيت يوماً ويوماً فقلت: يا أماهٰ لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت ونزلت: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي} الآية. وقال ابن عباس: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وقد فعلت أمه مثل ذلك. وعنه أيضاً: نزلت في جميع الأمة إذ لا يصبر على بلاء الله إلا صدّيق. و{حُسْناً} نصب عند البصريين على التكرير أي ووصيناه حسناً. وقيل: هو على القطع تقديره، ووصيناه بالحسن كما تقول وصيته خيراً أي بالخير. وقال أهل الكوفة: تقديره ووصينا الإنسان أن يفعل حسناً فيقدر له فعل. وقال الشاعر:

عَجبتُ من دَهْمَاء إذ تَشكونَاومن أبي دَهْمَاءَ إذ يُوصينَاخيـراً بهـا كـأنّمـا خـافـونـا

أي يوصينا أن نفعل بها خيراً؛ كقوله: { فَطَفِقَ مَسْحاً }[صۤ: 33] أي يمسح مسحاً. وقيل: تقديره ووصيناه أمراً ذا حسنٍ، فأقيمت الصفة مقام الموصوف، وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: معناه ألزمناه حسناً. وقراءة العامة: {حُسْناً} بضم الحاء وإسكان السين. وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والضحاك: بفتح الحاء والسين. وقرأ الجحدري: {إحْسَاناً} على المصدر؛ وكذلك في مصحف أُبيّ، التقدير: ووصينا الإنسان أن يحسن إليهما إحسانا، ولا ينتصب بوصينا؛ لأنه قد استوفى مفعوليه. {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} وعيد في طاعة الوالدين في معنى الكفر. {فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ} كرر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين لتحرك النفوس إلى نيل مراتبهم. وقوله: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي ٱلصَّالِحِينَ} مبالغة على معنى؛ فالذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته. وإذا تحصل للمؤمن هذا الحكم تحصل ثمرته وجزاؤه وهو الجنة.

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ ۝١١

قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ} الآية نزلت في المنافقين كانوا يقولون آمنا بالله {فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ} أي أذاهم {كَعَذَابِ ٱللَّهِ} في الآخرة فارتد عن إيمانه. وقيل: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر على الأذية في الله. {وَلَئِنْ جَآءَ} المؤمنين {نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ} هؤلاء المرتدون {إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} وهم كاذبون؛ فقال الله لهم {أَوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلْعَالَمِينَ} يعني الله أعلم بما في صدورهم منهم بأنفسهم. وقال مجاهد: نزلت في ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا. وقال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك. وقال عكرمة: كان قوم قد أسلموا فأكرههم المشركون على الخروج معهم إلى بدر فقتل بعضهم، فأنزل الله:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ }[النساء: 97] فكتب بها المسلمون من المدينة إلى المسلمين بمكة، فخرجوا فلحقهم المشركون، فافتتن بعضهم، فنزلت هذه الآية فيهم. وقيل: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة؛ أسلم وهاجر، ثم أوذي وضرب فارتد. وإنما عذبه أبو جهل والحارث وكانا أخويه لأمه. قال ابن عباس: ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه. {وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} قال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَٰيَٰكُمْ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنْ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝١٢ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْـَٔلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝١٣

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا} أي ديننا. {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} جزم على الأمر. قال الفراء والزجاج: هو أمر في تأويل الشرط والجزاء؛ أي إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم، كما قال:

فقلتُ ادعِي وأَدعُ إنّ أنْدَىلِصوتٍ أَن يُنَادِيَ داعِيانِ

أي إن دعوتِ دعوتُ. قال المهدويّ: وجاء وقوع {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} بعده على الحمل على المعنى؛ لأن المعنى إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم. فلما كان الأمر يرجع في المعنى إلى الخبر وقع عليه التكذيب كما يوقع عليه الخبر. قال مجاهد: قال المشركون من قريش نحن وأنتم لا نبعث، فإن كان عليكم وزر فعلينا؛ أي نحن نحمل عنكم ما يلزمكم. والحمل ههنا بمعنى الحمالة لا الحمل على الظهر. وروي أن قائل ذلك الوليد بن المغيرة. {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} يعني ما يحمل عليهم من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم. روي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تقدّم في «آل عمران». قال أبو أمامة الباهلي «يؤتى بالرجل يوم القيامة وهو كثير الحسنات فلا يزال يقتص منه حتى تفنى حسناته ثم يطالب فيقول الله عز وجل اقتصوا من عبدي فتقول الملائكة ما بقيت له حسنات فيقول خذوا من سيئات المظلوم فاجعلوا عليه» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}. وقال قتادة: من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء. ونظيره قوله تعالى: { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } [النحل: 25]. ونظير هذا قوله عليه السلام:من سنّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء روي من حديث أبي هريرة وغيره. وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم:من دعا إلى هدى فاتُّبِع عليه وعمل به فله مثل أجور من اتَّبعه ولا يَنْقص ذلك من أجورهم شيئاً وأيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبِع عليها وعمل بها بعده فعليه مثل أوزار من عمل بها ممن اتَّبعه لا يَنقْص ذلك من أوزارهم شيئاًثم قر الحسن: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ}.

قلت: هذا مرسل وهو معنى حديث أبي هريرة خرجه مسلم. ونص حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

أيما داع دعا إلى ضلالة فاتُّبِع فإن له مثلَ أوزار من اتَّبعه ولا ينقص من أوزارهم شيئاً وأيما داعٍ دعا إلى هدًى فاتُّبِع فإن له مثل أجور من اتَّبَعه ولا ينقص من أجورهم شيئاًخرجه ابن ماجة في السنن. وفي الباب عن أبي جُحَيفة وجرير. وقد قيل: إن المراد أعوان الظلمة. وقيل: أصحاب البدع إذا اتُّبِعوا عليها. وقيل: محدِثو السنن الحادثة إذا عمل بها من بعدهم. والمعنى متقارب والحديث يجمع ذلك كله.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَٰلِمُونَ ۝١٤ فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَصْحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَٰهَآ ءَايَةً لِّلْعَٰلَمِينَ ۝١٥

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} ذكر قصة نوح تسلية لنبيِّه صلى الله عليه وسلم؛ أي ابتلي النبيون قبلك بالكفار فصبروا. وخصّ نوحاً بالذكر؛ لأنه أوّل رسول أرسل إلى الأرض وقد امتلأت كفراً على ما تقدّم بيانه في «هود». وأنه لم يلق نبيّ من قومه ما لقي نوح على ما تقدّم في «هود» عن الحسن. وروي عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

أوّل نبيّ أرسل نوحقال قتادة: وبعث من الجزيرة. واختلف في مبلغ عمره. فقيل: مبلغ عمره ما ذكره الله تعالى في كتابه. قال قتادة: لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ودعاهم ثلاثمائة سنة، ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة. وقال ابن عباس: بعث نوح لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الغرق ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. وعنه أيضاً: أنه بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين، وعاش بعد الطوفان مائتين سنة. وقال وهب: عمّر نوحٌ ألفاً وأربعمائة سنة. وقال كعب الأحبار: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان سبعين عاماً فكان مبلغ عمره ألف سنة وعشرين عاماً. وقال عون بن أبي شداد: بعث نوح وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين سنة؛ فكان مبلغ عمره ألف سنة وستمائة سنة وخمسين سنة ونحوه عن الحسن. قال الحسن: لما أتى ملك الموت نوحاً ليقبض روحه قال: يا نوح كم عشت في الدنيا؟ قال ثلاثمائة قبل أن أبعث، وألف سنة إلا خمسين عاماً في قومي، وثلاثمائة سنة وخمسين سنة بعد الطوفان. قال ملك الموت: فكيف وجدت الدنيا؟ قال نوح: مثل دار لها بابان دخلت من هذا وخرجت من هذا. وروي من حديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لما بعث الله نوحاً إلى قومه بعثه وهو ابن خمسين ومائتي سنة فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وبقي بعد الطوفان خمسين ومائتي سنة فلما أتاه ملك الموت قال: يا نوح يا أكبر الأنبياء ويا طويل العمر ويا مجاب الدعوة كيف رأيت الدنيا قال: مثل رجل بني له بيت له بابان فدخل من واحد وخرج من الآخروقد قيل: دخل من أحدهما وجلس هنيهة ثم خرج من الباب الآخر. وقال ابن الوردي: بَنَى نوح بيتاً من قصب، فقيل له: لو بنيت غير هذا، فقال: هذا كثير لمن يموت. وقال أبو المهاجر: لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً في بيت من شعر، فقيل له: يا نبيّ الله ابن بيتاً، فقال: أموت اليوم (أو) أموت غداً. وقال وهب بن منبّه: مرت بنوح خمسمائة سنة لم يقرب النساء وجلا من الموت. وقال مقاتل وجويبر: إن آدم عليه السلام حين كبر ورقّ عظمه قال يا رب إلى متى أكدّ وأسعى؟ قال: يا آدم حتى يولد لك ولد مختون. فولد له نوح بعد عشرة أبطن، وهو يومئذٍ ابن ألف سنة إلا ستين عاماً. وقال بعضهم: إلا أربعين عاماً. والله أعلم. فكان نوح بن لامك بن متوشلخ بن إدريس وهو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم. وكان اسم نوح السكن. وإنما سمي السكن؛ لأن الناس بعد آدم سكنوا إليه، فهو أبوهم. وولد له سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير. وولد حام القبط والسودان والبربر. وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج. وليس في شيء من هؤلاء خير. وقال ابن عباس: في ولد سام بياض وأدمة، وفي ولد حام سواد وبياض قليل. وفي ولد يافث ـ وهم الترك والصقالبة ـ الصفرة والحمرة. وكان له ولد رابع وهو كنعان الذي غرق، والعرب تسميه يام. وسمي نوح نوحاً لأنه ناح على قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى الله تعالى، فإذا كفروا بكى وناح عليهم. وذكر القشيري أبو القاسم عبد الكريم في كتاب التخبير له: يرى أن نوحاً عليه السلام كان اسمه يشكر ولكن لكثرة بكاه على خطيئته أوحى الله إليه يا نوح كم تنوح. فسمي نوحاً؛ فقيل: يا رسول الله فأيّ شيء كانت خطيئته؟ فقال:إنه مر بكلب فقال في نفسه ما أقبحه فأوحى الله إليه اخلق أنت أحسن من هذا. وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحاً لطول ما ناح على نفسه. فإن قيل: فلم قال: «أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامَاً» ولم يقل تسعمائة وخمسين عاماً. ففيه جوابان: أحدهما: أن المقصود به تكثير العدد، فكان ذكره الألف أكثر في اللفظ وأكثر في العدد. الثاني: ما روي أنه أعطي من العمر ألف سنة، فوهب من عمره خمسين سنة لبعض ولده، فلما حضرته الوفاة رجع في استكمال الألف، فذكر الله تعالى ذلك تنبيهاً على أن النقيصة كانت من جهته. {فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ} قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: المطر. الضحاك: الغرق. وقيل: الموت. روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنه قول الشاعر:

أفنـاهـم طـوفـانُ مـوتٍ جـارف

قال النحاس: يقال لكل كثير مطيف بالجميع من مطر أو قتل أو موت طوفان. {وَهُمْ ظَالِمُونَ} جملة في موضع الحال و{أَلْفَ سَنَةٍ} منصوب على الظرف {إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} منصوب على الاستثناء من الموجب. وهو عند سيبويه بمنزلة المفعول؛ لأنه مستغنى عنه كالمفعول. فأما المبرّد أبو العباس محمد بن يزيد فهو عنده مفعول محض. كأنك قلت استثنيت زيداً.

تنبيه: روى حسان بن غالب بن نجيح أبو القاسم المصري، حدثنا مالك بن أنس عن الزهريّ عن ابن المسيّب عن أُبيّ بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان جبريل يذاكرني فضل عمر فقلت يا جبريل ما بلغ فضل عمر قال لي يا محمد لو لبثتُ معك ما لبث نوح في قومه ما بلغت لك فضل عمر ذكره الخطيب أبو بكر أحمد بن ثابت البغدادي. وقال: تفرد بروايته حسان بن غالب عن مالك وليس بثابت من حديثه.

قوله تعالى: {فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ} معطوف على الهاء. {وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} الهاء والألف في {جَعَلْنَاهَا} للسفينة، أو للعقوبة، أو للنجاة؛ ثلاثة أقوال.

وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝١٦ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَٰنًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝١٧ وَإِن تُكَذِّبُوا۟ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝١٨ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ۝١٩

قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ} قال الكسائي: {وَإِبْرَاهِيمَ} منصوب بـ{ـأَنْجَيْنَا} يعني أنه معطوف على الهاء. وأجاز الكسائي أن يكون معطوفاً على نوح، والمعنى وأرسلنا إبراهيم. وقول ثالث: أن يكون منصوباً بمعنى واذكر إبراهيم. {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي أفردوه بالعبادة. {وَٱتَّقُوهُ} أي اتقوا عقابه وعذابه. {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي من عبادة الأوثان {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}.

قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً} أي أصناماً. قال أبو عبيدة: الصنم ما يتخذ من ذهب أو من فضة أو نحاس، والوثن ما يتخذ من جصّ أو حجارة. الجوهري: الوثن الصنم والجمع وُثْنٌ وأوثَانٌ أُسد وآساد. {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} قال الحسن: معنى: {تَخْلُقُونَ} تنحتون؛ فالمعنى إنما تعبدون أوثاناً وأنتم تصنعونها. وقال مجاهد: الإفك الكذب، والمعنى تعبدون الأوثان وتخلقون الكذب. وقرأ أبو عبد الرحمن: {وَتَخَلَّقُونَ}. وقرىء: {تُخَلِّقُونَ} بمعنى التكثير من خَلَّق و{تَخَلَّقُونَ} من تَخَلَّق بمعنى تَكَذَّب وتخرّص. وقرىء: {أَفِكاً} وفيه وجهان: أن يكون مصدراً نحو كذِب ولعِب والإفك مخففاً منه كالكذب واللعب. وأن يكون صفة على فَعل أي خلقاً أَفِكا أي ذا إفك وباطل. و{أَوْثَاناً} نصب بـ{ـتَعْبُدُونَ} و{ما} كافة. ويجوز في غير القرآن رفع أوثانٍ على أن تجعل {ما} اسماً لأن؛ و{تَعْبُدُونَ} صلته، وحذفت الهاء لطول الاسم وجعل أوثان خبر إن. فأما {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} فهو منصوب بالفعل لا غير. وكذا {لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ} أي اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله فإياه فاسألوه وحده دون غيره. {وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} فقيل: هو من قوله إبراهيم أي التكذيب عادة الكفار وليس على الرسل إلا التبليغ.

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِيءُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ} قراءة العامة بالياء على الخبر والتوبيخ لهم، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. قال أبو عبيد: لذكر الأمم كأنه قال أوَلَم ير الأمم كيف. وقرأ أبو بكر والأعمش وابن وثّاب وحمزة والكسائي: {تَرَوْا} بالتاء خطاباً؛ لقوله: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا}. وقد قيل: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا} خطاب لقريش ليس من قول إبراهيم. {ثُمَّ يُعِيدُهُ} يعني الخلق والبعث. وقيل: المعنى أوَلَم يروا كيف يبدىء الله الثمار فتحيا ثم تفنى ثم يعيدها أبداً. وكذلك يبدأ خلق الإنسان ثم يهلكه بعد أن خلق منه ولداً، وخلق من الولد ولداً. وكذلك سائر الحيوان. أي فإذا رأيتم قدرته على الإبداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } لأنه إذا أراد أمراً قال له كن فيكون.

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْـَٔاخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢٠ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ۝٢١ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝٢٢ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يَئِسُوا۟ مِن رَّحْمَتِى وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢٣ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٢٤ وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٢٥

قوله تعالى: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي قل لهم يا محمد سيروا في الأرض {فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ} على كثرتهم وتفاوت هيئاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم كيف أهلكهم؛ لتعلموا بذلك كمال قدرة الله. {ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ} وقرأ أبو عمرو وابن كثير: {النَّشَاءَةَ} بفتح الشين وهما لغتان مثل الرأفةِ والرآفةِ وشبهه. الجوهري: أنشأه الله خلقه، والاسم النشأة والنشاءة بالمدّ عن أبي عمرو بن العلاء. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} أي بعدله. {وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ} أي بفضله. {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} ترجعون وتردون. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} قال الفرّاء: معناه ولا من في السماء بمعجزين الله وهو غامض في العربية؛ للضمير الذي لم يظهر في الثاني. وهو كقول حسان:

فمن يَهْجو رسول اللَّهِ منكمويمَدحُهُ ويَنصرُه سَواءُ

أراد ومَن يمدحه وينصره سواء؛ فأضمر مَن؛ وقاله عبد الرحمن بن زيد. ونظيره قوله سبحانه: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }[الصافات: 164] أي مَن له. والمعنى إن الله لا يعجزه أهل الأرض في الأرض ولا أهل السماء إن عصوه. وقال قُطْرُب: ولا في السماء لو كنتم فيها، كما تقول: لا يفوتني فلان بالبصرة ولا هاهنا، بمعنى لا يفوتني بالبصرة لو صار أليها. وقيل: لا يستطيعون هرباً في الأرض ولا في السماء. وقال المبرّد: والمعنى ولا مَن في السماء على مَن ليست موصولة ولكن تكون نكرة و{فِي السَّمَاءِ} صفة لها، فأقيمت الصفة مقام الموصوف. وردّ ذلك عليّ بن سليمان. وقال: لا يجوز. وقال: إن مَن إذا كانت نكرة فلا بد من وصفها فصفتها كالصلة، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة؛ قال: والمعنى إن الناس خوطبوا بما يعقلون؛ والمعنى لو كنتم في السماء ما أعجزتم الله؛ كما قال: { وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } [النساء: 78]. {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} ويجوز {نَصِيرٌ} بالرفع على الموضع، وتكون {مِن} زائدة. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ} أي بالقرآن أو بما نصب من الأدلة والأعلام. {أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي} أي من الجنة ونسب اليأس إليهم والمعنى أويسوا. وهذه الآيات اعتراض من الله تعالى تذكيراً وتحذيراً لأهل مكة. ثم عاد الخطاب إلى قصة إبراهيم. فقال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} حين دعاهم إلى الله تعالى {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} ثم اتفقوا على تحريقه {فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ} أي من إذايتها {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي في إنجائه من النار العظيمة حتى لم تحرقه بعد ما ألقي فيها {لآيَاتٍ}. وقراءة العامة {جَوَابَ} بنصب الباء على أنه خبر كان و{أَنْ قَالُوا} في محل الرفع اسم كان. وقرأ سالم الأفطس وعمرو بن دينار: {جَوَابُ} بالرفع على أنه اسم {كان} و{أَنْ} في موضع الخبر نصباً. {وَقَالَ} إبراهيم {إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وقرأ حفص وحمزة: {مَوَدَّة بَيْنِكُمْ}. وابن كثير وأبو عمرو والكسائي: {مَوَدَّةٌ بَيْنِكُمْ}. والأعشى عن أبي بكر عن عاصم وابن وثاب والأعمش: {مَوَدَّةٌ بَيْنَكُمْ}. الباقون. {مَوَدَّةُ بَيْنَكُمْ}. فأما قراءة ابن كثير ففيها ثلاثة أوجه؛ ذكر الزجاج منها وجهين: أحدهما: أن المودة ارتفعت على خبر إنّ وتكون {ما} بمعنى الذي. والتقدير إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثاناً مودّةُ بينِكم. والوجه الآخر: أن يكون على إضمار مبتدأ أي هي مودّةُ أو تلك مودّةُ بينِكم. والمعنى آلهتكم أو جماعتكم مودّةُ بينِكم. قال ابن الأنباري: {أَوْثَاناً} وقف حسن لمن رفع المودّة بإضمار ذلك مودّة بينكم، ومن رفع المودّة على أنها خبر إنّ لم يقف. والوجه الثالث الذي لم يذكره أن يكون {مَوَدَّةُ} رفعاً بالابتداء و{فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا} خبره؛ فأما إضافة {مَوَدَّةُ} إلى {بَيْنِكُمْ} فإنه جعل {بَيْنِكُمْ} اسماً غير ظرف، والنحويون يقولون جعله مفعولاً على السعة. وحكى سيبويه: يا سارق الليلة أهل الدار. ولا يجوز أن يضاف إليه وهو ظرف؛ لعلةٍ ليس هذا موضع ذكرها. ومن رفع {مَوَدَّةٌ} ونوّنها فعلى معنى ما ذكر، و{بَيْنَكُمْ} بالنصب ظرفاً. ومن نصب {مَوَدَّةَ} ولم ينوّنها جعلها مفعولة بوقوع الاتخاذ عليها وجعل {إنما} حرفاً واحداً ولم يجعلها بمعنى الذي. ويجوز نصب المودّة على أنه مفعول من أجله كما تقول: جئتك ابتغاء الخير، وقصدت فلاناً مودّة له {بينِكم} بالخفض. ومن نوّن {مَوَدَّةً} ونصبها فعلى ما ذكر {بَيْنَكُمْ} بالنصب من غير إضافة، قال ابن الأنباري: ومن قرأ: {مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ} و{مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} لم يقف على الأوثان، ووقف على الحياة الدنيا. ومعنى الآية جعلتم الأوثان تتحابون عليها وعلى عبادتها في الحياة الدنيا {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} تتبرأ الأوثان من عبّادها والرؤساء من السفلة كما قال الله عز وجل: { ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ }[الزخرف: 67]. {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} هو خطاب لعبدة الأوثان الرؤساء منهم والأتباع. وقيل: تدخل فيه الأوثان كقوله تعالى: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } [الأنبياء: 98].

فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢٦ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَٰبَ وَءَاتَيْنَٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٢٧

قوله تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} لُوطٌ أوّل من صدّق إبراهيم حين رأى النار عليه برداً وسلاماً. قال ابن إسحاق آمن لوط بإبراهيم وكان ابن أخته، وآمنت به سارّة وكانت بنت عمه. {وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ} قال النّخعيّ وقتادة: الذي قال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} هو إبراهيم عليه السلام. قال قتادة: هاجر من كوثا وهي قرية من سواد الكوفة إلى حرّان ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط بن هاران ابن تارخ، وامرأته سارة. قال الكلبي: هاجر من أرض حرّان إلى فلسطين. وهو أوّل من هاجر من أرض الكفر. قال مقاتل: هاجر إبراهيم وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل: الذي قال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} لوط عليه السلام. ذكر البيهقي عن قتادة قال: أوّل من هاجر إلى الله عز وجل بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال قتادة: سمعت النضر بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول:

خرج عثمان بن عفان ومعه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم، فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد رأيت خَتَنك ومعه امرأته. قال: «على أي حال رأيتهما» قالت: رأيته وقد حمل امرأته على حمار من هذه الدَّبَّابة وهو يسوقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صحبهما الله إن عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعد لوط» قال البيهقي: هذا في الهجرة الأولى، وأما الهجرة الثانية إلى الحبشة فهي فيما زعم الواقدي سنة خمس من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. {إِلَىٰ رَبِّيۤ} أي إلى رضا ربي وإلى حيث أمرني. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدم. وتقدم الكلام في الهجرة في «النساء» وغيرها.

قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} أي منّ الله عليه بالأولاد فوهب له إسحاق ولداً ويعقوب ولد ولدٍ. وإنما وهب له إسحاق من بعد إسماعيل ويعقوب من إسحاق. {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} فلم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلا من صلبه، ووحد الكتاب؛ لأنه أراد المصدر كالنبوة، والمراد التوراة والإنجيل (والفرقان). فهو عبارة عن الجمع. فالتوراة أُنزلت على موسى من ولد إبراهيم، والإنجيل على عيسى من ولده؛ والفرقان على محمد من ولده صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} يعني اجتماع أهل الملل عليه؛ قاله عكرمة. وروى سفيان عن حميد بن قيس قال: أمر سعيد بن جبير إنساناً أن يسأل عكرمة عن قوله جل ثناؤه: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا} فقال عكرمة: أهل الملل كلها تدعيه وتقول هو منا؛ فقال سعيد بن جبير: صدق. وقال قتادة: هو مثل قوله:

{ وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً }[النحل: 122] أي عاقبة وعملاً صالحاً وثناء حسناً. وذلك أن أهل كل دين يتولونه. وقيل: {آتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا} أن أكثر الأنبياء من ولده. {وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ} ليس {فِي الآخِرةِ} داخلاً في الصلة وإنما هو تبيين. وقد مضى في «البقرة» بيانه. وكل هذا حثٌّ على الاقتداء بإبراهيم في الصبر على الدين الحق.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٨ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٢٩ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٣٠ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوٓا۟ إِنَّا مُهْلِكُوٓا۟ أَهْلِ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ ۝٣١ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٣٢ وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٣٣ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ۝٣٤ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٣٥

قوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} قال الكسائي: المعنى وأنجينا لوطاً أو أرسلنا لوطاً. قال: وهذا الوجه أحب إليّ. ويجوز أن يكون المعنى واذكر لوطاً إذ قال لقومه موبخاً أو محذراً {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} {أَئِنَّكُمْ} تقدم القراءة في هذا وبيانها في سورة «الأعراف». وتقدم قصة لوط وقومه في «الأعراف» و«هود» أيضاً. {وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ} قيل: كانوا قطاع الطريق؛ قاله ابن زيد. وقيل: كانوا يأخذون الناس من الطرق لقضاء الفاحشة؛ حكاه ابن شجرة. وقيل: إنه قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال قاله وهب بن منبّه. أي استغنوا بالرجال عن النساء.

قلت: ولعل الجميع كان فيهم فكانوا يقطعون الطريق لأخذ الأموال والفاحشة، ويستغنون عن النساء بذلك. {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} النادي المجلس واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه؛ فقالت فرقة: كانوا يخذفون النساء بالحصى، ويستخفّون بالغريب والخاطر عليهم. وروته أم هانىء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

قالت أم هانىء: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ} قال: «كانوا يخذفون من يمر بهم ويسخرون منه فذلك المنكر الذي كانوا يأتونه» أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده. وذكره النحاس والثعلبي والمهدوي والماوردي. وذكر الثعلبي قال معاوية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل قصعة فيها الحصى للخذف فإذا مرّ بهم عابر قذفوه فأيهم أصابه كان أولى به يعني يذهب به للفاحشة فذلك قوله: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلْمُنْكَرَ}. وقالت عائشة وابن عباس والقاسم ابن أبي بَزّة والقاسم بن محمد: إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم. وقال (منصور عن) مجاهد كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضاً. وعن مجاهد: كان من أمرهم لعب الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والخذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم. قال ابن عطية: وقد توجد هذه الأمور في بعض عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فالتناهي واجب. قال مكحول: في هذه الأمة عشرة من أخلاق قوم لوط: مضغ العلك، وتطريف الأصابع بالحنّاء، وحلّ الإزار، وتنقيض الأصابع، والعمامة التي تلف حول الرأس، والتشابك، ورمي الجُلاهِق، والصفير والخذف، واللوطية. وعن ابن عباس قال: إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة، منها أنهم يتظالمون فيما بينهم، ويشتم بعضهم بعضاً، ويتضارطون في مجالسهم، ويخذفون ويلعبون بالنَّرْد والشِّطْرَنج، ويلبسون المصبغات، ويتناقرون بالديكة، ويتناطحون بالكباش، ويُطرِّفون أصابعهم بالحنّاء، وتتشبه الرجال بلباس النساء والنساء بلباس الرجال، ويضربون المكوس على كل عابر، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله وهم أوّل من ظهر على أيديهم اللوطية والسِّحاق. فلما وقفهم لوط عليه السلام على هذه القبائح رجعوا إلى التكذيب واللجاج فقالوا: {ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ} أي إن ذلك لا يكون ولا يقدر عليه. وهم لم يقولوا هذا إلا وهم مصممون على اعتقاد كذبه. وليس يصح في الفطرة أن يكون معاند يقول هذا. ثم استنصر لوط عليه السلام ربه فبعث عليهم ملائكة لعذابهم، فجاؤوا إبراهيم أوّلاً مبشرين بنصرة لوط على قومه، حسبما تقدّم بيانه في «هود» وغيرها. وقرأ الأعمش ويعقوب وحمزة والكسائي: {لَننَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ} بالتخفيف. وشدّد الباقون. وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي: {إِنَّا مُنْجُوكَ وَأَهْلَكَ} بالتخفيف. وشدّد الباقون. وهما لغتان: أَنْجَى ونَجَّى بمعنى. وقد تقدّم. وقرأ ابن عامر: {إِنَّا مُنَزِّلُونَ} بالتشديد وهي قراءة ابن عباس. الباقون بالتخفيف. وقوله: {وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} قال قتادة: هي الحجارة التي أبقيت. وقاله أبو العالية. وقيل: إنه يرجم بها قوم من هذه الأمة. وقال ابن عباس: هي آثار منازلهم الخربة. وقال مجاهد: هو الماء الأسود على وجه الأرض. وكل ذلك باق فلا تعارض.

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٣٦ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٣٧

قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} أي وأرسلنا إلى مدين. وقد تقدّم ذكرهم وفسادهم في «الأعراف» و«هود» {وَٱرْجُواْ ٱلْيَوْمَ آلآخِرَ} وقال يونس النحوي؛ أي اخشوا الآخرة التي فيها الجزاء على الأعمال. {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي لا تكفروا فإنه أصل كل فساد. والعُثُوُّ والعِثيّ أشد الفساد. عَثِيَ يَعثَى وعَثَا يَعثُو بمعنى واحد. وقد تقدّم. وقيل: {وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ} أي صدّقوا به فإن القوم كانوا ينكرونه.

وَعَادًا وَثَمُودَا۟ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ ۝٣٨

قوله تعالى: {وَعَاداً وَثَمُودَ} قال الكسائي: قال بعضهم هو راجع إلى أوّل السورة؛ أي ولقد فتنا الذين من قبلهم وفتنا عاداً وثمودا. قال: وأحب إليّ أن يكون معطوفاً على {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} وأخذت عاداً وثموداً. وزعم الزجاج: أن التقدير وأهلكنا عاداً وثموداً. وقيل: المعنى واذكر عاداً إذ أرسلنا إليهم هوداً فكذبوه فأهلكناهم، وثموداً أيضاً أرسلنا إليهم صالحاً فكذبوه فأهلكناهم بالصيحة كما أهلكنا عاداً بالريح العقيم. {وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم} يا معشر الكفار {مِّن مَّسَاكِنِهِمْ} بالحِجْر والأحقاف آياتٌ في إهلاكهم فحذف فاعل التبيّن. {وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي أعمالهم الخسيسة فحسبوها رفيعة. {فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي عن طريق الحق. {وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ} فيه قولان: أحدهما وكانوا مستبصرين في الضلالة قاله مجاهد. والثاني: كانوا مستبصرين قد عرفوا الحق من الباطل بظهور البراهين. وهذا القول أشبه؛ لأنه إنما يقال فلان مستبصر إذا عرف الشيء على الحقيقة. قال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم بصائرهم. وقيل: أتوا ما أتوا وقد تبين لهم أن عاقبتهم العذاب.

وَقَٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَٰبِقِينَ ۝٣٩ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٤٠

قوله تعالى: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} قال الكسائي: إن شئت كان محمولاً على عاد، وكان فيه ما فيه، وإن شئت كان على {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} وصدّ قارون وفِرعون وهامان. وقيل: أي وأهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل {فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} عن الحق وعن عبادة الله {وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} أي فائتين. وقيل: سابقين في الكفر بل قد سبقهم للكفر قرون كثيرة فأهلكناهم. {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} قال الكسائي: {فَكُلاًّ»} منصوب بـ{ـأَخَذْنَا} أي أخذنا كلاً بذنبه. {فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} يعني قوم لوط. والحاصب ريح يأتي بالحصباء وهي الحصى الصغار. وتستعمل في كل عذاب {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ} يعني ثموداً وأهل مدين. {وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} يعني قارون {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا} قوم نوح وقوم فرعون. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} لأنه أنذرهم وأمهلهم وبعث إليهم الرسل وأزاح العذر.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ