انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القصص

تفسير الطبريالآيات 1–15

تفسير سورة القصص آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة القصص

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:06:54

  1. 1 الآيات 1–11في هذه الصفحة 6:45
  2. 2 الآيات 12–28في هذه الصفحة 14:34
  3. 3 الآيات 29–50 17:05
  4. 4 الآيات 51–75 17:22
  5. 5 الآيات 76–88 11:08

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

طسٓمٓ ۝١ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ۝٢ نَتْلُوا۟ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٣

قال أبو جعفر: قد بـيَّنا قبل فـيـما مضى تأويـل قول الله عزّ وجل {طسم}، وذكرنا اختلاف أهل التأويـل فـي تأويـله، وأما قوله: {تلكَ آياتُ الكِتابِ الـمُبِـينِ} فإنه يعنـي هذه آيات الكتاب الذي أنزلته إليك يا مـحمد، الـمبـين أنه من عند الله، وأنك لـم تتقوّله ولـم تتـخرّصه. وكان قتادة فـيـما ذكر عنه يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {طسم. تلكَ آياتُ الكِتابِ الـمُبِـينِ} يعنـي مبـين والله بركته ورشده وهداه.

وقوله: {نَتْلُو عَلَـيْكَ} يقول: نقرأ علـيك ونقصّ فـي هذا القرآن من خبر موسى {وَفِرْعَوْنَ بـالـحَقِّ}. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {نَتْلُو عَلَـيْكَ مِنْ نَبإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بـالـحَقّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يقول: فـي هذا القرآن نبؤهم.

وقوله: {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يقول: لقوم يصدّقون بهذا الكتاب، لـيعلـموا أن ما نتلو علـيك من نبئهم فـيه نبؤهم، وتطمئنّ نفوسهم، بأن سنتنا فـيـمن خالفك وعاداك من الـمشركين سنتنا فـيـمن عادى موسى، ومن آمن به من بنـي إسرائيـل من فرعون وقومه، أن نهلكهم كما أهلكناهم، وننـجيهم منهم كما أنـجيناهم.

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٤

يقول تعالـى ذكره: إن فرعون تـجبر فـي أرض مصر وتكبر، وعلا أهلها وقهرهم، حتـى أقرّوا له بـالعبودة. كما:

حدثنا مـحمد بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فـي الأرْضِ} يقول: تـجبر فـي الأرض.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِـي الأرْضِ} أي بغى فـي الأرض.

وقوله: {وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعاً} يعنـي بـالشيع: الفِرَق، يقول: وجعل أهلَها فِرقا متفرّقـين. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعاً}: أي فرقا يذبح طائفة منهم، ويستـحيـي طائفة، ويعذّب طائفة، ويستعبد طائفة. قال الله عزّ وجلّ: {يُذَبِّحُ أبْناءَهُمْ، وَيَسْتَـحْيِـي نِساءَهُمْ، إنَّهُ كانَ مِنَ الـمُفْسِدِينَ}.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا فـي منامه، أن ناراً أقبلت من بـيت الـمقدس حتـى اشتـملت علـى بـيوت مصر، فأحرقت القبط، وتركت بنـي إسرائيـل، وأحرقت بـيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة والـحازة، فسألهم عن رؤياه، فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيـل منه، يعنون بـيت الـمقدس، رجل يكون علـى وجهه هلاك مصر، فأمر ببنـي إسرائيـل أو لا يولد لهم غلام إلاَّ ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلاَّ تركت، وقال للقبط: انظروا مـملوكيكم الذين يعملون خارجاً، فأدخـلوهم، واجعلوا بنـي إسرائيـل يـلون تلك الأعمال القذرة، فجعل بنـي إسرائيـل فـي أعمال غلـمانهم، وأدخـلوا غلـمانهم، فذلك حين يقول: {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِـي الأرْضِ وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعاً} يعنـي بنـي إسرائيـل حين جعلهم فـي الأعمال القذرة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعاً} قال: فرّق بـينهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد: {وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعاً} قال: فِرَقاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعاً قال: الشيع: الفِرَق.

وقوله: {يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ} ذكر أن استضعافه إياها كان استعبـاده. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة: يستعبد طائفة منهم، ويذبح طائفة، ويقتل طائفة، ويستـحيـي طائفة.

وقوله: {إنَّهُ كانَ مِنَ الـمُفْسِدِينَ} يقول: إنه كان مـمن يفسد فـي الأرض بقتله من لا يستـحقّ منه القتل، واستعبـاده من لـيس له استعبـاده وتـجبره فـي الأرض علـى أهلها، وتكبره علـى عبـادة ربه.

وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ ۝٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَحْذَرُونَ ۝٦

قوله: {وَنُرِيدُ} عطف علـى قوله

{ يَسْتَضْعفُ طائِفَة مِنْهُمْ }ومعنى الكلام: أن فرعون علا فـي الأرض وجعل أهلها من بنـي إسرائيـل فِرَقاً يستضعِف طائفة منهم {وَ} نَـحْنُ {نُرِيدُ أنْ نَـمُنَّ عَلَـى الَّذِينَ} استضعفهم فرعون من بنـي إسرائيل {وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً}. وبنـحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَنُرِيدُ أنْ نَـمُنَّ عَلـى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِـي الأرْضِ} قال: بنو إسرائيـل.

قوله: {ونَـجْعَلَهُمْ أئمَّةً} أي ولاة وملوكاً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {ونَـجْعَلَهُمْ أئمَّةً} أي ولاة الأمر:

وقوله: {ونَـجْعَلَهُمُ الوَارِثـينَ} يقول: ونـجعلهم ورّاث آل فرعون يرثون الأرض من بلد مهلكهم. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {ونَـجْعَلَهُمُ الوَارِثِـينَ}: أي يرثون الأرض بعد فرعون وقومه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة {ونَـجْعَلَهُمُ الوارِثِـينَ} يقول: يرثون الأرض بعد فرعون.

وقوله: {ونُـمَكِّنَ لَهُمْ فِـي الأرْضِ} يقول: ونوطيء لهم فـي أرض الشام ومصر. {وَنُرِيَ فرْعَوْنَ وهامانَ وَجُنُودَهُمَا} كانوا قد أخبروا أن هلاكهم علـى يد رجل من بنـي إسرائيـل، فكانوا من ذلك علـى وجل منهم، ولذلك كان فرعون يذبح أبناءهم، ويستـحيـي نساءهم، فأرى الله فرعون وهامان وجنودهما من بنـي إسرائيـل علـى يد موسى بن عمران نبـيه ما كانوا يحذرونه منهم من هلاكهم وخراب منازلهم ودورهم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {ونُـمَكِّنَ لَهُمْ فِـي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ} شيئاً ما حذّر القوم، قال: وذُكر لنا أن حازياً حزا لعدوّ الله فرعون، فقال: يولد فـي هذا العام غلام من بنـي إسرائيـل يسلبك ملكك، فتتبَّع أبناءهم ذلك العام، يقتل أبناءهم، ويستـحيـي نساءهم حذراً مـما قال له الـحازي.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة، قال: كان لفرعون رجل ينظر له ويخبره، يعنـي أنه كاهن، فقال له: إنه يولد فـي هذا العام غلام يذهب بـملككم، فكان فرعون يذبح أبناءهم، ويستـحيـي نساءهم حذراً، فذلك قوله {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجنودهما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ}.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَنرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الـحجاز والبصرة وبعض الكوفـيـين: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ} بـمعنى: ونرى نـحن بـالنون عطفـاً بذلك علـى قوله: {ونُـمَكِّنَ لَهُمْ}. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «وَيَرَى فِرْعَوْنُ» علـى أن الفعل لفرعون، بـمعنى: ويعاين فرعون، بـالـياء من يرى، ورفع فرعون وهامان والـجنود.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان فـي قرّاء الأمصار، متقاربتا الـمعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فهو مصيب، لأنه معلوم أن فرعون لـم يكن لـيرى من موسى ما رأى، إلاَّ بأن يريه الله عزّ وجلّ منه، ولـم يكن لـيريه الله تعالـى ذكره ذلك منه إلاَّ رآه.

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱلْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِىٓ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: {وأوْحَيْنا إلـى أُمّ مُوسَى} حين ولدت موسى {أنْ أرْضِعِيهِ}.

وكان قَتادة يقول، فـي معنى ذلك {وأوْحَيْنا إلـى أُمّ مُوسَى}: قذفنا فـي قلبها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وأوْحَيْنا إلـى أُمّ مُوسَى} وحيا جاءها من الله، فقذف فـي قلبها، ولـيس بوحي نبوّة، أن أرضعي موسى {فإذَا خِفْتِ عَلَـيْهِ فَأَلْقِـيهِ فِـي الـيَـمّ، وَلا تَـخافِـي وَلا تَـحْزَنِـي...} الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قوله {وأوْحَيْنا إلـى أُمّ مُوسَى} قال: قذف فـي نفسها.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أمر فرعون أن يذبح من ولد من بنـي إسرائيـل سنة، ويتركوا سنة فلـما كان فـي السنة التـي يذبحون فـيها حملت بـموسى فلـما أرادت وضعه، حزنت من شأنه، فأوحى الله إلـيها {أنْ أرْضِعِيهِ فإذَا خِفْتِ عَلَـيْهِ فَألْقِـيهِ فِـي الـيَـمّ}.

واختلف أهل التأويـل فـي الـحال التـي أمرت أمّ موسى أن تلقـي موسى فـي الـيـم، فقال بعضهم: أُمرت أن تلقـيه فـي الـيـمّ بعد ميلاده بأربعة أشهر، وذلك حال طلبه من الرضاع أكثر مـما يطلب الصبـيّ بعد حال سقوطه من بطن أمه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {أنْ أرْضِعِيهِ فإذَا خِفْتِ عَلَـيْهِ} قال: إذا بلغ أربعة أشهر وصاح وابتغى من الرضاع أكثر من ذلك {فأَلْقِـيهِ} حينئذٍ {فـي الـيَـمّ} فذلك قوله: {فإذَا خِفْتِ عَلَـيْهِ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، قال: لـم يقل لها: إذا ولدتـيه فألقـيه فـي الـيـمّ، إنـما قال لها {أنْ أرْضِعيهِ، فإذَا خِفْتِ عَلَـيْهِ فَأَلْقـيهِ فِـي الْـيَـمّ} بذلك أُمرت، قال: جعلته فـي بستان، فكانت تأتـيه كلّ يوم فترضعه، وتأتـيه كلّ لـيـلة فترضعه، فـيكفـيه ذلك.

وقال آخرون: بل أُمِرت أن تلقـيه فِـي الـيـم بعد ولادها إياه، وبعد رضاعها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما وضعته أرضعته ثم دعت له نـجاراً، فجعل له تابوتاً، وجعل مفتاح التابوت من داخـل، وجعلته فـيه، فألقته فـي الـيّـم.

وأولـى قول قـيـل فـي ذلك بـالصواب، أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أمر أمّ موسى أن ترضعه، فإذا خافت علـيه من عدوّ الله فرعون وجنده أن تلقـيه فـي الـيـمّ. وجائز أن تكون خافتهم علـيه بعد أشهر من ولادها إياه وأيّ ذلك كان، فقد فعلت ما أوحى الله إلـيها فـيه، ولا خبر قامت به حجة، ولا فطرة فـي العقل لبـيان أيّ ذلك كان من أيَ، فأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة أن يُقال كما قال جلّ ثناؤه. والـيـمّ الذي أُمِرَت أن تلقـيه فـيه هو النـيـل. كما:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فَألْقِـيهِ فِـي الْـيَـمِ} قال: هو البحر، وهو النـيـل. وقد بـيَّنا ذلك بشواهده، وذكر الرواية فـيه فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

وقوله: {وَلا تَـخافِـي وَلا تَـحْزَنِـي} يقول: لا تـخافـي علـى ولدك من فرعون وجنده أن يقتلوه، ولا تـحزنـي لفراقه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَلا تَـخافِـي وَلا تَـحْزَنِـي} قال: لا تـخافـي علـيه البحر، ولا تـحزنـي لفراقه {إنَّا رَادُّوه إلَـيْكِ}.

وقوله: {إنَّا رَادُّوهُ إلَـيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الـمُرْسَلِـينَ} يقول: إنا رادّو ولدك إلـيك للرضاع لتكونـي أنت ترضعيه، وبـاعثوه رسولاً إلـى من تـخافـينه علـيه أن يقتله، وفعل الله ذلك بها وبه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق {إنَّا رَادُّوهُ إلَـيْكِ} وبـاعثوه رسولاً إلـى هذه الطاغية، وجاعلو هلاكه ونـجاة بنـي إسرائيـل مـما هم فـيه من البلاء علـى يديه.

فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَٰطِـِٔينَ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: فـالتقطه آل فرعون فأصابوه وأخذوه وأصله من اللقطة، وهو ما وُجد ضالاً فأخذ. والعرب تقول لـما وردت علـيه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطاً، ولقـيت فلاناً التقاطاً ومنه قول الراجز:

وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ الْتِقاطالَـمْ أَلْقَ إذْ وَرَدْتُهُ فُرَّاطا

يعنـي فجأة.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بقوله: {آلُ فِرْعَوْنَ} فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: عنى بذلك: جواري امرأة فرعون.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أقبل الـموج بـالتابوت يرفعه مرّة ويخفضه أخرى، حتـى أدخـله بـين أشجار عند بـيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغسلن، فوجدن التابوت، فأدخـلنه إلـى آسية، وظننّ أن فـيه مالاً فلـما نظرت إلـيه آسية، وقعت علـيها رحمته فأحبته فلـما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه، فلـم تزل آسية تكلـمه حتـى تركه لها، قال: إنـي أخاف أن يكون هذا بنـي إسرائيـل، وأن يكون هذا الذي علـى يديه هلاكنا، فذلك قول الله: {فـالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِـيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً}.

وقال آخرون: بل عنى به ابنة فرعون.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن قـيس، قال: كانت بنت فرعون برصاء، فجاءت إلـى النـيـل، فإذا التابوت فـي النـيـل تـخفقه الأمواج، فأخذته بنت فرعون، فلـما فتـحت التابوت، فإذا هي بصبـيّ، فلـما اطلعت فـي وجهه برأت من البرص، فجاءت به إلـى أمها، فقالت: إن هذا الصبـيّ مبـارك لـما نظرت إلـيه برئت، فقال فرعون: هذا من صبـيان من بنـي إسرائيـل، هلـمّ حتـى أقتله، فقالت:

{ قُرَّةُ عَيْنٍ لِـي وَلَكَ، لا تَقْتُلُوُهُ }

وقال آخرون: عنى به أعوان فرعون.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: أصبح فرعون فـي مـجلس له كان يجلسه علـى شفـير النـيـل كلّ غداة فبـينـما هو جالس، إذ مرّ النـيـل بـالتابوت يقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلـى جنبه، فقالت: إن هذا لشيء فـي البحر، فأتونـي به، فخرج إلـيه أعوانه، حتـى جاءوا به، ففتـح التابوت فإذا فـيه صبـيّ فـي مهده، فألقـى الله علـيه مـحبته، وعطف علـيه نفسه، قالت امرأته آسية:

{ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً }

ولا قول فـي ذلك عندنا أولـى بـالصواب مـما قال الله عزّ وجلّ: {فـالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} وقد بـيَّنا معنى الآل فـيـما مضى بـما فـيه الكفـاية من إعادته ههنا.

وقوله: {لِـيَكونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} فـيقول القائل: لـيكون موسى لآل فرعون عدوّاً وحزَناً فـالتقطوه، فـيقال {فـالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِـيَكونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} قـيـل: إنهم حين التقطوه لـم يـلتقطوه لذلك، بل لـما تقدّم ذكره. ولكنه إن شاء الله كما.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَـمة عن ابن إسحاق، فـي قوله: {فـالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِـيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وحَزَناً} قال: لـيكون فـي عاقبة أمره عدواً وحزناً لـما أراد الله به، ولـيس لذلك أخذوه، ولكن امرأة فرعون قالت:

{ قُرَّةُ عَيْنٍ لـي ولَكَ }فكان قول الله: {لِـيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً} وحَزَناً لـما هو كائن فـي عاقبة أمره لهم، وهو كقول الآخر إذا قَرَّعه لفعل كان فعله وهو يحسب مـحسناً فـي فعله، فأدّاه فعله ذلك إلـى مساءة مندِّماً له علـى فعله: فعلت هذا لضرّ نفسك، ولتضرّ به نفسك فعلت. وقد كان الفـاعل فـي حال فعله ذلك عند نفسه يفعله راجيا نفعه، غير أن العاقبة جاءت بخلاف ما كان يرجو. فكذلك قوله: {فـالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِـيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} إنـما هو: فـالتقطه آل فرعون ظناً منهم أنهم مـحسنون إلـى أنفسهم، لـيكون قرّة عين لهم، فكانت عاقبة التقاطهم إياه منه هلاكهم علـى يديه.

وقوله: {عَدُوّاً وَحَزَناً} يقول: يكون لهم عدُوّاً فـي دينهم، وحزَناً علـى ما ينالهم منه من الـمكروه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {فـالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِـيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً} عدوّا لهم فـي دينهم، وحزناً لـما يأتـيهم.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: {وَحَزَناً} بفتـح الـحاء والزاي. وقرأته عامة قرّاء الكوفة: «وَحُزْنا» بضم الـحاء وتسكين الزاي. والـحَزَن بفتـح الـحاء والزاي مصدر من حزنت حَزَنا، والـحُزْن بضم الـحاء وتسكين الزاي الاسم: كالعَدَم والعُدْم ونـحوه.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى، وهما علـى اختلاف اللفظ فـيهما بـمنزلة العَدَم، والعُدْم، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقوله: {إنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ} يقول تعالـى ذكره: إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا بربهم آثمين، فلذلك كان لهم موسى عَدُوّاً وحَزَناً.

وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: {وَقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ} له هذا {قُرةُ عَيْنٍ لـي ولَكَ} يا فرعون فقرّة عين مرفوعة بـمضمر هو هذا، أو هو. وقوله: {لا تَقْتُلُوهُ} مسألة من امرأة فرعون أن لا يقتله. وذُكِر أن الـمرأة لـما قالت هذا القول لفرعون، قال فرعون: أمّا لك فنعم، وأما لـي فلا، فكان كذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي مَعْشر، عن مـحمد بن قـيس، قال: قالت امرأة فرعون: {قُرةُ عَيْنٍ لـي ولَكَ، لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً} قال فرعون: قرّة عين لك، أما لـي فلا. قال مـحمد بن قـيس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَوْ قالَ فِرْعَوْنُ: قُرةُ عَيْنٍ لـي ولَكِ، لَكانَ لَهُما جَمِيعاً

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: اتـخذه فرعونُ ولداً، ودُعِيَ علـى أنه ابن فرعون فلـما تـحرّك الغلام أرته أمه آسية صبـياً، فبـينـما هي ترقصه وتلعب به، إذ ناولته فرعون، وقالت: خذه قرةَ عين لـي ولك، قال فرعون: هو قرّة عين لك، لا لـي. قال عبد الله بن عبـاس: لو أنه قال: وهو لـي قرّة عين إذن لآمن به، ولكنه أبى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قالت امرأة فرعون: {قُرَّةُ عَيْنٍ لـي ولَكَ} تعنـي بذلك موسى.

حدثنا العبـاس بن الولـيد، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن يزيد، قال: ثنا القاسم بن أبـي أيوب، قال: ثنـي سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس قال: لـما أتت بـموسى امرأة فرعونَ فرعون قالت: {قُرَّةُ عَيْنٍ لـي ولَكَ} قال فرعون: يكون لك، فأما لـي فلا حاجة لـي فـيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ لَهُ قُرَّةَ عَيْنٍ كمَا أقَرَّتْ، لَهَدَاهُ اللّهُ بِهِ كمَا هَدَى بِهِ امْرأتَهُ، وَلَكِنَّ اللّهَ حَرَمَهُ ذلكَ

وقوله: {لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً} ذُكِر أن امرأة فرعون قالت هذا القول حين همّ بقتله. قال بعضهم: حين أُتـيَ به يوم التقطه من الـيـم. وقال بعضهم: يوم نَتَف من لـحيته أو ضربه بعصا كانت فـي يده. ذكر من قال: قالت ذلك يوم نتف لـحيته:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما أتـى فرعون به صبـيا أخذه إلـيه، فأخذ موسى بلـحيته فنتفها، قال فرعون: علـيّ بـالذبـاحين، هو هذا قالت آسية: {لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً} إنـما هو صبـيّ لا يعقل، وإنـما صنَع هذا من صبـاه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً} قال: أُلقِـيَتْ علـيه رحمتها حين أبصرته.

وقوله: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معنى ذلك: وهم لا يشعرون هلاكهم علـى يده.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} قال: وهم لا يشعرون أن هلكتهم علـى يديه، وفـي زمانه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي سفـيان، عن معمر، عن قَتادة {أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} قال: إن هلاكهم علـى يديه.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} قال: آل فرعون إنه لهم عدوّ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} بـما هو كائن من أمرهم وأمره.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قالت امرأة فرعون آسية: {لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَدا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} يقول الله: وهم لا يشعرون أي بـما هو كائن بـما أراد الله به.

وقال آخرون: بل معنى قوله {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} بنو إسرائيـل لا يشعرون أنَّا التقطناه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن قـيس {لا تقتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} قال: يقول: لا تدري بنو إسرائيـل أنَّا التقطناه.

والصواب من القول فـي ذلك، قول من قال: معنى ذلك: وفرعون وآله لا يشعرون بـما هو كائن من هلاكهم علـى يديه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات به لأنه عُقَـيب قوله: {وَقالَتِ امْرأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لـي ولَكَ، لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّـخِذَهُ وَلَداً} وإذا كان ذلك عقبه، فهو بأن يكون بـياناً عن القول الذي هو عقبه أحقّ من أن يكون بـياناً عن غيره.

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٠

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي عَنَى الله أنه أصبح منه فؤاد أمّ موسى فـارغاً، فقال بعضهم: الذي عنى جلّ ثناؤه أنه أصبح منه فؤاد أمّ موسى فـارغاً: كل شيء سوى ذكر ابنها موسى.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن العلاء، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن مـجاهد، وحسان أبـي الأشرس عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} قال: فرغ من كلّ شيء إلاَّ من ذكر مُوسى.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن حسان، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} قال: فـارغاً من كلّ شيء إلاَّ من ذكر موسى.

حدثنا مـحمد بن عُمارة، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن رجل، عن ابن عبـاس {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} قال: فـارغاً من كلّ شيء إلاَّ من همّ موسى.

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً قال: يقول: لا تذكروا إلاَّ موسى.

حدثنا مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَـارِغاً} قالَ: من كل شيء غير ذكر موسى.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَى فـارِغاً} قال: فرغ من كل شيء إلاَّ من ذكر موسى.

حدثنا عبد الـجبـار بن يحيى الرملـيّ، قال: ثنا ضَمْرة بن ربـيعة، عن ابن شَوذَب، عن مطر، فـي قوله {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} قال: فـارغاً من كلّ شيء إلاَّ من همّ موسى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً}: أي لاغياً من كلّ شيء، إلاَّ من ذكر موسى.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} قال: فرغ من كلّ شيء غير ذكر موسى.

وقال آخرون: بل عنى أن فؤادها أصبح فـارغاً من الوحي الذي كان الله أوحاه إلـيها، إذ أمرها أن تلقـيه فـي الـيـمّ فقال {وَلا تَـخافِـي وَلا تَـحْزَنِـي، إنَّا رَادُّوهُ إلَـيْكِ، وَجاعِلُوهُ مِنَ الـمُرْسَلِـينَ} قال: فحزنت ونسيت عهد الله إلـيها، فقال الله عزّ وجلّ {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} من وحينا الذي أوحيناه إلـيها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} قال: فـارغا من الوحي الذي أوحى الله إلـيها حين أمرها أن تلقـيه فـي البحر، ولا تـخاف ولا تـحزن. قال: فجاءها الشيطان، فقال: يا أمّ موسى، كرهت أن يقتل فرعون موسى، فـيكون لك أجره وثوابه وتولَّـيت قتله، فألقـيتـيه فـي البحر وغرقتـيه، فقال الله: {وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} من الوحي الذي أوحاه إلـيها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، قال: ثنـي الـحسن، قال: أصبح فـارغاً من العهد الذي عهدنا إلـيها، والوعد الذي وعدناها أن نردَّ علـيها ابنها، فنسيت ذلك كله، حتـى كادت أن تُبْدِي به لولا أن ربطنا علـى قلبها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: قال ابن إسحاق: قد كانت أمّ موسى ترفع له حين قذفته فـي البحر، هل تسمع له بذكر، حتـى أتاها الـخبر بأن فرعون أصاب الغداة صبـيا فـي النـيـل فـي التابوت، فعرفت الصفة، ورأت أنه وقع فـي يدي عدوّه الذي فرّت به منه، وأصبح فؤادها فـارغاً من عهد الله إلـيها فـيه قد أنساها عظيـم البلاء ما كان من العهد عندها من الله فـيه. وقال بعض أهل الـمعرفة بكلام العرب: معنى ذلك: {وَأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} من الـحزن، لعلـمها بأنه لـم يغرق. قال: وهو من قولهم: دم فرغ: أي لا قود ولا دية وهذا قول لا معنى له لـخلافه قول جميع أهل التأويـل.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندي قول من قال: معناه: {وَأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} من كلّ شيء إلاَّ من همّ موسى.

وإنـما قلنا: ذلك أولـى الأقوال فـيه بـالصواب لدلالة قوله: {إنْ كادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلـى قَلْبِها} ولو كان عَنَى بذلك: فراغ قلبها من الوحي لـم يعقب بقوله: {إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} لأنها إن كانت قاربت أن تبدي الوحي، فلـم تكد أن تبديه إلا لكثرة ذكرها إياه، وولوعها به، ومـحال أن تكون به ولعة إلا وهي ذاكرة. وإذا كان ذلك كذلك بطل القول بأنها كانت فـارغة القلب مـما أوحى إلـيها. وأخرى أن الله تعالـى ذكره أخبر عنها أنها أصبحت فـارغة القلب، ولـم يخصص فراغ قلبها من شيء دون شيء، فذلك علـى العموم إلا ما قامت حجته أن قلبها لـم يفرغ منه. وقد ذُكر عن فضالة بن عبـيد أنه كان يقرؤه: «وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَى فـازِعاً» من الفزع.

وقوله: {إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي عادت علـيه الهاء فـي قوله: بِهِ فقال بعضهم: هي من ذكر موسى، وعلـيه عادت.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن مـجاهد وحسان أبـي الأشرس، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس {إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أن تقول: يا ابناه.

قال: ثنـي يحيى بن سعيد، عن سفـيان، عن الأعمش، عن حسان، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس {إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أن تقول: يا ابناه.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن حسان عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس {إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أن تقول: يا ابناه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي لتبدي به أنه ابنها من شدّة وجدها.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما جاءت أمه أخذ منها، يعنـي الرضاع، فكادت أن تقول: هو ابنـي، فعصمها الله، فذلك قول الله {إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلـى قَلْبِها}.

وقال آخرون

{ بِـمَا أوْحَيْناهُ إلَـيْها }: أي تظفر.

والصواب من القول فـي ذلك ما قاله الذين ذكرنا قولهم أنهم قالوا: إن كادت لتقول: يا بنـياه، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى ذلك، وأنه عقـيب قوله: {وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسَى فـارِغاً} فلأن يكون لو لـم يكن مـمن ذكرنا فـي ذلك إجماع علـى ذلك من ذكر موسى، لقربه منه، أشبه من أن يكون من ذكر الوحي.

وقال بعضهم: بل معنى ذلك {إنْ كادَتْ لَتُبْدِي} بـموسى فتقول: هو ابنـي. قال: وذلك أن صدرها ضاق إذ نُسب إلـى فرعون، وقـيـل ابن فرعون. وعنى بقوله {لِتُبْدِي بِهِ} لتظهره وتـخبر به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاكّ يقول، فـي قوله: {إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ}: لتشعر به.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنْ كادَتْ لَتُبْدي بِهِ} قال: لتُعلِنِ بأمره لولا أن ربطنا علـى قلبها لتكون من الـمؤمنـين.

وقوله: {لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلـى قَلْبِهَا} يقول: لولا أن عصمناها من ذلك بتثبـيتناها وتوفـيقناها للسكوت عنه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: قال الله {لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلـى قَلْبِها}: أي بـالإيـمان {لِتَكُونَ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ}.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: كادت تقول: هو ابنـي، فعصمها الله، فذلك قول الله: {إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلـى قَلْبِها}.

وقوله: {لِتَكُونَ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ} يقول تعالـى ذكره: عصمناها من إظهار ذلك وقـيـله بلسانها، وثبتناها للعهد الذي عهدنا إلـيها {لِتَكُونَ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ} بوعد الله، الـموقِنـين به.

وَقَالَتْ لِأُخْتِهِۦ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِۦ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: {وَقالَتْ} أمّ موسى لأخت موسى حين ألقته فـي الـيـم {قُصّيهِ} يقول: قصي أثر موسى، اتبعي أثره، تقول: قصصت آثار القوم: إذا اتبعت آثارهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصام، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {لأِخْتِهِ قُصيّهِ} قال: اتبعي أثره كيف يصنع به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد قُصيّهِ أي قصي أثره.

حدثنا ابن حميد، ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصيّهِ} قال: اتبعي أثره.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصيهِ} أي انظري ماذا يفعلون به.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَقالَتْ لاِخْتِهِ قُصّيهِ} يعنـي: قصي أثره.

حدثنـي العبـاس بن الولـيد، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، قال: ثنا القاسم بن أبـي أيوب، قال: ثنـي سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس {وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصيّهِ} أي قصي أثره واطلبـيه هل تسمعين له ذكراً، أحيّ ابنـي أو قد أكلته دوابّ البحر وحيتانه؟ ونَسيتِ الذي كان الله وعدها. وقوله: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} يقول تعالـى ذكره: فقصت أخت موسى أثره، فبصرت به عن جُنُب: يقول فبصرت بـموسى عن بُعد لـم تدن منه ولـم تقرب، لئلا يعلـم أنها منه بسبـيـل. يقال منه: بصرت به وأبصرته، لغتان مشهورتان، وأبصرت عن جنب، وعن جنابة، كما قال الشاعر:

أتَـيْتُ حُرَيْثا زَائِرا عَنْ جَنابَةٍفَكانَ حُرَيْثٌ عَنْ عَطائي جاحِدَاً

يعنـي بقوله: عن جنابة: عن بُعد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسي وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {عَنْ جُنُبٍ} قال: بُعد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {عَنْ جُنُبٍ} قال: عن بُعد. قال ابن جُرَيج {عَنْ جُنُبٍ} قال: هي علـى الـحدّ فـي الأرض، وموسى يجري به النـيـل وهما متـحاذيان كذلك تنظر إلـيه نظرة، وإلـى الناس نظرة، وقد جعل فـي تابوت مقـيَّر ظهره وبطنه، وأقـفلته علـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي سفـيان، عن معمر، عن قَتادة: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} يقول: بصرت به وهي مـحاذيته لـم تأته.

حدثنـي العبـاس بن الولـيد، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، قال: ثنـي القاسم بن أبـي أيوب، قال: ثنـي سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس {فَبَصُرَتُ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} والـجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلـى الشيء البعيد، وهو إلـى جنبه لا يشعر به.

وقوله: {وَهُمْ لا يَشْعَرُونَ} يقول: وقوم فرعون لا يشعرون بأخت. موسى أنها أخته. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} قال: آل فرعون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أنها أخته، قال: جعلت تنظر إلـيه كأنها لا تريده.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أنها أخته.

حدثنا حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي لا يعرفون أنها منه بسبـيـل.

وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰٓ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُۥ لَكُمْ وَهُمْ لَهُۥ نَٰصِحُونَ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: ومنعنا موسى الـمراضع أن يرتضع منهنّ من قبل أمه. ذكر أن أختاً لـموسى هي التـي قالت لآل فرعون: {هَلْ أدُلكُمْ عَلـى أهْلِ بَـيْتٍ يكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَه ناصِحونَ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمور، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أرادوا له الـمرضعات، فلـم يأخذ من أحد من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لـينزلن عند فرعون فـي الرضاع، فأبى أن يأخذ، فذلك قوله: {وَحَرَّمْنا عَلَـيْهِ الـمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ} أخته {هَلْ أدُلكُمْ عَلـىْ أهْلِ بَـيْتٍ يكْفُلُونه لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ} فلـما جاءت أمه أخذ منها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَحَرَّمْنا عَلَـيْهِ الـمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} قال: لا يقبل ثدي امرأة حتـى يرجع إلـى أمه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن حسان، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس {وَحَرّمْنا عَلَـيْهِ الـمَرَاضعَ مِنْ قَبْلُ} قال: كان لا يؤتـى بـمرضع فـيقبلها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله: {وَحَرَّمْنا عَلَـيْهِ الـمَرَاضِعَ مِنْ قَبْل} قال: لا يرضع ثدي امرأة حتـى يرجع إلـى أمه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَحَرَّمْنا عَلَـيْهِ الـمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} قال: جعل لا يؤتـى بـامرأة إلا لـم يأخذ ثديها، قال: {فَقَالَتْ} أخته {هَلْ أدُلَّكُمْ علـى أهْلِ بَـيْتٍ يكْفُلُونَه لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: جمعوا الـمراضع حين ألقـى الله مـحبتهم علـيه، فلا يؤتـى بـامرأة فـيقبل ثديها فـير مضهم ذلك، فـيؤتـي بـمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئاً منهنّ {فَقَالَتْ} لهم أخته حين رأيت من وجدهم به، وحرصهم علـيه {هَلْ أدُلُكُمْ عَلـى أهْلِ بَـيْتٍ يكْفُلُونَهُ لَكُمْ}، ويعنـي بقوله {يكْفُلُونَهُ لَكُمْ}: يضمونه لكم. وقوله: {وَهُمْ لَهُ ناصِحونَ} ذكر أنها أخذت، فقـيـل: قد عرفته، فقالت: إنـما عنـيت أنهم للـملك ناصحون.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما قالت أخته {هَلْ أدُلُّكُمْ عَلـى أهْلِ بَـيْتٍ يكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ} أخذوها، وقالوا: إنك قد عَرَفت هذا الغلام، فدلـينا علـى أهله، فقالت: ما أعرفه، ولكنـي إنـما قلت: هم للـملك ناصحون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله {هَلْ أدُلُّكُمْ عَلـى أهْلِ بَـيْتٍ يكْفُلونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحونَ} قال: فعِلْقُوها حين قالت: وهم له ناصحون، قالوا: قد عرفته، قالت: إنـما أردت هم للـملك ناصحون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق {وَهُمْ لَهُ ناصحون} أي لـمنزلته عندكم، وحرصكم علـى مسرّة الـملك، قالوا: هاتـي.

فَرَدَدْنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره: {فَرَدَدْنَا} موسى {إلَـى أُمِّهِ} بعد أن التقطه آل فرعون، لتقرّ عينها بـابنها، إذ رجع إلـيها سلـيـماً من قَتل فرعون {وَلا تَـحْزَنْ} علـى فراقه إياها {وَلِتَعْلَـمَ أنَّ وَعْدَ اللّهِ} الذي وعدها إذ قال لها

{ فإذَا خِفْتِ عَلَـيْهِ فأَلْقِـيهِ فِـي الْـيَـمّ وَلا تَـخافِـي وَلا تَـحْزَنِـي... }الآية، حقّ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَرَدَدْناهُ إلـى أُمِّهِ} فقرأ حتـى بلغ {لا يَعْلَـمُونَ} ووعدها أنه رادّه إلـيها وجاعله من الـمرسلـين، ففعل الله ذلك بها.

وقوله: {وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: ولكن أكثر الـمشركين لا يعلـمون أن وعد الله حقّ، لا يصدّقون بأن ذلك كذلك.

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسْتَوَىٰٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: {وَلـمَّا بَلَغَ} موسى {أشُدَّهُ}، يعنـي حان شدّه بدنه وقواه، وانتهى ذلك منه. وقد بَّـينا معنى الأشدّ فـيـما مضى بشواهده، فأغنـي ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {وَاسْتَوَى} يقول: تناهى شبـابه، وتـمّ خـلقه واستـحكم. وقد اختلف فـي مبلغ عدد سنـي الاستواء، فقال بعضهم: يكون ذلك فـي أربعين سنة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَاسْتَوَى} قال: أربعين سنة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَلَـمَّا بَلَغَ أشُدَّهُ} قال: ثلاثاً وثلاثـين سنة. قوله: {وَاسْتَوَى} قال: بلغ أربعين سنة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس {وَلَـما بَلَغَ أشُدَّهُ} قال: بضعاً وثلاثـين سنة.

قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلـما بَلَغَ أشُدَّهُ} قال: ثلاثاً وثلاثـين سنة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة {أشُدَّهُ وَاسْتَوَى} قال: أربعين سنة، وأشدّه: ثلاثاً وثلاثـين سنة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلـمَّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوَى} قال: كان أبـي يقول: الأشدّ: الـجلَد، والاستواء: أربعون سنة.

وقال بعضهم: يكون ذلك فـي ثلاثـين سنة.

وقوله: {وآتَـيْناهُ حُكْماً وَعِلْـماً} يعنـي الـحكم: الفهم بـالدين والـمعرفة. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {آتَـيْناهُ حُكْماً وَعِلْـماً} قال: الفقه والعقل والعمل قبل النبوّة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {آتَـيْناه حُكْماً وَعِلْـماً} قال: الفقه والعمل قبل النبوّة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق {وَلـمَّا بَلَغَ أشُدَّهُ وَاسْتَوَى} آتاه الله حكماً وعلـماً وفقهاً فـي دينه ودين آبـائه، وعلـما بـما فـي دينه وشرائعه وحدوده.

وقوله: {وكذلكَ نَـجّزِي الـمُـحْسِنِـينَ} يقول تعالـى ذكره: كما جزينا موسى علـى طاعته إيانا وإحسانه بصبره علـى أمرنا، كذلك نـجزي كلّ من أحسن من رسلنا وعبـادنا، فصبر علـى أمرنا وأطاعنا، وانتهى عما نهيناه عنه.

وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِۦ فَٱسْتَغَٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُۥ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: {وَدَخَـلَ} موسى {الـمَدِينَةَ} مدينة مَنْف من مصر {عَلـى حِينَ غَفْلَةٍ مِنْ أهْلِها} وذلك عند القائلة نصف النهار.

واختلف أهل العلـم فـي السبب الذي من أجله دخـل موسى هذه الـمدينة فـي هذا الوقت، فقال بعضهم: دخـلها متبعا أثر فرعون، لأن فرعون ركب وموسى غير شاهد فلـما حضر علـم بركوبه فركب واتبع أثره، وأدركه الـمقـيـل فـي هذه الـمدينة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: كان موسى حين كبر يركب مراكب فرعون، ويـلبس مثل ما يـلبس، وكان إنـما يُدعى موسى بن فرعون، ثم إن فرعون ركب مركبـاً ولـيس عنده موسى فلـما جاء موسى قـيـل له: إن فرعون قد ركب، فركب فـي أثره فأدركه الـمقـيـل بأرض يقال لها منف، فدخـلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها، ولـيس فـي طرقها أحد، وهي التـي يقول الله: {وَدَخَـلَ الـمدَينَةَ عَلـى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أهْلِها}.

وقال آخرون: بل دخـلها مستـخفـيا من فرعون وقومه، لأنه كان قد خالفهم فـي دينهم، وعاب ما كانوا علـيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لَـمَّا بلغ موسى أشده واستوى، آتاه الله حكماً وعلـماً، فكانت له من بنـي إسرائيـل شيعة يسمعون منه ويطيعونه ويجتـمعون إلـيه، فلـما استد رأيه، وعرف ما هو علـيه من الـحقّ، رأى فراق فرعون وقومه علـى ما هم علـيه حقا فـي دينه، فتكلـم وعادى وأنكر، حتـى ذكر منه، وحتـى أخافوه وخافهم، حتـى كان لا يدخـل قرية فرعون إلا خائفـاً مستـخفـياً، فدخـلها يوما علـى حين غفلة من أهلها.

وقال آخرون: بل كان فرعون قد أمر بإخراجه من مدينته حين علاه بـالعصا، فلـم يدخـلها إلا بعد أن كبر وبلغ أشدّه. وقالوا: ومعنى الكلام: ودخـل الـمدينة علـى حين غفلة من أهلها لذكر موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {عَلـى حِين غَفْلَةٍ مِنْ أهْلِها} قال: لـيس غفلة من ساعة، ولكن غفلة من ذكر موسى وأمره. وقال فرعون لامرأته: أخرجيه عنـي، حين ضرب رأسه بـالعصا، هذا الذي قُتِلتْ فـيه بنو إسرائيـل، فقالت: هو صغير، وهو كذا، هات جمراً، فأتـي بجمر، فأخذ جمرة فطرحها فـي فـيه فصارت عقدة فـي لسانه، فكانت تلك العقدة التـي قال الله {وَاحُلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِـي يَفْقَهُوا قَوْلِـي} قال: أخرجيه عنـي، فأخرج، فلـم يدخـل علـيهم حتـى كبر، فدخـل علـى حين غفلة من ذكره.

وأولـى الأقوال فـي الصحة بذلك أن يقال كما قال الله جلّ ثناؤه: {وَلـمَّا أشُدَّهُ وَاسْتَوَى وَدَخَـلَ الـمَدِينَةَ عَلَـى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أهْلِها}.

واختلفوا فـي الوقت الذي عُنى بقوله: {عَلـى حِين غَفْلَةٍ مِنْ أهْلِها} فقال بعضهم: ذلك نصف النهار.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـحمد بن الـمنكدر، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبـاس، قوله: {وَدَخَـلَ الـمَدينَةَ عَلـى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أهْلِها} قال: نصف النهار. قال ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، قال: يقولون فـي القائلة، قال: وبـين الـمغرب والعشاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَدَخَـل الـمَدِينَةَ عَلـى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أهْلِها} قال: دخـلها بعد ما بلغ أشدّه عند القائلة نصف النهار.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: دخـل نصف النهار.

وقوله: {فَوَجَدَ فِـيها رَجُلَـيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ} يقول: هذا من أهل دين موسى من بنـي إسرائيـل {وَهَذَا مِنْ عَدُوهِ} من القبط من قوم فرعون {فـاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ} يقول: فـاستغاثه الذي هو من أهل دين موسى علـى الذي من عدوّه من القبط {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَـيْهِ} يقول: فلكزه ولهزه فـي صدره بجمع كفه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا حفص، عن الأعمش، عن سعيد بن جُبَـير، قال: أساء موسى من حيث أساء، وهو شديد الغضب شديد القوّة، فمرّ برجل من القبط قد تسخَّر رجلاً من الـمسلـمين، قال: فلـما رأى موسى استغاث به، قال: يا موسى، فقال موسى: خـلّ سبـيـله، فقال: قد همـمت أن أحمله علـيك {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضى عَلَـيْهِ} قال: حتـى إذا كان الغد نصف النهار خرج ينظر الـخبر قال: فإذا ذاك الرجل قد أخذه آخر فـي مثل حدّه قال: فقال: يا موسى، قال: فـاشتدّ غضب موسى، قال: فأهوى، قال: فخاف أن يكون إياه يريد، قال: فقال:

{ أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِـي كمَا قَتَلْتَ نَفْساً بـالأَمْسِ }؟ قال: فقال الرجل: ألا أراك يا موسى أنت الذي قتلت؟.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثام بن علـيّ، قال: ثنا الأعمش، عن سعيد بن جُبـير {فَوَجَدَ فِـيها رَجُلَـينِ يَقْتَتِلانِ} قال: رجل من بنـي إسرائيـل يقاتل جبـاراً لفرعون {فـاسْتَغاثَهُ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَـيْهِ} فلـما كان من الغد، استصرخ به فوجده يقاتل آخر، فأغاثه، فقال

{ أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِـي كما قَتَلْتَ نَفْساً بـالأمْسِ }فعرفوا أنه موسى، فخرج منها خائفـا يترقب، قال عثام: أو نـحو هذا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَوَجَدَ فِـيها رَجُلَـيْن يَقْتَتِلانِ، هذَا مِنْ شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوّهِ} أما الذي من شيعته فمن بنـي إسرائيـل، وأما الذي من عدوّه فقبطيّ من آل فرعون.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فَوَجدَ فِـيها رَجُلَـينِ يَقْتَتِلان، هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوّهِ} يقول: من القبط {فـاسْتَغاثَهُ الَّذي مِنْ شِيعَتِهِ عَلـى الَّذي مِنْ عَدُوّهِ}.

حدثنا العبـاس بن الولـيد، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، قال: ثنا القاسم ابن أبـي أيوب، قال: ثنـي سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما بلغ موسى أشدّه، وكان من الرجال، لـم يكن أحد من آل فرعون يخـلص إلـى أحد من بنـي إسرائيـل معه بظلـم ولا سخرة، حتـى امتنعوا كلّ الامتناع، فبـينا هو يـمشي ذات يوم فـي ناحية الـمدينة، إذا هو برجلـين يقتتلان: أحدهما من بنـي إسرائيـل، والآخر من آل فرعون، فـاستغاثه الإسرائيـلـي علـى الفرعونـي، فغضب موسى واشتدّ غضبه، لأنه تناوله وهو يعلـم منزلة موسى من بنـي إسرائيـل، وحفظه لهم، ولا يعلـم الناس إلا أنـما ذلك من قِبل الرضاعة من أمّ موسى إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك علـى علـم ما لـم يطلع علـيه غيره، فوكز موسى الفرعونـي فقتله، ولـم يرهما أحد إلا الله والإسرائيـلـي، فـ{قَالَ} موسى حين قتل الرجل {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطان...} الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق {فَوَجَدَ فِـيهَا رَجُلَـيْنِ يَقْتَتِلانِ، هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ} مسلـم، وهذا من أهل دين فرعون كافر {فـاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلـى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} وكان موسى قد أوتـي بسطة فـي الـخـلق، وشدّة فـي البطش فغضب بعدوّهما فنازعه {فَوَكَزَهُ مُوسَى} وكزة قتله منها وهو لا يريد قتله، فـ{قال هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِـينٌ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ} قال: من قومه من بنـي إسرائيـل، وكان فرعون من فـارس من إصطخر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، بنـحوه.

قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، عن أصحابه {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ} إسرائيـلـي {وَهَذا مِنْ عَدُوّهِ} قبطي {فـاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلـى الَّذِي مِنْ عَدُوّهِ}. وبنـحوه الذي قلنا أيضاً قالوا فـي معنى قوله: {فَوَكَزَهُ مُوسَى}.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَوَكَزَهُ مُوسَى} قال: بجمع كفه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَوَكَزَهُ مُوسَى} نبـيّ الله، ولـم يتعمد قتله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قتله وهو لا يريد قتله.

وقوله: {فَقَضَى عَلَـيْهِ} يقول: ففرغ من قتله. وقد بـيَّنت فـيـما مضى أن معنى القضاء: الفراغ بـما أغنـي عن إعادته ههنا. ذكر أنه قتله ثم دفنه فـي الرمل، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، عن أصحابه {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَـيْهِ} ثم دفنه فـي الرمل.

وقوله: {قالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِـينٌ} يقول تعالـى ذكره: قال موسى حين قتل القتـيـل: هذا القتل من تسبب الشيطان لـي بأن هيَّج غضبـي حتـى ضربت هذا فهلك من ضربتـي، {إنَّهُ عَدُو}ّ يقول: إن الشيطان عدوّ لابن آدم {مُضِلّ} له عن سبـيـل الرشاد بتزيـينه له القبـيح من الأعمال، وتـحسينه ذلك له {مُبِـينٌ} يعنـي أنه يبـين عداوته لهم قديـماً، وإضلاله إياهم.

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ