انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القصص

تفسير الطبريالآيات 49–70

تفسير سورة القصص آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة القصص

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:06:54

  1. 1 الآيات 29–50في هذه الصفحة 17:05
  2. 2 الآيات 51–75في هذه الصفحة 17:22

التفسير الصوتي لسورة القصص كاملًا (5 مقاطع)

قُلْ فَأْتُوا۟ بِكِتَٰبٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للقائِلـين للتوراة والإنـجيـل: هما سحران تظاهرا: ائتوا بكتاب من عند الله، هو أهدى منهما لطريق الـحقّ، ولسبـيـل الرشاد {أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} فِـي زعمكم أن هذين الكتابـين سحران، وأن الـحقّ فـي غيرهما. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: فقال الله تعالـى {قُلْ فَأْتُوا بكِتابِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ هُوَ أهْدَى مِنْهُما...} الآية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فقال الله {قُلْ فَأْتُوا بكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ هُوَ أهْدَى مِنْهُما} من هذين الكتابـين الذي بعث به موسى، والذي بعث به مـحمد صلى الله عليه وسلم.

فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: فإن لـم يجبك هؤلاء القائلون للتوراة والإنـجيـل: سحران تظاهرا، الزاعمون أن الـحقّ فـي غيرهما، من الـيهود يا مـحمد، إلـى أن يأتوك بكتاب من عند الله، هو أهدى منهما، فـاعلـم أنـما يتبعون أهواءهم، وأن الذي ينطقون به، ويقولون فـي الكتابـين، قول كذب وبـاطل، لا حقـيقة له، ولعل قائلاً أن يقول: أو لـم يكن النبـيّ صلى الله عليه وسلم يعلـم أن ما قال القائلون من الـيهود وغيرهم فـي التوراة والإنـجيـل من الإفك والزور، الـمسموهما سحرين: بـاطل من القول، إلاَّ بأن لا يجيبوه إلـى إتـيانهم بكتاب هو أهدى منهما؟ قـيـل: هذا كلام خرج مخرج الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والـمراد به الـمقول لهم أو لـم يكفروا بـما أوتـي موسى من قبل من كفـار قريش، وذلك أنه قـيـل للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمشركي قريش: أو لـم يكفر هؤلاء الذين أمروكم أن تقولوا: هلا أوتـي مـحمد مثل ما أوتـي موسى، بـالذي أوتـي موسى من قبل هذا القرآن، ويقولوا للذي أنزل علـيه وعلـى عيسى

{ سِحْرَانِ تَظاهَرَا }فقولوا لهم إن كنتـم صادقـين أن ما أوتـي موسى وعيسى سحر، فأتونـي بكتاب من عند الله، هو أهدى من كتابـيهما، فإن هم لـم يجيبوكم إلـى ذلك فـاعلـموا أنهم كذبة، وأنهم إنـما يتبعون فـي تكذيبهم مـحمداً، وما جاءهم به من عند الله أهواء أنفسهم، ويتركون الـحقّ وهم يعلـمون. يقول تعالـى ذكره: ومن أضلّ عن طريق الرشاد، وسبـيـل السداد مـمن اتبع هوى نفسه بغير بـيان من عند الله، وعهد من الله، ويترك عهد الله الذي عهده إلـى خـلقه فـي وحيه وتنزيـله {إنَّ اللّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالـمِينَ} يقول تعالـى ذكره: إن الله لا يوفق لإصابة الـحقّ وسبـيـل الرشد القوم الذين خالفوا أمر الله وتركوا طاعته، وكذّبوا رسوله، وبدّلوا عهده، واتبعوا أهواء أنفسهم إيثاراً منهم لطاعة الشيطان علـى طاعة ربهم.

وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ۝٥١ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤْمِنُونَ ۝٥٢

يقول تعالـى ذكره: ولقد وصلنا يا مـحمد لقومك من قريش وللـيهود من بنـي إسرائيـل القول بأخبـار الـماضين والنبأ عما أحللنا بهم من بأسنا، إذ كذّبوا رسلنا، وعما نـحن فـاعلون بـمن اقتفـى آثارهم، واحتذى فـي الكفر بـالله، وتكذيب رسله مثالهم، لـيتذكروا فـيعتبروا ويتعظوا. وأصله من: وصل الـحبـال بعضها ببعض ومنه قول الشاعر:

فَقُلْ لِبَنِـي مَرْوَانَ ما بـالُ ذِمَّةٍوَحَبْلٍ ضَعِيفٍ ما يَزَالُ يُوَصَّلُ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل وإن اختلفت ألفـاظهم ببـيانهم عن تأويـله، فقال بعضهم: معناه بـيَّنا. وقال بعضهم معناه: فصلنا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن لـيث، عن مـجاهد، قوله {وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ} قال: فصلنا لهم القول.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ} قال: وصل الله لهم القول فـي هذا القرآن، يخبرهم كيف صنع بـمن مضى، وكيف هو صانع {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا مـحمد بن عيسى أبو جعفر، عن سفـيان بن عيـينة: وصلنا: بـيَّنا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ} الـخبر، خبر الدنـيا بخبر الآخرة، حتـى كأنهم عاينوا الآخرة، وشهدوها فـي الدنـيا، بـما نريهم من الآيات فـي الدنـيا وأشبـاهها. وقرأ

{ إنَّ فِـي ذلكَ لآيَةً لِـمَنْ خافَ عَذَابَ الآخِرَةِ }وقال: إنا سوف ننـجزهم ما وعدناهم فـي الآخرة، كما أنـجزنا للأنبـياء ما وعدناهم، نقضي بـينهم وبـين قومهم.

واختلف أهل التأويـل، فـيـمن عنى بـالهاء والـميـم من قوله {وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ} فقال بعضهم: عنى بهما قريشاً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ} قال: قريش.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ} قال: لقريش.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {ولَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} قال: يعنـي مـحمدا صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: عُنِـي بهما الـيهود.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي بشر بن آدم، قال: ثنا عفـان بن مسلـم، قال: ثنا حماد بن سلـمة، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن رفعة القرظي، قال: نزلت هذه الآية فـي عشرة أنا أحدهم {وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.

حدثنا ابن سنان، قال: ثنا حيان، قال: ثنا حماد، عن عمرو، عن يحيى بن جعدة، عن عطية القُرَظِيّ قال: نزلت هذه الآية {وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} حتـى بلغ

{ إنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِـمِينَ }فـي عشرة أنا أحدهم، فكأن ابن عبـاس أراد بقوله: يعنـي مـحمداً: لعلهم يتذكرون عهد الله فـي مـحمد إلـيهم، فـيقرّون بنبوّته ويصدّقونه.

وقوله: {الَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} يعنـي بذلك تعالـى ذكره قوما من أهل الكتاب آمنوا برسوله وصدّقوه، فقال الذين آتـيناهم الكتاب من قبل هذا القرآن، هم بهذا القرآن يؤمنون، فـيقرّون أنه حقّ من عند الله، ويكذّب جهلة الأميـين، الذين لـم يأتهم من الله كتاب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله تعالـى {الَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} قال: يعنـي من آمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {الَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ...} إلـى قوله {لا نَبْتَغي الـجاهِلِـينَ} فـي مسلـمة أهل الكتاب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله {الَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ...} إلـى قوله {الـجاهِلِـينَ} قال: هم مُسْلِـمة أهل الكتاب. قال ابن جُرَيج: أحبرنـي عمرو بن دينار: أن يحيى بن جعدة أخبره، عن علـيّ بن رفـاعة، قال: خرج عشرة رَهْط من أهل الكتاب، منهم أبو رِفـاعة، يعنـي أبـاه، إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فآمنوا، فأُوذوا، فنزلت: {الَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ} قبل القرآن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {الَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} قال: كنا نـحدَّث أنها نزلت فـي أناس من أهل الكتاب كانوا علـى شريعة من الـحقّ، يأخذون بها، وينتهون إلـيها، حتـى بعث الله مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فآمنوا به، وصدّقوا به، فأعطاهم الله أجرهم مرتـين، بصبرهم علـى الكتاب الأوّل، واتبـاعهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم، وصبرهم علـى ذلك، وذكر أن منهم سَلْـمان، وعبد الله بن سَلاَم.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {الَّذِينَ آتَـيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ...} إلـى قوله

{ مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِـمِينَ }: ناس من أهل الكتاب آمنوا بـالتوراة والإنـجيـل ثم أدركوا مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فَآمنوا به، فَأَتاهم الله أجرهم مرّتـين بـما صبروا: بإيـمانهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، وبـاتبـاعهم إياه حين بعث، فذلك قوله: { إنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِـمِينَ }}.

وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِۦ مُسْلِمِينَ ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: وإذا يُتلـى هذا القرآن علـى الذين آتـيناهم الكتاب من قبل نزول هذا القرآن {قالُوا آمَنَّا بِهِ} يقول: يقولون: صدّقنا به {إنَّهُ الـحَقُّ مِنْ رَبِّنا} يعنـي من عند ربنا نزل، {إنّا كُنَا مِنَ قَبْلهِ} نزول هذا القرآن مسلـمين، وذلك أنهم كانوا مؤمنـين بـما جاء به الأنبـياء قبل مـجيء نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم، وعلـيهم من الكتب، وفـي كتبهم صفة مـحمد ونعته، فكانوا به وبـمبعثه وبكتابه مصدّقـين قبل نزول القرآن، فلذلك قالوا: {إنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِـمِينَ}.

أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم، يُؤْتَوْن ثواب عملهم مرّتـين بـما صبروا.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الصبر الذي وعد الله ما وعد علـيه، فقال بعضهم: وعدهم ما وعد جلّ ثناؤه، بصبرهم علـى الكتاب الأوّل، واتبـاعهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم، وصبرهم علـى ذلك. وذلك قول قَتادة، وقد ذكرناه قبل.

وقال آخرون: بل وعدهم بصبرهم بإيـمانهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، وبـاتبـاعهم إياه حين بعث. وذلك قول الضحاك بن مزاحم، وقد ذكرناه أيضاً قبل، ومـمن وافق قَتادة علـى قوله عبد الرحمن بن زيد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:

{ إنَّا كُنَّا من قَبْلِهِ مُسْلِـمِينَ }علـى دين عيسى، فلـما جاء النبـيّ صلى الله عليه وسلم أسلـموا، فكان لهم أجرهم مرّتـين: بـما صبروا أوّل مرّة، ودخـلوا مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي الإسلام. وقال قوم فـي ذلك بـما:

حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: إن قوما كانوا مشركين أسلـموا، فكان قومهم يؤذونهم، فنزلت {أوْلئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَـيْنِ بِـمَا صَبرُوا} وقوله {وَيَدْرَءُونَ بـالـحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} يقول: ويدفعون بحسنات أفعالهم التـي يفعلونها سيئاتهم {ومِـمَّا رَزَقْناهُمْ} من الأموال {يُنْفِقُونَ} فـي طاعة الله، إما فـي جهاد فـي سبـيـل الله، وإما فـي صدقة علـى مـحتاج، أو فـي صلة رَحِم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله:

{ وَإذَا يُتْلَـى عَلَـيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إنَّهُ الـحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِـمِينَ }قال الله: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَـيْن بِـمَا صَبرُوا} وأحسن الله علـيهم الثناء كما تسمعون، فقال: {وَيَدْرَءُونَ بـالـحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ}.

وَإِذَا سَمِعُوا۟ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُوا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ لَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى ٱلْجَٰهِلِينَ ۝٥٥

يقول تعالـى ذكره: وإذا سمع هؤلاء القوم الذين آتـيناهم الكتاب اللغو، وهو البـاطل من القول، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أعمالُنا وَلَكُمْ أعمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَـيْكُمْ لا نَبْتَغِي الـجاهِلِـينَ} لا يجارون أهل الـجهل والبـاطل فـي بـاطلهم، أتاهم من أمر الله ما وقذهم عن ذلك.

وقال آخرون: عُنِـي بـاللغو فـي هذا الـموضع: ما كان أهل الكتاب ألـحقوه فـي كتاب الله، مـما لـيس هو منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا...}. إلـى آخر الآية، قال: هذه لأهل الكتاب، إذا سمعوا اللغو الذي كتب القوم بأيديهم مع كتاب الله، وقالوا: هو من عند الله، إذا سمعه الذين أسلـموا، ومرّوا به يتلونه، أعرضوا عنه، وكأنهم لـم يسمعوا ذلك قبل أن يؤمنوا بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا مسلـمين علـى دين عيسى، ألا ترى أنهم يقولون:

{ إنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِـمِينَ }. وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن منصور، عن مـجاهد {وَإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أعمالُنا وَلَكُمْ أعمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَـيْكُمْ} قال: نزلت فـي قوم كانوا مشركين فأسلـموا، فكان قومهم يُؤْذونهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جويرية، عن منصور، عن مـجاهد، قوله {وَإذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ، وَقالُوا لَنا أعمالُنا وَلَكُمْ أعمالُكُمْ} قال: كان ناس من أهل الكتاب أَسْلَـموا، فكان الـمشركون يؤذونهم، فكانوا يصفحون عنهم، يقولون: {سَلامٌ عَلَـيْكُمْ لا نَبْتَغِي الـجاهِلِـينَ}.

وقوله: {أعْرَضُوا عَنْهُ} يقول: لـم يصغوا إلـيه ولـم يستـمعوه {وَقالُوا لَنا أعمالُنا وَلَكُمْ أعمالُكُمْ} وهذا يدلّ علـى أن اللغو الذي ذكره الله فـي هذا الـموضع، إنـما هو ما قاله مـجاهد، من أنه سماع القوم مـمن يؤذيهم بـالقول ما يكرهون منه فـي أنفسهم، وأنهم أجابوهم بـالـجميـل من القول {لَنا أعمالُنا} قد رضينا بها لأنفسنا، {وَلَكُمْ أعمالُكُمْ} قد رضيتـم بها لأنفسكم. وقوله: {سَلامٌ عَلَـيْكُمْ} يقول: أَمَنة لكم منا أن نُسابَّكم، أو تسمعوا منا ما لا تـحبون {لا نَبْتَغي الـجاهِلِـينَ} يقول: لا نريد مـحاورة أهل الـجهل ومسابتهم.

إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ۝٥٦

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {إنَّكَ} يا مـحمد {لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ} هدايته، {وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} أن يهديه من خـلقه، بتوفـيقه للإيـمان به وبرسوله. ولو قـيـل: معناه: إنك لا تهدي من أحببته، لقرابته منك، ولكن الله يهدي من يشاء، كان مذهبـاً. {وَهُوَ أعْلَـمُ بـالـمُهْتَدِينَ}: يقول جلّ ثناؤه: والله أعلـم من سبق له فـي علـمه أنه يهتدي للرشاد، ذلك الذي يهديه الله فـيسدّده ويوفِّقه.

وذُكر أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل امتناع أبـي طالب عمه من إجابته، إذ دعاه إلـى الإيـمان بـالله، إلـى ما دعاه إلـيه من ذلك. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا أبو كريب والـحسين بن علـيّ الصُّدائي، قالا: ثنا الولـيد بن القاسم، عن يزيد بن كيسان، عن أبـي حازم، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه عند الـموت:

قُلْ لا إلَهَ إلاَّ اللّهُ أشْهَدْ لَكَ بِها يَوْمَ القِـيامَةِ قال: لولا أن تعيرنـي قريش لأقررت عينك، فأنزل الله: {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ...} الآية.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، قال: ثنـي أبو حازم الأشجعي، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه:

قُلْ لا إله إلاَّ اللّهُثم ذكر مثله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو أسامة، عن يزيد بن كيسان سمع أبـا حازم الأشجعي، يذكر عن أبـي هريرة قال: لـما حضرتْ وفـاة أبـي طالب، أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

يا عَمَّاهُ قُلْ لا إلَهَ إلاَّ اللّهُ فذكر مثله، إلاَّ أنه قال: لولا أن تعيرنـي قريش، يقولون: ما حمله علـيه إلاَّ جزع الـموت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن عبـيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبـي حازم، عن أبـي هريرة، قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر نـحو حديث أبـي كُرَيب الصدائي.

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنـي عمي عبد الله بن وهب، قال: ثنـي يونس، عن الزهري قال: ثنـي سعيد بن الـمسيب، عن أبـيه، قال: لـما حضرت أبـا طالب الوفـاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبـا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبـي أُمَّية بن الـمُغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا عَمّ قلْ لا إلَهَ إلاَّ اللّهُ كَلِـمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللّهِفقال أبو جهل وعبد الله بن أبـي أُمَيَّة: يا أبـا طالب: أترغب عن ملَّة عبد الـمطَّلب؟ فلـم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها علـيه، ويعيد له تلك الـمقالة، حتـى قال أبو طالب آخر ما كلـمهم: هو علـى ملة عبد الـمطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلاَّ الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أما وَاللّهِ لاَءَسْتَغْفرَنَّ لَكَ ما لَـمْ أُنْهَ عَنْكَ، فأنزل الله { ما كانَ للنَّبِـيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفرُوا للْـمُشْرِكينَ وَلَوْ كانُوا أُولـى قُرْبَى }، وأنزل الله فـي أبـي طالب، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنَّك لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي... } الآية.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن الـمسيب، عن أبـيه، بنـحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن عمرو، عن أبـي سعيد بن رافع، قال: قلت لابن عمر: {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ} نزلت فـي أبـي طالب؟ قال: نعم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ} قال: قول مـحمد لأبـي طالب:

قُلْ كَلِـمةَ الإخْلاصِ أُجادِلُ عَنْكَ بِهَا يَوْمَ الْقِـيَامَةِقال مـحمد بن عمرو فـي حديثه: قال: يا ابن أخي ملة الأشياخ، أو سنة الأشياخ. وقال الـحارث فـي حديثه: قال يا ابن أخي ملة الأشياخ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ} قال: قال مـحمد لأبـي طالب:

اشْهَدْ بكَلـمَةِ الإخْلاصِ أُجادِلْ عَنْكَ بِها يَوْمَ القِـيامَةِقال: أي ابن أخي ملة الأشياخ، فأنزل الله {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ} قال: نزلت هذه الآية فـي أبـي طالب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ} ذُكر لنا أنها نزلت فـي أبـي طالب قال الأصم عند موته يقول لا إله إلاَّ الله لكيـما تـحلّ له بها الشفـاعة، فأبى علـيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر: لـما حضر أبـا طالب الـموت، قال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

يا عَمَّاهُ قُلْ لا إلَهَ إلاَّ اللّهُ أشْهَدُ لَكَ بِها يَوْمَ القِـيامَةِ، فقال له: يا ابن أخي، إنه لولا أن يكون علـيك عار لـم أبـال أن أفعل فقال له ذلك مراراً. فلـما مات اشتدّ ذلك علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما تنفع قرابة أبـي طالب منك، فقال:بَلـى والَّذِي نَفْسِي بِـيَدِهِ إنَّه السَّاعَةَ لَفِـي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ عَلَـيْهِ نَعْلان مِنْ نارٍ تَغْلِـي مِنْهُما أُمُّ رأسه، وما مِنْ أهْلِ النَّارِ مِنْ إنْسانٍ هُوَ أهْوَنُ عَذَابـاً مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ اللّهُ فِـيهِ إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ، وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَهُوَ أعْلَـمُ بـالـمُهْتَدِينَ

وقوله: {وَهُوَ أعْلَـمُ بـالـمُهْتَدِينَ} يقول: وهو أعلـم بـمن قضى له الهدى. كالذي:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {وَهُوَ أعْلَـمُ بـالـمُهْتَدِينَ} قال بـمن قدّر له الهدى والضلالة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وَقَالُوٓا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجْبَىٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٥٧

يقول تعالـى ذكره: وقالت كفـار قريش: إن نتبع الـحقّ الذي جئتنا به معك، ونتبرأ من الأنداد والآلهة، يتـخطفنا الناس من أرضنا بإجماع جميعهم علـى خلافنا وحربنا، يقول الله لنبـيه: فقل {أوَ لَـمْ نُـمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً} يقول: أو لـم نوطىء لهم بلدا حرّمنا علـى الناس سفك الدماء فـيه، ومنعناهم من أن يتناولوا سكانه فـيه بسوء، وأمنا علـى أهله من أن يصيبهم بها غارة، أو قتل، أو سبـاء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عبد الله بن أبـي ملـيكة، عن ابن عبـاس، أن الـحارث بن نوفل، الذي قال: {إنْ نَتَّبِعِ الهُدَى مَعكَ نُتَـخَطَّفْ مِنْ أرْضِنا} وزعموا أنهم قالوا: قد علـمنا أنك رسول الله، ولكنا نـخاف أن نُتَـخطف من أرضنا، {أوَ لَـمْ نُـمَكِّنْ لَهُمْ} الآية.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَـخَطَّفْ مِنْ أرْضِنا} قال: هم أناس من قريش قالوا لـمـحمد: إن نتبعك يتـخطفْنا الناس، فقال الله {أوْ لَـمْ نُـمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِنا يُجْبَى إلَـيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله ويُتَـخَطف الناس من حولهم: قال: كان يغير بعضهم علـى بعض.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله {أوْلَـمْ نُـمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمنا} قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَـخَطَّفْ مِنْ أرْضِن} قال الله {أوْ لَـمْ نُـمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِنا يُجْبَى إلَـيْهِ ثَمَرَاتُ كلِّ شَيْءٍ} يقول: أو لـم يكونوا آمنـين فـي حرمهم لا يغزون فـيه ولا يخافون، يجبى إلـيه ثمرات كلِّ شيء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة {أوَ لَـمْ نُـمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِنا} قال: كان أهل الـحرم آمنـين يذهبون حيث شاءوا، إذا خرج أحدهم فقال: إنـي من أهل الـحرم لـم يُتَعرّض له، وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قُتل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {أوَ لَـمْ نُـمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِنا} قال: آمناكم به، قال: هي مكة، وهم قريش.

وقوله: {يُجْبَى إلَـيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} يقول يجمع إلـيه، وهو من قولهم: جبـيت الـماء فـي الـحوض: إذا جمعته فـيه، وإنـما أريد بذلك: يحمل إلـيه ثمرات كلّ بلد. كما:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، عن شريك، عن عثمان بن أبـي زرعة، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس فـي {يُجْبَى إلْـيهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} قال: ثمرات الأرض.

وقوله: {رِزْقاً مَنْ لَدنَّا} يقول: ورزقاً رزقناهم من لدنا، يعنـي: من عندنا {وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: ولكن أكثر هؤلاء الـمشركين القائلـين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنْ نَتَّبِعِ الهُدَى مَعكَ نُتَـخَطَّفْ مِنْ أرْضِنا} لا يعلـمون أنا نـحن الذين مكَّنا لهم حرماً آمنا، ورزقناهم فـيه، وجعلنا الثمرات من كلّ أرض تـجبى إلـيهم، فهم بجهلهم بـمن فعل ذلك بهم يكفرون، لا يشكرون من أنعم علـيهم بذلك.

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍۭ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنۢ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَٰرِثِينَ ۝٥٨

يقول تعالـى ذكره: وكم أهلكنا من قرية أبطرتها معيشتها، فبَطِرت، وأَشِرت، وطَغَت، فكفرت ربها. وقـيـل: بطرت معيشتها، فجعل الفعل للقرية، وهو فـي الأصل للـمعيشة، كما يقال: أَسْفَهَك رأيك فسَفِهته، وأبطرك مالك فبطِرته، والـمعيشة منصوبة علـى التفسير.

وقد بـيَّنا نظائر ذلك فـي غير موضع من كتابنا هذا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وكَمْ أهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها} قال: البطر: أَشَرُّ أهل الغفلة وأهل البـاطل والركوب لـمعاصي الله، وقال: ذلك البطر فـي النعمة {فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَـمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إلاَّ قَلِـيلاً} يقول: فتلك دور القوم الذين أهلكناهم بكفرهم بربهم ومنازلهم، لـم تسكن من بعدهم إلاَّ قلـيلاً، يقول: خربت من بعدهم، فلـم يعمر منها إلاَّ أقلها، وأكثرها خراب. ولفظ الكلام وإن كان خارجا علـى أن مساكنهم قد سُكِنت قلـيلاً، فإن معناه: فتلك مساكنهم لـم تسكن من بعدهم إلاَّ قلـيلاً منها، كما يقال: قضيت حقك إلاَّ قلـيلاً منه.

وقوله: {وكُنَّا نَـحْنُ الوَارِثِـينَ} يقول: ولـم يكن لـما خرّبنا من مساكنهم منهم وارث، وعادت كما كانت قبل سُكناهم فـيها، لا مالك لها إلاَّ الله، الذي له مِيراث السموات والأرض.

وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِىٓ أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَٰلِمُونَ ۝٥٩

يقول تعالـى ذكره: {وَما كانَ رَبُّكَ} يا مـحمد {مُهْلِكَ القُرَى} التـي حوالـي مكة فـي زمانك وعصرك. {حتـى يَبْعَثَ فِـي أُمِّها رَسُولاً} يقول: حتـى يبعث فـي مكة رسولاً، وهي أمّ القرى، يتلو علـيهم آيات كتابنا، والرسول: مـحمد صلى الله عليه وسلم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {حتـى يَبْعَثَ فـي أُمِّها رَسُولاً} وأمّ القرى مكة، وبعث الله إلـيهم رسولاً: مـحمداً صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {وَما كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إلاَّ وأهْلُها ظالِـمُونَ} يقول: ولـم نكن لنهلك قرية وهي بـالله مؤمنة إنـما نهلكها بظلـمها أنفسها بكفرها بـالله، وإنـما أهلكنا أهل مكة بكفرهم بربهم وظلـم أنفسهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما كُنَّا مُهْلِكي القُرَى إلاَّ وأهْلُها ظالِـمُونَ} قال الله: لـم يهلك قرية بإيـمان، ولكنه يهلك القرى بظلـم إذا ظلـم أهلها، ولو كانت قرية آمنت لـم يهلكوا مع من هلك، ولكنهم كذّبوا وظلـموا، فبذلك أُهلكهوا.

وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٦٠

يقول تعالـى ذكره: وما أُعطيتـم أيها الناس من شيء من الأموال والأولاد، فإنـما هو متاع تتـمتعون به فـي هذه الـحياة الدنـيا، وهو من زينتها التـي يترين به فـيها، لا يغنى عنكم عند الله شيئا، ولا ينفعكم شيء منه فـي معادكم، وما عند الله لأهل طاعته وولايته خير مـما أوتـيتـموه أنتـم فـي هذه الدنـيا من متاعها وزينتها وأبقـى، يقول: وأبقـى لأهله، لأنه دائم لا نفـاد له. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، فـي قوله {وَما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ وأبْقَـى} قال: خير ثوابـاً، وأبقـى عندنا {أفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقول تعالـى ذكره: أفلا عقول لكم أيها القوم تتدبرون بها فتعرفون بها الـخير من الشرّ، وتـختارون لأنفسكم خير الـمنزلتـين علـى شرّهما، وتؤثرون الدائم الذي لا نفـاد له من النعيـم، علـى الفـانـي الذي لا بقاء له.

أَفَمَن وَعَدْنَٰهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ۝٦١

يقول تعالـى ذكره: أفمن وعدناه من خـلقنا علـى طاعته إيانا الـجنة، فآمن بـما وعدناه وصدّق وأطاعنا، فـاستـحقّ بطاعته إيانا أن ننـجز له ما وعدناه، فهو لاق ما وعد، وصائر إلـيه كمن متَّعناه فـي الـحياة الدنـيا متاعها، فتـمتع به، ونسي العمل بـما وعدنا أهل الطاعة، وترك طلبه، وآثر لذّة عاجلة علـى آجله، ثم هو يوم القـيامة إذا ورد علـى الله من الـمـحضرين، يعنـي من الـمُشْهَدِين عذابَ الله، وألـيـمَ عقابه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {أفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِـيهِ} قال: هو الـمؤمن سمع كتاب الله فصدّق به وآمن بـما وعد الله فـيه {كمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْـحَياةِ الدُّنْـيا} هو هذا الكافر، لـيس والله كالـمؤمن {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القِـيامَةِ مِنَ الـمُـحْضَرِينَ}: أي فـي عذاب الله.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال ابن عمرو فـي حديثه: قوله {مِنَ الـمُـحْضَرِينَ} قال: أحضروها. وقال الـحارث فـي حديثه {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القِـيَامَةِ مِنَ الـمُـحْضرِين} أهلَ النار، أُحْضِروها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القِـيامَةِ مِنَ الـمُـحْضَرِينَ} قال: أهل النار، أُحْضِروها.

واختلف أهل التأويـل فـيـمن نزلت فـيه هذه الآية، فقال بعضهم: نزلت فـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وفـي أبـي جهل بن هشام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو النعمان الـحكم بن عبد الله العجلـي، قال: ثنا شعبة، عن أبـان بن تغلب عن مـجاهد {أفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَنا فَهُوَ لاقِـيهِ، كمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الـحَياةِ الدُّنْـيا، ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القِـيامَةِ مِنَ الـمُـحْضَرِينَ} قال: نزلت فـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وفـي أبـي جهل بن هشام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج {أفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِـيهِ} قال: النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: نزلت فـي حمزة وعلـيّ رضي الله عنهما، وأبـي جهل لعنه الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا بَدَل بن الـمُـحَبَّر التغلَبـيّ، قال: ثنا شعبة، عن أبـان بن تغلب، عن مـجاهد {أفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِـيهِ كمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْـحَياةِ الدُّنْـيا، ثمَّ هُوَ يَوْمَ القِـيامَةِ مِنَ الـمُـحْضَرِينَ} قال: نزلت فـي حمزة وعلـيّ بن أبـي طالب، وأبـي جهل.

قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة عن أبـان بن تغلب، عن مـجاهد، قال: نزلت فـي حمزة وأبـي جهل.

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ۝٦٢ قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَٰهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوٓا۟ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ۝٦٣

يقول تعالـى ذكره: ويوم ينادي ربّ العزّة الذين أشركوا به الأنداد والأوثان فـي الدنـيا، فـيقول لهم: {أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُـمْ تَزْعُمُونَ} أنهم لـي فـي الدنـيا شركاء؟ {قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَـيْهِمُ الْقَوْلُ} يقول: قال الذين وجب علـيهم غضب الله ولعنته، وهم الشياطين الذين كانوا يُغْوُون بنـي آدم: {رَبَّنا هَؤلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا، أغْوَيْناهُمْ كمَا غَوَيْنا}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة، فـي قوله {هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا، أغْوَيْناهُمْ كمَا غَوَيْنا} قال: هم الشياطين.

وقوله: {تَبرَّأنا إلَـيْكَ} يقول: تبرأنا من وَلايتهم ونُصْرتهم إلـيك {ما كانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}: يقول: لـم يكونوا يعبدوننا.

وَقِيلَ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُمْ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَهْتَدُونَ ۝٦٤

يقول تعالـى ذكره: وقـيـل للـمشركين بـالله الآلهة والأنداد فـي الدنـيا {ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ} الذين كنتـم تدعون من دون الله {فَدَعَوْهُمْ فَلَـمْ يَسْتَـجِيبُوا لَهُمْ} يقول: فلـم يُجيبوهم. {ورأَوُا العَذَابَ}: يقول: وعاينوا العذاب {لَوْ أنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ} يقول: فودّوا حين رأوا العذاب لو أنهم كانوا فـي الدنـيا مُهتدين للـحقّ.

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٦٥ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَنۢبَآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَلُونَ ۝٦٦

يقول تعالـى ذكره: ويوم ينادي الله هؤلاء الـمشركين، فـيقول لهم {ماذَا أجَبْتُـمُ الـمُرْسَلِـينَ} فـيـما أرسلناهم به إلـيكم، من دعائكم إلـى توحيدنا، والبراءة من الأوثان والأصنام {فَعَمِيَتْ عَلَـيْهِمُ الأنْبـاءُ يَوْمَئِذٍ} يقول: فخفـيت علـيهم الأخبـار، من قولهم: قد عَمِي عنـي خبر القوم: إذا خفـي. وإنـما عُنِـي بذلك أنهم عميت علـيهم الـحجة، فلـم يدرُوا ما يحتـجون، لأن الله تعالـى قد كان أبلغ إلـيهم فـي الـمعذرة، وتابع علـيهم الـحجة، فلـم تكن لهم حجة يحتـجون بها، ولا خبر يُخْبرون به، مـما تكون لهم به نـجاة ومَخْـلَص. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَعَمِيَتْ عَلَـيْهِمُ الأنْبـاءُ} قال: الـحجج، يعنـي الـحجة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {فَعَمِيَتْ عَلَـيْهِمُ الأنْبـاءُ} قال: الـحجج.

قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، فـي قوله {وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَـيَقُولُ ماذَا أجَبْتُـمُ الـمُرْسَلِـينَ} قال: بلا إله إلاَّ الله، التوحيد.

وقوله: {فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ} بـالأنساب والقرابة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فهُمْ لا يَتَساءَلُونَ} قال: لا يتساءلون بـالأنساب، ولا يتـماتُّون بـالقرابـات، إنهم كانوا فـي الدنـيا إذا التقوا تساءلوا وتـماتُّوا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {فَهُمْ لا يتَساءَلونَ} قال: بـالأنساب. وقـيـل معنى ذلك: فعَمِيت علـيهم الـحجج يومئذٍ، فسكتوا، فهم لا يتساءلون فـي حال سكوتهم.

فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ ۝٦٧

يقول تعالـى ذكره: {فأمَّا مَنْ تابَ} من الـمشركين، فأناب وراجع الـحقّ، وأخـلص لله الألوهة، وأفرد له العبـادة، فلـم يشرك فـي عبـادته شيئاً {وآمَنَ} يقول: وصدّق بنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم. {وعَمِلَ صَالِـحاً} يقول: وعمل بـما أمره الله بعمله فـي كتابه، وعلـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، {فَعَسَى أن يكُونَ مِنَ الـمُفْلِـحِينَ}. يقول: فهو من الـمُنْـجِحِين الـمُدْرِكِين طَلِبتهم عند الله، الـخالدين فـي جِنانه، وعسى من الله واجب.

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٦٨

يقول تعالـى ذكره: {وَرَبُّكَ} يا مـحمد {يَخْـلُقُ ما يَشاءُ} أن يخـلقه، {ويَخْتارُ} لولايته الـخِيَرة من خـلقه، ومن سبقت له منه السعادة. وإنـما قال جلّ ثناؤه {ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الـخِيرَةُ} والـمعنى: ما وصفت، لأن الـمشركين كانوا فـيـما ذُكِر عنهم يختارون أموالَهم، فـيجعلونها لآلهتهم، فقال الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وربك يا مـحمد يخـلق ما يشاء أن يخـلقه، ويختار للهداية والإيـمان والعمل الصالـح من خـلقه، ما هو فـي سابق علـمه أنه خِيَرَتهم، نظير ما كان من هؤلاء الـمشركين لآلهتهم خيار أموالهم، فكذلك اختـياري لنفسي. واجتبـائي لولايتـي، واصطفـائي لـخدمتـي وطاعتـي، خيارَ مـملكتـي وخـلقـي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنِـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَرَبُّكَ يَخْـلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الـخِيرَةُ} قال: كانوا يجعلون خَيْر أموالهم لآلهتهم فـي الـجاهلـية.

فإذا كان معنى ذلك كذلك، فلا شكّ أن «ما» من قوله: {ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الـخِيرَةُ} فـي موضع نصب، بوقوع يختار علـيها، وأنها بـمعنى الذي.

فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفت، من أن «ما» اسم منصوب بوقوع قوله {يَخْتارُ} علـيها، فأين خبر كان؟ فقد علـمت أن ذلك إذا كان كما قلت، أن فـي كان ذِكْراً من ما، ولا بدّ لكان إذا كان كذلك من تـمام، وأين التـمام؟ قـيـل: إن العرب تـجعل لـحروف الصفـات إذا جاءت الأخبـار بعدها أحياناً، أخبـاراً، كفعلها بـالأسماء إذا جاءت بعدها أخبـارها. ذَكر الفرّاء أن القاسمَ بن مَعْن أنشده قول عنترة:

أمِنْ سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُلَوْ كانَ ذا مِنْكِ قبلَ الـيوْمِ مَعْرُوفُ

فرفع معروفـا بحرف الصفة، وهو لا شكّ خبر لذا، وذُكر أن الـمفَضَّل أنشده ذلك:

لوْ أنَّ ذا مِنْكِ قبلَ الـيَوْمِ مَعْرُوفُ

ومنه أيضا قول عمر بن أبـي ربـيعة:

قُلْتُ أجِيبِـي عاشِقابِحُبِّكُمْ مُكَلَّفُ فِـيها ثَلاث كالدُّمَىوكاعِبٌ ومُسْلِفُ

فمكلَّف من نعت عاشق، وقد رفعه بحرف الصفة، وهو البـاء، فـي أشبـاه لـما ذكرنا بكثـير من الشواهد، فكذلك قوله: {ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الـخِيرَةُ} رُفعت الـخِيَرة بـالصفة، وهي لهم، وإن كانت خبراً لـما، لـما جاءت بعد الصفة، ووقعت الصفة موقع الـخبر، فصار كقول القائل: كان عمرو أبوه قائم، لا شكّ أن قائماً لو كان مكان الأب، وكان الأب هو الـمتأخر بعده، كان منصوبـاً، فكذلك وجه رفع الـخِيَرة، وهو خبر لـما.

فإن قال قائل: فهل يجوز أن تكون «ما» فـي هذا الـموضع جَحْداً، ويكون معنى الكلام: وربك يخـلق ما يشاء أن يخـلقه، ويختار ما يشاء أن يختاره، فـيكون قوله {ويخْتارُ} نهاية الـخبر عن الـخـلق والاختـيار، ثم يكون الكلام بعد ذلك مبتدأ بـمعنى: لـم تكن لهم الـخيرة: أي لـم يكن للـخـلق الـخِيَرة، وإنـما الـخِيَرة لله وحده؟

قـيـل: هذا قول لا يخفـى فساده علـى ذي حِجا، من وجوه، لو لـم يكن بخلافه لأهل التأويـل قول، فكيف والتأويـل عمن ذكرنا بخلافه فأما أحد وجوه فَساده، فهو أن قوله: {ما كانَ لَهُمُ الـخيرَةُ} لو كان كما ظنه من ظنه، من أن «ما» بـمعنى الـجحد، علـى نـحو التأويـل الذي ذكرت، كان إنـما جحد تعالـى ذكره، أن تكون لهم الـخِيَرة فـيـما مضى قبل نزول هذه الآية، فأما فـيـما يستقبلونه فلهم الـخِيَرة، لأن قول القائل: ما كان لك هذا، لا شكّ إنـما هو خبر عن أنه لـم يكن له ذلك فـيـما مضى. وقد يجوز أن يكون له فـيـما يستقبل، وذلك من الكلام لا شكّ خُـلْف. لأن ما لـم يكن للـخـلق من ذلك قديـماً، فلـيس ذلك لهم أبداً. وبعد، لو أريد ذلك الـمعنى، لكان الكلام: فلـيس. وقـيـل: وربك يخـلق ما يشاء ويختار، لـيس لهم الـخيرة، لـيكون نفـيا عن أن يكون ذلك لهم فـيـما قبلُ وفـيـما بعد.

والثانـي: أن كتاب الله أبـين البـيان، وأوضح الكلام، ومـحال أن يوجد فـيه شيء غير مفهوم الـمعنى، وغير جائز فـي الكلام أن يقال ابتداء: ما كان لفلان الـخِيَرة، ولـما يتقدم قبل ذلك كلام يقتضي ذلك فكذلك قوله: {ويَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الـخِيَرةُ} ولـم يتقدم قبله من الله تعالـى ذكره خبر عن أحد، أنه ادّعى أنه كان له الـخِيَرة، فـيقال له: ما كان لك الـخِيَرة، وإنـما جرى قبله الـخبر عما هو صائر إلـيه أمر من تاب من شركه، وآمن وعمل صالـحاً، وأتبع ذلك جلّ ثناؤه الـخبر عن سبب إيـمان من آمن وعمل صالـحاً منهم، وأن ذلك إنـما هو لاختـياره إياه للإيـمان، وللسابق من علـمه فـيه اهتدى. ويزيد ما قلنا من ذلك إبـانة قوله:

{ وَرَبُّكَ يَعْلَـمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ }فأخبر أنه يعلـم من عبـاده السرائر والظواهر، ويصطفـي لنفسه ويختار لطاعته من قد علـم منه السريرة الصالـحة، والعلانـية الرضية.

والثالث: أن معنى الـخيرة فـي هذا الـموضع: إنـما هو الـخيرة، وهو الشيء الذي يختار من البهائم والأنعام والرجال والنساء، يقال منه: أُعطي الـخيرة والـخِيرَة، مثل الطِّيرة والطِّيْرَة، ولـيس بـالاختـيار، وإذا كانت الـخيرة ما وصفنا، فمعلوم أن من أجود الكلام أن يقال: وربك يخـلق ما يشاء، ويختار ما يشاء، لـم يكن لهم خير بهيـمة أو خير طعام، أو خير رجل أو امرأة.

فإن قال: فهل يجوز أن تكون بـمعنى الـمصدر؟ قـيـل: لا، وذلك أنها إذا كانت مصدرا كان معنى الكلام: وربك يخـلق ما يشاء ويختار كون الـخيرة لهم. وإذا كان ذلك معناه، وجب أن لا تكون الشرار لهم من البهائم والأنعام وإذا لـم يكن لهم شرار ذلك وجب أن لا يكون لها مالك، وذلك ما لا يخفـى خطؤه، لأن لـخيارها ولشرارها أربـابـاً يـملكونها بتـملـيك الله إياهم ذلك، وفـي كون ذلك كذلك فساد توجيه ذلك إلـى معنى الـمصدر.

وقوله سبحانه وتعالـى: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} يقول تعالـى ذكره تنزيها لله وتبرئة له، وعلوّاً عما أضاف إلـيه الـمشركون من الشرك، وما تـخرّصوه من الكذب والبـاطل علـيه. وتأويـل الكلام: سبحان الله وتعالـى عن شركهم. وقد كان بعض أهل العربـية يوجهه إلـى أنه بـمعنى: وتعالـى عن الذي يشركون به.

وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ۝٦٩ وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْأُولَىٰ وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٧٠

يقول تعالـى ذكره: وربك يا مـحمد يعلـم ما تـخفـى صدور خـلقه وهو من: أكننت الشيء فـي صدري: إذا أضمرته فـيه، وكننت الشيء: إذا صنته، {وما يعلنون}: يقول: وما يبدونه بألسنتهم وجوارحهم، وإنـما يعنـي بذلك أن اختـيار من يختار منهم للإيـمان به علـى علـم منه بسرائر أمورهم وبواديها، وإنه يختار للـخير أهله، فـيوفقهم له، ويولـي الشرّ أهله، ويخـلـيهم وإياه. وقوله: {وَهُوَ اللّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ} يقول تعالـى ذكره: وربك يا مـحمد الـمعبود الذي لا تصلـح العبـادة إلاَّ له، ولا معبود تـجوز عبـادته غيره {لَهُ الـحَمْدُ فِـي الأُولـى} يعنـي فـي الدنـيا والآخرة {وَلَهُ الـحُكْمُ} يقول: وله القضاء بـين خـلقه {وَإلَـيْهِ تُرْجَعُونَ} يقول: وإلـيه تردّون من بعد مـماتكم، فـيقضي بـينكم بـالـحقّ.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ