انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القصص

تفسير البغويالآيات 1–55

تفسير سورة القصص آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

طسٓمٓ ۝١ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ۝٢ نَتْلُوا۟ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٣ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٤

{طسۤمۤ}.

{تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ}.

{نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِٱلْحَقِّ}, بالصدق, {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}, يصدقون بالقرآن. {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ}، استكبر وتجبّر وتعظّم، {فِى ٱلأَرْضِ}، أرض مصر، {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً}، فِرَقاً وأصنافاً في الخدمة والتسخير، {يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ}، أراد الطائفة: بني إسرائيل، ثم فسّر الاستضعاف فقال: {يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ}. سمى هذا استضعافاً لأنهم عجزوا أو ضعفوا عن دفعه عن أنفسهم، {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ}.

وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ ۝٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَحْذَرُونَ ۝٦ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱلْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِىٓ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٧ فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَٰطِـِٔينَ ۝٨ وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٩

{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ}، يعني: بني إسرائيل، {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً}، قادة في الخير يقتدى بهم. وقال قتادة: ولاة وملوكاً دليله، قوله عزّ وجلّ:

{ { وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } } [المائدة: 20]، وقال مجاهد: دعاة إلى الخير. {وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ}، يعني: أملاك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم.

{وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ}، نوطّن لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكاناً يستقرون فيه، {وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا}، قرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي: «ويرى» بالياء وفتحها، {فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا}، مرفوعات على أن الفعل لهم، وقرأ الآخرون بالنون وضمها، وكسر الراء، ونصب الياء ونصب ما بعده، بوقوع الفعل عليه، {مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ}، والحذر هو التوقي من الضرر، وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل فكانوا على وَجَلٍ منه، فأراهم الله ما كانوا يحذرون.

{وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ}، وهو وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها، وأم موسى يوخانذ بنت لاوى بن يعقوب، {أَنْ أَرْضِعِيهِ}، واختلفوا في مدة الرضاعّ، قيل: ثمانية أشهر. وقيل: أربعة أشهر. وقيل: ثلاثة أشهر كانت ترضعه في حجرها، وهو لا يبكي ولا يتحرك، {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ}، يعني: من الذبح، {فَأَلْقِيهِ فِى ٱليَمِّ}، واليم: البحر، وأراد هاهنا النيل، {وَلاَ تَخَافِى}، قيل: لا تخافي عليه من الغرق، وقيل: من الضيعة، {وَلاَ تَحْزَنِىۤ}، على فراقه، {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}. روى عطاء عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر، استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلَّط الله عليهم القبط فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم الله على يدي نبيه.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها وكانت قابلةٌ من القوابل التي وكَّلهن فرعون بحُبَالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضرب بها الطلق أرسلت إليها فقالت: قد نزل بي ما نزل، فلينفعني حبك إيّاي اليوم، قالت: فعالجت قبالتها، فلما أن وقع موسى بالأرض هَالَها نورٌ بين عيني موسى، فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب موسى قلبها. ثم قالت لها: يا هذا ما جئت إليك حين دعوتني إلا ومن رأيي قتل مولودك، ولكن وجدت لابنك هذا حباً ما وجدت حب شيء مثل حبه، فاحفظي ابنك فإني أراه هو عدونا، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون، فجاؤوا إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته يا أماه هذا الحرس بالباب فلفَّتْ موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع. قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور، ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن، فقالوا لها: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي فدخلت عليّ زائرة فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله سبحانه وتعالى النار عليه برداً وسلاماً، فاحتملته.

قال: ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله في نفسها أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في اليمِّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من قوم فرعون فاشترت منه تابوتاً صغيراً، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبئه في التابوت، وكرهت الكذب، قال ولم تقل: أخشى عليه كيد فرعون، فلما اشترت التابوت وحملته وانطلقت به انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى، فلما همَّ بالكلام أمسك الله لسانه فلم يطق الكلام، وجعل يشير بيده فلم يدر الأمناء ما يقول، فلما أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه فضربوه وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه رد الله عليه لسانه فتكلم، فانطلق أيضاً يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ الله لسانه وبصره فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئاً، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد يهوي فيه حيران، فجعل لله عليه إن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون معه يحفظه حيث ما كان، فعرف الله منه الصدق فردّ عليه لسانه وبصره فخر لله ساجداً، فقال: يا رب دلَّني على هذا العبد الصالح، فدلَّه الله عليه، فخرج من الوادي فآمن به وصدقه، وعلم أن ذلك من الله عزّ وجلّ.

وقال وهب بن منبه: لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها جميعَ الناس، فلم يطَّلع على حَبَلها أحد من خلق الله، وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمنَّ به على بني إسرائيل، فلما كانت السنة التي ولد فيها بعث فرعون القوابل وتقدم إليهن ففتشن النساء تفتيشاً لم يفتشن قبل ذلك مثله، وحملت أم موسى فلم ينتأ بطنها، ولم يتغير لونها، ولم يظهر لبنها، فكانت القوابل لا تتعرض لها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها ولدته ولا رقيب عليها ولا قابلة، ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم، فأوحى الله إليها "أن أرضعيه فإذا خفت عليه" الآية، فكتمته أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها، لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت عليه عملت تابوتاً له مطبقاً ثم ألقته في البحر ليلاً.

قال ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلا من قِبَل البحر، يوجد فيه شبه الإِنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس، فلما كان يوم الإثنين غدا فرعون إلى مجلس كان على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت ابنة فرعون في جواريها حتى جلست على شاطىء النيل مع جواريها تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيءٌ في البحر قد تعلق بالشجرة ايتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فدنت منه آسية فرأت في جوف التابوت نوراً لم يره غيرها فعالجته ففتحت الباب فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه وقد جعل الله رزقه في إبهامه يمصه لبناً، فألقى الله لموسى المحبة في قلب آسية، وأحبه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى مكان يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرأت، فقبَّلته وضمته إلى صدرها، فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر خوفاً منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله، فقالت آسية: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وقال فرعون أما أنا فلا حاجة لي فيه, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لو قال فرعون يومئذٍ هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها. فقيل لآسية سميه فقالت: سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر فمو هو الماء وسى هو الشجر، فذلك قوله عزّ وجلّ:

{فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ}، والالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب، {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}، وهذه اللام تسمى لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدواً وحزناً ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك، قرأ حمزة والكسائي: «حُزْناً» بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، وهما لغتان، {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَـٰطِئِينَ}، عاصين آثمين.

قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ}، قال وهب: لما وضع التابوت بين يدي فرعون فتحوه فوجدوا فيه موسى فلما نظر إليه قال عبراني من الأعداء فغاظه ذلك، وقال: كيف أخطأ هذا الغلامَ الذبحُ؟ وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم وكانت من خيار النساء ومن بنات الأنبياء وكانت أماً للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم وتعطيهم، فقالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الوليد أكبر من ابن سنة وإنما أمرت أن تذبح الولدان لهذه السنة فدعه يكون قرة عين لي وذلك، {لاَ تَقْتُلُوهُ}، وروي أنها قالت له: إنه أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيل، {عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، أن هلاكهم على يديه، فاستحياه فرعون، وألقى الله عليه محبته وقال لامرأته: عسى أن ينعفك فأما أنا فلا أريد نفعه، قال وهب قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن عدو الله قال في موسى كما قالت آسية: عسى أن ينفعنا، لنفعه الله، ولكنه أبى، للشقاء الذي كتبه الله عليه.

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِۦ لَوْلَآ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٠ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِۦ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِۦ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝١١ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰٓ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُۥ لَكُمْ وَهُمْ لَهُۥ نَٰصِحُونَ ۝١٢ فَرَدَدْنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٣ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسْتَوَىٰٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٤

وقوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً }، أي: خالياً من كل شيء إلاّ من ذكر موسى وهمه، وهذا قول أكثر المفسرين.

وقال الحسن: "فارغاً" أي: ناسياً للوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهد أن يرده إليها ويجعله من المرسلين، فجاءها الشيطان فقال: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنتِ قتله فألقيته في البحر، ولما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل قالت: إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه، فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها.

وقال أبو عبيدة: "فارغاً" أي: فارغاً من الحزن لعلمها بصدق وعد الله تعالى، وأنكر القتيبي هذا، وقال: كيف يكون هذا والله تعالى يقول: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلى قَلْبِها}؟ والأول أصح.

قوله عزّ وجلّ: {إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ}، قيل الهاء في "به" راجعة إلى موسى، أي: كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة وجدها. وقال عكرمة عن ابن عباس: كادت تقول: وابناه. وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر خشيت عليه الغرق فكادت تصيح من شفقتها. وقال الكلبي: كادت تظهر أنه ابنها، وذلك حين سمعت الناس يقولون لموسى بعدما شبَّ: موسى ابن فرعون، فشق عليها وكادت تقول: بلى هو ابني. وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى الوحي أي: كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أن يردّه إليها.

{لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}، بالعصمة والصبر والتثبيت، {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، المصدقين لوعد الله حين قال لها: {إِنَّا رادوهُ إِلَيْكِ}.

{وَقَالَتْ لأُخْتِهِ}، أي: لمريم أخت موسى.{قُصِّيهِ}, اتبعي أثره حتى تعلمي خبره، {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ}, أي: عن بعد، وفي القصة أنها كانت تمشي جانباً وتنظر اختلاساً تُري أنها لا تنظره، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }، أنها أخته وأنها ترقبه. قال ابن عباس: إن امرأة فرعون كان همها في الدنيا أن تجد له مرضعة، وكلما أتوا بمرضعة لم يأخذ ثديها، فذلك قوله عزّ وجلّ:

{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ}، والمراد من التحريم المنع، والمراضع: جمع المرضع، {مِن قَبْلُ}، أي: من قبل مجيء أم موسى، فلما رأت أختُ موسى التي أرسلتها أمه في طلبه ذلك قالت لهم: هل أدلكم؟ وفي القصة أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثدياً ويصيح وهم في طلب مرضعة له.

{فَقَالَتْ}، يعني أخت موسى، {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ}، أي يضمونه {لَكُمْ}، ويرضعونه، وهي امرأة قد قتل ولدها فأحبُّ شيء إليها أن تجد صغيراً ترضعه، {وَهُمْ لَهُ نَـٰصِحُونَ}، والنصح ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد، قالوا: نعم فَأتِينا بها. قال ابن جريج والسدي: لما قالت أخت موسى: "وهم له ناصحون" أخذوها وقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت: ما أعرفه، وقلت هم للملك ناصحون.

وقيل: إنها قالت: إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك واتصالنا به.

وقيل إنها لما قالت: "هل أدلكم على أهل بيت" قالوا لها: من؟ قالت: أمي، قالوا: أو لأمك ابن؟ قالت: نعم هارون، وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها، قالوا: صدقت، فأتينا بها، فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قَبِل ثديها، وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه رياً.

قال السدي: كانوا يعطونها كل يوم ديناراً فذلك قوله تعالى:

{فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا}، بردِّ موسى إليها، {وَلاَ تَحْزَنَ}، أي لئلا تحزن، {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}، برده إليها، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، أن الله وعدها ردَّه إليها.

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}، قال الكلبي: الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. قال مجاهد وغيره: ثلاث وثلاثون سنة، {وَٱسْتَوَىٰ}، أي: بلغ أربعين سنة، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقيل: استوى انتهى شبابه {ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْماً وَعِلْماً}، أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أن يُبعث نبياً، {وَكَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ}.

وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِۦ فَٱسْتَغَٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُۥ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ۝١٥

قوله تعالى: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ}، يعني: دخل موسى المدينة. قال السدي: هي مدينة "منف" من أرض مصر. وقال مقاتل: كانت قرية "حابين" على رأس فرسخين من مصر. وقيل: مدينة "عين الشمس"، {عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}، وهو وقت القائلة واشتغال الناس بالقيلولة. وقال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء.

واختلفوا في السبب الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت؛ قال السدي: وذلك أن موسى عليه السلام كان يُسمى ابن فرعون، فكان يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوماً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له إن فرعون قد ركب، فركب في أثره فأدركه المقبل بأرض "منف" فدخلها نصف النهار، وليس في طرفها أحد، فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا}.

قال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يستمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه حتى ذكر ذلك منه وخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخيفاً، فدخلها يوماً على حين غفلة من أهلها.

وقال ابن زيد: لما علا موسى فرعونَ بالعصا في صغره، فأراد فرعون قتله فقالت امرأته: هو صغير، فترك قتله وأمر بإخراجه من مدينته فلم يدخل عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشده فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها، يعني: عن ذكر موسى، أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به.

وروي عن علي في قوله: "حين غفلة" كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم.

{فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ}، يختصمان ويتنازعان، {هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ}، من بني إسرائيل{وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ}، من القبط، قيل: الذي كان من شيعته السامري، والذي من عدوه من القبط، قيل: طباخ فرعون اسمه فليثون. وقيل: "هذا من شيعته. وهذا من عدوه" أي: هذا مؤمن وهذا كافر، وكان القبطي يسخّر الإِسرائيلي ليحمل الحطب إلى المطبخ.

قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع، وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم، فوجد موسى رجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، {فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ}، فاستغاثه الإِسرائيلي على الفرعوني، والاستغاثة: طلب الغوث، فغضب موسى واشتد غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنه من قبل الرضاعة من أم موسى، فقال للفرعوني: خلِّ سبيله، فقال: إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازعه، فقال الفرعوني: لقد هممت أن أحمله عليك، وكان موسى قد أُتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، {فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ}، وقرأ ابن مسعود «فلكزه موسى»، ومعناهما واحد، وهو الضرب بجميع الكف. وقيل: "الوكز" الضرب في الصدر و"اللكز" في الظهر. وقال الفراء: معناهما واحد، وهو الدفع، قال أبو عبيدة: الوكز الدفع بأطراف الأصابع، وفي بعض التفاسير: عقد موسى ثلاثاً وثمانين وضربه في صدره، {فَقَضَىٰ عَلَيْهِ}، أي: فقتله وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى عليه ولم يكن قصدُه القتل، فدفنه في الرمل، {قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ}، أي بيّن الضلالة.

قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُۥٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٦ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ۝١٧

{قَالَ رَب إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى}, بقتل القبطي من غير أمر، {فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.

{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ}, بالمغفرة, {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً}, عوناً, {لِّلْمُجْرِمِينَ}, قال ابن عباس: للكافرين، وهذا يدل على أن الإِسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافراً، وهو قول مقاتل، وقال قتادة: لن أُعين بعدها على خطيئة، قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني.

فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنصَرَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُۥ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ ۝١٨ فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ ۝١٩ وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ۝٢٠

{فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ}، أي: في المدينة التي قتل فيها القبطي، {خَآئِفاً}، من قتله القبطي، {يَتَرَقَّبُ}، ينتظر سوأً، والترقُّب: انتظار المكروه، قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، {فَإِذَا ٱلَّذِى ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ}: يستغيثه ويصيح به من بُعْدٍ. قال ابن عباس: أُتى فرعون فقيل له إن بني إسرائيل قتلوا منّا رجلاً فخذ لنا بحقنا، فقال ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضي بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإِسرائيلي يقاتل فرعونياً فاستغاثه على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ}، للإِسرائيلي: {إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ}، ظاهر الغواية قاتلت بالأمس رجلاً فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه؟ وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: إنك لغوي مبين بظلمك، والأول أصوب، وعليه الأكثرون أنه قال ذلك للإِسرائيلي.

{فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا}، وذلك أن موسى أدركته الرقة بالإِسرائيلي فمدّ يده ليبطش بالفرعوني فظن الإِسرائيلي أنه يريد أن يبطش به لما رأى من غضبه وسمع قوله: إنك لغوي مبين، {قَالَ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ}، ما تريد، {إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى ٱلأَرْضِ}، بالقتل ظلماً، {وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ}، فلما سمع القبطي ما قال الإِسرائيلي علم أن موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون وأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم.

{وَجَآءَ رَجُلٌ}، من شيعة موسى، {مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ}، أي: من آخرها، قال أكثر أهل التأويل: اسمه "حزقيل" مؤمن آل فرعون، وقيل: اسمه "شمعون"، وقيل: "شمعان"، {يَسْعَىٰ}، أي يسرع في مشيه، فأخذ طريقاً قريباً حتى سبق إلى موسى فأخبره وأنذره حتى أخذ طريقاً آخر، {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلاََ يَأْتَمِرُونَ بِكَ}، يعني: أشراف قوم فرعون يتشاورون فيك، {لِيَقْتُلُوكَ} قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضاً بقتلك، {فَٱخْرُجْ}، من المدينة، {إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ}، في الأمر لك بالخروج.

فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٢١ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ۝٢٢ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ۝٢٣ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ۝٢٤ فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٢٥ قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ ۝٢٦ قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَٰنِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ۝٢٨

{فَخَرَجَ مِنْهَا}، موسى، {خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ}، أي: ينتظر الطلب، {قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، الكافرين، وفي القصة: أن فرعون بعث في طلبه حين أُخبر بهربِهَ فقال اركبوا بنيات الطريق فإنه لا يعرف كيف الطريق.

{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ}، أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاء دار فلان، إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، قال الزجاج: يعني سلك الطريق التي تلقاء مدين فيها، ومدين هو مدين بن إبراهيم، سميت البلدة باسمه، وكان موسى قد خرج خائفاً بلا ظهر ولا حذاء ولا زاد، وكانت مدين على مسيرة ثمانية أيام من مصر، {قَالَ عَسَىٰ رَبِّىۤ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}، أي: قصد الطريق إلى مدين، قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها قبل، فلما دعا جاءه مَلَك بيده عَنَزَة فانطلق به إلى مدين.

قال المفسرون: خرج موسى من مصر ولم يكن له طعام إلاّ ورق الشجر والبقل، حتى كان يرى خضرته في بطنه، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.

قال ابن عباس: وهو أول ابتلاء من الله عزّ وجلّ لموسى عليه السلام

{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ}، وهو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم، {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً}، جماعة {مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ}، مواشيهم، {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ}، يعني: سوى الجماعة، {ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ}، يعني: تحبسان وتمنعان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الناس وتخلو لهما البئر، قال الحسن: تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس، وقال قتادة: تكفان الناس عن أغنامهما. وقيل: تمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب. والقول الأول أصوبهما، لما بعده، وهو قوله، {قَالَ}، يعني: موسى للمرأتين، {مَا خَطْبُكُمَا}، ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ {قَالَتَا لاَ نَسْقِى}، أغنامنا، {حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ}، قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر: «يَصْدُر» بفتح الياء وضم الدال على اللزوم، أي: حتى يرجع الرعاء عن الماء، وقرأ الآخرون: بضم الياء وكسر الدال، أي: حتى يصرفوا هم مواشيهم عن الماء، و"الرِّعاء" جمع راع، مثل تاجر وتجار.

ومعنى الآية: لا نسقي مواشينا حتى يصدر الرعاء، لأنا امرأتان لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال، فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض.

{وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}، لا يقدر أن يسقي مواشيه، فلذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم.

واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد، والضحاك، والسدي والحسن: هو شعيب النبي عليه السلام.

وقال وهب بن منبه، وسعيد بن جبير: هو يثرون بن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كُفَّ بصره، فدفن بين المقام وزمزم.

وقيل: رجل ممن آمن بشعيب.

قالوا: فلما سمع موسى قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أُخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس.

وقال ابن إسحاق: إن موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر، فسقى غنم المرأتين. ويُروى: أن القوم لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشرة نفر، فجاء موسى ورفع الحجر وحده، وسقى غنم المرأتين.

ويقال: إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة، فروَى منه جميع الغنم، فذلك قوله: {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ}، ظل شجرة، فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع، {فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ}، من طعام، {فَقِيرٌ}، قال أهل اللغة اللام بمعنى "إلى"، يقال: هو فقير له، وفقير إليه، يقول: إني لما أنزلت إليّ من خير، أي: طعام، فقير محتاج، كان يطلب الطعام لجوعه. قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لقد قال موسى: {رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة. وقال مجاهد: ما سأله إلا الخبز.

قالوا: فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامُهما حُفَّل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي.

قال الله تعالى: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ}، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليست بسَّلْفَعٍ من النساء خَرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة قد وضعت كُمَّ درعها على وجهها استحياء، {قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} قال أبو حازم سلمة بن دينار: لما سمع ذلك موسى أراد أن لا يذهب، ولكن كان جائعاً فلم يجد بُدَّاً من الذهاب، فمشت المرأة ومشى موسى خلفها، فكانت الريح تضرب ثوبها فتصف ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي ودلِّيني على الطريق إن أخطأتُ، ففعلت ذلك، فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ، فقال: اجلس يا شاب فتعشَّ، فقال موسى: أعوذ بالله، فقال شعيب: ولِمَ ذاكَ ألستَ بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وإنا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، فقال له شعيب: لا والله يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى وأكل.

{فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ}، يعني: أمره أجمع، مِنْ قتلهِ القبطي وقَصْدِ فرعون قتله، {قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، يعني: فرعون وقومه، وإنما قال هذا لأنه لم يكن لفرعون سلطان على أهل مدين.

{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يٰأَبَتِ ٱسْتَـئْجِرْهُ}، اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا، {إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـئْجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلأَمِينُ}، يعني: خير من استعملت من قوي على العمل وأداء الأمانة، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أمّا قوته: فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة. وقيل إلا أربعون رجلاً، وأمّا أمانته: فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك.

{قَالَ}، شعيب عند ذلك: {إِنِّىۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَاتَيْنِ}، واسمهما "صفورة" و"ليا" في قول شعيب الجبائي، وقال ابن إسحاق: "صفورة" و"شرقا" وقال غيرهما: الكبرى "صفراء" والصغرى "صفيراء". وقيل زوَّجه الكبرى. وذهب أكثرهم إلى أنه زوجه الصغرى منهما واسمها "صفورة" وهي التي ذهبت لطلب موسى، {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ}، يعني: أن تكون أجيراً لي ثمان سنين، قال الفراء: يعني: تجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: آجرك الله يأجرك أي: أثابك، والحجج، السنون، واحدتها حجة، {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ}، أي: إن أتممت عشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع، وليس بواجب عليك، {وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ}، أي: ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع، {سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّـٰلِحِينَ}، قال عمر: يعني في حسن الصحبة والوفاء بما قلت.

{قَالَ}، موسى, {ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ}, يعني: هذا الشرط بيني وبينيك، فما شرطت عليّ فلك وما شرطتَ من تزويج إحداهما فلي، والأمر بيننا، تم الكلام، ثم قال:

{أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ}، يعني: أيَّ الأجلين و«ما» صلة، «قضيت»: أتممت أو فرغت منه، الثمان أو العشر، {فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ} لا ظلم عليّ بأن أطالب بأكثر منها، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}، قال ابن عباس ومقاتل: شهيد فيما بيني وبينك. وقيل: حفيظ.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على خير العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس قال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل.

وروي عن أبي ذرِّ مرفوعاً: إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما وأبرهما، وإذا سئلت: فأي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما، وهي التي جاءت، فقالت: يا أبتِ استأجره، فتزوج أصغرهما وقضى أوفاهما.

وقال وهب: أنكحه الكبرى.

روي عن شداد بن أوس مرفوعاً: بكى شعيب النبي صلى الله عليه وسلم من حب الله عزّ وجلّ حتى عمي فردّ الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فردّ الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فردّ الله عليه بصره، فقال الله: ما هذا البكاء؟ أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار؟ فقال: لا يا رب، ولكن شوقاً إلى لقائك، فأوحى الله إليه إن يكن ذلك فهنيئاً لك لقائي يا شعيب، لذلك أخدمتك موسى كليمي.

ولما تعاقدا هذا العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصاً يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا؛ قال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة فأخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً فدفعها إليه.

وقال آخرون: كانت من آس الجنة، حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى.

وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها إيّاه مَلَك في صورة رجل، فأمر ابنته أن تأتيه بعصا فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: ردي هذه العصا، وأتيه بغيرها فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلا يقع في يدها إلاّ هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات فأعطاها موسى فأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة، فذهب في أثره، وطلب أن يرد العصا فأبى موسى أن يعطيه. وقال: هي عصاي، فرضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما مَلَك في صورة رجل فحكم أن يطرح العصا فمن حملها فهي له، فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها فلم يطقها، فأخذها موسى بيده فرفعها فتركها له الشيخ.

ثم إن موسى لما أتمَّ الأجل وسلَّم شعيبُ ابنته إليه. قال موسى للمرأة: اطلبي من أبيك أن يجعل لنا بعض الغنم، فطلبت من أبيها، فقال شعيب: لكما كل ما ولدت هذا العام على غير شيتها.

وقيل: أراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيته إكراماً له وصلةً لابنته، فقال له إني قد وهبت لك من الجدايا التي تضعها أغنامي هذه السنة كل أبلق وبلقاء، فأوحى الله إلى موسى في المنام أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه فما أخطأت واحدة منها إلاّ وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله عزّ وجلّ إلى موسى وامرأته فوفّى له بشرطه وسلم الأغنام إليه.

فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ۝٢٩

قوله عزّ وجلّ: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ}، يعني أتمه وفرغ منه، {وَسَارَ بِأَهْلِهِ}، قال مجاهد: لما قضى الأجل مكث بعد ذلك عند صهره عشراً أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له، فخرج بأهله إلى جانب مصر، {ءَانَسَ}، يعني أبصر، {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً}، وكان البرية في ليلة مظلمة، شاتية شديدة البرد وأخذَ امرأته الطلقُ، {قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّىۤ ءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِّىۤ ءَاتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ}، عن الطريق، لأنه كان قد أخطأ الطريق، {أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ}، يعني: قطعة وشعلة من النار. وفيها ثلاث لغات، قرأ عاصم «جَذْوة» بفتح الجيم، وقرأ حمزة بضمها، وقرأ الآخرون بكسرها، قال قتادة ومقاتل: هي العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها "جِذَىً، {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}، تستدفئون.

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ مِن شَٰطِئِ ٱلْوَادِ ٱلْأَيْمَنِ فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّىٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٣٠ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَٰمُوسَىٰٓ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلْـَٔامِنِينَ ۝٣١ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ فَذَٰنِكَ بُرْهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦٓ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَٰسِقِينَ ۝٣٢ قَالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ۝٣٣ وَأَخِى هَٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِىٓ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ۝٣٤

{فَلَمَّآ أَتَـٰهَا نُودِىَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِى ٱلأَيْمَنِ}، من جانب الوادي الذي عن يمين موسى، {فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ}، لموسى، جعلها مباركة لأن الله كلّم موسى هناك وبعثه نبياً. وقال عطاء: يريد المقدسة، {مِنَ ٱلشَّجَرَةِ}، من ناحية الشجرة. قال ابن مسعود: كانت سَمُرة خضراء تبرق، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: كانت عَوْسَجَة.

قال وهب من العُلَّيق، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها العنَّاب، {أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّىۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

{وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ}، تتحرك، {كَأَنَّهَا جَآنٌّ}، وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها، {وَلَّىٰ مُدْبِراً}، هارباً منها، {وَلَمْ يُعَقِّبْ} ولم يرجع، فنودي، {يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ}.

{ٱسْلُكْ}، أدخل {يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}، برص، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس، {وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ}، قرأ أهل الكوفة والشام بضم الراء وسكون الهاء، وبفتح الراء حفص، وقرأ الآخرون بفتحهما، وكلها لغات بمعنى الخوف.

ومعنى الآية: إذا هَالَكَ أمرُ يدك وما ترى من شعاعها فأدخِلْها في جيبك تعدْ إلى حالتها الأولى.

و"الجناح": اليد كلها. وقيل: هو العضد. وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم: أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه.

وقال مجاهد: كل من فزع فضم جناحه إليه ذهب عنه الفزع.

وقيل: المراد من ضم الجناح السكون أي: سكن روعك واخفض عليك جأنبك، لأن من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، ومثله قوله:

{ { وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ } } [الإسراء: 24]، يريد الرفق، وقوله: { { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤمِنِينَ } } [الشعراء: 215]، أي: ارفق بهم وأَلِنْ جانبك لهم.

وقال الفراء: أراد بالجناح العصا، معناه: أضمم إليك عصاك.

وقيل: "الرَّهْب" الكُمْ بلغة حمير، قال الأصمعي: سمعت بعض الأعراب يقول: أعطني ما في رهبك، أي: في كمك، معناه: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم، لأنه تناول العصا ويده في كمه.

{فَذَانِكَ}، يعني: العصا واليد البيضاء، {بُرْهَانَـٰنِ}، آيتان، {مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ}.

{قَالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}.

{وَأَخِى هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً}, وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه، {فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً}، عوناً، يقال ردأته أي: أعنته، قرأ نافع «رداً» بفتح الدال من غير همز طلباً للخفة، وقرأ الباقون بسكون الدال مهموزاً، {يُصَدِّقُنِى}، قرأ عاصم، وحمزة: برفع القاف على الحال، أي: ردءاً مصدقاً، وقرأ الآخرون بالجزم على جواب الدعاء والتصديق لهارون في قول الجميع، قال مقاتل: لكي يصدقني فرعون، {إِنِّىۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ}، يعني فرعون وقومه.

قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَٰنًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَٰلِبُونَ ۝٣٥ فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٍ قَالُوا۟ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ۝٣٦ وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّىٓ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٣٧ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٣٨ وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ۝٣٩ فَأَخَذْنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٠ وَجَعَلْنَٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ۝٤١ وَأَتْبَعْنَٰهُمْ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ ۝٤٢

{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ}، أي: نقويك بأخيك، وكان هارون يومئذٍ بمصر، {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً}، حجةً وبرهاناً، {فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِـئايَـٰتِنَآ}، أي: لا يصلون إليكما بقتل ولا سوء لمكان آياتنا، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: ونجعل لكما سلطاناً بآياتنا بما نعطيكما من المعجزات فلا يصلون إليكما، {أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ}، أي لكما: ولأتباعكما الغلبة على فرعون وقومه.

{فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا بَيِّنَـٰتٍ}، واضحات، {قَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى}، مختلق، {وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا}، بالذي تدعونا إليه، {فِىۤ ءَابَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ}.

{وَقَالَ مُوسَىٰ} قرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم، {رَبِّىۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ}, بالمحقِّ من المبطل، {وَمَن تَكُونُ لَهُ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ}, يعني العقبى المحمودة في الدار الآخرة، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}, أي: الكافرون.

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملاَُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ}، فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنه أول من اتخذ الآجر وبنى به، {فَٱجْعَل لِّى صَرْحاً}، قصراً عالياً، وقيل: منارة، قال أهل التفسير: لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة حتى اجتمع خمسون ألف بنَّاء سوى الأتباع والأجراء، ومن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب ويضرب المسامير، فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعاً لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، أراد الله عزّ وجلّ أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه وأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دماً، فقال قد قتلتُ إله موسى، وكان فرعون يصعد على البراذين، فبعث الله جبريل جنح غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلاّ هلك، فذلك قوله تعالى: {فَأَوْقِدْ لِى يَٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحاً لَّعَلِّىۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ}، أنظر إليه وأقف على حاله، {وَإِنِّى لأَظُنُّهُ}، يعني موسى، {مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ}، في زعمه أن للأرض وللخلق إلهاً غيري، وأنه رسوله.

{وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ}، قرأ نافع، وحمزة، والكسائي ويعقوب: «يَرْجِعون» بفتح الياء وكسر الجيم، والباقون بضم الياء وفتح الجيم.

{فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ}، فألقيناهم، {فِى ٱلْيَمِّ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

{وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً}، قادة ورؤساء، {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَيَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ لاَ يُنصَرُونَ} لا يمنعون من العذاب.

{وَأَتْبَعْنَـٰهُم فِى هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً}، خزياً وعذاباً، {وَيَوْمَ القِيَـٰمَةِ هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ}، من المبعدين المعلونين، وقال أبو عبيدة: من المهلكين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون، يقال: قَبَحه الله، وقبَّحه إذا جعله قبيحاً، ويقال: قبحه قبحاً، وقبوحاً، إذا أبعده من كل خير.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلْأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ۝٤٣ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝٤٤ وَلَٰكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ۝٤٥

قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ}، يعني قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم كانوا قبل موسى، {بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ}، أي: ليبصروا بذلك الكتاب ويهتدوا به، {وَهُدًى}، من الضلالة لمن عمل به، {وَرَحْمَةً}، لمن آمن به، {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، بما فيه من المواعظ والبصائر.

{وَمَا كُنتَ} يا محمد، {بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىِّ}، يعني بجانب الجبل الغربي، قاله قتادة والسدي، وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد حيث ناجى موسى ربَّه، {إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ}، يعني عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، {وَمَا كنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}، الحاضرين ذلك المقام فتذكره من ذات نفسك.

{وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً}، خلقنا أمماً من بعد موسى عليه السلام، {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ}، أي: طالت عليهم المهلة فنسوا عهد الله وتركوا أمره. وذلك أن الله تعالى قد عهد إلى موسى وقومه عهوداً في محمد صلى الله عليه وسلم والإِيمان به، فلما طال عليهم العمر وخلفت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها.

{وَمَا كُنتَ ثَاوِياً}، مقيماً، {فِىۤ أَهْلِ مَدْيَنَ}، كمقام موسى وشعيب فيهم، {تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا}، تذكرهم بالوعد والوعيد، قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم، {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}، أي أرسلناك رسولاً وأنزلنا عليك كتاباً فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولم تخبرهم بها.

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ۝٤٦ وَلَوْلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٤٧ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ لَوْلَآ أُوتِىَ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ مُوسَىٰٓ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُوا۟ سِحْرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓا۟ إِنَّا بِكُلٍّ كَٰفِرُونَ ۝٤٨ قُلْ فَأْتُوا۟ بِكِتَٰبٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤٩ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥٠ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ۝٥١ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤْمِنُونَ ۝٥٢ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِۦ مُسْلِمِينَ ۝٥٣ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ۝٥٤ وَإِذَا سَمِعُوا۟ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُوا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ لَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى ٱلْجَٰهِلِينَ ۝٥٥

{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ}, بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى، {إِذْ نَادَيْنَا}, قيل: إذْ نادَيْنَا موسى: خذِ الكتاب بقوّة.

وقال وهب: قال موسى: يا ربِّ أرني محمداً، قال: إن لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك أصواتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم.

وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير: نادى يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما - ورفعه بعضهم -، قال الله: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال الله تعالى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق عقابي، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني، من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدي ورسولي دخل الجنة، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر.

قوله تعالى: {وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}، أي: ولكن رحمناك رحمة بإرسالك وبالوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك، {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَـٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِن قَبْلِك}، يعني: أهل مكة، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.

{وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ}, عقوبة ونقمة، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}, من الكفر والمعصية, {فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ}،هلاَّ، {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ ءايَـٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، وجواب "لولا" محذوف، أي: لعاجلناهم بالعقوبة، يعني: لولا أنهم يحتجون بترك الإِرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم. وقيل: معناه لما بعثناك إليهم رسولاً ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

{فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا}، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، {قَالُواْ}، يعني: كفار مكة، {لَوْلاۤ}، هلا، {أُوتِىَ}، محمد، {مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ}، من الآيات كاليد البيضاء والعصا، وقيل: مثل ما أوتي موسى كتاباً جملة واحدة.

قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}، أي: فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد، {قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا}، قرأ أهل الكوفة: «سحران»، أي التوراة والقرآن "تظاهرا" يعني: كل سحر يقوي الآخر، نسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع. قال الكلبي: كانت مقالتهم تلك حين بعثوا إلى رؤوس اليهود بالمدينة، فسألوهم عن محمد فأخبروهم أن نعته في كتابهم التوراة، فرجعوا فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا: سِحْرَانِ تظاهرا.

وقرأ الآخرون: «ساحران» يعنون محمداً وموسى عليهما السلام، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، {وَقَالُواْ إِنَّا بِكلٍّ كَـٰفِرُونَ}.

{قُلْ}، لهم يا محمد، {فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ}، يعني: من التوراة والقرآن، {أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}.

{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ}, أي: لم يأتوا بما طلبت، {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ}, قال ابن عباس رضي الله عنهما: بيَّنا. قال الفرَّاء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضاً. قال قتادة: وصل لهم القول في هذا القرآن، كيف صنع بمن مضى. قال مقاتل: بيّنا لكفار مكة بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم، وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.

{ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ}، من قبل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: من قبل القرآن، {هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ}، نزلت في مؤمني أهل الكتاب؛ عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مقاتل: بل هم أهل الإِنجيل الذين قدموا من الحبشة وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وقال سعيد بن جبير: هم أربعون رجلاً قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبي الله إن لنا أموالاً فإن أذنت لنا انصرفنا وجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها فأذن لهم، فانصرفوا فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين، فنزل فيهم: {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} إلى قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}.

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب، أربعون من نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام. ثم وصفهم الله فقال:

{وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}، يعني القرآن، {قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ}، وذلك أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كان مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل، {إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ}، أي: من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله بالتوحيد مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي حق.

{أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ}, لإِيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، {بِمَا صَبَرُواْ}، على دينهم.

قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذُوا.

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حفص الجويني، أخبرنا أحمد بن سعيد الدارمي، أخبرنا عثمان، أخبرنا شعبة، عن صالح، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ثلاثة يُؤْتون أجرهم مرتين: رجل كانت له جارية فأدّبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعبدٌ أحسن عبادةَ الله ونصحَ سيّده ».

قوله عزّ وجلّ: {وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشركَ، قال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو، {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}، في الطاعة.

{وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ}, القبيح من القول، {أَعْرَضُواْ عَنْهُ}، وذلك أن المشركين كانوا يسبُّون مؤمني أهل الكتاب ويقولون تباً لكم تركتم دينكم، فيعرضون عنهم ولا يردُّون عليهم، {وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ}، لنا ديننا ولكم دينكم، {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ}، ليس المراد منه سلام التحية ولكنه سلام المتاركة، معناه: سلمتُم منّا لا نُعاوضكم بالشتم والقبح من القول، {لاَ نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ}، أي: دين الجاهلين، يعني لا نحب دينكم الذي أنتم عليه. وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ