انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القصص

تفسير الطبريالآيات 82–88

تفسير سورة القصص آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة القصص

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:06:54

  1. 1 الآيات 76–88في هذه الصفحة 11:08

التفسير الصوتي لسورة القصص كاملًا (5 مقاطع)

وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْا۟ مَكَانَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَوْلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٨٢

يقول تعالـى ذكره: وأصبح الذين تـمنَّوا مكانه بـالأمس من الدنـيا، وغناه وكثرة ماله، وما بسط له منها بـالأمس، يعنـي قبل أن ينزل به ما نزل من سخط الله وعقابه، يقولون: ويْكأنّ الله...

اختلف فـي معنى {وَيْكَأنَّ اللّهَ} فأما قَتادة، فإنه رُوي عنه فـي ذلك قولان: أحدهما ما:

حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن خالد بن عَثْمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قَتادة، قال فـي قوله {وَيْكأنَّهُ} قال: ألـم تر أنه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَيْكأَنَّهُ}: أوَ لاَ تَرى أنه.

وحدثنـي إسماعيـل بن الـمتوكل الأشجعي، قال: ثنا مـحمد بن كثـير، قال: ثنـي معمر، عن قَتادة: {وَيْكأنَّهُ} قال: ألـم تَرَ أنه. والقول الآخر، ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة، فـي قوله: {وَيْكأَنَّ اللّهَ يَبْسُطُ الرّزْقَ} قال: أو لـم يعلـم أن الله {وَيْكأنَّهُ}: أوَ لا يَعلـمُ أنه.

وتأوّل هذا التأويـل الذي ذكرناه عن قَتادة فـي ذلك أيضاً بعض أهل الـمعرفة بكلام العرب من أهل البصرة، واستشهد لصحة تأويـله ذلك كذلك، بقول الشاعر:

سألَتانِـي الطَّلاقَ أنْ رَأَتانِـيقَلَّ مالـي، قَدْ جِئْتُـما بِنُكْرِ وَيْكأنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَب يُحْبَبْ ومَن يفْتَقِرْ يعِشْ عَيْشَ ضُرّ

وقال بعض نـحويِّـي الكوفة: «ويكأنّ» فـي كلام العرب: تقرير، كقول الرجل: أما ترى إلـى صُنع الله وإحسانه وذكر أنه أخبره من سمع أعرابـية تقول لزوجها: أين ابننا؟ فقال: ويكأنه وراء البـيت. معناه: أما ترينه وراء البـيت قال: وقد يَذْهَب بها بعض النـحويـين إلـى أنها كلـمتان، يريد: وَيْكَ أَنه، كأنه أراد: ويْـلَك، فحذف اللام، فتـجعل «أَنّ» مفتوحة بفعل مضمر، كأنه قال: ويْـلَك اعلـمْ أنه وراء البـيت، فأضمر «اعلـم». قال: ولـم نـجد العرب تُعْمِل الظنّ مضمراً، ولا العلـم وأشبـاهه فـي «أَنّ»، وذلك أنه يبطل إذا كان بـين الكلـمتـين، أو فـي آخر الكلـمة، فلـما أضمر جرى مـجرى الـمتأخر ألا ترى أنه لا يجوز فـي الابتداء أن يقول: يا هذا، أنك قائم، ويا هذا أَنْ قمت، يريد: علـمت، أو اعلـم، أو ظننت، أو أظنّ. وأما حذف اللام من قولك: ويْـلَك حتـى تصير: ويْك، فقد تقوله العرب، لكثرتها فـي الكلام، قال عنترة:

وَلَقَدْ شَفَـى نَفْسي وأبْرأَ سُقْمَهاقَوْلُ الفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أقْدِم

قال: وقال آخرون: إن معنى قوله {وَيْكأَنَّ}: «وي» منفصلة من كأنّ، كقولك للرجل: وَيْ أما ترى ما بـين يديك؟ فقال: «وي» ثم استأنف، كأن الله يبسط الرزق، وهي تعجب، وكأنّ فـي معنى الظنّ والعلـم، فهذا وجه يستقـيـم. قال: ولـم تكتبها العرب منفصلة، ولو كانت علـى هذا لكتبوها منفصلة، وقد يجوز أن تكون كُثِّر بها الكلام، فوُصِلت بـما لـيست منه.

وقال آخر منهم: إن «وَيْ»: تنبـيه، وكأن حرف آخر غيره، بـمعنى: لعلّ الأمر كذا، وأظنّ الأمر كذا، لأن كأنّ بـمنزلة أظنّ وأحسب وأعلـم.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة: القول الذي ذكرنا عن قَتادة، من أن معناه: ألـم تَرَ، ألـم تعلَـمْ، للشاهد الذي ذكرنا فـيه من قول الشاعر، والرواية عن العرب وأنّ «ويكأنّ» فـي خطّ الـمصحف حرف واحد. ومتـى وجه ذلك إلـى غير التأويـل الذي ذكرنا عن قَتادة، فإِنه يصير حرفـين، وذلك أنه إن وجه إلـى قول من تأوّله بـمعنى: وَيْـلَك اعلـم أن الله، وجب أن يفصل «وَيْكَ» من «أَنّ»، وذلك خلاف خطّ جميع الـمصاحف، مع فساده فـي العربـية، لـما ذكرنا. وإن وُجِّه إلـى قول من يقول: «وَيْ» بـمعنى التنبـيه، ثم استأنف الكلام بكأن، وجب أن يُفْصَل «وَيْ» من «كأن»، وذلك أيضا خلاف خطوط الـمصاحف كلها.

فإذا كان ذلك حرفـا واحدا، فـالصواب من التأويـل: ما قاله قَتادة، وإذ كان ذلك هو الصواب، فتأويـل الكلام: وأصبح الذين تـمنوا مكان قارون وموضعه من الدنـيا بـالأمس، يقولون لَـمَّا عاينوا ما أحلّ الله به من نقمته، ألـم تر يا هذا أن الله يبسط الرزق لـمن يشاء من عبـاده، فـيُوسِّع علـيه، لا لفضل منزلته عنده، ولا لكرامته علـيه، كما كان بسط من ذلك لقارون، لا لفضله ولا لكرامته علـيه {وَيَقُدِرُ} يقول: ويضيق علـى من يشاء من خـلقه ذلك، ويقتِّر علـيه، لا لهوانه، ولا لسُخْطه عمله.

وقوله: {لَوْلا أنْ مَنَّ اللّهُ عَلَـيْنا} يقول: لولا أن تفضل علـينا، فصرف عنا ما كنا نتـمناه بـالأمس، {لَـخَسَفَ بِنا}.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى شيبة: «لَـخُسِفَ بِنا» بضم الـخاء، وكسر السين وذُكر عن شيبة والـحسن: {لـخَسَفَ بِنَا} بفتـح الـخاء والسين، بـمعنى: لـخسف اللّهُ بنا.

وقوله: {وَيْكأنَّهُ لا يُفْلِـحُ الكافِرُونَ} يقول: ألـم تعلـم أنه لا يفلـح الكافرون، فتُنْـجِح طَلِبـاتهم.

تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ۝٨٣

يقول تعالـى ذكره: تلك الدار الآخرة نـجعل نعيـمها للذين لا يريدون تكبراً عن الـحقّ فـي الأرض وتـجبراً عنه ولا فساداً. يقول: ولا ظلـم الناس بغير حقّ، وعملاً بـمعاصي الله فـيها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن زياد بن أبـي زياد، قال: سمعت عكرِمة يقول {لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِـي الأرْض وَلا فَساداً} قال: العلوّ: التـجّبر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مسلـم البطين {تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَـجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِـي الأرْضِ وَلا فَساداً} قال: العلوّ: التكبر فـي الـحقّ، والفساد: الأخذ بغير الـحقّ.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن مسلـم البطين {لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِـي الأرْضِ} قال: التكبر فـي الأرض بغير الـحقّ {وَلا فَساداً} أخذ الـمال بغير حقّ.

قال: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبَـير {لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِـي الأرْضِ} قال: البغي.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله {لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِـي الأرْضِ} قال: تعظُّماً وتـجبراً، {ولا فساداً}: عملاً بـالـمعاصي.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أشعث السمان، عن أبـي سلـمان الأعرج، عن علـيّ رضي الله عنه قال: إن الرجل لـيعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه، فـيدخـل فـي قول {تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَـجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِـي الأرْضِ وَلا فَساداً، والعاقِبَةُ للْـمُتَّقِـينَ}.

وقوله: {وَالعاقِبَةُ للْـمُتَّقِـينَ} يقول تعالـى ذكره: والـجنة للـمتقـين، وهم الذين اتقوا معاصي الله، وأدّوا فرائضه. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى العاقبة قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {والعاقِبَةُ للْـمُتَّقِـينَ} أي الـجنة للـمتقـين.

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٨٤

يقول تعالـى ذكره: من جاء الله يوم القـيامة بإخلاص التوحيد، فله خير، وذلك الـخير هو الـجنة والنعيـم الدائم، ومن جاء بـالسيئة، وهي الشرك بـالله. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {مَنْ جاءَ بـالـحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها}: أي له منها حظّ خير، والـحسنة: الإخلاص، والسيئة: الشرك.

وقد بـيَّنا ذلك بـاختلاف الـمختلفـين، ودللنا علـى الصواب من القول فـيه.

وقوله: {فَلا يُجْزَى الَّذِين عَمِلُوا السَّيِّئاتِ} يقول: فلا يثاب الذين عملوا السيئات علـى أعمالهم السيئة {إلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} يقول: إلاَّ جزاء ما كانوا يعملون.

إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٨٥

يقول تعالـى ذكره: إن الذي أنزل علـيك يا مـحمد القرآن. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، فـي قوله {إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَـيْكَ القُرآنَ} قال: الذي أعطاك القرآن.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله {إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَـيْكَ القُرآنَ} قال: الذي أعطاكه.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} فقال بعضهم: معناه: لـمصيرك إلـى الـجنة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي إسحاق بن إبراهيـم بن حبـيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشر، عن خَصِيف، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: إلـى معدِنِك من الـجنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن سفـيان، عن الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبَـير عن ابن عبـاس، قال: إلـى الـجنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن إبراهيـم بن حبـان، سمعت أبـا جعفر، عن ابن عبـاس، عن أبـي سعيد الـخدريّ {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: معاده آخرته الـجنة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن السديّ، عن أبـي مالك، فـي {إِنَّ الَّذي فَرَضَ عَلَـيْكَ الْقُرآن لرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: إلـى الـجنة لـيسألك عن القرآن.

حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن السديّ، عن أبـي صالـح، قال: الـجنة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن سفـيان، عن السديّ، عن أبـي صالـح {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: إلـى الـجنة.

حدثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن السديّ، عن أبـي مالك، قال: يردّك إلـى الـجنة، ثم يسألك عن القرآن.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن جابر، عن عكرمة ومـجاهد، قالا: إلـى الـجنة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو تُـمَيـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عكرِمة وعطاء ومـجاهد وأبـي قَزعة والـحسن، قالوا: يوم القـيامة.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: يجيء بك يوم القـيامة.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن الـحسن والزهري، قالا: معاده يوم القـيامة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: يجيء بك يوم القـيامة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عون، عن الـحسن، فـي قوله {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: معادُك من الآخرة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، فـي قوله {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: كان الـحسن يقول: إيْ والله، إن له لـمعادا يبعثه الله يوم القـيامة، ويدخـله الـجنة.

وقال آخرون: معنى ذلك: لرادّك إلـى الـموت.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي إسحاق بن وهب الواسطي، قال: ثنا مـحمد بن عبد الله الزبـيري، قال: ثنا سفـيان بن سعيد الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: الـموت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن السديّ، عن رجل، عن ابن عبـاس، قال: إلـى الـموت.

قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن جابر، عن أبـي جعفر، عن سعيد {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: إلـى الـموت.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن السديّ عمن سمع ابن عبـاس، قال إلـى الـموت.

حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن الأعمش، عن سعيد بن جُبَـير، قال: إلـى الـموت.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبَـير فـي قوله {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: الـموت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا أبو تُـمَيـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عديّ بن ثابت، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: إلـى الـموت، أو إلـى مكة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لرَادّك إلـى الـموضع الذي خرجت منه، وهو مكة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يعلـى بن عبـيد، عن سفـيان العصفريّ، عن عكرمة، عن ابن عبـاس {لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: إلـى مكة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {لَرَادُّكَ إلـى مَعَادٍ} قال: يقول: لرادّك إلـى مكة، كما أخرجك منها.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، قال: أخبرنا موسى بن أبـي إسحاق، عن مـجاهد، قال: مولده بـمكة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي عن يونس ابن أبـي إسحاق، قال: سمعت مـجاهداً يقول: {لَرَادُّكَ إلَـى مَعَادٍ} قال: إلـى مولدك بـمكة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن عمرو، وهو ابن أبـي إسحاق، عن مـجاهد، فـي قوله: {إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَـيْكَ القُرآنَ لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: إلـى مولدك بـمكة.

حدثنـي الـحسين بن علـيّ الصدائي، قال: ثنا أبـي، عن الفضيـل بن مرزوق، عن مـجاهد أبـي الـحجاج، فـي قوله: {إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَـيْكَ القُرآنَ لَرَادُّكَ إلـى مَعادٍ} قال: إلـى مولده بـمكة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عيسى بن يونس، عن أبـيه، عن مـجاهد قال: إلـى مولدك بـمكة.

والصواب من القول فـي ذلك عندي: قول من قال: لرادّك إلـى عادتك من الـموت، أو إلـى عادتك حيث وُلدت، وذلك أن الـمعاد فـي هذا الـموضع: الـمَفْعَل من العادة، لـيس من العَوْد، إلاَّ أن يوجِّه مُوَجِّه تأويـل قوله: {لَرَادُّكَ} لـمصيرك، فـيتوجه حينئذٍ قوله {إلـى مَعادٍ} إلـى معنى العود، ويكون تأويـله: إن الذي فرض علـيك القرآن لـمُصَيِّرك إلـى أن تعود إلـى مكة مفتوحة لك.

فإن قال قائل: فهذه الوجوه التـي وصفت فـي ذلك قد فهمناها، فما وجه تأويـل من تأوّله بـمعنى: لرادّك إلـى الـجنة؟ قـيـل: ينبغي أن يكون وجه تأويـله ذلك كذلك علـى هذا الوجه الآخر، وهو لـمصيرك إلـى أن تعود إلـى الـجنة.

فإن قال قائل: أوَ كان أُخرج من الـجنة، فـيقالَ له: نـحن نعيدك إلـيها؟ قـيـل: لذلك وجهان: أحدهما: أنه إن كان أبوه آدم صلّـى الله علـيهما أخرج منها، فكأن ولده بإخراج الله إياه منها، قد أخرجوا منها، فمن دخـلها فكأنـما يُرد إلـيها بعد الـخروج. والثانـي أن يُقال: إنه كان صلى الله عليه وسلم دخـلها لـيـلة أُسرِي به، كما رُوي عنه أنه قال:

دَخَـلْتُ الـجَنَّةَ، فَرأيْتُ فِـيها قَصْراً، فَقُلْتُ لِـمَنْ هَذَا؟ فَقالُوا لعُمَرَ بنِ الـخطَّابِ، ونـحو ذلك من الأخبـار التـي رُويت عنه بذلك، ثم رُدّ إلـى الأرض، فـيقال له: إن الذي فرض علـيك القرآن لرادّك لـمصيرك إلـى الـموضع الذي خرجت منه من الـجنة، إلـى أن تعود إلـيه، فذلك إن شاء الله قول من قال ذلك.

وقوله: {قُلْ رَبّـي أعْلَـمُ مَنْ جاءَ بـالهُدَى وَمَنْ هُوَ فِـي ضَلالٍ مُبـين} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين: ربـي أعلـم مَن جاء بـالهُدى الذي من سلكه نـجا، ومن هو فـي جور عن قصد السبـيـل منا ومنكم. وقوله: {مُبِـينٌ} يعنـي أنه يُبِـين للـمفكر الفهم إذا تأمَّله وتدبَّره، أنه ضلال وجور عن الهدى.

وَمَا كُنتَ تَرْجُوٓا۟ أَن يُلْقَىٰٓ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَٰفِرِينَ ۝٨٦

يقول تعالـى ذكره: وما كنت ترجو يا مـحمد أن ينزل علـيك هذا القرآن، فتعلـم الأنبـاء والأخبـار عن الـماضين قبلك، والـحادثة بعدك، مـما لـم يكن بعدُ، مـما لـم تشهده ولا تشهده، ثم تتلو ذلك علـى قومك من قريش، إلاَّ أن ربك رحمك، فأنزله علـيك، فقوله: {إلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} استثناء منقطع.

وقوله: {فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً للْكافِرِينَ} يقول: فـاحمَدْ ربك علـى ما أنعم به علـيك من رحمته إياك، بإنزاله علـيك هذا الكتاب، ولا تكوننّ عوناً لـمن كفر بربك علـى كفره به. وقـيـل: إن ذلك من الـمؤخر الذي معناه التقديـم، وإن معنى اللام: إن الذي فرض علـيك القرآن، فأنزله علـيك، وما كنت ترجو أن ينزل علـيك، فتكون نبـيا قبلَ ذلك، لرادّك إلـى مَعاد.

وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝٨٧

يقول تعالـى ذكره: ولا يصرفنَّك عن تبلـيغ آيات الله وحججه بعد أن أنزلها إلـيك ربك يا مـحمد هؤلاء الـمشركون بقولهم:

{ لَوْلا أُوتِـيَ مِثْلَ ما أُوتِـيَ مُوسَى }وادع إلـى ربك وبلغ رسالته إلـى من أرسلك إلـيه بها {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الـمُشْرِكِينَ} يقول: ولا تتركنّ الدعاء إلـى ربك، وتبلـيغ الـمشركين رسالته، فتكون مـمن فعل فِعل الـمشركين بـمعصيته ربه، وخلافه أمره.

وَلَا تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٨٨

يقول تعالـى ذكره: ولا تعبد يا مـحمد مع معبودك الذي له عبـادة كلّ شيء معبوداً آخر سواه. وقوله: {لا إلَهَ إلاَّ هُوَ} يقول: لا معبود تصلـح له العبـادة إلاَّ الله الذي كلّ شيء هالك إلاَّ وجهه.

واختلف فـي معنى قوله: {إلاَّ وَجْهَهُ} فقال بعضهم: معناه: كلّ شيء هالك إلاَّ هو.

وقال آخرون: معنى ذلك: إلاَّ ما أريد به وجهه، واستشهدوا لتأويـلهم ذلك كذلك بقول الشاعر:

أسْتَغْفِرُ اللّهَ ذَنْبـا لَسْتُ مُـحْصِيَهُرَبُّ العِبـادِ إلَـيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ

وقوله: {لَهُ الـحُكْمُ} يقول: له الـحكم بـين خـلقه دون غيره، لـيس لأحد غيره معه فـيهم حكم {وَإلَـيْهِ تُرْجَعُونَ} يقول: وإلـيه تردّون من بعد مـماتكم، فـيقضي بـينكم بـالعدل، فـيجازي مؤمنـيكم جزاءهم، وكفـاركم ما وعدهم.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ