انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القصص

تفسير الطبريالآيات 71–81

تفسير سورة القصص آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة القصص

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:06:54

  1. 1 الآيات 51–75في هذه الصفحة 17:22
  2. 2 الآيات 76–88في هذه الصفحة 11:08

التفسير الصوتي لسورة القصص كاملًا (5 مقاطع)

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَآءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ۝٧١

يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين بـالله: أيها القوم أرأيتـم إن جعل الله علـيكم اللـيـل دائما لا نهار إلـى يوم القـيامة يعقبه. والعرب تقول لكلّ ما كان متصلاً لا ينقطع من رخاء أو بلاء أو نعمة هو سرمد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {سَرْمَداً}: دائماً لا ينقطع.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {إنْ جَعَلَ اللّهُ عَلَـيْكُمُ اللَّـيْـلَ سَرْمَداً} يقول: دائماً.

وقوله: {مَنْ إلَهٌ غيرُ اللّهِ يَأْتِـيكُمْ بِضِياءٍ} يقول: من معبود غير الـمعبود الذي له عبـادة كل شيء يأتـيكم بضياء النهار، فتستضيئون به {أفَلا تَسْمَعُونَ} يقول: أفلا تُرْعُون ذلك سمعكم، وتفكرون فـيه فتتعظون، وتعلـمون أن ربكم هو الذي يأتـي بـاللـيـل ويذهب بـالنهار إذا شاء، وإذا شاء أتـى بـالنهار وذهب بـاللـيـل، فـينعم بـاختلافهما كذلك علـيكم.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ۝٧٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا مـحمد لـمشركي قومك {أرأيْتُـمْ} أيها القوم {إنْ جَعَلَ اللّهُ عَلَـيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً} دائماً لا لـيـل معه أبداً {إلـى يَوْمِ القِـيامَةِ مَنْ إلَهٌ غيرُ اللّهِ} من معبود غير الـمعبود الذي له عبـادة كلّ شيء {يَأْتِـيكُمْ بِلَـيْـلٍ تَسْكُنُونَ فِـيهِ} فتستقرّون وتهدءون فـيه {أفَلا تُبْصِرُونَ} يقول: أفلا ترون بأبصاركم اختلاف اللـيـل والنهار علـيكم، رحمة من الله لكم، وحجة منه علـيكم، فتعلـموا بذلك أن العبـادة لا تصلـح إلاَّ لـمن أنعم علـيكم بذلك دون غيره، ولـمن له القُدرة التـي خالف بها بـين ذلك.

وَمِن رَّحْمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٧٣

يقول تعالـى ذكره: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ} بكم أيها الناس {جَعَلَ لَكُمُ اللَّـيْـلَ والنَّهارَ} فخالف بـينهما، فجعل هذا اللـيـل ظلاماً {لِتَسْكُنُوا فِـيهِ} وتهدءوا وتستقرّوا لراحة أبدانكم فـيه من تعب التصرّف الذي تتصرّفون نهاراً لـمعايشكم. وفـي الهاء التـي فـي قوله: {لِتَسْكُنُوا فـيه} وجهان: أحدهما: أن تكون من ذكر اللـيـل خاصة، ويضمر للنهار مع الابتغاء هاء أخرى. والثانـي: أن تكون من ذكر اللـيـل والنهار، فـيكون وجه توحيدها وهي لهما وجه توحيد العرب فـي قولهم: إقبـالك وإدبـارك يؤذينـي، لأن الإقبـال والإدبـار فعل، والفعل يوحَّدُ كثـيره وقلـيـله. وجعل هذا النهار ضياء تبصرون فـيه، فتتصرّفون بأبصاركم فـيه لـمعايشكم، وابتغاء رزقه الذي قسمه بـينكم بفضله الذي تفضل علـيكم.

وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يقول تعالـى ذكره: ولتشكروه علـى إنعامه علـيكم بذلك، فعل ذلك بكم لتفردوه بـالشكر، وتـخـلصوا له الـحمد، لأنه لـم يشركه فـي إنعامه علـيكم بذلك شريك، فلذلك ينبغي أن لا يكون له شريك فـي الـحمد علـيه.

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ۝٧٤ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ فَعَلِمُوٓا۟ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٧٥

يعنـي تعالـى ذكره: ويوم ينادي ربك يا مـحمد هؤلاء الـمشركين فـيقول لهم: {أيْنَ شُرَكائيَ الَّذِينَ كُنْتُـمْ تَزْعُمُونَ} أيها القوم فـي الدنـيا أنهم شركائي.

وقوله: {وَنَزَعْنا مِنْ كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً} وأحضرنا من كلّ جماعة شهيدها وهو نبـيها الذي يشهد علـيها بـما أجابته أمته فـيـما أتاهم به عن الله من الرسالة. وقـيـل: ونزعنا من قوله: نزع فلان بحجة كذا، بـمعنى: أحضرها وأخرجها.وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: {وَنَزَعْنا مِنْ كُل أُمَّةٍ شَهيداً} وشهيدُها: نبـيها، يشهد علـيها أنه قد بَلَّغ رسالة ربه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةِ شَهِيداً} قال: رسولاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، بنـحوه.

وقوله: {فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ} يقول: فقلنا لأمة كلّ نبـيّ منهم التـي ردّت نصيحته، وكذّبت بـما جاءها به من عند ربهم، إذ شهد نبـيها علـيها بإبلاغه إياها رسالة الله: {هاتُوا بِرْهانَكُمْ} يقول: فقال لهم: هاتوا حجتكم علـى إشراككم بـالله ما كنتـم تشركون مع إعذار الله إلـيكم بـالرسل وإقامته علـيكم بـالـحجج. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ} أي بـينتكم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ} قال: حجتكم لـما كنتـم تعبدون وتقولون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ} قال: حجتكم بـما كنتـم تعبدون.

وقوله: {فَعَلِـمُوا أنَّ الـحَقَّ لِلّهِ} يقول: فعلـموا حينئذٍ أن الـحجة البـالغة لله علـيهم، وأن الـحقّ لله، والصدق خبره، فأيقنوا بعذاب من الله لهم دائم {وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ} يقول: واضمـحلّ فذهب الذي كانوا يُشركون بـالله فـي الدنـيا، وما كانوا يتـخرّصون، ويكذبون علـى ربّهم، فلـم ينفعهم هنالك بل ضرّهم وأصلاهم نار جهنـم.

إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَٰهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُو۟لِى ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ ۝٧٦

يقول تعالـى ذكره: {إنَّ قارُونَ} وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب {كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} يقول: كان من عشيرة موسى بن عمران النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وهو ابن عمه لأبـيه وأمه، وذلك أن قارون هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى: هو موسى بن عمران بن قاهث، كذا نسبه ابن جُرَيج.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {إنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَومِ مُوسَى} قال: ابن عمه ابن أخي أبـيه، فإن قارون بن يصفر، هكذا قال القاسم، وإنـما هو يصهر بن قاهث، وموسى بن عومر بن قاهث، وعومر بـالعربـية: عمران. وأما ابن إسحاق فإن ابن حميد.

حدثنا، قال: ثنا سلـمة عنه، أن يصهر بن قاهث تزوّج سميت بنت بتاويت بن بركنا بن بقشان بن إبراهيـم، فولدت له عمران بن يصهر، وقارون بن يصهر، فنكح عمران بخنت بنت شمويـل بن بركنا بن بقشان بن بركنا، فولدت له هارون بن عمران، وموسى بن عمران صفـيّ الله ونبـيه فموسى علـى ما ذكر ابن إسحاق ابن أخي قارون، وقارون هو عمه أخو أبـيه لأبـيه ولأمه. وأكثر أهل العلـم فـي ذلك علـى ما قاله ابن جُرَيج.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن إبراهيـم، فـي قوله: {إنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} قال: كان ابن عمّ موسى.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن سماك بن حرب، قال: ثنا سعيد عن قَتادة {إنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى}: كنا نـحدّث أنه كان ابن عمه أخي أبـيه، وكان يسمى الـمنوّر من حُسن صوته بـالتوراة، ولكن عدوّ الله نافق، كما نافق السامريّ، فأهلكه البغي.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن سماك، عن إبراهيـم {إنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} قال كان ابن عمه فبغى علـيه.

قال: ثنا يحيى القطان، عن سفـيان، عن سماك، عن إبراهيـم، قال: كان قارون ابن عمّ موسى.

قال: ثنا أبو معاوية، عن ابن أبـي خالد، عن إبراهيـم {إنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} قال: كان ابن عمه.

حدثنـي بشر بن هلال الصوّاف، قال: ثنا جعفر بن سلـيـمان الضُّبَعِيُّ، عن مالك بن دينار، قال: بلغنـي أن موسى بن عمران كان ابن عمّ قارون.

وقوله: {فَبَغَى عَلَـيْهِمْ} يقول: فتـجاوز حدّه فـي الكبر والتـجبر علـيهم.

وكان بعضهم يقول: كان بغيه علـيهم زيادة شبر أخذها فـي طول ثـيابه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن سعيد الكنديّ وأبو السائب وابن وكيع قالوا: ثنا حفص بن غياث، عن لـيث، عن شَهِر بن حَوْشب {إنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَـيْهِمْ} قال: زاد علـيهم فـي الثـياب شبرا.

وقال آخرون: كان بغيه علـيهم بكثرة ماله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: إنـما بغى علـيهم بكثرة ماله.

وقوله: {وآتَـيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفـاتِـحَهُ لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ أُولـى القُوَّةِ} يقول تعالـى ذكره: وآتـينا قارون من كنوز الأموال ما إن مفـاتـحه، وهي جمع مفتـح، وهو الذي يفتـح به الأبواب.

وقال بعضهم: عنى بـالـمفـاتـح فـي هذا الـموضع: الـخزائن لتُثْقِل العصبة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ما قلنا فـي معنى مفـاتـح:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا الأعمش، عن خيثمة، قال: كانت مفـاتـح قارون تـحمل علـى ستـين بغلاً، كلّ مفتاح منها بـاب كنز معلوم مثل الأُصبُع من جلود.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: كانت مفـاتـح كنوز قارون من جلود كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح علـى خزانة علـى حدة، فإذا ركب حملت الـمفـاتـيح علـى ستـين بغلاً أغرّ مـحَّجل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن خيثمة، فـي قوله {ما إنَّ مَفـاتِـحَهُ لَتَنُوء بـالعُصْبَةِ أُولـى القُوَّةِ} قال: نـجد مكتوبـا فـي الإنـجيـل مفـاتـح قارون وِقر ستـين بغلاً غرّا مـحجلة، ما يزيد كل مفتاح منها علـى أصبع، لكل مفتاح منها كنز.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن حميد، عن مـجاهد، قال: كانت الـمفـاتـح من جلود الإبل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {وآتَـيْناهُ مِن الكُنُوزِ ما إنَّ مَفـاتِـحَهُ لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} قال: مفـاتـح من جلود كمفـاتـح العيدان.

وقال قوم: عنى بـالـمفـاتـح فـي هذا الـموضع: خزائنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيت، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن سالـم، عن أبـي صالـح، فـي قوله: {ما إنَّ مَفـاتِـحَهُ لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} قال: كانت خزائنه تـحمل علـى أربعين بغلاً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي حجيرَ، عن الضحاك {ما إنَّ مَفـاتِـحَهُ} قال: أوعيته.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله: {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا أبو رَوْق، عن الضحاك عن ابن عبـاس، فـي قوله: {لَتَنُوء بـالعُصْبَةِ} قال: لتثقل بـالعصبة.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} يقول: تَثْقُل. وأما العُصبة فإنها الـجماعة.

واختلف أهل التأويـل فـي مبلغ عددها الذي أريد فـي هذا الـموضع فأما مبلغ عدد العصبة فـي كلام العرب فقد ذكرناه فـيـما مضى بـاختلاف الـمختلفـين فـيه، والرواية فـي ذلك، والشواهد علـى الصحيح من قولهم فـي ذلك بـما أغنـي عن إعادته فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: كانت مفـاتـحه تنوء بعصبة مبلغ عددها أربعون رجلاً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، عن إسماعيـل بن سالـم، عن أبـي صالـح، قوله: {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} قال: أربعون رجلاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قَتادة {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} قال: ذكر لنا أن العصبة ما بـين العشرة إلـى الأربعين.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ أُولـى القُوَّةِ}: يزعمون أن العصبة أربعون رجلاً، ينقلون مفـاتـحه من كثرة عددها.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وآتَـيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفـاتِـحَهُ لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ أُولـى القُوَّةِ} قال: أربعون رجلاً.

وقال آخرون: ستون، وقال: كانت مفـاتـحه تـحمل علـى ستـين بغلاً.

حدثنا كذلك ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الأعمش، عن خيثمة.

وقال آخرون: كانت تـحمل علـى ما بـين ثلاثة إلـى عشرة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جابر بن نوح، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} قال: العصبة: ثلاثة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} قال: العصبة: ما بـين الثلاثة إلـى العشرة.

وقال آخرون: كانت تـحمل ما بـين عشرة إلـى خمسة عشرة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {ما إنَّ مَفـاتِـحَهُ لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} قال: العُصْبة: ما بـين العشرة إلـى الـخمسة عشر.

حدثنا القاسم قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَة} قال: العصبة: خمسة عشر رجلاً.

وقوله: {أُولـى القُوَّةِ} يعنـي: أولـى الشدّة. وقال مـجاهد فـي ذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد {أُولـى القُوَّةِ} قال: خمسةَ عَشَر.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل {وآتَـيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفـاتِـحَهُ لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} وكيف تنوء الـمفـاتـح بـالعصبة، وإنـما العصبة هي التـي تنوء بها؟ قـيـل: اختلف فـي ذلك أهل العلـم بكلام العرب، فقال بعض أهل البصرة: مـجاز ذلك: ما إن العصبة ذوي القوّة لتنوء بـمفـاتـح نعمه. قال: ويقال فـي الكلام: إنها لتنوء بها عجيزتها، وإنـما هو: تنوء بعجيزتها كما ينوء البعير بحمله، قال: والعرب قد تفعل مثل هذا. قال الشاعر:

فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمالـيوما آلُوكَ إلاَّ ما أُطِيقُ

والـمعنى: فديت بنفسي وبـمالـي نفسه.

وقال آخر:

وَتَرْكَبُ خَيْلاً لا هَوَادَةَ بَـيْنَهاوَتَشْقَـى الرّماحُ بـالضَّياطِرَةِ الـحُمْرِ

وإنـما تشقـى الضياطرة بـالرماح. قال: والـخيـل هاهنا: الرجال.

وقال آخر منهم {ما إنَّ مَفـاتِـحَهُ} قال: وهذا موضع لا يكاد يبتدأ فـيه «إن»، وقد قال:

{ إن الـموت الذي تفرّون منه فإنه ملاقـيكم }. وقوله: {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ} إنـما العصبة تنوء بها وفـي الشعر:

تَنُوءُ بِها فَتُثْقِلُها عَجِيزَتُها

ولـيست العجيزة تنوء بها، ولكنها هي تنوء بـالعجيزة وقال الأعشى:

ما كُنْتَ فِـي الـحَرْبِ العَوَانِ مُغَمَّرَاإذْ شَبَّ حَرُّ وَقُودِها أجْذَالَهَا

وكان بعض أهل العربـية من الكوفـيـين يُنكر هذا الذي قاله هذا القائل، وابتداء إن بعد ما، ويقول: ذلك جائز مع وما من، وهو مع ما ومَنْ أجود منه مع الذي، لأن الذي لا يعمل فـي صلته، ولا تعمل صلته فـيه، فلذلك جاز، وصارت الـجملة عائد «ما»، إذ كانت لا تعمل فـي «ما»، ولا تعمل «ما» فـيها قال: وحَسُن مع «ما» و «من»، لأنهما يكونان بتأويـل النكرة إن شئت، والـمعرفة إن شئت، فتقول: ضربت رجلاً لـيقومنّ، وضربت رجلاً إنه لـمـحسن، فتكون «مَنْ و ما» تأويـل هذا، ومع «الذي» أقبح، لأنه لا يكون بتأويـل النكرة.

وقال آخر منهم فـي قوله: {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ}: نَوْءُها بـالعصبة: أن تُثْقلهم وقال: الـمعنى: إن مفـاتـحه لتنـيءُ العصبة: تـميـلهن من ثقلها، فإذا أدخـلت البـاء قلت: تَنُوء بهم، كما قال:

{ آتُونِـي أُفْرِغْ عَلَـيْهِ قِطْرَا }قال والـمعنى: آتونـي بقطر أفرغ علـيه فإذا حُذفت البـاء، زدت علـى الفعل ألفـاً فـي أوّله ومثله: { فأجاءَها الـمَخاضُ }معناه: فجاء بها الـمخاض وقال: قد قال رجل من أهل العربـية: ما إن العصبة تَنُوء بـمفـاتـحه، فحوّل الفعل إلـى الـمفـاتـح، كما قال الشاعر:

إنَّ سِرَاجا لَكَرِيـمٌ مَفْخَرُهْتَـحْلَـى بهِ العَيْنُ إذَا ما تَـجْهَرُهْ

وهو الذي يحلَـى بـالعين، قال: فإن كان سمع أثراً بهذا، فهو وجه، وإلاَّ فإن الرجل جهل الـمعنى. قال: وأنشدنـي بعض العرب:

حتـى إذَا ما الْتَأَمَتْ مَوَاصِلُهْونَاءَ فِـي شِقّ الشِّمالِ كاهِلُهْ

يعنـي: الرامي لِـما أخذ القوس، ونزع مال علـيها. قال: ونرى أن قول العرب: ما ساءك، وناءك من ذلك، ومعناه: ما ساءك وأناءك من ذلك، إلاَّ أنه ألقـى الألف لأنه متبع لساءك، كما قالت العرب: أكلت طعاماً فهنأنـي ومرأنـي، ومعناه: إذا أفردت: وأمرأنـي فحذفت منه الألف لـما أتبع ما لـيس فـيه ألف.

وهذا القول الآخر فـي تأويـل قوله: {لَتَنُوءُ بـالعُصْبَةِ}: أولـى بـالصواب من الأقوال الأُخَر، لـمعنـيـين: أحدهما: أنه تأويـل موافق لظاهر التنزيـل. والثانـي: أن الآثار التـي ذكرنا عن أهل التأويـل بنـحو هذا الـمعنى جاءت، وأن قول من قال: معنى ذلك: ما إن العصبة لتنوء بـمفـاتـحه، إنـما هو توجيه منهم إلـى أن معناه: ما إن العصبة لتنهض بـمفـاتـحه وإذا وجه إلـى ذلك لـم يكن فـيه من الدلالة علـى أنه أريد به الـخبر عن كثرة كنوزه، علـى نـحو ما فـيه، إذا وجه إلـى أن معناه: إن مفـاتـحه تثقل العصبة وتـميـلها، لأنه قد تنهض العصبة بـالقلـيـل من الـمفـاتـح وبـالكثـير. وإنـما قصد جلّ ثناؤه الـخبر عن كثرة ذلك، وإذا أريد به الـخبر عن كثرته، كان لا شكّ أن الذي قاله من ذكرنا قوله، من أن معناه: لتنوء العصبة بـمفـاتـحه، قول لا معنى له، هذا مع خلافه تأويـل السلف فـي ذلك.

وقوله: {إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ، إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} يقول: إذ قال قومه: لا تبغ ولا تَبْطَر فرحا، إن الله لا يحبّ من خـلقه الأَشِرِين البَطِرِين. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـي، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} يقول: الـمَرِحِين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة، عن مـجاهد، فـي قوله: {لا تَفْرَحْ إنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ} قال: الـمتبذِّخين الأَشِرين البَطِرين، الذين لا يشكرون الله علـى ما أعطاهم.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن جابر، قال: سمعت مـجاهدا يقول فـي هذه الآية {إن اللّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} قال: الأَشِرين البَطِرِين البَذِخين.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا العوّام، عن مـجاهد، فـي قوله {لا تَفْرَحْ إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} قال: يعنـي به البغي.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {لا تَفْرَحْ إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} قال: الـمتبذِّخين الأشرين، الذين لا يشكرون الله فـيـما أعطاهم.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله إلاَّ أنه قال: الـمتبذّخين.

حدثنا مـحمد بن عبد الله الـمُخَرِّميّ، قال: ثنـي شَبَـابة، قال: ثنـي ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {لا تَفْرَحْ إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} قال: الأشِرينَ البَطِرِين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، إذ قال له قومه {لا تَفْرَحْ}: أي لا تـمرح {إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ}: أي إن الله لا يحبّ الـمَرِحين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {لا تَفْرَحْ إنَّ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} قال: الأَشِرِين البطرين، الذين لا يشكرون الله فـيـما أعطاهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا العوّام، عن مـجاهد، فـي قوله {إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ، إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} قال: هو فَرَح البَغْي.

وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلْأَرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٧٧

يقول تعالـى ذكره، مخبراً عن قـيـل قوم قارون له: لا تبغ يا قارون علـى قومك، بكثرة مالك، والتـمس فـيـما آتاك الله من الأموال خيرات الآخرة، بـالعمل فـيها بطاعة الله فـي الدنـيا. وقوله: {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا} يقول: ولا تترك نصيبك وحظك من الدنـيا، أن تأخذ فـيها بنصيبك من الآخرة، فتعمل فـيه بـما ينـجيك غداً من عقاب الله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا، وأحْسِنْ كمَا أحْسَنَ اللّهُ إلَـيْكَ} يقول: لا تترك أن تعمل لله فـي الدنـيا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفـيان، عن الأعمش، عن ابن عبـاس {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا} قال: أن تعمل فـيها لآخرتك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا قرة بن خالد، عن عون بن عبد الله {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا} قال: إن قوما يضعونها علـى غير موضعها. ولا تنس نصيبك من الدنـيا: تعمل فـيها بطاعة الله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا} قال: العمل بطاعته.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: تعمل فـي دنـياك لآخرتك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا} قال: العمل فـيها بطاعة الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن عيسى الـجُرَشِيّ، عن مـجاهد {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا} قال: أن تعمل فـي دنـياك لآخرتك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن مـجاهد، قال: العمل بطاعة الله: نصيبه من الدنـيا، الذي يُثاب علـيه فـي الآخرة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا} قال: لا تنس أن تقدّم من دنـياك لآخرتك، فإِنـما تـجد فـي آخرتك ما قدّمت فـي الدنـيا، فـيـما رزقك الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تترك أن تطلب فـيها حَظَّك من الرزق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا}: قال الـحسن: ما أحلّ الله لك منها، فإن لك فـيه غِنًى وكفـاية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن حميد الـمَعْمَريّ، عن مَعْمر، عن قَتادة: {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا} قال: طَلَب الـحَلال.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن الـحسن {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْـيا}: قال: قدِّم الفضل، وأمسك ما يبلغك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: الـحلال فـيها.

وقوله: {وأحْسِنْ كمَا أحْسَنَ اللّهُ إلَـيْكَ} يقول: وأحسن فـي الدنـيا إنفـاق مالك الذي آتاكه الله، فـي وجوهه وسبُله، كما أحسن الله إلـيك، فوسع علـيك منه، وبسط لك فـيها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأحْسِنْ كمَا أحْسَنَ اللّهُ إلَـيْكَ} قال: أحسن فـيـما رزقك الله {وَلا تَبْغِ الفَسادَ فِـي الأرْضِ} يقول: ولا تلتـمس ما حرّم الله علـيك من البغي علـى قومك {إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الـمُفْسِدِينَ} يقول: إن الله لا يحبّ بُغاة البغي والـمعاصي.

قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِۦ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٧٨

يقول تعالـى ذكره: قال قارون لقومه الذين وعظوه: إنـما أوتـيتُ هذه الكنوز علـى فضل علـم عندي، علـمه الله منـي، فرضي بذلك عنـي، وفَضلنـي بهذا الـمال علـيكم، لعلـمه بفضلـي علـيكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة {قالَ إنَّـمَا أُوتِـيتُهُ عَلـى عِلْـمٍ عِنْدِي} قال: علـى خبر عندي.

قال: حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله {إنَّـمَا أُوتـيتُهُ عَلـى عِلْـمٍ عِنْدِي} قال: لولا رضا الله عنـي ومعرفته بفضلـي ما أعطانـي هذا، وقرأ: {أوَ لَـمْ يَعْلَـمْ أنَّ اللّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعاً...} الآية.

وقد قـيـل: إن معنى قوله: عِنْدِي بـمعنى: أرَى، كأنه قال: إنـما أوتـيته لفضل علـمي، فـيـما أرَى.

وقوله: {أوَ لَـمْ يَعْلَـمْ أنَّ اللّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعاً} يقول جلّ ثناؤه: أو لـم يعلـم قارون حين زعم أنه أوتـي الكنوز لفضل علـم عنده علـمته أنا منه، فـاستـحقّ بذلك أن يُؤتـى ما أُوتـي من الكنوز، أن الله قد أهلك من قبله من الأمـم من هو أشدّ منه بطشاً، وأكثر جمعاً للأموال ولو كان الله يؤتـي الأموال من يؤتـيه لفضل فـيه وخير عنده، ولرضاه عنه، لـم يكن يهلك من أهلك من أربـاب الأموال الذين كانوا أكثر منه مالاً، لأن من كان الله عنه راضياً، فمـحال أن يهلكه الله، وهو عنه راض، وإنـما يهلك من كان علـيه ساخطاً.

وقوله: {وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الـمُـجْرِمُونَ} قـيـل: إن معنى ذلك أنهم يدخـلون النار بغير حساب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا سفـيان، عن عمر، عن قتادة {وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الـمُـجْرِمُونَ} قال: يُدْخَـلون النار بغير حساب.

وقـيـل: معنى ذلك: أن الـملائكة لا تسأل عنهم، لأنهم يعرفونهم بسيـماهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الـمُـجْرِمُونَ} كقوله: يُعْرَفُ الـمُـجْرِمُونَ بِسِيـماهُمْ زرقاً سود الوجوه، والـملائكة لا تسأل عنهم قد عرفتهم.

وقـيـل معنى ذلك: ولا يُسأل عن ذنوب هؤلاء الذين أهلكهم الله من الأمـم الـماضية الـمـجرمون فـيـم أهلكوا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا موسى بن عبـيدة، عن مـحمد بن كعب {وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الـمُـجْرِمُونَ} قال: عن ذنوب الذين مضوا فـيـم أهلكوا، فـالهاء والـميـم فـي قوله {عَنْ ذُنُوبِهِم} علـى هذا التأويـل لـمن الذي فـي قوله: {أوَ لَـمْ يَعْلَـمْ أنَّ اللّهَ قَدْ أهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً}. وعلـى التأويـل الأوّل الذي قاله مـجاهد وقَتادة للـمـجرمين، وهي بأن تكون من ذكر الـمـجرمين أولـى، لأن الله تعالـى ذكره غير سائل عن ذنوب مذنب غير من أذنب، لا مؤمن ولا كافر. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا معنى لـخصوص الـمـجرمين، لو كانت الهاء والـميـم اللتان فـي قوله {عَنْ ذُنُوبِهم} لـمن الذي فـي قوله {مَنْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً} من دون الـمؤمنـين، يعنـي لأنه غير مسؤول عن ذلك مؤمن ولا كافر، إلاَّ الذين ركبوه واكتسبوه.

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ فِى زِينَتِهِۦ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا يَٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ۝٧٩

يقول تعالـى ذكره: فخرج قارون علـى قومه فـي زينته، وهي فـيـما ذكر ثـياب الأُرْجُوان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا طلـحة بن عمرو، عن أبـي الزبـير، عن جابر {فخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ فِـي زِينَتِهِ} قال: فـي القِرْمز.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عثمان بن الأسود، عن مـجاهد {فَخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ فِـي زِينَتِهِ} قال: فـي ثـياب حُمْر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن عثمان بن الأسود، عن مـجاهد {فخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ فِـي زِينَتِهِ} قال: علـى بَراذين بِـيض، علـيها سروج الأُرْجُوان، علـيهم الـمعصفرات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {فخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ فِـي زِينَتِهِ} قال: علـيه ثوبـان مُعَصْفران.

وقال ابن جُرَيج: علـى بغلة شهبـاء علـيها الأُرجوان، وثلاث مِئة جارية علـى البغال الشُّهْب، علـيهنّ ثـياب حمر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي ويحيى بن يـمان، عن مبـارك، عن الـحسن {فَخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ فِـي زِينَتِهِ} قال: فـي ثـياب حُمر وصُفر.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، أنه سمع إبراهيـم النـخَعِيّ، قال فـي هذه الآية {فَخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ فِـي زِينَتِهِ} قال: فـي ثـياب حمر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن إبراهيـم النـخعيّ، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن إبراهيـم مثله.

حدثنا مـحمد بن عمرو بن علـيّ الـمقدمي، قال: ثنا إسماعيـل بن حكيـم، قال: دخـلنا علـى مالك بن دينار عشية، وإذا هو فـي ذكر قارون، قال: وإذا رجل من جيرانه علـيه ثـياب مُعَصفرة، قال: فقال مالك: {فَخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ فِـي زِينَتِهِ} قال: فـي ثـياب مثل ثـياب هذا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ فِـي زِينَتِهِ}: ذُكر لنا أنهم خرجوا علـى أربعة آلاف دابة، علـيهم وعلـى دوابهم الأُرجُوان.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {فَخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ فِـي زِينَتِهِ} قال: خرج فـي سبعين ألفـا، علـيهمُ الـمعصفرات، فـيـما كان أبـي يذكر لنا.

{قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الـحَياةَ الدُّنْـيا: يا لَـيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِـيَ قارُونُ} يقول تعالى ذكره: قال الذين يريدون زينة الـحياة الدنـيا من قوم قارون: يا لـيتنا أُعطينا مثل ما أعطى قارون من زينتها {إنَّهُ لَذُو حَظَ عَظِيـمٍ} يقول: إن قارون لذو نصيب من الدنـيا.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ ۝٨٠

يقول تعالـى ذكره: وقال الذين أوتوا العلـم بـالله، حين رأوا قارون خارجاً علـيهم فـي زينته، للذين قالوا يا لـيت لنا مثل ما أوتـي قارون: ويـلكم اتقوا الله وأطيعوه، فثواب الله وجزاؤه لـمن آمن به وبرسله، وعمل بـما جاءت به رسله من صالـحات الأعمال فـي الآخرة، خير مـما أوتـي قارون من زينته وماله لقارون. وقوله: {وَلا يُـلَقَّاها إلاَّ الصَّابِرُونَ} يقول: ولا يـلقاها: أي ولا يوفَّق لقـيـل هذه الكلـمة، وهي قوله: {ثَوَابُ اللّهِ خَيْرٌ لِـمَنْ آمَنَ وعَمِلَ صَالِـحاً} والهاء والألف كناية عن الكلـمة. وقال: {إلاَّ الصَّابِرُونَ} يعنـي بذلك: الذين صبروا عن طلب زينة الـحياة الدنـيا، وآثروا ما عند الله من جزيـل ثوابه علـى صالـحات الأعمال علـى لذّات الدنـيا وشهواتها، فجدّوا فـي طاعة الله، ورفضوا الـحياة الدنـيا.

فَخَسَفْنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ ۝٨١

يقول تعالـى ذكره: فخسفنا بقارون وأهل داره. وقـيـل: وبداره، لأنه ذكر أن موسى إذ أمر الأرض أن تأخذه أمرها بأخذه، وأخذ من كان معه من جلسائه فـي داره، وكانوا جماعة جلوساً معه، وهم علـى مثل الذي هو علـيه من النفـاق والـمؤازرة علـى أذى موسى.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا الأعمش، عن الـمنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الـحارث، عن ابن عبـاس، قال: لـما نزلت الزكاة أتـى قارون موسى، فصالـحه علـى كلّ ألف دينار ديناراً، وكلّ ألف شيء شيئاً، أو قال: وكلّ ألف شاة شاة «الطبريّ يشكّ»، قال: ثم أتـى بـيته فحسبه فوجده كثـيراً، فجمع بنـي إسرائيـل، فقال: يا بنـي إسرائيـل إن موسى قد أمركم بكلّ شيء فأطعتـموه، وهو الآن يريد أن يأخذ من أموالكم، فقالوا: أنت كبـيرنا وأنت سيدنا، فمرنا بـما شئت، فقال: آمركم أن تـجيئوا بفلانة البغيّ، فتـجعلوا لها جُعلاً، فتقذفه بنفسها، فدعوها فجعل لها جُعلاً علـى أن تقذفه بنفسها، ثم أتـى موسى، فقال لـموسى: إن بنـي إسرائيـل قد اجتـمعوا لتأمرهم ولتنهاهم، فخرج إلـيهم وهم فـي براح من الأرض، فقال: يا بنـي إسرائيـل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه، ومن زنى ولـيس له امرأة جلدناه مئة، ومن زنى وله امرأة جلدناه حتـى يـموت، أو رجمناه حتـى يـموت «الطبري يشكّ»، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا قال: فإن بنـي إسرائيـل يزعمون أنك فجرت بفلانة. قال: ادعوها، فإن قالت، فهو كما قالت فلـما جاءت قال لها موسى: يا فلانة، قالت: يا لَبَّـيك، قال: أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا، وكذبوا، ولكن جعلوا لـي جُعْلاً علـى أن أقذفك بنفسي فوثب، فسجد وهو بـينهم، فأوحى الله إلـيه: مُرِ الأرض بـما شئت، قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلـى أقدامهم. ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلـى ركبهم. ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلـى حِقِـيِّهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلـى أعناقهم قال: فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، ويتضرّعون إلـيه. قال: يا أرض خذيهم، فـانطبقت علـيهم، فأوحى الله إلـيه: يا موسى، يقول لك عبـادي: يا موسى، يا موسى، فلا ترحمهم؟ أما لو إياي دَعَوا، لوجدونـي قريبـاً مـجيبـاً قال: فذلك قول الله:

{ فَخَرَجَ عَلـى قَوْمِهِ فِـي زِينَتِهِ }وكانت زينته أنه خرج علـى دوابّ شُقْر علـيها سُروج حُمْر، علـيهم ثـياب مُصَبَّغة بـالبَهْرَمان. { قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الـحَياةَ الدُّنْـيا: يا لَـيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِـيَ قارُونُ... }إلـى قوله { إنَّه لا يُفْلِـحُ الكافِرُونَ }يا مـحمد { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَـجْعَلُها للَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِـي الأرْضِ وَلا فَساداً، والعاقِبَةُ لِلْـمُتَّقِـينَ }

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن رجل، عن ابن عبـاس قال: لـما أمر الله موسى بـالزكاة، قال: رَمَوه بـالزنا، فجزع من ذلك، فأرسلوا إلـى امرأة كانت قد أعطوها حكمها، علـى أن ترميه بنفسها فلـما جاءت عظم علـيها، وسألها بـالذي فلق البحر لبنـي إسرائيـل، وأنزل التوراة علـى موسى إلاَّ صَدَقت. قالت: إذ قد استـحلفتَنـي، فإنـي أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخرّ ساجداً يبكي، فأوحى الله تبـارك وتعالـى: ما يبكيك؟ قد سلطناك علـى الأرض، فمرها بـما شئت، فقال: خذيهم، فأخذتهم إلـى ما شاء الله، فقالوا: يا موسى، يا موسى فقال: خذيهم، فأخذتهم إلـى ما شاء الله، فقالوا: يا موسى، يا موسى فخسفتهم. قال: وأصاب بنـي إسرائيـل بعد ذلك شدّة وجوع شديد، فأتَوا موسى، فقالوا: ادع لنا ربك قال: فدعا لهم، فأوحى الله إلـيه: يا موسى، أتكلـمنـي فـي قوم قد أظلـم ما بـينـي وبـينهم خطاياهم، وقد دعوك فلـم تـجبهم، أما إيَّاي لو دَعَوا لأجبتهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس {فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الأرْضَ} قال: قـيـل للأرض خذيهم، فأخذتهم إلـى أعقابهم ثم قـيـل لها: خذيهم، فأخذتهم إلـى ركبهم ثم قـيـل لها: خذيهم، فأخذتهم إلـى أحْقائهم ثم قـيـل لها: خذيهم، فأخذتهم إلـى أعناقهم ثم قـيـل لها: خذيهم، فَخُسِف بهم، فذلك قوله: {فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا علـيّ بن هاشم بن البريد، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله

{ إنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى }قال: كان ابن عمه، وكان موسى يقضي فـي ناحية بنـي إسرائيـل، وقارون فـي ناحية، قال: فدعا بَغِيَّة كانت فـي بنـي إسرائيـل، فجعل لها جُعْلاً علـى أن ترمي موسى بنفسها، فتركته إذا كان يوم تـجتـمع فـيه بنو إسرائيـل إلـى موسى، أتاه قارون فقال: يا موسى ما حدّ من سرق؟ قال: أن تنقطع يده، قال: وإن كنتَ أنت؟ قال: نعم قال: فما حَدّ مَن زنى؟ قال: أن يُرجم، قال: وإن كنت أنت؟ قال: نعم قال: فإنك قد فعلت، قال: وَيْـلَك بـمن؟ قال: بفلانة فدعاها موسى، فقال: أنْشُدك بـالذي أنزل التوراة، أَصَدقَ قارون؟ قالت: اللهمّ إذ نَشَدْتنـي، فإنـي أشهد أنك برىء، وأنك رسول الله، وأن عدوّ الله قارون جعل لـي جُعْلاً علـى أن أرميَك بنفسي قال: فوثب موسى، فخرّ ساجداً لله، فأوحى الله إلـيه أنِ ارفعْ رأسك، فقد أمرت الأرض أن تطيعك، فقال موسى: يا أرضُ خذيهم، فأخذتهم حتـى بلغوا الـحِقْو، قال: يا موسى قال: خذيهم، فأخذتهم حتـى بلغوا الصدور، قال: يا موسى، قال: خذيهم، قال: فذهبوا. قال: فأوحى الله إلـيه يا موسى: استغاث بك فلـم تغثه، أما لو استغاث بـي لأجبته ولأغثته.

حدثنا بشر بن هلال الصوّاف، قال: ثنا جعفر بن سلـيـمان الضبعيّ، قال: ثنا علـيّ بن زيد بن جدعان، قال: خرج عبد الله بن الـحارث من الدار، ودخـل الـمقصورة فلـما خرج منها، جلس وتساند علـيها، وجلسنا إلـيه، فذكر سلـيـمانَ بنِ داود

{ قالَ يا أيُّها الـمَلأُ أيُّكُمْ يَأْتِـينِـي بعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِـي مُسْلِـمِينَ... }إلـى قوله { إنَّ رَبّـي غَنِـيٌّ كَرِيـمٌ }ثم سكت عن ذكر سلـيـمان، فقال: { إنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَـيْهِمْ }وكان قد أوتـي من الكنوز ما ذكر الله فـي كتابه { ما إنَّ مَفـاتِـحَهُ لَتَنُوءُ بـالْعُصْبَةِ أُولـى القُوَّةِ، قالَ إنَّـما أُوتِـيتُهُ عَلـى عِلْـمٍ عِنْدِي }قال: وعادى موسى، وكان مؤذياً له، وكان موسى يصفح عنه ويعفو، للقرابة، حتـى بنى داراً، وجعل بـاب داره من ذهب، وضرب علـى جدرانه صفـائح الذهب، وكان الـملأ من بنـي إسرائيـل يَغْدُون علـيه ويروحون، فـيطعمهم الطعام، ويحدّثونه ويضحكونه، فلـم تدعْه شِقوته والبلاء، حتـى أرسل إلـى امرأة من بنـي إسرائيـل مشهورة بـالـخَنَا، مشهورة بـالسَّبّ، فأرسل إلـيها فجاءته، فقال لها: هل لك أن أُموِّلك وأعطيَك، وأخـلطَك فـي نسائي، علـى أن تأتـينـي والـملأ من بنـي إسرائيـل عندي، فتقولـي: يا قارون، ألا تنهى عَنِّـي موسى قالت: بلـى. فلـما جلس قارون، وجاء الـملأ من بنـي إسرائيـل، أرسل إلـيها، فجاءت فقامت بـين يديه، فقلب الله قلبها، وأحدث لها توبة، فقالت فـي نفسها: لأن أُحْدِث الـيوم توبة، أفضل من أن أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكذّب عدوّ الله له. فقالت: إن قارون قال لـي: هل لك أن أمَوِّلك وأعطيَك، وأخـلِطك بنسائي، علـى أن تأتِـينـي والـملأ من بنـي إسرائيـل عندي، فتقولـي: يا قارون ألاَ تنهى عنـي موسى، فلـم أجد توبة أفضل من أن لا أُوذِي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكذِّب عدوّ الله فلـما تكلـمت بهذا الكلام، سُقِط فـي يدي قارون، ونكَّس رأسه، وسكت الـملأ، وعرف أنه قد وَقَع فـي هَلَكة، وشاع كلامها فـي الناس، حتـى بلغ موسى فلـما بلغ موسى اشتدّ غضبه، فتوضأ من الـماء، وصلّـى وبكى، وقال: يا ربّ عدوّك لـي مؤذ، أراد فضيحتـي وشَيْنـي، يا ربّ سلطنـي علـيه. فأوحى الله إلـيه أن مُرِ الأرض بـما شئت تطعك. فجاء موسى إلـى قارون فلـما دخـل علـيه، عرف الشرّ فـي وجه موسى له، فقال: يا موسى ارحمنـي قال: يا أرض خذيهم، قال: فـاضطربت داره، وساخت بقارون وأصحابه إلـى الكعبـين، وجعل يقول: يا موسى، فأخذتهم إلـى رُكَبهم، وهو يتضرّع إلـى موسى: يا موسى ارحمنـي قال: يا أرض خذيهم، قال: فـاضطربت داره وساخت، وخُسف بقارون وأصحابه إلـى سُرَرِهم، وهو يتضرّع إلـى موسى: يا موسى ارحمنـي قال: يا أرض خذيهم، فخُسِف به وبداره وأصحابه. قال: وقـيـل لـموسى صلى الله عليه وسلم: يا موسى ما أفظَّك. أما وعزّتـي لو إيايَ نادى لأجبته.

حدثنـي بشر بن هلال، قال: ثنا جعفر بن سلـيـمان، عن أبـي عِمران الـجَوْنـيّ، قال: بلغنـي أنه قـيـل لـموسى: لا أُعَبِّدُ الأرض لأحد بعدك أبداً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الـحميد الـحِمّانـي، عن سفـيان، عن الأغرّ بن الصبـاح، عن خـلـيفة بن حُصين، قال: عبد الـحميد، عن أبـي نصر، عن ابن عبـاس، ولـم يذكر ابن مهدي أبـا نصر {فَخَسَفنا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ} قال: الأرض السابعة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: بلغنا أنه يخسف به كلّ يوم مِئَة قامة، ولا يبلغ أسفل الأرض إلـى يوم القـيامة، فهو يتـجَلْـجَل فـيها إلـى يوم القـيامة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حبـان، عن جعفر بن سلـيـمان، قال: سمعت مالك بن دينار، قال: بلغنـي أن قارون يُخْسَف به كلّ يوم مِئَة قامة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ} ذُكر لنا أنه يُخسَف به كلّ يوم قامة، وأنه يتـجلـجل فـيها، لا يبلغ قعرها إلـى يوم القـيامة.

وقوله: {فَمَا كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ} يقول: فلـم يكن له جند يرجع إلـيهم، ولا فئة ينصرونه لـما نزل به من سخطه، بل تبرّءوا منه {وَما كانَ مِنَ الـمُنْتَصِرِينَ} يقول: ولا كان هو مـمن ينتصر من الله إذا أحلّ به نقمته، فـيـمتنع لقوّته منها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {فَمَا كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ} أي جند ينصرونه، وما عنده منعة يـمتنع بها من الله.

وقد بـيَّنا معنى الفئة فـيـما مضى، وأنها الـجماعة من الناس، وأصلها الـجماعة التـي يفـيء إلـيها الرجل عند الـحاجة إلـيهم، للعون علـى العدوّ، ثم تستعمل ذلك العرب فـي كلّ جماعة كانت عوناً للرجل، وظَهْراً له ومنه قول خفـاف:

فَلَـمْ أرَ مِثْلَهُمْ حَيًّا لَقاحاًوَجَدِّكَ بـينَ نَاضِحَةٍ وحَجْرِ أشَدَّ علـى صُرُوفِ الدَّهْرِ آداًوأكبرَ منهُمُ فِئَةً بِصَبْرِ

_@_
الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ