انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة غافر

تفسير القرطبيالآيات 34–81

تفسير سورة غافر آية آية، من تفسير القرطبي.

وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ۝٣٤ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ۝٣٥

قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ} قيل: إن هذا من قول موسى. وقيل: هو من تمام وعظ مؤمن آل فرعون؛ ذَكّرهم قديم عتوهم على الأنبياء؛ وأراد يوسف بن يعقوب جاءهم بالبينات

{ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ } [يوسف: 39] قال ابن جريج: هو يوسف بن يعقوب بعثه الله تعالى رسولاً إلى القبط بعد موت الملك من قبل موسى بالبينات وهي الرؤيا. وقال ابن عباس: هو يوسف بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبيًّا عشرين سنة. وحكى النقاش عن الضحاك: أن الله تعالى بعث إليهم رسولاً من الجن يقال له يوسف. وقال وهب بن منبه: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف عُمِّر. وغيره يقول: هو آخر. النحاس: وليس في الآية ما يدل على أنه هو؛ لأنه إذا أتى بالبينات نبيّ لمن معه ولمن بعده فقد جاءهم جميعاً بها وعليهم أن يصدّقوه بها. {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ} أي أسلافكم كانوا في شك. {حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} أي من يدعي الرسالة {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ} أي مثل ذلك الضلال {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} مشرك {مُّرْتَابٌ} شاك في وحدانية الله تعالى

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي في حججه الظاهرة {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} أي بغير حجة وبرهان و«الَّذِينَ» في موضع نصب على البدل من «مَنْ» وقال الزجاج: أي كذلك يضل الله الذين يجادلون في آيات الله فـ«ـالَّذِينَ» نصب. قال: ويجوز أن يكون رفعاً على معنى هم الذين أو على الابتداء والخبر {كَبُرَ مَقْتاً}. ثم قيل: هذا من كلام مؤمن آل فرعون. وقيل: ابتداء خطاب من الله تعالى. «مَقْتاً» على البيان أي «كَبُرَ» جدالهم «مَقْتاً»؛ كقوله:

{ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ }[الكهف: 18] ومقت الله تعالى ذمّه لهم ولعنه إياهم وإحلال العذاب بهم. {كَذَلِكَ} أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين فكذلك {يَطْبَعُ ٱللَّهُ} أي يختم {عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} حتى لا يعقل الرشاد ولا يقبل الحق. وقراءة العامة «عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ» بإضافة قلب إلى المتكبر واختاره أبو حاتم وأبو عبيد. وفي الكلام حذف والمعنى: «كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ» على كل «مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» فحذف «كُلّ» الثانية لتقدّم ما يدلّ عليها. وإذا لم يقدر حذف «كلّ» لم يستقم المعنى؛ لأنه يصير معناه أنه يطبع على جميع قلبه وليس المعنى عليه. وإنما المعنى أنه يطبع على قلوب المتكبرين الجبارين قلباً قلباً. ومما يدل على حذف «كُلّ» قول أبي دُؤَاد:

أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِين امْرأًونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيلِ نارا

يريد وكلّ نارٍ. وفي قراءة ابن مسعود «عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ» فهذه قراءة على التفسير والإضافة. وقرأ أبو عمرو وابن محيصن وابن ذكوان عن أهل الشام «قلبٍ» منون على أن «متكبرٍ» نعت للقلب فكنى بالقلب عن الجملة؛ لأن القلب هو الذي يتكبر وسائر الأعضاء تبع له؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ويجوز أن يكون على حذف المضاف؛ أي على كل ذي قلب متكبر؛ تجعل الصفة لصاحب القلب.

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَٰبَ ۝٣٦ أَسْبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبًا وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ ۝٣٧

قوله تعالى: {وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً} لما قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فرعون أن يتمكن كلام هذا المؤمن في قلوب القوم، أوهم أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن بان له صوابه لم يخفِه عنهم، وإن لم يصح ثبتهم على دينهم؛ فأمر وزيره هامان ببناء الصرح. وقد مضى في «القصص» ذكره. {لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ} {أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ} «أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ» بدل من الأوّل. وأسباب السماء أبوابها في قول قتادة والزهري والسدّي والأخفش؛ وأنشد:

ومَنْ هاب أَسْبَابَ المنايا يَنَلْنَهُولَوْ رَامَ أَسْبَاب السَّماءِ بِسُلَّمِ

وقال أبو صالح: أسباب السموات طرقها. وقيل: الأمور التي تستمسك بها السموات. وكرر أسباب تفخيماً؛ لأن الشيء إذا أبهم ثم أوضح كان تفخيماً لشأنه. والله أعلم. {فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} فانظر إليه نظر مشرف عليه. توهم أنه جسم تحويه الأماكن. وكان فرعون يدعي الألوهية ويرى تحقيقها بالجلوس في مكان مشرف. وقراءة العامة «فَأَطَّلِعُ» بالرفع نسقاً على قوله: «أَبْلُغُ» وقرأ الأعرج والسُّلَميّ وعيسى وحفص «فَأَطَّلِعَ» بالنصب؛ قال أبو عبيدة: على جواب «لعل» بالفاء. النحاس: ومعنى النصب خلاف معنى الرفع؛ لأن معنى النصب متى بلغت الأسباب اطلعت. ومعنى الرفع «لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ» ثم لعلي أطلع بعد ذلك؛ إلا أن ثم أشد تراخياً من الفاء. {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً} أي وإني لأظن موسى كاذباً في ادعائه إلٰهاً دوني، وإنما أفعل ما أفعل لإزاحة العلة. وهذا يوجب شك فرعون في أمر الله. وقيل: إن الظن بمعنى اليقين أي وأنا أتيقن أنه كاذب، وإنما أقول ما أقوله لإزالة الشبهة عمن لا أتيقن ما أتيقنه.

قوله تعالى: {وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ} أي الشرك والتكذيب. {وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} قراءة الكوفيين «وصُدَّ» على ما لم يسم فاعله وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ ويجوز على هذه القراءة «وَصِدّ» بكسر الصاد نقلت كسرة الدال على الصاد؛ وهي قراءة يحيـى بن وثّاب وعلقمة. وقرأ ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن بكرة «وَصَدٌّ عَنِ السَّبِيلِ» بالرفع والتنوين. الباقون «وَصَدَّ» بفتح الصاد والدال. أي صد فرعون الناس عن السبيل. {وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} أي في خسران وضلال، ومنه:

{ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ } [المسد: 1] وقوله: { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } [هود: 101] وفي موضع { غَيْرَ تَخْسِيرٍ } [هود: 63] فهدّ الله صرحه وغرّقه هو وقومه على ما تقدّم.

وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ۝٣٨ يَٰقَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَٰعٌ وَإِنَّ ٱلْـَٔاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ ۝٣٩ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٤٠ وَيَٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّٰرِ ۝٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۝٤٣ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝٤٤

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ} هذا من تمام ما قاله مؤمن آل فرعون؛ أي اقتدوا بي في الدين. {أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ} أي طريق الهدى وهو الجنة. وقيل: من قول موسى. وقرأ معاذ بن جبل «الرَّشَّادِ» بتشديد الشين وهو لحن عند أكثر أهل العربية؛ لأنه إنما يقال أرشد يُرشِد ولا يكون فَعَّال من أفعل إنما يكون من الثلاثي، فإن أردت التكثير من الرباعي قلت: مِفْعال. قال النحاس: يجوز أن يكون رشَّاد بمعنى يرشد لا على أنه مشتق منه، ولكن كما يقال لاَّال من اللؤلؤ فهو بمعناه وليس جارياً عليه. ويجوز أن يكون رشاد من رشد يرشد أي صاحب رشَّاد؛ كما قال:

كِـلـيـنِـي لِـهَـمٍّ يَـا أمَـيْـمَـة نـاصِـبِ

الزمخشري: وقرىء «الرَّشَّادِ» فَعَّال من رَشِد بالكسر كعَلاَّم أو من رَشَد بالفتح كعبّاد. وقيل: من أرشد كجبّار من أجبر وليس بذاك؛ لأن فعّالا من أفعل لم يجىء إلا في عدّة أحرف: نحو دراك وسأَّرٍ وقصَّار وجَبَّار. ولا يصح القياس على هذا القليل. ويجوز أن يكون نسبته إلى الرشد كعوَّاج وبتّات غير منظور فيه إلى فعل. ووقع في المصحف «اتَّبِعُونِ» بغير ياء. وقرأها يعقوب وابن كثير بالإثبات في الوصل والوقف. وحذفها أبو عمرو ونافع في الوقف وأثبتوها في الوصل، إلا وَرْشاً حذفها في الحالين، وكذلك الباقون؛ لأنها وقعت في المصحف بغير ياء ومن أثبتها فعلى الأصل.

قوله تعالى: {يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ} أي يتمتع بها قليلاً ثم تنقطع وتزول. {وَإِنَّ ٱلآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَـرَارِ} أي الاستقرار والخلود. ومراده بالدار الآخرة الجنة والنار لأنهما لا يفنيان. بيّن ذلك بقوله: {مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً} يعني الشرك {فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا} وهو العذاب. {وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً} قال ابن عباس: يعني لا إِلٰه إِلاَّ الله. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} مصدق بقلبه لله وللأنبياء. {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} بضم الياء على ما لم يسم فاعله. وهي قراءة ابن كثير وابن مُحَيْصن وأبي عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم، يدل عليه {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} الباقون «يَدْخُلُونَ» بفتح الياء.

قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ} أي إلى طريق الإيمان الموصل إلى الجنان {وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ} بيّن أن ما قال فرعون من قوله: {وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } سبيل الغيّ عاقبته النار وكانوا دعوه إلى اتباعه؛ ولهذا قال: {تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} وهو فرعون {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ}. {لاَ جَرَمَ} تقدّم الكلام فيه. ومعناه حقاً. {أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} «مَا» بمعنى الذي {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ} قال الزجاج: ليس له استجابة دعوة تنفع؛ وقال غيره: ليس له دعوة توجب له الألوهية {فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ}. وقال الكلبي: ليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة. وكان فرعون أوّلاً يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، ثم دعاهم إلى عبادة البقر، فكانت تُعبَد ما كانت شابة، فإذا هَرِمت أمر بذبحها، ثم دعا بأخرى لتعبد، ثم لما طال عليه الزمان قال أنا ربكم الأعلى. {وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} قال قتادة وابن سيرين: يعني المشركين. وقال مجاهد والشعبي: هم السفهاء والسفاكون للدماء بغير حقّها. وقال عِكرمة: الجبارون والمتكبّرون. وقيل: هم الذين تعدوا حدود الله. وهذا جامع لما ذكر. و«أَنَّ» في المواضع في موضع نصب بإسقاط حرف الجر. وعلى ما حكاه سيبويه عن الخليل من أن «لاَ جَرَمَ» رد لكلام يجوز أن يكون موضع «أَنَّ» رفعاً على تقدير وجب أن ما تدعونني إليه، كأنه قال: وجب بطلان ما تدعونني إليه، والمردّ إلى الله، وكون المسرفين هم أصحاب النار.

قوله تعالى: {فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ} تهديد ووعيد. و«ما» يجوز أن تكون بمعنى الذي أي الذي أقوله لكم. ويجوز أن تكون مصدرية أي فستذكرون قولي لكم إذا حلّ بكم العذاب. {وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ} أي أتوكل عليه وأسلم أمري إليه. وقيل: هذا يدل على أنهم أرادوا قتله. وقال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه. وقد قيل: القائل موسى. والأظهر أنه مؤمن آل فرعون؛ وهو قول ابن عباس.

فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ ۝٤٥ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ۝٤٦

قوله تعالى: {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} أي من إلحاق أنواع العذاب به فطلبوه فما وجدوه؛ لأنه فوض أمره إلى الله. قال قتادة: كان قبطياً فنجاه الله مع بني إسرائيل. فالهاء على هذا لمؤمن آل فرعون. وقيل: إنها لموسى على ما تقدّم من الخلاف. {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} قال الكسائي: يقال حاق يَحِيق حَيْقاً وحُيُوقاً إذا نزل ولزم. ثم بين العذاب فقال: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} وفيه ستة أوجه: يكون رفعاً على البدل من «سُوءُ». ويجوز أن يكون بمعنى هو النار. ويجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء. وقال الفراء: يكون مرفوعاً بالعائد على معنى النار عليها يعرضون، فهذه أربعة أوجه في الرفع، وأجاز الفراء النصب؛ لأن بعدها عائداً وقبلها ما يتصل به، وأجاز الأخفش الخفض على البدل من «الْعَذَابِ». والجمهور على أن هذا العرض في البرزخ. واحتج بعض أهل العلم في تثبيت عذاب القبر بقوله: {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} ما دامت الدنيا. كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}. وفي الحديث عن ابن مسعود: أن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض على النار بالغداة والعشي فيقال هذه داركم. وعنه أيضاً: إن أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها. وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون بن (مهران) يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمد لله وعُرِضَ آلُ فرعون على النار. فإذا أمسى نادى: أمسينا والحمد لله وعُرِض آلُ فرعون على النار؛ فلا يسمع أبا هريرة أحد إلا تعوّذ بالله من النار. وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إن الكافر إذا مات عُرِض على النار بالغداة والعشيّ»ثم تلا {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} وإن المؤمن إذا مات عُرِض روحه على الجنة بالغَدَاة والعشي» وخرّج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إن أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشيّ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة. قال الفراء: في الغداة والعشيّ بمقادير ذلك في الدنيا. وهو قول مجاهد. قال: «غُدُوًّا وَعَشِيًّا» قال: من أيام الدنيا. وقال حماد بن محمد الفزاريّ: قال رجل للأوزاعي رأينا طيوراً تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب، بيضاً صغاراً فَوْجاً لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشاء رجعت مثلها سوداً. قال: تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار غدوّاً وعشيا، فترجع إلى أوكارها وقد احترقت رياشها وصارت سوداً، فينبت عليها من الليل رياشها بيضاً وتتناثر السود، ثم تغدو فتعرض على النار غدوّاً وعشيا، ثم ترجع إلى وَكْرها فذلك دأبها ما كانت في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: {أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} وهو الهاوية. قال الأوزاعي: فبلغنا أنهم ألفا ألف وستمائة ألف. و«غُدُوًّا» مصدر جعل ظرفاً على السعة. و«عَشِيًّا» عطف عليه وتم الكلام. ثم تبتدىء «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ» على أن تنصب يوماً بقوله: {أَدْخِلُوۤاْ} ويجوز أن يكون منصوباً بـ«ـيُعْرَضُونَ» على معنى «يُعْرَضُونَ» على النار في الدنيا «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ» فلا يوقف عليه. وقرأ نافع وأهل المدينة وحمزة والكسائي: «أَدْخِلُوا» بقطع الألف وكسر الخاء من أدخل وهي اختيار أبي عبيد؛ أي يأمر الله الملائكة أن يدخلوهم، ودليله {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا}. الباقون «ادْخُلُوا» بوصل الألف وضم الخاء من دخل أي يقال لهم: «ادْخُلُوا» يا «آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» وهو اختيار أبي حاتم. قال: في القراءة الأولى: «آل» مفعول أول و«أَشَدَّ» مفعول ثان بحذف الجر، وفي القراءة الثانية منصوب؛ لأنه نداء مضاف. وآل فرعون: من كان على دينه وعلى مذهبه، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو أقرب إلى ذلك. وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن العبد يولد مؤمناً ويحياً مؤمناً ويموت مؤمناً منهم يحيـى بن زكريا ولد مؤمناً وحيي مؤمناً ومات مؤمناً وإن العبد يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً منهم فرعون ولد كافراً وحيي كافراً ومات كافراً ذكره النحاس. وجعل الفرّاء في الآية تقديماً وتأخيراً مجازه: «أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ». «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا» فجعل العرض في الآخرة، وهو خلاف ما ذهب إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه على ما تقدّم. والله أعلم.

وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ ٱلنَّارِ ۝٤٧ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ۝٤٨ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۝٤٩ قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ قَالُوا۟ بَلَىٰ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ وَمَا دُعَٰٓؤُا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ ۝٥٠

قوله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ} أي يختصمون فيها {فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ} عن الانقياد لِلأَنْبِيَاءِ {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً} فيما دعوتمونا إليه من الشرك في الدنيا {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ} أي متحملون {عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ} أي جزءاً من العذاب. والتبع يكون واحداً ويكون جمعاً في قول البصريين واحده تابع. وقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له كالمصدر فلذلك لم يجمع ولو جمع لقيل أتباع. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ} أي في جهنم. قال الأخفش: «كُلٌّ» مرفوع بالابتداء. وأجاز الكسائي والفراء «إِنَّا كُلاًّ فِيهَا» بالنصب على النعت والتأكيد للمضمر في «إِنَّا» وكذلك قرأ ابن السَّمَيْقَع وعيسى بن عمر. والكوفيون يسمون التأكيد نعتاً. ومنع ذلك سيبويه قال: لأن «كُلاًّ» لا تنعت ولا ينعت بها. ولا يجوز البدل فيه لأن المخبر عن نفسه لا يبدل منه غيره، وقال معناه المبرد قال: لا يجوز أن يبدل من المضمر هنا؛ لأنه مخاطب ولا يبدل من المخاطَب ولا من المخاطب، لأنهما لا يشكلان فيبدل منهما؛ هذا نص كلامه. {إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ} أي لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره؛ فكل منا كافر.

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ} من الأمم الكافرة. ومن العرب من يقول اللذون على أنه جمع مسلم معرب، ومن قال: «الَّذِينَ» في الرفع بناه كما كان في الواحد مبنياً. وقال الأخفش: ضمت النون إلى الذي فأشبه خمسةَ عشرَ فبني على الفتح. {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} خزنة جمع خازن ويقال: خُزَّان وخُزَّن. {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ} «يُخَفِّفْ» جواب مجزوم وإن كان بالفاء كان منصوباً، إلا أن الأكثر في كلام العرب في جواب الأمر وما أشبهه أن يكون بغير فاء وعلى هذا جاء القرآن بأفصح اللغات كما قال:

قِـفَـا نَـبْـكِ مِـن ذِكْـرى حَـبِـيـبٍ ومَـنْـزِلِ

قال محمد بن كعب القرظي: بلغني أو ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة؛ فقال الله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ } فسألوا يوماً واحداً يخفَّف عنهم فيه العذابُ فردَّت عليهم {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } الخبر بطوله. وفي الحديث عن أبي الدرداء خرجه الترمذي وغيره قال: يلقى على أهل النار الجوع حتى يَعْدِل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيأكلونه لا يغني عنهم شيئاً، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غُصَّة فيغَصُّون به، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثوا بالشراب فيرفع لهم الحميم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطّع أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة يقولون: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ} فيجيبوهم {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } أي خسار وتبار.

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَٰدُ ۝٥١ يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ۝٥٢ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَٰبَ ۝٥٣ هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٥٤

قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} ويجوز حذف الضمة لثقلها فيقال: «رُسْلَنَا» والمراد موسى عليه السلام. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} في موضع نصب عطف على الرسل، والمراد المؤمن الذي وعظ. وقيل: هو عام في الرسل والمؤمنين، ونصرهم بإعلاء الحجج وإفلاحها في قول أبي العالية. وقيل: بالانتقام من أعدائهم. قال السدي: ما قَتَل قوم قط نبياً أو قوماً من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله عز وجل من ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها وإن قُتِلوا.

قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ} يعني يوم القيامة. قال زيد بن أسلم: «الأَشْهَادُ» أربعة: الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد. وقال مجاهد والسدي: «الأَشْهَادُ» الملائكة تشهد للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب. وقال قتادة: الملائكة والأنبياء. ثم قيل: «الأَشْهَادُ» جمع شهيد مثل شريف وأشراف. وقال الزجاج: «الأَشْهَادُ» جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب. النحاس: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس عليه ولكن ما جاء منه مسموعاً أُدِّي كما سمع، وكان على حذف الزائد. وأجاز الأخفش والفراء: «وَيَوْمَ تَقُومُ الأَشْهَادُ» بالتاء على تأنيث الجماعة. وفي الحديث عن أبي الدرداء وبعض المحدثين يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من ردّ عن عِرْض أخيه المسلم كان حقاً على الله عز وجل أن يردّ عنه نار جهنم ثم تلا: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وعنه عليه السلام أنه قال: من حمى مؤمناً من منافق يغتابه بعث الله عز وجل يوم القيامة مَلَكاً يحميه من النار ومن ذكر مسلماً بشيء يشينه به وقفه الله عز وجل على جسر من جهنم حتى يخرج مما قال.{يَوْمَ} بدل من يوم الأوّل. {لاَ يَنفَعُ ٱلظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} قرأ نافع والكوفيون «يَنْفَعُ» بالياء. الباقون بالتاء. {وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} «اللَّعْنَةُ» البعد من رحمة الله و«سُوءُ الدَّارِ» جهنم.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ} هذا دخل في نصرة الرسل في الدنيا والآخرة أي آتيناه التوراة والنبوة. وسميت التوراة هدى بما فيها من الهدى والنور؛ وفي التنزيل:

{ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ }[المائدة: 44]. {وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة جعلناه لهم ميراثاً. {هُدًى} بدل من الكتاب ويجوز بمعنى هو هدى؛ يعني ذلك الكتاب. {وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي موعظة لأصحاب العقول.

فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ ۝٥٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَٰنٍ أَتَىٰهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ۝٥٦ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٥٧ وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ۝٥٨ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٥٩

قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي فاصبر يا محمد على أذى المشركين، كما صبر من قبلك «إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» بنصرك وإظهارك، كما نصرت موسى وبني إسرائيل. وقال الكلبي: نسخ هذا بآية السيف. {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} قيل: لذنب أمتك حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك على من يجوّز الصغائر على الأنبياء. ومن قال لا تجوز قال: هذا تعبد للنبي عليه السلام بدعاء؛ كما قال تعالى:

{ وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا } [آل عمران: 194] والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل: فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة. {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ} يعني صلاة الفجر وصلاة العصر؛ قاله الحسن وقتادة. وقيل: هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس ركعتان غُدْوة وركعتان عشيّة. عن الحسن أيضاً ذكره الماوردي. فيكون هذا مما نسخ والله أعلم. وقوله: {بِحَمْدِ رَبِّكَ} بالشكر له والثناء عليه. وقيل: «وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» أي استدم التسبيح في الصلاة وخارجاً منها لتشتغل بذلك عن استعجال النصر.

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ} يخاصمون {فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} أي حجة {أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} قال الزجاج: المعنى ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه. قدره على الحذف. وقال غيره: المعنى ما هم ببالغي الكبر على غير حذف؛ لأن هؤلاء قوم رأوا أنهم إن اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم قل ارتفاعهم، ونقصت أحوالهم، وأنهم يرتفعون إذا لم يكونوا تبعاً، فاعلم الله عز وجل أنهم لا يبلغون الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب. والمراد المشركون. وقيل: اليهود؛ فالآية مدنية على هذا كما تقدم أول السورة. والمعنى: إن تعظَّموا عن اتباعِ محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الدجال سيخرج عن قريب فيردّ الملك إلينا، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله (فذلك كبر لا يبلغونه) فنزلت الآية فيهم. قاله أبو العالية وغيره. وقد تقدم في «آل عمران» أنه يخرج ويطأ البلاد كلها إلا مكة والمدينة. وقد ذكرنا خبره مستوفى في كتاب «التذكرة». وهو يهودي واسمه صاف ويكنى أبا يوسف. وقيل: كل من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حسن؛ لأنه يعم. وقال مجاهد: معناه في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها والمعنى واحد. وقيل: المراد بالكبر الأمر الكبير أي يطلبون النبوة أو أمراً كبيراً يصلون به إليك من القتل ونحوه، ولا يبلغون ذلك. أو يتمنون موتك قبل أن يتم دينك ولا يبلغونه.

قوله تعالى: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} قيل: من فتنة الدجال على قول من قال إن الآية نزلت في اليهود. وعلى القول الآخر من شر الكفار. وقيل: من مثل ما ابتلوا به من الكفر والكبر. {إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} «هُوَ» يكون فاصلاً ويكون مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر إن على ما تقدم.

قوله تعالى: {لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} مبتدأ وخبره. قال أبو العالية: أي أعظم من خلق الدجال حين عظّمته اليهود. وقال يحيـى بن سلام: هو احتجاج على منكري البعث؛ أي هما أكبر من إعادة خلق الناس فلم اعتقدوا عجزي عنها. {وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك.

قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} أي المؤمن والكافر والضال والمهتدي. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي ولا يستوي العامل للصالحات {وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ} الذي يعمل السيئات. {قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} قراءة العامة بياء على الخبر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأجل ما قبله من الخبر وما بعده. وقرأ الكوفيون بالتاء على الخطاب. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ} هذه لام التأكيد دخلت في خبر إن وسبيلها أن تكون في أوّل الكلام؛ لأنها توكيد الجملة إلا أنها تُزحلَق عن موضعها؛ كذا قال سيبويه. تقول: إن عمراً لخارج؛ وإنما أخرت عن موضعها لئلا يجمع بينها وبين إنّ؛ لأنهما يؤدّيان عن معنى واحد، وكذا لا يجمع بين إنّ وأنّ عند البصريين. وأجاز هشام إنّ أنّ زيداً منطلق حقّ؛ فإن حذفت حقّاً لم يجز عند أحد من النحويين علمته؛ قاله النحاس. {لاَّ رَيْبَ فِيهَا} لا شك ولا مرية. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي لا يصدّقون بها وعندها يبين فرق ما بين الطائع والعاصي.

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ۝٦٠ ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ۝٦١ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ۝٦٢ كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ۝٦٣ ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٤ هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٥

قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} الآية؛ روى النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

الدعاء هو العبادة ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر المفسرين؛ وأن المعنى: وحِّدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم. وقيل: هو الذكر والدعاء والسؤال. قال أنس: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شِسْع نعله إذا انقطع ويقال الدعاء: هو ترك الذنوب. وحكى قتادة أن كعب الأحبار قال: أعطيَتْ هذه الأمة ثلاثاً لم تُعْطهن أمة قبلهم إلا نبيّ: كان إذا أرسل نبيّ قيل له أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة: { لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ } [البقرة: 143] وكان يقال للنبيّ: ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }[الحج: 78] وكان يقال للنبيّ ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ».

قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي. وقد جاء مرفوعاً؛ رواه ليث عن شهر بن حَوْشَب عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

أعطِيت أمتي ثلاثاً لم تُعطَ إلا للأنبياء كان الله تعالى إذا بعث النبيّ قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» وكان الله إذا بعث النبيّ قال: ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وكان الله إذا بعث النبيّ جعله شهيداً على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول». وكان خالد الربعي يقول: عجيب لهذه الأمةٰ قيل لها: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» أمرهم بالدعاء ووعدهم الاستجابة وليس بينهما شرط. قال له قائل: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله تعالى: { وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ }[البقرة: 25] فهاهنا شرط، وقوله: { وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ }[يونس: 2] فليس فيه شرط العمل؛ ومثل قوله: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} فهاهنا شرط، وقوله تعالى: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ليس فيه شرط. وكانت الأمة تفزع إلى أنبيائها في حوائجها حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. وقد قيل: إن هذا من باب المطلق والمقيد على ما تقدّم في «البقرة» بيانه. أي «أَسْتَجِبْ لَكُمْ» إن شئت؛ كقوله: { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ } [الأنعام: 41]. وقد تكون الاستجابة في غير عين المطلوب على حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدّم في «البقرة» بيانه فتأمله هناك. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ورُوَيس عن يعقوب وعَيّاش عن أبي عمرو وأبو بكر والمفضَّل عن عاصم {سَيُدْخَلُونَ} بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسمّ فاعله. الباقون «يَدْخُلُونَ» بفتح الياء وضم الخاء. ومعنى {دَاخِرِينَ} صاغرين أذلاء وقد تقدّم.

قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} {جَعَلَ} هنا بمعنى خلق؛ والعرب تفرّق بين جعل إذا كانت بمعنى خلق وبين جعل إذا لم تكن بمعنى خلق؛ فإذا كانت بمعنى خلق فلا تعديها إلا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عدتها إلى مفعولين؛ نحو قوله: {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً} وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} أي مضيئاً لتبصروا فيه حوائجكم وتتصرفوا في طلب معائشكم. {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} فضله وإنعامه عليهم.

قوله تعالى: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} بيّن الدلالة على وحدانيته وقدرته. {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبينت لكم دلائله كذلك؛ أي كما صرفتم عن الحق مع قيام الدليل عليه فـ{كَذَلِكَ يُؤْفَكُ} يصرف عن الحق {ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}.

قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} زاد في تأكيد التعريف والدليل؛ أي جعل لكم الأرض مستقراً لكم في حياتكم وبعد الموت. {وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً} تقدّم. {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} أي خلقكم في أحسن صورة. وقرأ أبو رزين والأشهب العقيلي «صِوَرَكُمْ» بكسر الصاد؛ قال الجوهري: والصِّور بكسر الصاد لغة في الصُّوَر جمع صورة، وينشد هذا البيت على هذه اللغة يصف الجواري:

أشبَهْنَ مِن بَقَرِ الْخَلْصَاءِ أعْيُنَهاوهُنَّ أحْسَنُ مِن صِيرانِها صِوراً

(والصِّيران جمع صُوَار وهو القطيع من البقر والصِوار أيضاً وعاء المسك) وقد جمعهما الشاعر بقوله:

إذ لاَحَ الصّوارُ ذكَرتُ لَيْلَىوأذْكُرَها إذا نَفَح الصّوَارُ

والصِّيار لغة فيه. {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تقدّم. {هُوَ ٱلْحَيُّ} أي الباقي الذي لا يموت {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي الطاعة والعبادة. {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قال الفراء: هو خبر وفيه إضمار أمر أي ادعوه واحمدوه. وقد مضى هذا كله مستوفى في «البقرة» وغيرها. وقال ابن عباس: من قال: «لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله» فليقل «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٦ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝٦٧ هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٦٨

قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ} أي قل يا محمد: نهاني الله الذي هو الحي القيوم ولا إلٰه غيره {أَنْ أَعْبُدَ} غيره {لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي} أي دلائل توحيده {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ} أذل وأخضع {لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وكانوا دعوه إلى دين آبائه، فأمر أن يقول هذا.

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي أطفالاً. وقد تقدّم هذا. {ثُمَّ لِتَـبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُـمْ} وهي حالة اجتماع القوّة وتمام العقل. وقد مضى في «الأنعام» بيانه. {ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً} بضم الشين قراءة نافع وابن محيصن وحفص وهشام ويعقوب وأبو عمرو على الأصل؛ لأنه جمع فَعْل، نحو: قَلْب وقُلُوب ورأس ورؤوس. وقرأ الباقون بكسر الشين لمراعاة الياء وكلاهما جمع كثرة، وفي العدد القليل أشياخ والأصل أشيخ؛ مثل فلس وأفلس إلا أن الحركة في الياء ثقيلة. وقرىء «شَيْخاً» على التوحيد؛ كقوله: «طِفْلاً» والمعنى كل واحد منكم؛ واقتصر على الواحد لأن الغرض بيان الجنس. وفي الصحاح: جمع الشّيخ شُيوخ وأشياخ وشِيخة وشِيخان ومَشْيخة ومَشَايخ ومَشْيوخاء، والمرأة شَيخة. قال عبيد:

كــأنَّــهـا شَـيْـخَـةٌ رَقُــوبُ

وقد شاخ الرجلُ يَشِيخ شَيخَا بالتحريك على أصله وشَيْخوخة، وأصل الياء متحركة فسكنت؛ لأنه ليس في الكلام فعْلول. وشَيَّخ تَشْيِيخاً أي شاخ. (وَشَيَّخته) دعوته شيخاً للتبجيل. وتصغير الشيخ شُيَيخ وشِيَيخ أيضاً بكسر الشين ولا تقل شُوَيخ. النحاس: وإن اضطر شاعر جاز أن يقول أشيخ مثل عين وأعين إلا أنه حسن في عين؛ لأنها مؤنثة. والشيخ من جاوز أربعين سنة. {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ} قال مجاهد: أي من قبل أن يكون شيخاً، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سِقطاً. {وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى} قال مجاهد: الموت للكل. واللام لام العاقبة. {وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ} ذلك فتعلموا أن لا إله غيره.

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} زاد في التنبيه أي هو الذي يقدر على الإحياء والإماتة. {فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً} أي أراد فعله قال: {لَهُ كُن فيَكُونُ}. ونصب «فيكون» ابن عامر على جواب الأمر. وقد مضى في «البقرة» القول فيه.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ ۝٦٩ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِٱلْكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝٧٠ إِذِ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَٰقِهِمْ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسْحَبُونَ ۝٧١ فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ۝٧٢ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ۝٧٣ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًٔا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧٤ ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ۝٧٥ ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ۝٧٦ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ۝٧٧ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ ۝٧٨

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ } قال ابن زيد: هم المشركون بدليل قوله: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلْكِـتَابِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا}. وقال أكثر المفسرين: نزلت في القدرية. قال ابن سيرين: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت. قال أبو قبيل: لا أحسب المكذّبين بالقدَر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا. وقال عقبة بن عامر: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

نزلت هذه الآية في القدَرِيةذكره المهدوي.

قوله تعالى: {إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} أي عن قريب يعلمون بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار وغُلّت أيديهم إلى أعناقهم. قال التيمي: لو أن غُلاًّ من أغلال جهنم وضع على جبل لوَهَصه حتى يبلغ الماء الأسود. {وٱلسَّلاَسِلُ} بالرفع قراءة العامة عطفاً على الأغلال. قال أبو حاتم: {يُسْحَبُونَ} مستأنف على هذه القراءة. وقال غيره: هو في موضع نصب على الحال، والتقدير: «إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ» مسحوبين. وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود «والسَّلاسِلَ» بالنصب «يُسْحَبُونَ» بفتح الياء والتقدير في هذه القراءة ويسحبون السلاسل. قال ابن عباس: إذا كانوا يجرونها فهو أشدّ عليهم. وحكي عن بعضهم «والسلاسِلِ» بالجر ووجهه أنه محمول على المعنى؛ لأن المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسلِ؛ قاله الفرّاء. وقال الزجاج: ومن قرأ «والسلاسِلِ يسحبون» بالخفض فالمعنى عنده وفي «السلاسِلِ يُسْحَبُونَ». قال ابن الأنباري: والخفض على هذا المعنى غير جائز؛ لأنك إذا قلت زيد في الدار لم يحسن أن تضمر «في» فتقول زيد الدارِ، ولكن الخفض جائز على معنى إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فتخفض السلاسل على النسق على تأويل الأغلال؛ لأن الأغلال في تأويل الخفض؛ كما تقول: خاصم عبد الله زيداً العاقلين فتنصب العاقلين. ويجوز رفعهما؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه؛ أنشد الفرّاء:

قد سَالَم الحياتِ مِنه القدَمَاالأُفْعُوَانَ والشُّجاعَ الشَّجْعَما

فنصب الأفعوان على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. فمن نصب السلاسل أو خفضها لم يقف عليها. و«الحميم» المتناهي في الحر. وقيل: الصديد المغلي. {ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ} أي يطرحون فيكونون وقوداً لها؛ قاله مجاهد. يقال: سجرت التنور أي أوقدته، وسجرته ملأته؛ ومنه { وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ } [الطور: 6] أي المملوء. فالمعنى على هذا تملأ بهم النار، وقال الشاعر يصف وعلا:

إِذا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورَةًتَرَى حَوْلَها النَّبْعَ والسِّمْسِمَا

أي عيناً مملوءة. {ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} وهذا تقريع وتوبيخ. {قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا} أي هلكوا وذهبوا عنا وتركونا في العذاب؛ من ضلّ الماءُ في اللبن أي خفي. وقيل: أي صاروا بحيث لا نجدهم. {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} أي شيئاً لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. وليس هذا إنكاراً لعبادة الأصنام، بل هو اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة؛ قال الله تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ} أي كما فعل بهؤلاء من الإضلال يفعل بكل كافر.

قوله تعالى: {ذَلِكُمْ} أي ذلكم العذاب {بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ} بالمعاصي يقال لهم ذلك توبيخاً. أي إنما نالكم هذا بما كنتم تظهرون في الدنيا من السرور بالمعصية وكثرة المال والأتباع والصحة. وقيل إن فرحهم بما عندهم أنهم قالوا للرّسل: نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذّب. وكذا قال مجاهد في قوله جل وعز:

{ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ } [غافر: 83]. {وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} قال مجاهد وغيره: أي تبطَرون وتأشَرون. وقد مضى في «سبحان» بيانه. وقال الضحاك: الفرح السرور، والمرح العدوان. وروى خالد عن ثور عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يبغض البذخين الفرحين ويحب كل قلب حزين ويبغض أهل بيت لَحمِين ويبغض كل حبر سمينفأما أهل بيت لَحمِين: فالذي يأكلون لحوم الناس بالغيبة. وأما الحبر السمين: فالمتحبر بعلمه ولا يخبر بعلمه الناس؛ يعني المستكثر من علمه ولا ينتفع به الناس. ذكره الماوردي. وقد قيل في اللَّحِمِين: أنهم الذين يكثرون أكل اللحم؛ ومنه قول عمر: اتقوا هذه المجازر فإنّ لها ضراوة كَضَراوة الخمر؛ ذكره المهدوي. والأوّل قول سفيان الثوري. {ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ} أي يقال لهم ذلك اليوم، وقد قال الله تعالى: { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } [الحجر: 44]. {فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} تقدم جميعه.

قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} هذا تسلية للنبيّ عليه السلام؛ أي إنا لننتقم لك منهم إما في حياتك أو في الآخرة. {فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ} في موضع جزم بالشرط وما زائدة للتوكيد وكذا النون وزال الجزم وبني الفعل على الفتح. {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} عطف عليه {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} الجواب.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} عزّاه أيضاً بما لقيت الرسل من قبله. {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ} أي أنبأناك بأخبارهم وما لقوا من قومهم. {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ} أي من قبل نفسه {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي إذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم الله، وإنما التأخير لإسلام من علم الله إسلامه منهم، ولمن في أصلابهم من المؤمنين. وقيل: أشار بهذا إلى القتل ببدر. {قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ } أي الذين يتبعون الباطل والشرك.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝٧٩ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا۟ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ۝٨٠ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ۝٨١

قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ} قال أبو إسحاق الزجاج: الأنعام هاهنا الإبل. {لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} فاحتج من منع من أكل الخيل وأباح أكل الجمال بأنّ الله عز وجل قال في الأنعام: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} وقال في الخيل:

{ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا } [النحل: 8] ولم يذكر إباحة أكلها. وقد مضى هذا في «النحل» مستوفى.

قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} في الوبر والصوف والشعر واللبن والزبد والسمن والجبن وغير ذلك. {وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} أي تحمل الأثقال والأسفار. وقد مضى في «النحل» بيان هذا كله فلا معنى لإعادته. ثم قال: {وَعَلَيْهَا} يعني الأنعام في البر {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ} في البحر {تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي آياته الدالة على وحدانيته وقدرته فيما ذكر. {فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ} نصب «أيا» بـ«ـتنكرون»، لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله، ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار في «أيّ» الرفع؛ ولو كان الاستفهام بألف أو هل وكان بعدهما اسم بعده فعل معه هاء لكان الاختيار النصب، أي إذا كنتم لا تنكرون أن هذه الأشياء من الله فلم تنكرون قدرته على البعث والنشر.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ