انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ابراهيم

تفسير القرطبيالآيات 26–52

تفسير سورة ابراهيم آية آية، من تفسير القرطبي.

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ۝٢٦

قوله تعالى: {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} الكلمة الخبيثة كلمة الكفر. وقيل: الكافر نفسه. والشجرة الخبيثة شجرة الحَنْظَل كما في حديث أنس، وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وعن ابن عباس أيضاً: أنها شجرة لم تخلق على الأرض. وقيل: هي شجرة الثّوم؛ عن ابن عباس أيضاً. وقيل: الكَمْأَةُ أو الطّحلبة. وقيل: الْكَشُوث، وهي شجرة لا ورق لها ولا عروق في الأرض؛ قال الشاعر:

وهُمْ كَشُـوثٌ فلا أصـلٌ ولا ورقٌ

{ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ} اقتلعت من أصلها؛ قاله ابن عباس؛ ومنه قول لَقِيط:

هو الجلاءُ الذي يَجتثُّ أصلَكُمُفمن رأى مثلَ ذا يوماً ومن سَمِعَا

وقال المؤرج: أخِذَت جثّتها وهي نفسها، والجثّة شخص الإنسان قاعداً أو قائماً. وَجَثّه قَلَعه، وٱجتثه اقتلعه من فوق الأرض؛ أي ليس لها أصل راسخ يشرب بعروقه من الأرض. {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} أي من أصل في الأرض. وقيل: من ثبات؛ فكذلك الكافر لا حجة له ولا ثبات ولا خير فيه، وما يصعد له قولٌ طيّب ولا عملٌ صالح. وروى معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة في قوله تعالى: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً} قال: لا إله إلا الله «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ» قال: المؤمن؛ «أَصْلُهَا ثَابِتٌ» لا إله إلا الله ثابتة في قلب المؤمن؛ {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} قال: الشرك، «كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ» قال: المشرك؛ {ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} أي ليس للمشرك أصل يعمل عليه. وقيل: يرجع المَثَل إلى الدعاء إلى الإيمان، والدعاء إلى الشرك؛ لأن الكلمة يفهم منها القول والدعاء إلى الشيء.

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ۝٢٧

قوله تعالى: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} قال ابن عباس: هو لا إله إلا الله. وروى النسائي عن البَرَاء قال: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} نزلت في عذاب القبر؛ يقال: مَن ربك؟ فيقول: ربّيَ الله وديني دين محمد، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ}.

قلت: وقد جاء هكذا موقوفاً في بعض طرق مسلم عن البَرَاء (أنه) قوله، والصحيح فيه الرفع كما في صحيح مسلم وكتاب النَّسائي وأبي داود وابن ماجه وغيرهم، عن البَرَاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وذكر البخاريّ؛ حدّثنا جعفر بن عمر، قال حدّثنا شُعْبة عن عَلْقمة بن مَرْثَد عن سعد بن عبيدة عن البَرَاء بن عازب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إذا أقعد المؤمنُ في قبره أتاه آتٍ ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فيِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفيِ الآخِرَةِ. وقد بيّنا هذا الباب في كتاب «التذكرة» وَبَيَّنَّا هناك من يُفتَن في قبره ويُسأل، فمن أراد الوقوف عليه تأمّله هناك. وقال سهل بن عمّار: رأيت يزيد بن هرون في المنام بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أتاني في قبري مَلَكان فظَّان غليظان، فقالا: ما دِينك ومن ربك ومن نبيّك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت: ألمثلي يقال هذا وقد عَلَّمتُ الناسَ جوابَكما ثمانين سَنَة؟ٰ فذهبا وقالا: أَكَتَبْتَ عن حَرِيز بن عثمان؟ قلت نعم! فقالا: إنه كان يبغض (عليا) فأبغضه الله. وقيل: معنى، «يُثَبِّتُ اللَّهُ» يُديمهم الله على القول الثابت، ومنه قول عبد الله بن روَاحَة:

يُثَبِّتُ اللَّهُ ما آتاكَ مِن حَسَنٍتَثِبيتَ موسى ونَصراً كالذي نُصِرَا

وقيل: يثبتهم في الدارين جزاء لهم على القول الثابت. وقال القَفَّال وجماعة: {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي في القبر؛ لأن الموتى في الدنيا إلى أن يبعثوا، «وَفيِ الآخِرَةِ» أي عند الحساب؛ وحكاه الماورديّ عن البَرَاء قال: المراد بالحياة الدنيا المُسَاءلة في القبر، وبالآخرة المُسَاءلة في القيامة: {وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ} أي عن حجتهم في قبورهم كما ضَلّوا في الدنيا بكفرهم فلا يُلقِّنهم كلمة الحق، فإذا سُئِلوا في قبورهم قالوا: لا ندري؛ فيقول: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ؛ وعند ذلك يُضَرب بالمقامِع على ما ثبت في الأخبار؛ وقد ذكرنا ذلك في كتاب «التذكرة». وقيل: يمهلهم حتى يزدادوا ضلالاً في الدنيا. {وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} من عذاب قوم وإضلال قوم. وقيل: إن سبب نزول هذه الآية ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف مُسَاءلة مُنْكَر ونكِير وما يكون من جواب الميت قال عمر: يا رسول الله أيكون معي عقلي؟ قال: «نعم» قال: كُفيتُ إذاً؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ ۝٢٨ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ۝٢٩ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ ۝٣٠

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} أي جعلوا بدل نعمة الله عليهم الكفر في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، حين بعثه الله منهم وفيهم فكفروا، والمراد مشركو قريش وأن الآية نزلت فيهم؛ عن ابن عباس وعليّ وغيرهما. وقيل: نزلت في المشركين الذين قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر. قال أبو الطُّفَيل: سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول: هم قريش الذين نُحِروا يوم بدر. وقيل: نزلت في الأفْجَرَيْن من قريش بني مخزوم وبني أمية، فأما بنو أمية فمتِّعوا إلى حين؛ وأما بنو مخزوم فأهلكوا يوم بَدْر؛ قاله علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وقول رابع: أنهم مُتنصِّرة العرب جَبَلة بن الأَيْهَم وأصحابه حين لَطَم فجعل له عمر القصاص بمثلها، فلم يرض وأَنِفَ فٱرتدّ مُتنصراً ولَحق بالروم في جماعة من قومه؛ عن ابن عباس وقتادة. ولما صار إلى بلد الروم ندم فقال:

تَنصَّرتِ الأشرافُ من عارِ لَطْمةٍوما كان فيها لو صَبَرْتُ لها ضَرَرْتَكنَّفنيِ منها لَجَاجٌ ونَخْوةٌوبِعتُ لها العينَ الصحيحة بالْعَوَرْفيا ليتني أَرَعى المَخَاضَ ببلدةٍولم أنكر القولَ الذي قاله عُمرْ

وقال الحسن: إنها عامة في جميع المشركين. {وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ} أي أنزلوهم. قال ابن عباس: هم قادة المشركين يوم بدر. {قَوْمَهُمْ} أي الذين ٱتبعوهم. {دَارَ ٱلْبَوَارِ} قيل: جهنم؛ قاله ابن زيد. وقيل: يوم بدر؛ قاله عليّ بن أبي طالب ومجاهد. والبوار الهلاك؛ ومنه قول الشاعر:

فلم أَرَ مثلَهمْ أبطالَ حَرْبٍغداةَ الحرب إذْ خِيفَ البَوَارُ

{جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} بيّن أن دار البوار جهنم كما قال ابن زيد، وعلى هذا لا يجوز الوقف على «دَارَ الْبَوَارِ» لأن جهنم منصوبة على الترجمة عن «دَارَ الْبَوَارِ» فلو رفعها رافع بإضمار، على معنى: هي جهنم، أو بما عاد من الضمير في «يَصْلَوْنَهَا» لحسن الوقف على «دَارَ الْبَوَارِ». {وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ} أي المستقر. قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} أي أصناماً عبدوها؛ وقد تقدم في «البقرة». {لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ} أي عن دينه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، وكذلك في الحج { لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }[الحج: 9] ومثله في «لقمان» و «الزمر» وضَمَّها الباقون على معنى ليُضلوا الناس عن سبيله، وأما من فتح فعلى معنى أنهم هم يَضلّون عن سبيل الله على اللزوم، أي عاقبتهم إلى الإضلال والضلال؛ فهذه لام العاقبة. {قُلْ تَمَتَّعُواْ} وعيد لهم، وهو إشارة إلى تقليل ما هم فيه من ملاذ الدنيا إذ هو منقطع. {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ} أي مردّكم ومرجعكم إلى عذاب جهنم.

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ۝٣١

قوله تعالى: {قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي إن أهل مكة بدّلوا نعمة الله بالكفر، فقل لمن آمن وحقّق عبوديته أن {يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} يعني الصلوات الخمس، أي قل لهم أقيموا، والأمر معه شرط مقدّر، تقول: أطع الله يُدخلْك الجنة؛ أي إن أطعته يدخلْك الجنة؛ هذا قول الفراء. وقال الزجّاج: «يُقِيمُوا» مجزوم بمعنى اللام، أي ليقيموا فأسقطت اللام لأن الأمر دلّ على الغائب بـ «ـقل». قال: ويحتمل أن يقال: «يُقِيمُوا» جواب أمر محذوف؛ أي قل لهم أقيموا الصلاة يقيموا الصلاة. {وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً} يعني الزكاة؛ عن ابن عباس وغيره. وقال الجمهور: السرّ ما خفي والعلانية ما ظهر. وقال القاسم بن يحيـى: إن السرّ التطوع والعلانية الفرض، وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مجوّداً عند قوله:

{ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ }[البقرة: 271]. {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} تقدم في «البقرة» أيضاً. و «خِلاَلٌ» جمع خلة كقُلّة وقِلال. قال:

فـلستُ بمَقْلـيِّ الخِـلاَلِ ولا قَـالـيِ

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ ۝٣٢ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۝٣٣ وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ۝٣٤

قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي أبدعها واخترعها على غير مثال سبق. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي من السّحاب. {مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} أي من الشجر ثمرات {رِزْقاً لَّكُمْ}. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} تقدم معناه في «البقرة». {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ} يعني البحار العذبة لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا، والبحار المالحة لاختلاف المنافع من الجهات. {وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ} أي في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، والدُّؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية. وقيل: دائبين في السير امتثالاً لأمر الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران؛ روي معناه عن ابن عباس. {وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله في النهار، كما قال:

{ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ }[القصص: 73].

قوله تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئاً؛ فحذف؛ عن الأخفش. وقيل: المعنى وآتاكم من كل ما سألتموه، ومن كل ما لم تسألوه فحذف، فلم نسأله شمساً ولا قمراً ولا كثيراً من نعمه التي ٱبتدأنا بها. وهذا كما قال: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} على ما يأتي. وقيل: «مِن» زائدة؛ أي آتاكم كلّ ما سألتموه. وقرأ ٱبن عباس والضحاك وغيرهما {وَءَاتَـٰكُمْ مِن كُلِّ} بالتنوين «مَا سَأَلْتُمُوهُ» وقد رويت هذه القراءة عن الحسن والضحاك وقَتَادة؛ هي على النفي أي من كل ما لم تسألوه؛ كالشمس والقمر وغيرهما. وقيل: من كل شيء ما سألتموه أي الذي ما سألتموه. {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} أي نعم الله. {لاَ تُحْصُوهَا} ولا تطيقوا عدّها، ولا تقوموا بحصرها لكثرتها، كالسَّمع والبصر وتقويم الصّور إلى غير ذلك من العافية والرزق؛ (نعم لا تحصى) وهذه النّعم من الله، فَلِمَ تبدلون نعمة الله بالكفر؟ وهلا ٱستعنتم بها على الطاعة؟ٰ {إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} الإنسان لفظ جنس وأراد به الخصوص؛ قال ابن عباس: أراد أبا جهل. وقيل: جميع الكفار.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ ۝٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣٦

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً} يعني مكة وقد مضى في «البقرة». {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} أي ٱجعلني جانباً عن عبادتها، وأراد بقوله: «بنيّ» بنيه من صُلْبه وكانوا ثمانية، فما عبد أحد منهم صنماً. وقيل: هو دعاء لمن أراد الله أن يدعو له. وقرأ الْجَحْدَريّ وعيسى «وَأَجْنِبْنيِ» بقطع الألف والمعنى واحد؛ يقال: جَنَبْتُ ذلك الأمر؛ وأجنبته وجَنَّبته إياه فتجانبه وٱجتنبه أي تركه. وكان إبراهيم التِّيْميّ يقول في قصصه: من يأمن البلاء بعد الخليل حين يقول {وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأصْنَامَ} كما عبدها أبي وقومي.

قوله تعالى: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} لما كانت سبباً للإضلال أضاف الفعل إليهن مجازاً؛ فإن الأصنام جمادات لا تفعل. {فَمَن تَبِعَنِي} في التوحيد. {فَإِنَّهُ مِنِّي} أي من أهل ديني. {وَمَنْ عَصَانِي} أي أصرَّ على الشّرك. {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قيل: قال هذا قبل أن يعرّفه الله أن الله لا يغفر أن يشرك به. وقيل: غفور رحيم لمن تاب من معصيته قبل الموت. وقال مقاتل بن حيان: «وَمَنْ عَصَانيِ» فيما دون الشرك.

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ۝٣٧

فيه ست مسائل:

الأولى: روى البخاري عن ابن عباس: أول ما ٱتخذ النِّساء المِنْطَق من قِبل أم إسمعيل؛ ٱتخذت مِنْطَقاً لتُعفِّي أَثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسمعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دَوْحة فوق زمزم في أعلى المسجد؛ وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك؛ ووضع عندهما جِراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيمُ منطلقاً فتبعته أمّ إسمعيل؛ فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت إذا لا يُضيِّعنا؛ ثم رجعت، فٱنطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثَّنِية حيث لا يرونه، ٱستقبل بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: «ربِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتيِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ» حتى بلغ «يَشْكُرُونَ» وجعلت أمّ إسمعيل تُرضع إسمعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفِد ما في السّقاء عطِشت وعطِش ٱبنها، وجعلت تنظر إليه يَتَلوَّى ـ أو قال يَتَلَبَّط ـ فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصَّفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم ٱستقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، فهبطت من الصَّفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طَرَف دِرْعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، ثم جاوزت الوادي، ثم أتت الْمَرْوة فقامت عليه، فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات؛ قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم:

فذلك سعي الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمَّعت فسمعت أيضاً فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندك غواث! فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم فبَحَث بعَقِبه ـ أو قال بجناحه ـ حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سِقائها وهو يفور بعد ما تغرف؛ قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أمّ إسماعيل لو تركت زمزم ـ أو قال: لو لم تغرف من الماء ـ لكانت زمزم عينا مَعِيناًقال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها المَلَك: لا تخافي الضَّيْعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يُضيِّع أهله؛ وذكر الحديث بطوله.

مسألة: لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده وعياله بأرضٍ مَضيعة ٱتكالاً على العزيز الرحيم، واقتداءً بفعل إبراهيم الخليل، كما تقول غُلاَة الصُّوفية في حقيقة التوكل، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله لقوله في الحديث: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. وقد روي أن سارة لما غارت من هاجر بعد أن ولدت إسمعيل خرج بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة، فروي أنه ركب البراق هو وهاجر والطّفل فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، وترك ٱبنه وأمَته هنالك وركب منصرفاً من يومه، فكان ذلك كله بِوحيٍ من الله تعالى، فلما ولّى دعا بضمن هذه الآية.

الثانية: لما أراد الله تأسيس الحال، وتمهيد المقام، وخطّ الموضع للبيت المكرم، والبلد المحرم، أرسل المَلَك فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء. وفي الصحيح: أن أبا ذرّ رضي الله عنه ٱجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة، قال أبو ذرّ: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمِنت حتى تَكَسَّرت عُكَني، وما أجد على كبدي سَخْفَة جوع؛ وذكر الحديث. وروى الدَّارَقُطْني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ماء زمزم لمِا شُرِب له، إن شربتَه تشتفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله به، وإن شربتَه لقطع ظمئك قطعه، وهي هَزْمة جبريل، وسُقْيا الله إسمعيل. وروي أيضاً عن عِكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء. قال ابن العربي: وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحّت نيّته، وسلمت طويته، ولم يكن به مكذِّباً، ولا يشربه مجرِّباً، فإن الله مع المتوكلين، وهو يفضح المجرِّبين. وقال أبو عبد الله محمد بن عليّ الترمذي وحدثني أبي رحمه الله قال: دخلت الطّواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني، وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقدام، وذلك أيام الحج؛ فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فَتَضَلَّعْتُ منه، فذهب عني إلى الصباح. وروي عن عبد الله بن عمرو: إن في زمزم عيناً في الجنة من قِبل الركن.

الثالثة: قوله تعالى: {مِن ذُرِّيَّتِي} «مِنْ» في قوله تعالى: «مِنْ ذُرِّيَّتي» للتبعيض أي أسكنت بعض ذريتي؛ يعني إسمعيل وأمه، لأن إسحق كان بالشام. وقيل: هي صلة؛ أي أسكنت ذريتي.

الرابعة: قوله تعالى: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} يدلّ على أن البيت كان قديماً على ما روي قبل الطُّوفان، وقد مضى هذا المعنى في سورة «البقرة». وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره، ووصفه بأنه محرّم، أي يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع وٱستحلال. وقيل: محرّم على الجبابرة، وأن تنتهك حرمته، ويستخفّ بحقّه؛ قاله قتادة وغيره. وقد مضى القول في هذا في «المائدة».

الخامسة: قوله تعالى: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} خَصَّها من جملة الدِّين لفضلها فيه، ومكانها منه، وهي عهد الله عند العباد؛ قال صلى الله عليه وسلم:

خمس صلوات كتبهن الله على العباد. الحديث. واللام في «لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ» لام كي؛ هذا هو الظاهر فيها وتكون متعلقة بـ «ـأَسْكَنْتُ» ويصح أن تكون لام أمر، كأنه رغِب إلى الله (أن يأتمنهم و) أن يوفقهم لإقامة الصلاة.

السادسة: تَضمَّنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها؛ لأن معنى «رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ» أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه. وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بمائة صلاة، وٱحتجوا بحديث عبد الله بن الزّبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة. قال الإمام الحافظ أبو عمر: وأسند هذا الحديث حبيبٌ المعلّم عن عطاء بن أبي رَبَاح عن عبد الله بن الزّبير وجوّده، ولم يخلّط في لفظه ولا في معناه، وكان ثقة. قال ابن أبي خَيْثَمة سمعت يحيـى بن مَعِين يقول: حبيبٌ المعلّم ثقة. وذكر عبد الله بن أحمد قال سمعت أبي يقول: حبيب المعلم ثقة ما أصح حديثَه! وسئل أبو زُرْعة الرازيّ عن حبيب المعلم فقال: بصري ثقة.

قلت: ـ وقد خرج حديث حبيب المعلم هذا عن عطاء بن أبي رَبَاح عن عبد الله بن الزبير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الحافظُ أبو حاتم محمد بن حاتم التميمي البُستيِ في المسند الصحيح له، فالحديث صحيح وهو الحجة عند التنازع والاختلاف. والحمد لله. قال أبو عمر: وقد روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ابن الزبير؛ رواه موسى الجُهَني عن نافع عن ابن عمر؛ وموسى الجهني (الكوفي) ثقة، أثنى عليه القَطّان وأحمد ويحيـى وجماعتهم، وروى عنه شعبة والثّوريّ ويحيـى بن سعيد. وروى حكيم بن سيف، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه. وحكيم بن سيف هذا شيخ من أهل الرِّقة قد روى عنه أبو زُرْعة الرازيّ، وأخذ عنه ابن وضّاح، وهو عندهم شيخ صدوق لا بأس به. فإن كان حفِظ فَهُما حديثان، وإلا فالقول قول حبيب المعلم. وروى محمد بن وضّاح، حدثنا يوسف بن عديّ عن عمر بن عبيد عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل. قال أبو عمر: وهذا كله نصٌّ في موضع الخلاف قاطع له عند من أُلْهِمَ رشدَه، ولم تَمل به عصبيّته. وذكر ابن حبيب عن مُطَرِّف وعن أَصْبَغ عن ابن وهب أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم على ما في هذا الباب. وقد ٱتفق مالك وسائر العلماء على أن صلاة العيدين يُبْرَز لهما في كل بلد إلا مكة فإنها تُصلَّى في المسجد الحرام. وكان عمر وعلي وٱبن مسعود وأبو الدَّرْدَاء وجابر يفضّلون مكة ومسجدها وهم أولى بالتقليد ممن بعدهم؛ وإلى هذا ذهب الشافعي، وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين، وروي مثله عن مالك؛ ذكر ابن وهب في جامعه عن مالك أن آدم عليه السلام لما أُهبط إلى الأرض قال: يا ربّ هذه أحب إليك أن تُعبدَ فيها؟ قال: بل مكة. والمشهور عنه وعن أهل المدينة تفضيل المدينة، وٱختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك؛ فطائفة تقول مكة، وطائفة تقول المدينة.

قوله تعالى: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب، وقد يُعبَّر عن القلب بالفؤاد كما قال الشاعر:

وإن فؤاداً قادني بصَبَابَةٍإليكِ على طولِ المَدَى لَصَبُورُ

وقيل: جمع وَفْد، والأصل أوفدة، فقدّمت الفاء وقلبت الواو ياء كما هي، فكأنه قال: واجعل وفوداً من الناس تَهْوي إليهم؛ أي تَنزع؛ يقال: هوِي نحوه إذا مال، وهوت الناقة تَهوِي هُوِياً فهي هاوية إذا عَدَت عَدْواً شديداً كأنها في هواء بئر، وقوله: {تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} مأخوذ منه. قال ابن عباس ومجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس، ولكن قال: «مِنَ النَّاسِ» فهم المسلمون؛ فقوله: «تَهْوي إِلَيْهِمْ» أي تحنّ إليهم، وتحنّ إلى زيارة البيت. وقرأ مجاهد «تَهْوَى إِليهِم» أي تهواهم وتجلّهم. {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} فاستجاب الله دعاءه، وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار، وبما يجلب إليهم من الأمصار. وفي صحيح البخاريّ عن ابن عباس الحديث الطويل وقد ذكرنا بعضه:فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسمعيل يطالع تَرِكَته فلم يجد إسمعيل، فسأل ٱمرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألهم عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بِشَرٍّ، نحن في ضيق وشدة؛ فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيّر عَتَبة بابه، فلما جاء إسمعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحدٰ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشتنا فأخبرته أنّا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاكِ بشيء: قالت: أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيّر عَتَبة بابك؛ قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك ٱلْحَقِي بأهلك؛ فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده، ودخل على ٱمرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله. قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ولم يكن لهم يومئذ حبّ ولو كان لهم دعا لهم فيه». قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه؛ وذكر الحديث. وقال ابن عباس: قول إبراهيم {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} سأل أن يجعل الله الناس يهوون السُّكْنى بمكة، فيصير بيتاً محرّماً، وكل ذلك كان والحمد لله. وأول من سكنه جُرْهُم. ففي البخاريّ ـ بعد قوله: وإن الله لا يُضيِّع أهْلَه ـ وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السّيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، وكذلك حتى مرّت بهم رُفقة من جُرْهُم قافلين من طريق كُدَا، فنزلوا بأسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليَدُور على ماء! لَعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء؛ فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين فإذا هُم بالماء، فأخبروهم بالماء فأقبلوا. قال: وأمّ إسمعيل عند الماء؛ فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حقّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فألفى) ذلك أمّ إسمعيل وهي تحب الأنس فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، شَبَّ الغلامُ، وماتت أم إسمعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسمعيل يطالع تَرِكَته؛ الحديث.

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۝٣٨ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ۝٣٩ رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ ۝٤٠ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ۝٤١

قوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} أي ليس يخفى عليك شيء من أحوالنا. وقال ابن عباس ومقاتل: تعلم جميع ما أخفيه وما أعلنه من الوجد بإسمعيل وأمه حيث أُسْكِنَا بوادٍ غير ذي زرع. {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} قيل: هو من قول إبراهيم. وقيل: هو من قول الله تعالى لما قال إبراهيم: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} قال الله: {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}. {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ} أي على كبر سني وسنّ ٱمرأتي؛ قال ابن عباس: ولد له إسمعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة، وإسحق وهو ابن مائة وٱثنتي عشرة سنة. وقال سعيد بن جُبَير: بُشِّر إبراهيمُ بإسحق بعد عشر ومائة سنة. {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}. قوله تعالى: {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ} أي من الثابتين على الإسلام والتزام أحكامه. {وَمِن ذُرِّيَتِي} أي وٱجعل من ذريتي من يقيمها. {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} أي عبادتي كما قال:

{ وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ }[غافر: 60]. وقال عليه السلام: الدعاءُ مُخُّ العبادةوقد تقدم في «البقرة». {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} قيل: استغفر إبراهيمُ لوالديه قبل أن يثبت عنده أنهما عدوان لله. قال القُشَيريّ: ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة لأن الله ذكر عذره في ٱستغفاره لأبيه دون أمه.

قلت: وعلى هذا قراءة سعيد بن جبير، {رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} يعني أباه. وقيل: ٱستغفر لهما طمعاً في إيمانهما. وقيل: ٱستغفر لهما بشرط أن يُسلما. وقيل: أراد آدم وحوّاء. وقد رُوي أن العبد إذا قال: اللهم ٱغفر لي ولوالديَّ وكان أبواه قد ماتا كافرين ٱنصرفت المغفرة إلى آدم وحواء لأنهما والدا الخلق أجمع. وقيل: إنه أراد ولديه إسمعيل وإسحق. وكان إبراهيم النخعي يقرأ: «وَلِوَلَدَيّ» يعني ٱبنيه، وكذلك قرأ يحيـى بن يَعْمَر؛ ذكره الماوَرْدي والنحاس. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} قال ابن عباس: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: «لِلْمُؤْمِنِينَ» كلهم وهو أظهر. {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ} أي يوم يقوم الناس للحساب.

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَٰرُ ۝٤٢ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌ ۝٤٣

قوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعجبه من أفعال المشركين ومخالفتهم دين إبراهيم؛ أي ٱصبر كما صبر إبراهيم، وأَعْلِم المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا بأفعالهم، بل سنَّة الله إمهال العصاة مدة. قال ميمون بن مِهْران: هذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم. {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} يعني مشركي مكة يمهلهم ويؤخر عذابهم. وقراءة العامة «يُؤَخِّرُهُمْ» بالياء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: «وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ». وقرأ الحسن والسُّلَمي وروي عن أبي عمرو أيضاً «نُؤَخِّرُهُمْ» بالنون للتعظيم. {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} أي لا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم، قاله الفراء. يقال: شَخَص الرجلُ بَصرَه وشَخَص البصرُ نفسُه أي سَمَا وطَمَح من هول مَا يرى. قال ابن عباس: تَشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة فلا يَرْمَضُون. {مُهْطِعِينَ} أي مسرعين؛ قاله الحسن وقَتَادة وسعيد بن جبير؛ مأخوذ من أهطع يُهطع إهطاعاً إذا أسرع. ومنه قوله تعالى:

{ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ }[القمر: 8] أي مسرعين. قال الشاعر:

بدجْلة دارُهُمْ ولقد أرَاهُمْبدجْلةَ مُهطِعِينَ إلى السَّماعِ

وقيل: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع؛ أي ناظرين من غير أن يَطْرفوا؛ قاله ابن عباس، وقال مجاهد والضحّاك: «مُهْطِعِينَ» أي مديمي النظر. وقال النحاس: والمعروف في اللغة أن يقال: أهطع إذا أسرع؛ قال أبو عبيد: وقد يكون الوجهان جميعاً يعني الإسراع مع إدامة النظر. وقال ابن زيد: المهطع الذي لا يرفع رأسه. {مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} أي رافعي رؤوسهم ينظرون في ذلّ. وإقناع الرأس رفعه؛ قاله ابن عباس ومجاهد. قال ابن عرفة والقُتَبيّ وغيرهما: المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه؛ ومنه الإقناع في الصلاة وأقنع صوته إذا رفعه. وقال الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. وقيل: ناكسي رؤوسهم؛ قال المهدويّ: ويقال أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع إذا طأطأ رأسه ذلّة وخضوعاً، والآية محتملة الوجهين، وقاله المبرّد، والقول الأول أعرف في اللغة؛ قال الراجز:

أَنْغَضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وَأَقْنَعَاكأنَّما أَبْصَرَ شيئاً أَطْمَعَا

وقال الشَّمَّاخ يصف إبلاً:

يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بمُقْنَعَاتٍنَوَاجِذُهنّ كالْحَدَإِ الْوَقِيعِ

يعني: برؤوس مرفوعات إليها لتتناولهن. ومنه قيل: مِقْنَعة لارتفاعها. ومنه قَنِع الرجل إذا رَضِي؛ أي رفع رأسه عن السؤال. وقَنَع إذا سأل أي أتى ما يتقنّع منه؛ عن النحاس. وفم مُقْنَع أي معطوفة أسنانه إلى داخل. ورجل مُقنَّع بالتشديد؛ أي عليه بَيْضة قاله الجوهري. {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي شاخصة النظر. يقال: طَرَف الرجلُ يَطْرِف طَرْفاً إذا أطبق جَفْنه على الآخر، فسمّي النظر طَرْفاً لأنه به يكون. والطَّرْف العين. قال عَنْتَرة:

وَأَغُضّ طَرْفِي ما بَدَتْ ليِ جارَتيحتّى يُوَارِي جارتِي مَأْوَاهَا

وقال جَمِيل:

وَأَقْصِر طَرْفِي دُونَ جُمْلٍ كَرَامةًلِجُمْلٍ ولِلطَّرْفِ الذِي أَنَا قاصِرُهْ

{وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} أي لا تغني شيئاً من شدّة الخوف. ابن عباس: خاليةٌ من كل خير. السُّديّ: خرجت قلوبهم من صدورهم فنشبت في حلوقهم؛ وقال مجاهد ومُرّة وابن زيد: خاوية خربة مُتخرقة ليس فيها خير ولا عقل؛ كقولك في البيت الذي ليس فيه شيء: إنما هو هَوَاءٌ؛ وقاله ابن عباس. والهواء في اللغة المجوَّف الخالي؛ ومنه قول حسان:

أَلاَ أَبلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّيفأنتَ مُجوَّف نَخِبٌ هَوَاءُ

وقال زهير يصف ناقة صغيرة الرأس:

كأن الرجل مِنها فوق صعلٍمن الظلمان جؤجؤه هواء

فارغ أي خال؛ وفي التنزيل: { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً }[القصص: 10] أي من كل شيء إلا من هم موسى. وقيل: في الكلام إضمار؛ أي ذات هواء وخلاء.

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ ۝٤٤

قوله تعالى: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ} قال ابن عباس: أراد أهل مكة. {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} وهو يوم القيامة؛ أي خوفهم ذلك اليوم. وإنما خصّهم بيوم العذاب وإن كان يوم الثّواب، لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي. {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أي في ذلك اليوم {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ} أي أمهلنا. {إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} سألوه الرجوع إلى الدنيا حين ظهر الحق في الآخرة. {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ} أي إلى الإسلام. {وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ}. فيجابوا: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ} يعني في دار الدنيا.{مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} قال مجاهد: هو قسم قريش أنهم لا يبعثون. ابن جريج: هو ما حكاه عنهم في قوله:

{ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ }[النحل: 38]. {مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} فيه تأويلان: أحدهما ـ ما لكم من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة؛ أي لا تبعثون ولا تحشرون؛ وهذا قول مجاهد. الثاني ـ {مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ} أي من العذاب. وذكر البَيْهَقِيّ عن محمد بن كعب القُرَظيّ قال: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله في أربعة، فإذا كان في الخامسة لم يتكلموا بعدها أبداً، يقولون: { رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ }[غافر: 11] فيجيبهم الله { { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ }[غافر: 12]. ثم يقولون: { رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ }[السجدة: 12] فيجيبهم الله تعالى: { فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }[السجدة: 14] ثم يقولون: {رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ} فيجيبهم الله تعالى { أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ }[إبراهيم: 44] فيقولون: { رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ }[فاطر: 37] فيجيبهم الله تعالى: { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ }[فاطر: 37]. ويقولون: { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ }[المؤمنون: 106] فيجيبهم الله تعالى: { ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }[المؤمنون: 108] فلا يتكلمون بعدها أبداً؛ خرجه ٱبن المبارك في «دقائقه» بأطول من هذا ـ وقد كتبناه في كتاب «التذكرة» ـ وزاد في الحديث {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} قال هذه الثالثة، وذكر الحديث وزاد بعد قوله: { ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }[المؤمنون: 108] فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء، وأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجه بعض، وأطبقت عليهم؛ قال: فحدّثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه ذكر له أن ذلك قوله { هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ} {وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ }[المرسلات: 35].

وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ ۝٤٥ وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ۝٤٦

قوله تعالى: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ} أي في بلاد ثَمود ونحوها فهلا ٱعتبرتم بمساكنهم، بعد ما تبيّن لكم ما فعلنا بهم، وبعد أن ضربنا لكم الأمثال في القرآن. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ «وَنُبَيّنْ لَكُمْ» بنون والجزم على أنه مستقبل ومعناه الماضي؛ وليناسب قوله: «كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ». وقراءة الجماعة، «وَتَبَيَّنَ» وهي مثلها في المعنى؛ لأن ذلك لا يتبين لهم إلا بتبييّن الله إياهم.

قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} أي بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة؛ عن ابن عباس وغيره. {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} «إن» بمعنى «ما» أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه؛ «وإن» بمعنى «ما» في القرآن في مواضع خمسة: أحدها هذا. الثاني ـ

{ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ }[يونس: 94]. الثالث ـ { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا }[الأنبياء: 17] أي ما كنا. الرابع ـ { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ }[الزخرف: 81]. الخامس: { وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ }[الأحقاف: 26]. وقرأ الجماعة «وإن كان» بالنون. وقرأ عمرو بن عليّ وابن مسعود وأبيّ «وإن كاد» بالدال. والعامة على كسر اللام في «لتزول» على أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية نصباً. وقرأ ابن محيِصن وابن جريج والكسائيّ «لَتَزُولُ» بفتح اللام الأولى على أنها لام الابتداء ورفع الثانية «وإن» مخفّفة من الثّقيلة، ومعنى هذه القراءة استعظام مكرهم؛ أي ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه؛ قال الطَّبرَيّ: الاختيار القراءة الأولى؛ لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة؛ قال أبو بكر الأنباريّ: ولا حجة على مصحف المسلمين في الحديث الذي حدّثناه أحمد بن الحسين: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة حدّثنا وكيع بن الجرّاح عن إسرائيل عن أبي إسحق عن عبد الرحمن بن دانيل قال سمعت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: إن جبّاراً من الجبابرة قال لا أنتهي حتى أعلم من في السموات، فعمَدَ إلى فراخ نُسُور، فأمر أن تطعم اللحم، حتى ٱشتدت وعَضَلتْ وٱستعلجتْ أمر بأن يُتخذ تابوتٌ يسع فيه رجلين؛ وأن يجعل فيه عصا في رأسها لحم شديد حمرته، وأن يُستوثق من أرجل النسور بالأوتاد؛ وتُشدّ إلى قوائم التابوت، ثم جلس هو وصاحب له في التابوت وأَثَارَ النّسورَ، فلما رأت اللحم طلبته، فجعلت ترفع التابوت حتى بلغت به ما شاء الله؛ فقال الجبّار لصاحبه: ٱفتح الباب فانظر ما ترى؟ فقال: أرى الجبال كأنها ذباب، فقال: أغلق الباب؛ ثم صعدت بالتابوت ما شاء الله أن تصعد؛ فقال الجبّار لصاحبه: ٱفتح الباب فانظر ما ترى؟ فقال: ما أرى إلا السماء وما تزداد منا إلا بُعْداً، فقال: نَكِّس العصا فنكّسها، فانقضّت النّسور. فلما وقع التابوت على الأرض سمعت له هدّة كادت الجبال تزول عن مراتبها منها؛ قال: فسمعت عليّاً رضي الله عنه يقرأ «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ» بفتح اللام الأولى من «لتزول» وضم الثانية. وقد ذكر الثّعلبيّ هذا الخبر بمعناه، وأن الجبَّار هو النّمرود الذي حاجّ إبراهيم في ربّه، وقال عِكرمة: كان معه في التابوت غلام أمرد، وقد حمل القوس والنبل فرمى بهما فعاد إليه ملطخاً بالدماء وقال: كُفيتُ نَفْسَك إلهَ السّماء. قال عِكرِمة: تَلطّخ بدم سمكة من السماء، قذفت نفسها إليه من بحر في الهواء معلّق. وقيل: طائر من الطير أصابه السّهم ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب العصا وأن يُنكِّس اللحم، فهبطت النّسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنّسور ففزعت، وظنت أنه قد حدث بها حدث من السماء، وأنّ الساعة قد قامت، فذلك قوله: «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ». قال القُشَيريّ: وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال. وذكر الماورديّ عن ابن عباس: أن النّمرود بن كنعان بَنَى الصّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعاً، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد منه مع النّسور، فلما علم أنه لا سبيل له إلى السماء ٱتخذه حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصّرح عليهم فهلكوا جميعاً، فهذا معنى «وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ» وفي الجبال التي عَنَى زوالها بمكرهم وجهان: أحدهما ـ جبال الأرض. الثاني ـ الإسلام والقرآن؛ لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال. وقال القُشَيريّ: «وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ» أي هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف. «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ» بكسر اللام؛ أي ما كان مكرهم مكراً يكون له أثر وخطر عند الله تعالى، فالجبال مَثَل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: «وَإنْ كَانَ مَكْرُهُمْ» في تقديرهم «لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالَ» وتؤثر في إبطال الإسلام. وقرىء «لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ» بفتح اللام الأولى وضم الثانية؛ أي كان مكراً عظيماً تزول منه الجبال، ولكن الله حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى: { وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً }[نوح: 22] والجبال لا تزول ولكنّ العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون.

فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ ۝٤٧

قوله تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} ٱسم الله تعالى و «مخلف» مفعولا تحسب؛ و «رُسُلَهُ» مفعول «وَعْدِهِ» وهو على الاتساع، والمعنى: مخلف وعدِه رسلَه؛ قال الشاعر:

تَرَى الثَّوْرَ فيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رأسَهُوسائِرُهُ بادٍ إلى الشَّمْسِ أَجْمَعُ

قال القُتَبيّ: هو من المقدّم الذي يوضحه التأخير، والمؤخّر الذي يوضحه التقديم، وسواء في قولك: مخلف وعدِه رسلَه، ومخلف رسلِه وعدَه. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} أي من أعدائه. ومن أسمائه المنتقم وقد بيّناه في «الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى».

يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ۝٤٨ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ۝٤٩ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ۝٥٠ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝٥١ هَٰذَا بَلَٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٥٢

قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} أي ٱذكر يوم تبدّل الأرض، فتكون متعلقة بما قبله. وقيل: هو صفة لقوله: «يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ». واختلف في كيفية تبديل الأرض، فقال كثير من الناس: إن تبدّل الأرض عبارة عن تغير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها، ومدّ أرضها؛ ورواه ابن مسعود رضي الله عنه؛ خرجه ٱبن ماجه في سننه وذكره ابن المبارك من حديث شَهْر بن حَوْشَب، قال حدّثني ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مُدَّت الأرضُ مدَّ الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا؛ وذكر الحديث. وروي مرفوعاً من حديث أبي هُريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

تبدّل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العُكَاظيّ لا ترى فيها عِوجاً ولا أَمْتاً ثم يزجر الله الخلق زجرةً فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأولى (من كان في بطنها ففي بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرهاذكره الغَزْنَويّ. وتبديل السماء تكوير شمسها وقمرها، وتناثر نجومها؛ قاله ابن عباس. وقيل: اختلاف أحوالها، فمرّة كالمهل ومرة كالدّهان؛ حكاه ابن الأنباريّ؛ وقد ذكرنا هذا الباب مبيَّناً في كتاب «التذكرة» وذكرنا ما للعلماء في ذلك، وأن الصحيح إزالة هذه الأرض حسب ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. روى مسلم عن ثَوْبان مولَى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت قائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك؛ وذكر الحديث، وفيه: فقال اليهوديّ أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الظُّلمة دون الجِسر». وذكر الحديث. وخرّج عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: «يَوْم تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ» فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط». خرجه ابن ماجه بإسناد مسلم سواء، وخرجه الترمذيّ عن عائشة وأنها هي السائلة، قال: هذا حديث حسن صحيح؛ فهذه الأحاديث تنصّ على أن السموات والأرض تُبدَّل وتُزَال، ويخلق الله أرضاً أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجِسْر. وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يُحشَر الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاءَ عَفْراء كقُرْصَة النَّقِيّ ليس فيها عَلَمٌ لأحد. وقال جابر: سألت أبا جعفر محمد بن عليّ عن قول الله عز وجل: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ» قال: تُبدّل خُبْزة يأكل منها الخلق يوم القيامة، ثم قرأ: { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ }}. [الأنبياء: 8] وقال ابن مسعود: إنها تبدّل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يُعمَلْ عليها خطيئة. وقال ابن عباس: بأرض من فضّة بيضاء. وقال عليّ رضي الله عنه: تبدّل الأرض يومئذ من فضة والسماء من ذهب وهذا تبديل للعين، وحسبك. {وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أي من قبورهم، وقد تقدّم.

قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ} وهم المشركون. {يَوْمَئِذٍ} أي يوم القيامة. {مُّقَرَّنِينَ} أي مشدودين {فِي ٱلأَصْفَادِ} وهي الأغلال والقيود، واحدها صَفْد وصَفَد. ويقال: صَفَدته صَفْداً أي قيّدته والاسم الصَّفَد، فإذا أردت التكثير قلت: صَفَّدته تصفِيداً؛ قال عمرو بن كُلْثوم:

فآبُوا بالنِّهَابِ وبالسَّبَايَاوأبْنَا بالمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا

أي مقيّدينا. وقال حسان:

مِن كلِّ مَأسُورٍ يُشَدُّ صِفَادُهُصَقْرٍ إذَا لاَقَى الْكَرِيهةَ حَامِ

أي غلُّهُ، وأصفدته إصفاداً أعطيته. وقيل: صَفَدته وأَصْفَدته جاريان في القيد والإعطاء جميعاً؛ قال النابغة:

فَـلَمْ أُعَـرِّض أَبَيْـتَ الَّلْعـن بالصَّفَـدِ

فالصَّفَد العطاء؛ لأنه يُقيِّد ويُعْبد؛ قال أبو الطيب:

وقَيَّدتُ نفسِي في ذَرَاكَ مَحَبَّةًومَن وَجَدَ الإحسانَ قَيْداً تَقيَّدَا

قيل: يقرن كل كافر مع شيطان في غُلّ، بيانه قوله: { ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ }[الصافات: 22] يعني قرناءهم من الشياطين. وقيل: إنهم الكفار يجمعون في الأصفاد كما اجتمعوا في الدنيا على المعاصي. {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} أي قمصهم، عن ابن دُرَيد وغيره، واحدها سِربال، والفعل تَسربلتُ وسَربلتُ غيري؛ قال كعب بن مالك:

تَلْقَاكُمُ عَصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهُمْمِنْ نَسْجِ دَاودَ في الْهَيْجَا سَرَابِيلُ

«مِن قَطِرَانٍ» يعني قطران الإبل الذي تُهْنَأ به؛ قاله الحسن. وذلك أبلغ لاشتعال النار فيهم. وفي الصحيح: أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سِربال من قطران ودِرْع من جَرَب. وروي عن حماد أنهم قالوا: هو النُّحاس. وقرأ عيسى بن عمر: «قَطْرَانٍ» بفتح القاف وتسكين الطاء. وفيه قراءة ثالثة: كسر القاف وجزم الطاء؛ ومنه قول أبي النَّجْم:

جَوْنٌ كَأَنَّ الْعَرَقَ الْمَنْتُوحَالَبَّسَهُ الْقِطْرَانَ والْمُسُوحَا

وقراءة رابعة: «مِنْ قِطْرٍآنٍ» رويت عن ابن عباس وأبي هُريرة وعِكْرمة وسعيد بن جُبير ويعقوب؛ والقِطْر النحاس والصُّفْر المذاب؛ ومنه قوله تعالى: { آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً }[الكهف: 96]. والآن: الذي قد ٱنتهى إلى حَرِّه؛ ومنه قوله تعالى: { وَبَيْنَ حَمِيمٍ آن }[الرحمن: 44]. {وَتَغْشَىٰ} أي تضرب {وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ} فَتُغَشِّيها. {لِيَجْزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي بما كسبت. {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تقدّم.

قوله تعالى: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ} أي هذا الذي أنزلنا إليك بلاغ؛ أي تبليغ وعظة. {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} أي ليخوَّفوا عقاب الله عز وجل، وقرىء. «وَلِيَنْذَرُوا» بفتح الياء والذال، يقال: نَذِرت بالشيء أَنْذَر إذا علمت به فاستعددتَ له، ولم يستعملوا منه مصدراً كما لم يستعملوا من عسى وليس، وكأنهم ٱستغنوا بأن والفعل كقولك: سَرَّني أن نَذِرتُ بالشيء. {وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي وليعلموا وحدانية الله بما أقام من الحجج والبراهين. {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي وليتّعظ أصحاب العقول. وهذه اللامات في «وَلِيُنْذَرُوا» «وَلِيَعْلَمُوا» «وَلِيَذَّكَرَ» متعلقة بمحذوف؛ التقدير: ولذلك أنزلناه. وروى يَمَان بن رِئَاب أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وسئل بعضهم هل لكتاب الله عنوان؟ فقال: نعم؛ قيل: وأين هو؟ قال قوله تعالى: {هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} إلى آخرها.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ