انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة مريم

تفسير القرطبيالآيات 73–97

تفسير سورة مريم آية آية، من تفسير القرطبي.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ۝٧٣ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَٰثًا وَرِءْيًا ۝٧٤ قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا ۝٧٥

قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ} أي على الكفار الذين سبق ذكرهم في قوله تعالى:

{ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً }[مريم: 66]. وقال فيهم: {وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} أي هؤلاء إذا قرىء عليهم القرآن تَعزَّزوا بالدنيا، وقالوا: فما بالنا ـ إن كنا على باطل ـ أكثر أموالاً وأعز نفراً. وغرضهم إدخال الشبهة على المستضعفين وإيهامهم أن من كثر ماله دل ذلك على أنه المحقّ في دينه، وكأنهم لم يروا في الكفار فقيراً ولا في المسلمين غنياً، ولم يعلموا أن الله تعالى نَحَّى أولياءه عن الاغترار بالدنيا، وفرط الميل إليها. و«بيناتٍ» معناه مرتَّلات الألفاظ، ملخصة المعاني، مبينات المقاصد؛ إما محكمات، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً. أو ظاهرات الإعجاز تُحدّي بها فلم يقدر على معارضتها. أو حججاً وبراهين. والوجه أن تكون حالاً مؤكدة؛ كقوله تعالى: { وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً }[البقرة: 91] لأن آيات الله تعالى لا تكون إلا واضحة وحججاً. {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يريد مشركي قريش النضر بن الحارث وأصحابه. {لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونة، وفي ثيابهم رثاثة؛ وكان المشركون يرجلون شعورهم، ويدهنون رؤوسهم، ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا: للمؤمنين: {أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}. قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد «مُقَاماً» بضم الميم وهو موضع الإقامة. ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الإقامة. الباقون «مَقَاماً» بالفتح، أي منزلاً ومسكناً وقيل: المقام الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة؛أي أيّ الفريقين أكثر جاهاً وأنصاراً. «وَأَحْسَنُ نَدِيًّا» أي مجلساً؛ عن ابن عباس. وعنه أيضاً المنظر وهو المجلس في اللغة وهو النادي. ومنه دار الندوة لأن المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم. وناداه جالسه في النادي قال:

أنادي به آل الوليد وجعفرَا

والنديّ على فعيل مجلس القوم ومتحدَّثهم، وكذلك الندوة والنادي (والمُنْتَدى) والمُنَتَدَّى، فإن تفرق القوم فليس بنديّ؛ قاله الجوهري.

قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} أي من أمة وجماعة. {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً} أي متاعاً كثيراً؛ قال:

وفَرْعٍ يَزينُ المَتْنَ أسودَ فاحِمٍأَثِيثٍ كقِنْوِ النَّخلَةِ المُتَعَثْكِلِ

والأثاث متاع البيت. وقيل: هو ما جدّ من الفَرْش والخُرْثيّ ما لُبس منها، وأنشد الحسن بن عليّ الطوسي فقال:

تقادم العهد من أم الوليد بنادهراً وصار أثاث البيت خُرْثِيّا

وقال ابن عباس: هيئة. مقاتل: ثيابا. {وَرِءْياً } أي منظَراً حسناً. وفيه خمس قراءات: قرأ أهل المدينة «ورِيًّا» بغير همز. وقرأ أهل الكوفة «ورِئيا» بالهمز. وحكى يعقوب أن طلحة قرأ «وَرِياً» بياء واحدة مخففة. وروى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: «هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وزِيًّا» بالزاي؛ فهذه أربع قراءات. قال أبو إسحاق: ويجوز «هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وريْئا» بياء بعدها همزة. النحاس: وقراءة أهل المدينة في هذا حسنة وفيها تقريران: أحدهما: أن تكون من رأيت ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء، وأدغمت الياء في الياء. وكان هذا حسناً لتتفق رؤوس الآيات لأنها غير مهموزات. وعلى هذا قال ابن عباس: الرئي المنظر؛ فالمعنى: هم أحسن أثاثاً ولباساً. والوجه الثاني: أن جلودهم مرتوية من النعمة؛ فلا يجوز الهمز على هذا. وفي رواية ورش عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر «ورئيا» بالهمز تكون على الوجه الأوّل. وهي قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل. وقراءة طلحة بن مُصَرِّف «ورِياً» بياء واحدة مخففة أحسبها غلطاً. وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها الهمز فقلبت الهمزة ياء، ثم حذفت إحدى اليائين. المهدوي: ويجوز أن يكون «رِيْئاً» فقلبت ياء فصارت رييا ثم نقلت حركة الهمزة على الياء وحذفت. وقد قرأ بعضهم «ورِياً» على القلب وهي القراءة الخامسة. وحكى سيبويه رَاءَ بمعنى رأى. الجوهري: من همزه جعله من المنظر من رأيت، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة. وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي فقال:

أشاقتك الظعائن يوم بانوابذِي الرِّئي الجميلِ من الأثاث

ومن لم يهمز إما أن يكون على تخفيف الهمزة أو يكون من رَوِيت ألوانهم وجلودهم رِيًّا؛ أي امتلأت وحسنت. وأما قراءة ابن عباس وأبيّ بن كعب وسعيد بن جبير والأعسم المكي ويزيد البربري «وزِيا» بالزاي فهو الهيئة والحسن. ويجوز أن يكون من زَوَيتُ أي جمعت، فيكون أصلها زِويا فقلبت الواو ياء. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:زُويت لي الأرضأي جمعت؛ أي فلم يغن ذلك عنهم شيئا من عذاب الله تعالى؛ فليعش هؤلاء ما شاؤوا فمصيرهم إلى الموت والعذاب وإن عُمِّروا؛ أو العذاب العاجل يأخذهم الله تعالى به.

قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ} أي في الكفر {فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} أي فليدعه في طغيان جهله وكفره؛ فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر؛ أي من كان في الضلالة مدّه الرحمن مداً حتى يطول اغتراره فيكون ذلك أشدّ لعقابه. نظيره:

{ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً }[آل عمران: 178] وقوله: { وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }[الأنعام: 110] ومثله كثير؛ أي فليعش ما شاء، وليوسع لنفسه في العمر؛ فمصيره إلى الموت والعقاب. وهذا غاية في التهديد والوعيد. وقيل: هذا دعاء أمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ تقول: من سرق مالي فليقطع الله تعالى يده؛ فهو دعاء على السارق. وهو جواب الشرط. وعلى هذا فليس قوله: «فليمدد» خبراً.

قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} قال: «رأوا» لأن لفظ «من» يصلح للواحد والجمع. و«إذا» مع الماضي بمعنى المستقبل؛ أي حتى يروا ما يوعدون. والعذاب هنا إما أن يكون بنصر المؤمنين عليهم فيعذبونهم بالسيف والأسر؛ وإما أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار. {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً} أي تنكشف حينئذٍ الحقائق. وهذا رد لقولهم: «أي الفريقين خير مقاماً وأحسن نديا».

وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًى وَٱلْبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ۝٧٦

قوله تعالى: {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى} أي ويثبت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم في النّصرة، وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة لهم. وقيل: يزيدهم هدى بتصديقهم بالناسخ والمنسوخ الذي كفر به غيرهم؛ قال معناه الكلبي ومقاتل. ويحتمل ثالثاً: أي «ويزيد الله الذين اهتدوا» إلى الطاعة «هدى» إلى الجنة؛ والمعنى متقارب. وقد تقدّم القول في معنى زيادة الأعمال وزيادة الإيمان والهدى في «آل عمران» وغيرها. {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ} تقدّم في «الكهف» القول فيها. {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي جزاء: {وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} أي في الآخرة مما افتخر به الكفار في الدنيا. و«المَرَدّ» مصدر كالرد؛ أي وخير رداً على عاملها بالثواب؛ يقال: هذا أَرَدُّ عليك، أي أنفع لك. وقيل: «خير مرداً» أي مرجعاً فكل أحد يردّ إلى عمله الذي عمله.

أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ۝٧٧ أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ۝٧٨ كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّا ۝٧٩ وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ۝٨٠

قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} روى الأئمة ـ واللفظ لمسلم ـ عن خباب قال كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال: فقلت له: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟! فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال وكيع: كذا قال الأعمش؛ فنزلت هذه الآية: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} إلى قوله: «ويأتينا فرداً». في رواية قال: كنت قَيْناً في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل عملاً، فأتيته أتقاضاه. خرجه البخاري أيضاً. وقال الكلبي ومقاتل: كان خباب قيناً فصاغ للعاص حلياً ثم تقاضاه أجرته، فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك. فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني؛ فقال العاص: يا خباب ما لك؟! ما كنت هكذا، وأن كنت لحسن الطلب. فقال خباب: إني كنت على دينك فأما اليوم فأنا على دين الإسلام مفارق لدينك. قال: أولستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً؟ قال خباب: بلى. قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة ـ استهزاء ـ فوالله لئن كان ما تقول حقاً إني لأقضيك فيها، فوالله لا تكون أنت يا خباب وأصحابك أولى بها مني، فأنزل الله تعالى {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} يعني العاص بن وائل؛ الآيات. {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟ٰ. وقال مجاهد: أعلم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟! {أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} قال قتادة والثوريّ: أي عملاً صالحاً. وقيل: هو التوحيد. وقيل: هو من الوعد. وقال الكلبي: عاهد الله تعالى أن يدخله الجنة. {كَلاَّ} ردٌّ عليه؛ أي لم يكن ذلك؛ لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهداً، وتم الكلام عند قوله: «كَلاَّ». وقال الحسن: إن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة. والأول أصح لأنه مدوّن في الصحاح. وقرأ حمزة والكسائي «وَوُلْداً» بضم الواو، والباقون بفتحها. واختلف في الضم والفتح على وجهين: أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد، يقال وَلد ووُلْد كما يقال عَدَم وعُدْم. وقال الحارث بن حِلِّزة:

ولقد رأيتُ معاشراًقد ثَمَّرُوا مَالاً ووُلْدَاً

وقال آخر:

فليتَ فلاناً كان في بطن أُمِّهوليت فلاناً كان وُلْدَ حِمارِ

والثاني: أن قيساً تجعل الوُلد بالضم جمعاً والولد بالفتح واحداً. قال الماوردي: وفي قوله تعالى: {لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} وجهان: أحدهما: أنه أراد في الجنة استهزاء بما وعد الله تعالى على طاعته وعبادته؛ قاله الكلبي. الثاني: أنه أراد في الدنيا، وهو قول الجمهور؛ وفيه وجهان محتملان: أحدهما: إن أقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي لأوتين مالاً وولداً. الثاني: ولو كنت على باطل لما أوتيت مالاً وولداً.

قلت: قول الكلبي أشبه بظاهر الأحاديث، بل نصها يدل على ذلك؛ قال مسروق: سمعت خبّاب بن الأرتّ يقول: جئت العاص بن وائل السَّهْميّ أتقاضاه حقاً لي عنده. فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لميت ثم مبعوث؟! فقلت: نعم. فقال: إن لي هناك مالاً وولداً فأقضيك؛ فنزلت {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} الآية؛ قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.

قوله تعالى: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} ألفه ألف استفهام لمجيء «أم» بعدها، ومعناه التوبيخ، وأصله أاطلع فحذفت الألف الثانية لأنها ألف وصل. فإن قيل: فهلا أتوا بمدّة بعد الألف فقالوا: آطلع كما قالوا: «آلله خير»

{ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ }[الأنعام: 143] قيل له: كان الأصل في هذا «أالله» «أالذكرين» فأبدلوا من الألف الثانية مدة ليفرقوا بين الاستفهام والخبر؛ وذلك أنهم لو قالوا: الله خير بلا مدّ لالتبس الاستفهام بالخبر، ولم يحتاجوا إلى هذه المدّة في قوله: «أطلع» لأن ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة، وذلك أنك تقول في الاستفهام: أطلع؟ أفترى؟ أصطفى؟ أستغفرت؟ بفتح الألف، وتقول في الخبر: اِطلع، اِفترى، اِصطفى، اِستغفرت لهم بالكسر، فجعلوا الفرق بالفتح والكسر ولم يحتاجوا إلى فرق آخر.

قوله تعالى: «كَلاَّ» ليس في النصف الأول ذكر «كلاّ» وإنما جاء ذكره في النصف الثاني. وهو يكون بمعنيين: أحدهما: بمعنى حقّاً. والثاني: بمعنى لا. فإذا كانت بمعنى حقاً جاز الوقف على ما قبله، ثم تبتدىء «كلا» أي حقّاً. وإذا كانت بمعنى لا، كان الوقف على «كلا» جائزاً، كما في هذه الآية؛ لأن المعنى: لا ليس الأمر كذا. ويجوز أن تقف على قوله: «عَهْداً» وتبتدىء «كلا» أي حقاً «سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ». وكذا قوله تعالى:

{ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ }[المؤمنون: 100] يجوز الوقف على «كلا» وعلى «تركت». وقوله: { وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ. قَالَ كَلاَّ }[الشعراء: 14]الوقف على «كلا» لأن المعنى؛ لا ـ وليس الأمر كما تظن «فاذهبا». فليس للحق في هذا المعنى موضع. وقال الفراء: «كلا» بمنزلة سوف لأنها صلة، وهي حرف ردّ فكأنها «نعم» و«لا» في الاكتفاء. قال: وإن جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها؛ كقولك: كلاّ ورَبّ الكعبة؛ لا تقف على كلاّ؛ لأنه بمنزلة إي ورب الكعبة. قال الله تعالى: { كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ }[المدثر: 32] فالوقف على «كلاّ» قبيح لأنه صلة لليمين. وكان أبو جعفر محمد بن سعدان يقول في «كلا» مثل قول الفراء. وقال الأخفش: معنى كلا الردع والزجر. وقال أبو بكر بن الأنباري: وسمعت أبا العباس يقول: لا يوقف على «كلا» في جميع القرآن؛ لأنها جواب والفائدة تقع فيما بعدها. والقول الأول هو قول أهل التفسير.

قوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} أي سنحفظ عليه قوله فنجازيه به في الآخرة. {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} أي سنزيده عذاباً فوق عذاب. {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي نسلبه ما أعطيناه في الدنيا من مال وولد. وقال ابن عباس وغيره: أي نرثه المال والولد بعد إهلاكنا إياه. وقيل: نحرمه ما تمناه في الآخرة من مال وولد، ونجعله لغيره من المسلمين. {وَيَأْتِينَا فَرْداً} أي منفرداً لا مال له ولا ولد ولا عشيرة تنصره.

وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا۟ لَهُمْ عِزًّا ۝٨١ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ۝٨٢

قوله تعالى: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً} يعني مشركي قريش. و«عِزًّا» معناه أعواناً ومنعة؛ يعني أولاداً. والعِزّ المطر الجُودُ أيضاً؛ قاله الهروي. وظاهر الكلام أن «عِزًّا» راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله. ووحد لأنه بمعنى المصدر؛ أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله؛ فقال الله تعالى: {كَلاَّ} أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا بل يكفرون بعبادتهم؛ أي ينكرون أنهم عبدوا الأصنام، أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها؛ كما قال:

{ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ }[القصص: 63]. وذلك أن الأصنام جمادات لا تعلم العبادة. {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} أي أعواناً في خصومتهم وتكذيبهم. عن مجاهد والضحاك: يكونون لهم أعداء. ابن زيد: يكونون عليهم بلاء فتحشر آلهتهم، وتركب لهم عقول فتنطق، وتقول: يا رب عذِّبْ هؤلاء الذين عبدونا من دونك. و«كلا» هنا يحتمل أن تكون بمعنى لا، ويحتمل أن تكون بمعنى حقًّا؛ أي حقاً «سيكفرون بِعِبادتهِم». وقرأ أبو نهيك: «كَلاًّ سيكفرون» بالتنوين. وروي عنه مع ذلك ضم الكاف وفتحها. قال المهدوي: «كلا» ردع وزجر وتنبيه ورد لكلام متقدم، وقد تقع لتحقيق ما بعدها والتنبيه عليه كقوله: { كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ }[العلق: 6] فلا يوقف عليها على هذا، ويوقف عليها في المعنى الأول؛ فإن صلح فيها المعنيَان جميعاً جاز الوقف عليها والابتداء بها. فمن نوّن «كلا» من قوله: {كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} مع فتح الكاف فهو مصدر كَلَّ؛ ونصبه بفعل مضمر؛ والمعنى كَلَّ هذا الرأي والاعتقاد كَلاًّ، يعني اتخاذهم الآلهة «لِيكونوا لهم عِزا» فيوقف على هذا على «عِزا» وعلى «كَلاًّ». وكذلك في قراءة الجماعة، لأنها تصلح للرد لما قبلها، والتحقيق لما بعدها. ومن روى ضم الكاف مع التنوين، فهو منصوب أيضاً بفعل مضمر، كأنه قال: سيكفرون «كُلاًّ سيكفرون بِعِبادتهِم» يعني الآلهة.

قلت: فتحصل في «كلاّ» أربعة معان: التحقيق وهو أن تكون بمعنى حقاً، والنفي، والتنبيه، وصلة للقسم، ولا يوقف منها إلا على الأول. وقال الكسائي: «لا» تنفي فحسب، و«كلا» تنفي شيئاً وتثبت شيئاً، فإذا قيل: أكلت تمراً، قلت: كلا إني أكلت عسلاً لا تمراً، ففي هذه الكلمة نفي ما قبلها، وتحقق ما بعدها. والضد يكون واحداً ويكون جمعاً، كالعدوّ والرسول. وقيل: وقع الضد موقع المصدر؛ أي ويكونون عليهم عوناً؛ فلهذا لم يجمع، وهذا في مقابلة قوله: «لِيكونوا لهم عِزاً» والعز مصدر، فكذلك ما وقع في مقابلته. ثم قيل: الآية في عبدة الأصنام، فأجرى الأصنام مجرى من يعقل؛ جرياً على توهم الكفرة. وقيل: فيمن عبد المسيح أو الملائكة أو الجن أو الشياطين؛ فالله تعالى أعلم.

أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ۝٨٣ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ۝٨٤ يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَٰنِ وَفْدًا ۝٨٥ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا ۝٨٦ لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ۝٨٧

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي سلطناهم عليهم بالإغواء، وذلك حين قال لإبليس:

{ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } [الإسراء: 64]. وقيل: «أرسلنا» أي خلينا؛ يقال: أرسلت البعير أي خليته، أي خلينا الشياطين وإياهم ولم نعصمهم من القبول منهم. الزجاج: قَيَّضنا. {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} قال ابن عباس: تزعجهم إزعاجاً من الطاعة إلى المعصية. وعنه: تغريهم إغراء بالشر: امض امض في هذا الأمر، حتى توقعهم في النار. حكى الأول الثعلبي، والثاني الماوردي، والمعنى واحد. الضحاك: تغويهم إغواء. مجاهد: تشليهم إشلاء، وأصله الحركة والغَلَيان، ومنه الخبر المرويّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قام إلى الصلاة ولجوفه أزيز كأزيز المِرْجل من البكاء». وائتزت القِدر ائتزازاً اشتد غليانها. والأَزُّ التّهييج والإغراء، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} أي تغريهم على المعاصي. والأز الاختلاط. وقد أززت الشيء أؤزّه أزًّا أي ضممتُ بعضه إلى بعض. قاله الجوهري.

قوله تعالى: {فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ} أي تطلب العذاب لهم. {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً} قال الكلبي: آجالهم؛ يعني الأيام والليالي والشهور والسنين إلى انتهاء أجل العذاب. وقال الضحاك: الأنفاس. ابن عباس: أي نعدّ أنفاسهم في الدنيا كما نعدّ سنيهم. وقيل: الخطوات. وقيل: اللذات. وقيل: اللحظات. وقيل: الساعات. وقال قطرب: تعدّ أعمالهم عدًّا. وقيل: لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثماً. روي: أن المأمون قرأ هذه السورة، فمرّ بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء، فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد. وقيل في هذا المعنى:

حياتُك أنفاسٌ تُعدّ فكلّمامَضَى نَفَسٌ منك انتقصت به جُزْءَايميتك ما يحييك في كل ليلةويَحدُوك حَادٍ ما يُريد به الهُزءا

ويقال: إن أنفاس ابن آدم بين اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس: اثنا عشر ألف نفس في اليوم، واثنا عشر ألفاً في الليلة ـ والله أعلم ـ فهي تعد وتحصى إحصاء، ولها عدد معلوم، وليس لها مدد، فما أسرع ما تنفد.

قوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} في الكلام حذف، أي إلى جنة الرحمن، ودار كرامته. كقوله:

{ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ }[الصافات: 99] وكما في الخبر:من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. والوفد اسم للوافدين، كما يقال: صَوْم وفَطْر وزَوْر؛ فهو جمع الوافد، مثل رَكْب وراكب وصَحْب وصاحب، وهو من وفد يفد وَفْداً ووفوداً ووفِادة، إذا خرج إلى ملك في فتح أو أمر خطير. الجوهري: يقال وفد فلان على الأمير، أي ورد رسولاً فهو وافد، والجمع وفد مثل صاحب وصَحْب، وجمع الوفد وِفاد ووفود، والاسم الوِفادة وأوفدته أنا إلى الأمير، أي أرسلته. وفي التفسير: «وفداً» أي ركباناً على نجائب طاعتهم. وهذا لأن الوافد في الغالب يكون راكباً، والوفد الركبان ووحد؛ لأنه مصدر. ابن جريج: وفدا على النجائب. وقال عمرو بن قيس الْمُلاَئي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا ـ إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك. فيقول: كذلك كنتُ في الدنيا أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم، وتلا {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} وإن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتن ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا ـ إلا أن الله قد قبح صورتك وأنتن ريحك. فيقول: كذلك كنتُ في الدنيا أنا عملك السّييء طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك. وتلا { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ }[الأنعام: 31]. ولا يصح من قِبل إسناده. قاله ابن العربي في «سراج المريدين». وذكر هذا الخبر في تفسيره أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري، عن ابن عباس بلفظه ومعناه. وقال أيضاً عن ابن عباس: من كان يحب ركوب الخيل وفد إلى الله تعالى على خيل لا تَرُوث ولا تَبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر، ومن الدر الأبيض، وسروجها من السندس والاستبرق، ومن كان يحب ركوب الإبل فعلى نجائب لا تَبْعَر ولا تبول، أزمتها من الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من زبرجد وياقوت، قد أمنوا الغرق، وأمنوا الأهوال. وقال أيضاً عن علي رضي الله عنه: ولما نزلت الآية قال علي رضي الله عنه: يا رسول اللهٰ إني قد رأيت الملوك ووفودهم، فلم أر وفداً إلا ركباناً فما وفد الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أما إنهم لا يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقاً ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة لم ينظر الخلائق إلى مثلها رحالها الذهب وزمامها الزبرجد فيركبونها حتى يقرعوا باب الجنة. ولفظ الثعلبي في هذا الخبر عن عليّ أبين. وقال عليّ لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله! إني رأيت الملوك ووفودهم فلم أر وفداً إلا ركباناً. قال:يا عليّ إذا كان المنصرَف من بين يدي الله تعالى تلقت الملائكة المؤمنين بنوق بيض رحالها وأزمتها الذهب على كل مركب حلة لا تساويها الدنيا فيلبس كل مؤمن حلة ثم تسير بهم مراكبهم فتهوي بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة {سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} ».

قلت: وهذا الخبر ينص على أنهم لا يركبون ولا يلبسون إلا من الموقف، وأما إذا خرجوا من القبور فمشاةً حُفاةً عُراة غُرلاً إلى الموقف؛ بدليل حديث ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال:

يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله ـ تعالى ـ حُفَاةً عُرَاة غُرْلاًالحديث. خرجه البخاري ومسلم، وسيأتي بكماله في سورة «المؤمنون» إن شاء الله تعالى. وتقدّم في «آل عمران» من حديث عبد الله بن أنيس بمعناه والحمد لله تعالى. ولا يبعد أن تحصل الحالتان للسعداء، فيكون حديث ابن عباس مخصوصاً؛ والله أعلم. وقال أبو هريرة: «وفداً» على الإبل. ابن عباس: ركباناً يؤتون بنوق من الجنة؛ عليها رحائل من الذهب وسروجها وأزمتها من الزبرجد فيحشرون عليها. وقال عليّ: ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكن على نوق رحالها من ذهب، ونجب سروجها يواقيت، إن هَمُّوا بها سارت وإن حركوها طارت. وقيل: يفدون على ما يحبون من إبل أو خيل أو سفن، على ما تقدّم عن ابن عباس. والله أعلم. وقيل: إنما قال «وفداً» لأن من شأن الوفود عند العرب أن يقدموا بالبِشارات، وينتظرون الجوائز، فالمتقون ينتظرون العطاء والثواب. {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} السوق الحثّ على السير. و«وِردا» عِطاشا؛ قاله ابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما والحسن. والأخفش والفراء وابن الأعرابي: حفاة مشاة. وقيل: أفراداً. وقال الأزهري: أي مشاة عِطاشا، كالإبل ترد الماء؛ فيقال: جاء وِرد بني فلان. القشيري: وقوله: «وِرداً» يدل على العطش؛ لأن الماء إنما يورد في الغالب للعطش. وفي «التفسير»: مشاة عِطاشاً تتقطع أعناقهم من العطش، وإذا كان سوق المجرمين إلى النار فحشر المتقين إلى الجنة. وقيل: «وِردا» أي الورود؛ كقولك: جئتك إكراماً لك أي لإكرامك، أي نسوقهم لورود النار.

قلت: ولا تناقض بين هذه الأقوال، فيساقون عِطاشاً حفاة مشاة أفراداً. قال ابن عرفة: الوِرد القوم يردون الماء، فسمي العطاش ورداً لطلبهم ورود الماء؛ كما تقول: قوم صَوْم أي صيام، وقوم زَوْر أي زوّار، فهو اسم على لفظ المصدر، واحدهم وارد. والوِرد أيضاً الجماعة التي ترد الماء من طير وإبل. والورد الماء الذي يوردُ. وهذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء. والورد الجزء (من القرآن) يقال: قرأت وِردي. والوِرد يوم الحمى إذا أخذت صاحبها لوقت. فظاهره لفظ مشترك. وقال الشاعر يصف قَلِيبا:

يَطْمو إذا الوِرْدُ عليه الْتَكَّا

أي الورّاد الذين يريدون الماء.

قوله تعالى: {لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ} أي هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} وهم المسلمون فيملكون الشفاعة، فهو استثناء الشيء من غير جنسه؛ أي لكن «من اتخذ عِند الرحمنِ عهداً» يشفع؛ فـ«ـمن» في موضع نصب على هذا. وقيل: هو في موضع رفع على البدل من الواو في «يملكون»؛ أي لا يملك أحد عند الله الشفاعة {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} فإنه يملك؛ وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً. و«المجرمين» في قوله: {وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً } يعم الكفرة والعصاة، ثم أخبر أنهم لا يملكون الشفاعة إلا العصاة المؤمنون، فإنهم يملكونها بأن يشفع فيهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا أزال أشفع حتى أقول يا رب شفعني فيمن قال لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله فيقول: يا محمد إنها ليست لك ولكنها ليخرجه مسلم بمعناه، وقد تقدّم. وتظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون فيُشفَّعون؛ وعلى القول الأول يكون الكلام متصلاً بقوله: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } فلا تقبل غداً شفاعة عبدة الأصنام لأحد، ولا شفاعة الأصنام لأحد، ولا يملكون شفاعة أحد لهم؛ أي لا تنفعهم شفاعة؛ كما قال: { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ }[المدثر: 48]. وقيل: أي نحشر المتقين والمجرمين ولا يملك أحد شفاعة {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} أي إذا أذن له الله في الشفاعة. كما قال: { مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }[البقرة: 255]. وهذ العهد هو الذي قال «أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً» وهو لفظ جامع للإيمان وجميع الأعمال الصالحة التي يصل بها صاحبها إلى حيز من يشفع. وقال ابن عباس: العهد لا إلٰه إلا الله. وقال مقاتل وابن عباس أيضاً: لا يشفع إلا من شهد أن لا إلٰه إلا الله، وتبرأ من الحول والقوَّة لله، ولا يرجو إلا الله تعالى. وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه:أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً» قيل: يا رسول الله وما ذاك؟ قال: «يقول عند كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأني أشهد أن لا إلٰه إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك (فلا تكلني إلى نفسي) فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقرِّبني من الشر وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعاً ووضعها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الله عهد فيقوم فيدخل الجنة

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۝٨٨ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا ۝٨٩ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا ۝٩٠ أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا ۝٩١

قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً } يعني اليهود والنصارى، ومن زعم أن الملائكة بنات الله. وقرأ يحيـى والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم وخلف: «وُلْداً» بضم الواو وإسكان اللام، في أربعة مواضع: من هذه السورة قوله تعالى:

{ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً }[مريم: 77] وقد تقدّم، وقوله: «أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وُلْداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وُلْداً». وفي سورة نوح: { مَالُهُ وَوَلَدُهُ }[نوح: 21]. ووافقهم في «نوح» خاصة ابن كثير ومجاهد وحميد وأبو عمرو ويعقوب. والباقون في الكل بالفتح في الواو واللام، وهما لغتان مثل العَرب والعُرب والعَجم والعُجم. قال:

ولقد رأيت معاشراقد ثَمَّرُوا مالاً ووُلْدا

وقال آخر:

وليتَ فلاناً كان في بطنِ أمِّهِوليت فلاناً كان وُلْد حمارِ

وقال في معنى ذلك النابغة:

مَهْلاً فداءً لكَ الأقوامُ كلُّهموما أُثَمِّر من مالٍ ومِن وَلَدِ

ففتح. وقيس يجعلون الوُلْد بالضم جمعا والوَلَد بالفتح واحداً. قال الجوهري: الوَلَد قد يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الوُلْد بالضم. ومن أمثال بني أسد: وُلْدُكِ من دَمَّى عَقِبيْكِ. وقد يكون الوُلْد جمع الوَلد مثل أُسْد وأسد: والوِلد بالكسر لغة في الوُلْد. النحاس: وفرق أبو عبيد بينهما؛ فزعم أن الوَلَد يكون للأهل والوَلَد جميعاً. قال أبو جعفر: وهذا قول مردود لا يعرفه أحد من أهل اللغة؛ ولا يكون الوَلَد والوُلْد إلا ولد الرجل، ووَلَد وَلَده، إلا أن وَلَداً أكثر في كلام العرب؛ كما قال:

مَهْلاً فداءً لَكَ الأقوامُ كلُّهموما أُثَمِّر مِنْ مالٍ ومن وَلَدِ

قال أبو جعفر وسمعت محمد بن الوليد يقول: يجوز أن يكون وُلْد جمع وَلَد، كما يقال وَثَن ووُثْن وأَسَد وأُسْد، ويجوز أن يكون وَلَد ووُلْد بمعنى واحد؛ كما يقال عَجَم وَعُجْم وعَرَب وعُرْب كما تقدّم.

قوله تعالى: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } أي منكراً عظيماً؛ عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. قال الجوهري: الإِدّ والإِدّة الداهِية والأمر الفظيع؛ ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } وكذلك الآدُّ مثل فاعل. وجمع الإدة إِدَدٌ. وأَدَّت فلاناً داهِيةٌ تؤدُّه أَدًّا (بالفتح) والإِدُّ أيضاً الشدّة. (والآدُّ الغلبة والقوة) قال الراجز:

نَضَوْنَ عَنّي شدَّةً وأَدًّامن بَعْدِ ما كنْتُ صُمُلاًّ جَلْداً

انتهى كلامه. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «أَدًّا» بفتح الهمزة. النحاس: يقال أد يؤد أدًّا فهو آد والاسم الإدّ؛ إذا جاء بشيء عظيم منكر. وقال الراجز:

قد لَقِي الأقران مِنِّي نُكْرَاداهِيةً دهياء إِدًّا إِمْراً

عن غير النحاس؛ الثعلبي: وفيه ثلاث لغات «إدًّا» بالكسر وهي قراءة العامة، «وأَدًّا» بالفتح وهي قراءة السُّلَمي، و«آدٌّ» مثل مادّ، وهي لغة لبعض العرب؛ رويت عن ابن عباس وأبي العالية؛ وكأنها مأخوذة من الثقل (يقال): آدَه الحمل يَأُوده أَوْداً أثقله.

قوله تعالى: {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ} قراءة العامة هنا وفي «الشورى» بالتاء. وقراءة نافع ويحيـى والكسائي «يكاد» بالياء لتقدم الفعل. {يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} أي يتشققن. وقرأ نافع وابن كثير وحفص وغيرهم بتاء بعد الياء وشد الطاء من التفطر هنا وفي «الشورى». ووافقهم حمزة وابن عامر في «الشورى». وقرأا هنا «ينفطِرن» من الانفطار: وكذلك قرأها أبو عمرو وأبو بكر والمفضّل في السورتين. وهي اختيار أبي عبيد؛ لقوله تعالى:

{ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ }[الانفطار: 1] وقوله: { السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ }[المزمل: 18]. وقوله: {وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ} أي تتصدع. {وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً} قال ابن عباس: هدماً أي تسقط بصوت شديد. وفي الحديثاللهم إني أعوذ بك من الهدِّ والهَدَّةقال شمر: قال أحمد بن غياث المروزي: الهدّ الهدم والهدّة الخسوف. وقال الليث: هو الهدم الشديد؛ كحائط يهدّ بمرة؛ يقال: هدَّني الأمر وهدّ ركني أي كسرني وبلغ مني؛ قاله الهروي. الجوهري: وهدّ البناء يهدّه هدّاً كسره وضعضعه، وهدّته المصيبة أي أوهنت ركنه، وانهدّ الجبل انكسر. الأصمعي: والهدّ الرجل الضعيف؛ يقول الرجل للرجل إذا أوعده: إني لَغير هدٍّ أيْ غيرُ ضعيف. وقال ابن الأعرابي: الهدّ من الرجال الجواد الكريم، وأما الجبان الضعيف فهو الهِدّ بالكسر؛ وأنشد:

لَيسُوا بهِدِّين في الحُرُوب إذاتُعْقَدُ فوقَ الحرَاقِفِ النُّطُقُ

والهَدَّة صوت وقع الحائط ونحوه، تقول منه: هَدَّ يهِدُّ (بالكسر) هَدِيداً. والهادُّ صوت يسمعه أهل الساحل، يأتيهم من قبل البحر له دويٌّ في الأرض، وربما كانت منه الزلزلة، ودويُّه هديده. النحاس: «هَدًّا» مصدر؛ لأن معنى «تَخِرُّ» تُهَدّ. وقال غيره: حال أي مهدودة: {أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} «أن» في موضع نصب عند الفراء بمعنى لأن دعوا ومن أن دعوا، فموضع «أن» نصب بسقوط الخافض. وزعم الفراء أن الكسائي قال: هي في موضع خفض بتقدير الخافض. وذكر ابن المبارك: حدثنا مِسْعر، عن وأصل، عن عون بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الجبل ليقول للجبل يا فلان هل مر بك اليوم ذاكر لله؟ فإن قال نعم سُرَّ به. ثم قرأ عبد الله {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} الآية؛ قال: أفتراهن يسمعن الزور ولا يسمعن الخير؟! قال: وحدّثني عوف عن غالب بن عجرد قال: حدّثني رجل من أهل الشام في مسجد مِنىً، قال: إن الله تعالى لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر، لم تك في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة، وكان لهم منها منفعة، فلم تزل الأرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة بني آدم تلك الكلمة العظيمة، قولهم: اتخذ الرحمن ولداً؛ فلما قالوها اقشعرت الأرض وشاك الشجر. وقال ابن عباس: اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار، والبحار وما فيها من الحيتان، فصار من ذلك الشوك في الحيتان، وفي الأشجار الشوك. وقال ابن عباس أيضاً وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال، وجميع المخلوقات إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكة فاستعرت جهنم، وشاك الشجر، واكفهرت الأرض وجدبت حين قالوا: اتخذ الله ولداً. وقال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة، لقوله تعالى: {تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً } قال ابن العربي: وصدق فإنه قول عظيم سبق به القضاء والقدر، ولولا أن الباري تبارك وتعالى لا يضعه كفر الكافر، ولا يرفعه إيمان المؤمن، ولا يزيد هذا في ملكه، كما لا ينقص ذلك من ملكه، لما جرى شيء من هذا على الألسنة، ولكنه القدوس الحكيم الحليم، فلم يبال بعد ذلك بما يقول المبطلون.

وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ۝٩٢

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } نفى عن نفسه سبحانه وتعالى الولد؛ لأن الولد يقتضي الجنسية والحدوث على ما بيناه في «البقرة» أي لا يليق به ذلك ولا يوصف به ولا يجوز في حقه؛ لأنه لا يكون ولد إلا من والد يكون له والد وأصل والله سبحانه يتعالى عن ذلك ويتقدس. قال:

في رأس خَلْقَاء من عَنْقَاء مُشْرِفَةٍما ينبغي دونها سَهْلٌ ولا جَبَلُ

إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَٰنِ عَبْدًا ۝٩٣

«إن» نافية بمعنى ما؛ أي ما كل من في السموات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرّاً له بالعبودية، خاضعاً ذليلاً كما قال:

{ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ }[النمل: 87] أي صاغرين أذلاء؛ أي الخلق كلهم عبيده، فكيف يكون واحد منهم ولداً له عز وجل؛ تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيراً. و«آتي» بالياء في الخط، والأصل التنوين فحذف استخفافاً وأضيف.

الثانية: في هذه الآية دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكاً للوالد، خلافاً لمن قال: إنه يشتريه فيملكه ولا يعتق عليه إلا إذا أعتقه. وقد أبان الله تعالى المنافاة بين الأولاد والملك، فإذا ملك الوالد ولده بنوع من التصرفات عتق عليه. ووجه الدليل عليه من هذه الآية أن الله تعالى جعل الولدية والعبدية في طرفي تقابل؛ فنفى أحدهما وأثبت الآخر، ولو اجتمعا لما كان لهذا القول فائدة يقع الاحتجاج بها. وفي الحديث الصحيح:

لا يَجْزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقهخرجه مسلم. فإذا لم يملك الأب ابنه مع مرتبته عليه، فالابن بعدم ملك الأب أولى لقصوره عنه.

الثالثة: ذهب إسحاق بن راهويه في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام:

من أعتق شركاً له في عبدأن المراد به ذكور العبيد دون إناثهم فلا يكمل على من أعتق شركاً في أنثى، وهو على خلاف ما ذهب إليه الجمهور من السلف ومن بعدهم، فإنهم لم يفرقوا بين الذكر والأنثى؛ لأن لفظ العبد يراد به الجنس، كما قال تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } فإنه قد يتناول الذكر والأنثى من العبيد قطعاً. وتمسك إسحاق بأنه قد حكى عبدة في المؤنث.

الرابعة: روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يقول الله تبارك وتعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لي كفواً أحدوقد تقدّم في «البقرة» وغيرها وإعادته في مثل هذا الموضع حسن جداً.

لَّقَدْ أَحْصَىٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ۝٩٤

قوله تعالى: {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ} أي علم عددهم {وَعَدَّهُمْ عَدّاً} تأكيد؛ أي فلا يخفى عليه أحد منهم.

قلت: ووقع لنا في أسمائه سبحانه المحصِي؛ أعني في السنة من حديث أبي هريرة؛ خرجه الترمذي، واشتقاق هذا الفعل يدل عليه. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايـني: ومنها المحصِي ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم؛ مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق، وقد قال:

{ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ }[الملك: 14]. ووقع في تفسير ابن عباس أن معنى {لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً } يريد أقروا له بالعبودية، وشهدوا له بالربوبية.

وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَرْدًا ۝٩٥

أي واحداً لا ناصر له ولا مال معه ينفعه؛ كما قال تعالى:

{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }[الشعراء: 88 ـ 89] فلا ينفعه إلا ما قدم من عمل، وقال: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ} على لفظ كل وعلى المعنى آتوه. وقال القشيري: وفيه إشارة إلى أنكم لا ترضون لأنفسكم باستعباد أولادكم والكل عبيده، فكيف رضيتم له ما لا ترضون لأنفسكم. وقد رد عليهم في مثل هذا، في أنهم لا يرضون لأنفسهم بالبنات، ويقولون: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وقولهم: الأصنام بنات الله. وقال: { فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ }[الأنعام: 136].

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَٰنُ وُدًّا ۝٩٦

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدّقوا. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} أي حباً في قلوب عباده. كما رواه الترمذي من حديث سعد وأبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم:

إذا أحب الله عبداً نادى جِبرِيل إني قد أحببت فلاناً فأحبّه ـ قال ـ: فينادِي في السماءِ ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} وإذا أبغض الله عبداً نادى جِبريلَ إني أبغضت فلاناً فينادِي في السماء ثم تنزل له البغضاء في الأرضقال هذا حديث حسن صحيح. وخرجه البخاري ومسلم بمعناه، ومالك في الموطأ، وفي نوادر الأصول. وحدّثنا أبو بكر بن سابق الأموي قال: حدّثنا أبو مالك الْجَنْبي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن الله أعطى المؤمن الألفة والملاحة والمحبة في صدور الصالحين والملائكة المقربين ـ ثم تلا ـ {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً}. واختلف فيمن نزلت؛ فقيل في علي رضي الله تعالى عنه؛ روى البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب:قل يا علي اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في قلوب المؤمنين مودةفنزلت الآية؛ ذكره الثعلبي. وقال ابن عباس: نزلت في عبد الرحمن بن عوف؛ جعل الله تعالى له في قلوب العباد مودة، لا يلقاه مؤمن إلا وقّره، ولا مشرك ولا منافق إلا عظّمه. وكان هرم بن حيّان يقول: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودّتهم ورحمتهم. وقيل: يجعل الله تعالى لهم مودّة في قلوب المؤمنين والملائكة يوم القيامة.

قلت: إذا كان محبوباً في الدنيا فهو كذلك في الآخرة؛ فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمناً تقيا، ولا يرضى إلا خالصاً نقياً؛ جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله تعالى إذا أحب عبداً دعا جبريلَ عليه السلام فقال: إني أحب فلاناً فأحِبّه فيحِبه جبريل ثم ينادِي في السماء فيقول: إن الله يحِب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ـ قال ـ ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبداً دعا جبريل عليه السلام فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادِي في أهل السماء إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه ـ قال ـ فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض»

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًا لُّدًّا ۝٩٧

قوله تعالى:{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلَسَانِكَ} أي القرآن؛ يعني بيناه بلسانك العربي وجعلناه سهلاً على من تدبره وتأمله. وقيل: أنزلناه عليك بلسان العرب ليسهل عليهم فهمه. {لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ} (أي المؤمنين) {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً}اللّد جمع الألد وهو الشديد الخصومة، ومنه قوله تعالى:

{ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ }[البقرة: 204] وقال الشاعر:

أبيتُ نجِيًّا للهمومِ كأنّنيأخاصم أقواماً ذَوِي جَدلٍ لُدّا

وقال أبو عبيدة: الألد الذي لا يقبل الحق ويدّعي الباطل. الحسن: اللد الصُّمّ عن الحق. قال الربيع: صم آذان القلوب. مجاهد: فجارا. الضحاك: مجادلين في الباطل. ابن عباس: شداداً في الخصومة. وقيل: الظالم الذي لا يستقيم؛ والمعنى واحد. وخصوا بالإنذار؛ لأن الذي لا عناد عنده يسهل انقياده.
الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ