انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة مريم

تفسير القرطبيالآيات 27–58

تفسير سورة مريم آية آية، من تفسير القرطبي.

فَأَتَتْ بِهِۦ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُۥ قَالُوا۟ يَٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا ۝٢٧ يَٰٓأُخْتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ۝٢٨

قوله تعالى:{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} روي أن مريم لما اطمأنت بما رأت من الآيات، وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها، أتت به تحمله من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه. قال ابن عباس: خرجت من عندهم حين أشرقت الشمس، فجاءتهم عند الظهر ومعها صبي تحمله، فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار. وقال الكلبي: ولدت حيث لم يشعر بها قومها، ومكثت أربعين يوماً للنفاس، ثم أتت قومها تحمله، فلما رأوها ومعها الصبي حزنوا وكانوا أهل بيت صالحين؛ فقالوا منكِرين: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أي جئت بأمر عظيم كالآتي بالشي يفتريه. قال مجاهد: «فريا» عظيماً. وقال سعيد بن مسعدة: أي مختلقاً مفتعلاً؛ يقال: فريت وأفريت بمعنى واحد. والولد من الزنى كالشيء المفترى. قال الله تعالى:

{ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ }[الممتحنة: 12] أي بولد يقصد إلحاقه بالزوج وليس منه. يقال: فلان يفرِي الفرِيّ أي يعمل العمل البالغ، وقال أبو عبيدة: الفريّ العجيب النادر؛ وقاله الأخفش. قال: فرياً عجيباً. والفَرْي القطع كأنه مما يخرق العادة، أو يقطع القول بكونه عجيباً نادراً. وقال قطرب: الفري الجديد من الأسقية؛ أي جئت بأمر جديد بديع لم تسبقي إليه. وقرأ أبو حيوة: «شَيْئاً فَرْياً» بسكون الراء. وقال السدي ووهب بن منبه: لما أتت به قومها تحمله تسامع بذلك بنو إسرائيل، فاجتمع رجالهم ونساؤهم، فمدّت امرأة يدها إليها لتضربها فأجف الله شطرها فحمُلت كذلك. وقال آخر: ما أراها إلا زنت فأخرسه الله تعالى؛ فتحامى الناس من أن يضربوها، أو يقولوا لها كلمة تؤذيها، وجعلوا يخفضون إليها القول ويلينون؛ فقالوا: «يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً» أي عظيماً؛ قال الراجز:

قد أَطعَمتْنِي دَقَلاً حَوْلِيَّامُسوِّساً مُدَوِّداً حَجْرِيَّاقـد كـنـتِ تَـفْـرِيـن بِـهِ الـفـرِيَّـا

أي (تعظمينه).

قوله تعالى: {يٰأُخْتَ هَارُونَ} اختلف الناس في معنى هذه الأخوة، ومن هارون؟ فقيل: هو هارون أخو موسى؛ والمراد من كنا نظنها مثل هارون في العبادة تأتي بمثل هذا. قيل: على هذا كانت مريم من ولد هارون أخي موسى فنسبت إليه بالأخوة لأنها من ولده؛ كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللعربي يا أخا العرب. وقيل: كان لها أخ من أبيها اسمه هارون؛ لأن هذا الاسم كان كثيراً في بني إسرائيل تبركاً باسم هارون أخي موسى، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل؛ قاله الكلبي. وقيل: هارون هذا رجل صالح في ذلك الزمان تبع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم اسمه هارون. وقال قتادة: كان في ذلك الزمان في بني إسرائيل عابد منقطع إلى الله عز وجل يسمى هارون فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته قبلُ؛ إذ كانت موقوفة على خدمة البيع؛ أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلاً لذلك. وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: إن مريم ليست بأخت هارون أخي موسى؛ فقالت له عائشة: كذبت. فقال لها: يا أم المؤمنين إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله فهو أصدق وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما من المدّة ستمائة سنة. قال: فسكتت. وفي صحيح مسلم

عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمتُ نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون «يا أخت هارون» وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك، فقال: «إنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم». وقد جاء في بعض طرقه في غير الصحيح أن النصارى قالوا له: إن صاحبك يزعم أن مريم هي أخت هارون وبينهما في المدّة ستمائة سنة؟! قال المغيرة: فلم أدر ما أقول؛ وذكر الحديث. والمعنى أنه اسم وافق اسماً. ويستفاد من هذا جواز التسمية بأسماء الأنبياء؛ والله أعلم.

قلت: فقد دل الحديث الصحيح أنه كان بين موسى وعيسى وهارون زمان مديد. قال الزمخشري: كان بينهما وبينه ألف سنة أو أكثر فلا يتخيل أن مريم كانت أخت موسى وهارون؛ وإن صح فكما قال السدي لأنها كانت من نسله؛ وهذا كما تقول للرجل من قبيلة: يا أخا فلان. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:

إن أخا صُدَاء قد أذَّن فمن أذَّنَ فهو يُقيموهذا هو القول الأوّل. ابن عطية: وقالت فرقة بل كان في ذلك الزمان رجل فاجر اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ؛ ذكره الطبري ولم يسمّ قائله.

قلت: ذكره الغزنوي عن سعيد بن جبير أنه كان فاسقاً مَثَلاً في الفجور فنسبت إليه. والمعنى: ما كان أبوك ولا أمك أهلاً لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها؟! وهذا من التعريض الذي يقوم مقام التصريح. وذلك يوجب عندنا الحدّ وسيأتي في سورة «النور» القول فيه إن شاء الله تعالى. وهذا القول الأخير يردّه الحديث الصحيح، وهو نص صريح فلا كلام لأحد معه، ولا غبار عليه. والحمد لله. وقرأ عمر بن لجأ التَّيْميّ «مَا كَانَ أَبَاكِ امْرُأُ سَوْءٍ».

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا ۝٢٩ قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا ۝٣٠ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ۝٣١ وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا ۝٣٢ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ۝٣٣

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام، ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت بـ«ـإني نذرت للرحمن صوماً» وإنما ورد بأنها أشارت، فيقوى بهذا قول من قال: إن أمرها بـ«ـقولي» إنما أريد به الإشارة. ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا: استخفافها بنا أشدّ علينا من زناها، ثم قالوا لها على جهة التقرير: «كيف نكلم من كان فِي المهدِ صبِياً» و«كان» هنا ليس يراد بها الماضي؛ لأن كل واحد قد كان في المهد صبياً، وإنما هي في معنى هو (الآن). وقال أبو عبيدة: «كان» هنا لغو؛ كما قال:

وجِيرانٍ لنا كانوا كرامِ

وقيل: هي بمعنى الوجود والحدوث كقوله: «وَإِنْ كَانَ ذو عُسْرَةٍ» وقد تقدّم. وقال ابن الأنباري: لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت «صبياً»، ولا أن يقال «كان» بمعنى حدث، لأنه لو كانت بمعنى الحدوث والوقوع لاستغنى فيه عن الخبر، تقول: كان الحَرُّ وتكتفي به. والصحيح أن «من» في معنى الجزاء و«كان» بمعنى يكن؛ والتقدير: من يكن في المهد صبياً فكيف نكلمه؟! كما تقول: كيف أعطي من كان لا يقبل عطية؛ أي من يكن لا يقبل. والماضي قد يذكر بمعنى المستقبل في الجزاء؛ كقوله تعالى: { تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }[الفرقان: 10] أي إن يشأ يجعل. وتقول: من كان إليّ منه إحسان كان إليه مني مثله، أي من يكن منه إلى إحسان يكن إليه مني مثله. «والمهد» قيل: كان سريراً كالمهد. وقيل: «المهد» هاهنا حجر الأم. وقيل: المعنى كيف نكلم من كان سبيله أن ينوَّم في المهد لصغره، فلما سمع عيسى عليه السلام كلامهم قال لهم من مرقده {إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} وهي:

الثانية: فقيل: كان عيسى عليه السلام يرضع فلما سمع كلامهم ترك الرضاعة وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار إليهم بسبابته اليمنى، و{قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} فكان أوّل ما نطق به الاعتراف بعبوديته لله تعالى وربوبيته، رداً على من غلا من بعده في شأنه والكتاب الإنجيل؛ قيل: آتاه في تلك الحالة الكتاب، وفهمه وعلمه، وآتاه النبوّة كما علم آدم الأسماء كلها، وكان يصوم ويصلي. وهذا في غاية الضعف على ما نبينه في المسألة بعد هذا. وقيل: أي حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة في الأزل، وإن لم يكن الكتاب منزلاً في الحال؛ وهذا أصح. {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} أي ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلِّماً له. التُّسْتَريّ: وجعلني آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأرشد الضال، وأنصر المظلوم، وأغيث الملهوف. {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ} أي لأؤدّيهما إذا أدركني التكليف، وأمكنني أداؤهما، على القول الأخير الصحيح. {مَا دُمْتُ حَيّاً} ما في موضع نصب على الظرف أي دوام حياتي. قوله تعالى: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} قال ابن عباس: لما قال «وَبَرًّا بِوَالِدَتِي» ولم يقل بوالديّ علم أنه شيء من جهة الله تعالى. {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً} أي متعظماً متكبراً يقتل ويضرب على الغضب. وقيل: الجبار الذي لا يرى لأحد عليه حقّاً قطّ. {شَقِيّاً } أي خائباً من الخير. ابن عباس: عاقاً. وقيل: عاصياً لربه. وقيل: لم يجعلني تاركاً لأمره فأشقى كما شقي إبليس لما ترك أمره.

الثالثة: قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر! أخبر عيسى عليه السلام بما قضى من أمره، وبما هو كائن إلى أن يموت. وقد روي في قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا: إن هذا لأمر عظيم. وروي أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته بهذه الآية، ثم عاد إلى حالة الأطفال، حتى مشى على عادة البشر إلى أن بلغ مبلغ الصبيان، فكان نطقه إظهار براءة أمه لا أنه كان ممن يعقل في تلك الحالة، وهو كما ينطق الله تعالى الجوارح يوم القيامة. ولم يُنقَل أنه دام نطقه، ولا أنه كان يصلي وهو ابن يوم أو شهر، ولو كان يدوم نطقه وتسبيحه ووعظه وصلاته في صغره من وقت الولادة لكان مِثله مما لا ينكتم، وهذا كله مما يدل على فساد القول الأول، ويصرح بجهالة قائله. ويدل أيضاً على أنه تكلم في المهد خلافاً لليهود والنصارى. والدليل على ذلك إجماع الفِرق على أنها لم تُحَدّ. وإنما صحّ براءتها من الزنى بكلامه في المهد. ودلت هذه الآية على أن الصلاة والزكاة وبر الوالدين كان واجباً على الأمم السالفة، والقرون الخالية الماضية، فهو مما يثبت حكمه، ولم ينسخ في شريعة أمره. وكان عيسى عليه السلام في غاية التواضع؛ يأكل الشجر، ويلبس الشعر، ويجلس على التراب، ويأوي حيث جَنّه الليل، لا مسكن له، صلى الله عليه وسلم.

الرابعة: الإشارة بمنزلة الكلام، وتُفهِم ما يُفهِم القول. كيف لا وقد أخبر الله تعالى عن مريم فقال: «فأشارت إليه» وفهم منها القوم مقصودها وغرضها فقالوا: «كيف نكلم» وقد مضى هذا في «آل عمران» مستوفى.

الخامسة: قال الكوفيون: لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه. وروي مثله عن الشعبي، وبه قال الأوزاعيّ وأحمد وإسحاق، وإنما يصح القذف عندهم بصريح الزنى دون معناه، وهذا لا يصح من الأخرس ضرورة، فلم يكن قاذفاً؛ ولا يتميز بالإشارة بالزنى من الوطء الحلال والشبهة. قالوا: واللعان عندنا شهادات، وشهادة الأخرس لا تقبل بالإجماع. قال ابن القصار: قولهم إن القذف لا يصح إلا بالتصريح فهو باطل بسائر الألسنة ما عدا العربية، فكذلك إشارة الأخرس. وما ذكروه من الإجماع في شهادة الأخرس فغلط. وقد نص مالك أن شهادته مقبولة إذا فهمت إشارته، وأنها تقوم مقام اللفظ بالشهادة، وأما مع القدرة باللفظ فلا تقع منه إلا باللفظ. قال ابن المنذر: والمخالفون يلزمون الأخرس الطلاق والبيوع وسائر الأحكام، فينبغي أن يكون القذف مثل ذلك. قال المهلب: وقد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام؛ مثل قوله عليه الصلاة والسلام:

بعثت أنا والساعة كهاتيننعرف قرب ما بينهما بمقدار زيادة الوسطى على السبابة. وفي إجماع العقول على أن العِيان أقوى من الخبر دليل على أن الإشارة قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام. {وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ} أي السلامة عليّ من الله تعالى. قال الزجاج: ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام فحسن في الثانية ذكر الألف واللام. وقوله: {يَوْمَ وُلِدْتُّ} يعني في الدنيا. وقيل: من همز الشيطان كما تقدّم في «آل عمران». {وَيَوْمَ أَمُوتُ} يعني في القبر. {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} يعني في الآخرة؛ لأن له أحوالاً ثلاثة: في الدنيا حياً، وفي القبر ميتاً، وفي الآخرة مبعوثاً؛ فسلم في أحواله كلها؛ وهو معنى قول الكلبي. ثم انقطع كلامه في المهد حتى بلغ مبلغ الغلمان. وقال قتادة: ذكر لنا أن عيسى عليه السلام رأته امرأة يُحيِي الموتى، ويُبرىء الأكمة والأبرص في سائر آياته فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعك؛ فقال لها عيسى عليه السلام: طوبى لمن تلا كتاب الله تعالى واتبع ما فيه وعمل به.

ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ۝٣٤ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَٰنَهُۥٓ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٣٥ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ۝٣٦ فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝٣٧ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٣٨ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٣٩ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ۝٤٠

قوله تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} أي ذلك الذي ذكرناه عيسى ابن مريم فكذلك اعتقدوه، لا كما تقول اليهود إنه لغير رشدة، وأنه ابن يوسف النجار، ولا كما قالت النصارى: إنه الإلٰه أو ابن الإلٰه. {قَوْلُ ٱلْحَقِّ} قال الكسائي: «قَوْلُ الْحَقِّ» نعت لعيسى؛ أي ذلك عيسى ابن مريم (قَوْلُ الحَقِّ). وسمي قول الحق كما سمي كلمة الله؛ والحق هو الله عز وجل. وقال أبو حاتم: المعنى هو قول الحق. وقيل: التقدير هذا الكلام قول الحق. قال ابن عباس: يريد هذا كلام عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم قول الحق ليس بباطل؛ وأضيف القول إلى الحق كما قال:

{ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ }[الأحقاف: 16] أي الوعد الصدق. وقال: { وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ }[يوسف: 109] أي ولا الدار الآخرة. وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر «قَوْلَ الْحَقِّ» بالنصب على الحال؛ أي أقول قولاً حقاً. والعامل معنى الإشارة في «ذلك». الزجاج: هو مصدر أي أقول قول الحق؛ لأن ما قبله يدل عليه. وقيل: مدح. وقيل: إغراء. وقرأ عبد الله «قَالُ الحقِّ». وقرأ الحسن «قُولُ الحقِّ» بضم القاف، وكذلك في «الأنعام» «قَوْلُهُ الْحَقُّ». والقَوْلُ والقَالُ والقُولُ بمعنى واحد، كالرَّهْب والرَّهَب والرُّهْبِ. {ٱلَّذِي} من نعت عيسى. {فِيهِ يَمْتُرُونَ} أي يشكون؛ أي ذلك عيسى ابن مريم الذي فيه يمترون القول الحق. وقيل: «يمترون» يختلفون. ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع؛ فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية. فقالت الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، قال: هو ابن الله وهم النّسطورية، فقال الاثنان كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة، الله إلٰه وهو إلٰه، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى. قال الرابع: كذبت بل هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع ـ على ما قال ـ فاقتتلوا فظُهِر على المسلمين، فذلك قول الله تعالى: { وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ }[آل عمران: 21]. وقال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} اختلفوا فيه فصاروا أحزاباً فهذا معنى قوله: «الذي فيه تمترون» بالتاء المعجمة من فوق وهي قراءة أبي عبد الرحمن السُّلَمي وغيره. قال ابن عباس: فمر بمريم ابن عمها ومعها ابنها إلى مصر فكانوا فيها اثنتي عشرة سنة حتى مات الملك الذي كانوا يخافونه؛ ذكره الماوردي.

قلت: ووقع في تاريخ مصر فيما رأيت وجاء في الإنجيل؛ الظاهر أن السيد المسيح لما ولد في بيت لحم كان هيرودس في ذلك الوقت ملكاً، وأن الله تعالى أوحى إلى يوسف النجار في الحلم وقال له: قم فخذ الصبي وأمه واذهب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك، فإن هيرودس مزمع أن يطلب عيسى ليهلكه، فقام من نومه: وامتثل أمر ربه، وأخذ السيد المسيح ومريم أمه وجاء إلى مصر، وفي حال مجيئه إلى مصر نزل ببئر البَلَسان التي بظاهر القاهرة، وغسلت ثيابه على ذلك البئر، فالبَلَسان لا يطلع ولا ينبت إلا في تلك الأرض، ومنه يخرج الدهن الذي يخالط الزيت الذي تعمّد به النصارى، ولذلك كانت قارورة واحدة في أيام المصريين لها مقدار عظيم، وتقع في نفوس ملوك النصارى مثل ملك القسطنطينية وملك صقلية وملك الحبشة وملك النوبة وملك الفرنجة وغيرهم من الملوك عندما يهاديهم به ملوك مصر موقعاً جليلاً جداً، وتكون أحبّ إليهم من كل هدية لها قدر. وفي تلك السّفْرة وصل السيد المسيح إلى مدينة الأشمونين وقسقام المعروفة الآن بالمحرقة، فلذلك يعظمها النصارى إلى الآن، ويحضرون إليها في عيد الفصح من كل مكان؛ لأنها نهاية ما وصل إليها من أرض مصر، ومنها عاد إلى الشام. والله أعلم.

قوله تعالى: {مَا كَانَ للَّهِ} أي ما ينبغي له ولا يجوز {أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} «من» صلة للكلام؛ أي أن يتخذ ولداً. و«أن» في موضع رفع اسم «كان» أي ما كان لله أن يتخذ ولداً؛ أي ما كان من صفته اتخاذ الولد، ثم نزه نفسه تعالى عن مقالتهم فقال: {سُبْحَانَهُ} أن يكون له ولد. {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تقدم في «البقرة» مستوفى. {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} قرأ أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو بفتح «أن» وأهل الكوفة «وإن» بكسر الهمزة على أنه مستأنف. تدل عليه قراءة أبيّ «كُنْ فَيَكُونُ. إنَّ الله» بغير واو على العطف على «قَالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ». وفي الفتح أقوال: فمذهب الخليل وسيبويه أن المعنى؛ ولأن الله ربي وربكم، وكذا «وأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ» فـ«ـأن» في موضع نصب عندهما. وأجاز الفراء أن يكون في موضع خفض على حذف اللام، وأجاز أن يكون أيضاً في موضع خفض بمعنى؛ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبأن الله ربي وربكم. وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى؛ والأمر أن الله ربي وربكم. وفيها قول خامس: حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء قاله، وهو أن يكون المعنى: وقضى أن الله ربي وربكم؛ فهي معطوفة على قوله: «أمراً» من قوله: «إِذَا قَضَى أَمْراً» والمعنى إذا قضى أمراً وقضى أن الله. ولا يبتدأ بـ«ـأن» على هذا التقدير، ولا على التقدير الثالث. ويجوز الابتداء بها على الأوجه الباقية. {فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي دين قويم لا اعوجاج فيه.

قوله تعالى: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} «من» زائدة؛ أي اختلف الأحزاب بينهم. وقال قتادة: أي ما بينهم. فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى عليه السلام فاليهود بالقدح والسحر. والنصارى قالت النسطورية منهم: هو ابن الله. والملكانية ثالث ثلاثة. وقالت اليعقوبية: هو الله؛ فأفرطت النصارى وغلت، وفرطت اليهود وقصرت. وقد تقدّم هذا في «النساء». وقال ابن عباس: المراد بالأحزاب الذين تحزبوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم وكذبوه من المشركين. {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي من شهود يوم القيامة، والمشهد بمعنى المصدر، والشهود الحضور. ويجوز أن يكون الحضور لهم، ويضاف إلى الظرف لوقوعه فيه، كما يقال: ويل لفلان من قتال يوم كذا؛ أي من حضوره ذلك اليوم. وقيل: المشهد بمعنى الموضع الذي يشهده الخلائق، كالمحشر للموضع الذي يحشر إليه الخلق. وقيل: فويل للذين كفروا من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور، فأجمعوا على الكفر بالله، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة.

قوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} قال أبو العباس: العرب تقول هذا في موضع التعجب؛ فتقول: أسمع بزيد وأبصر بزيد أي ما أسمعه وأبصره. قال: فمعناه أنه عَجَّب نبيه منهم. قال الكلبي: لا أحد أسمع منهم يوم القيامة ولا أبصر، حين يقول الله تبارك وتعالى لعيسى:

{ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ }[المائدة: 116]. وقيل: «أسمع» بمعنى الطاعة؛ أي ما أطوعهم لله في ذلك اليوم. {لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ} يعني في الدنيا. {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وأيّ ضلال أبين من أن يعتقد المرء في شخص مثله حملته الأرحام، وأكل وشرب، وأحدث واحتاج أنه إلٰه؟! ومن هذا وصفه فهو أصم أعمى ولكنه سيبصر ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب، ولكنه لا ينفعه ذلك؛ قال معناه قتادة وغيره.

قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما من أحد يدخل النار إلا وله بيت في الجنة فيتحسر عليه. وقيل: تقع الحسرة إذا أعطي كتابه بشماله. {إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي فُرِغ من الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أَمْلَح فيوقف بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت ـ قال ـ ثم يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت ـ قال ـ فيؤمر به فيذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ـ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}خرجه البخاري بمعناه عن ابن عمر، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، والترمذي عن أبي سعيد يرفعه وقال فيه حديث حسن صحيح. وقد ذكرنا ذلك في كتاب «التذكرة» وبينا هناك أن الكفار مخلّدون بهذه الأحاديث والآي رداً على من قال: إن صفة الغضب تنقطع، وإن إبليس ومن تبعه من الكفرة كفرعون وهامان وقارون وأشباههم يدخلون الجنة.

قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} أي نميت سكانها فنرثها. {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} يوم القيامة فنجازي كلاًّ بعمله، وقد تقدّم هذا في «الحجر» وغيرها.

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِبْرَٰهِيمَ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ۝٤١ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا ۝٤٢ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا ۝٤٣ يَٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَٰنَ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا ۝٤٤ يَٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَٰنِ وَلِيًّا ۝٤٥ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا ۝٤٦ قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا ۝٤٧ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا ۝٤٨ فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ۝٤٩ وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ۝٥٠

قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} المعنى: واذكر في الكتاب الذي أنزل عليك وهو القرآن قصة إبراهيم وخبره. وقد تقدّم معنى الصدّيق في «النساء» واشتقاق الصدق في «البقرة» فلا معنى للإعادة. ومعنى الآية: اقرأ عليهم يا محمد في القرآن أمر إبراهيم فقد عرفوا أنهم من ولده، فإنه كان حنيفاً مسلماً وما كان يتخذ الأنداد، فهؤلاء لم يتخذون الأنداد؟! وهو كما قال:

{ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ }[البقرة: 130].

قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لاَّبِيهِ} وهو آزر وقد تقدّم. {يٰأَبَتِ} قد تقدّم القول فيه في «يوسف» {لِمَ تَعْبُدُ} أي لأي شيء تعبد: {مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} يريد الأصنام. {يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} أي من اليقين والمعرفة بالله وما يكون بعد الموت، وأن من عبد غير الله عذب {فَٱتَّبِعْنِيۤ} إلى ما أدعوك إليه. {أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} أي أرشدك إلى دين مستقيم فيه النجاة. {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ} أي لا تطعه فيما يأمرك به من الكفر، ومن أطاع شيئاً في معصية فقد عبده. {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً} «كان» صلة زائدة. وقيل: كان بمعنى صار. وقيل: بمعنى الحال؛ أي هو للرحمن. وعصيا وعاصٍ بمعنى واحد؛ قاله الكسائي. {يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي إن متَّ على ما أنت عليه. ويكون «أَخَافُ» بمعنى أعلم. ويجوز أن يكون «أَخَافُ» على بابها فيكون المعنى: إني أخاف أن تموت على كفرك فيمسك العذاب. {فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} أي قريناً في النار. {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ} أي أترغب عنها إلى غيرها. {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً } قال الحسن: يعني بالحجارة. الضحاك: بالقول؛ أي لأشتمنك. ابن عباس: لأضربنك. وقيل: لأظهرن أمرك. {وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً}. قال ابن عباس: أي اعتزلني سالم العرض لا يصيبنَّك مني معرّة؛ واختاره الطبري، فقوله: «ملياً» على هذا حال من إبراهيم. وقال الحسن ومجاهد: «ملياً» دهراً طويلاً؛ ومنه قول المهلهل:

فَتَصدَّعَتْ صُمُّ الجبالِ لموتهوبَكَت عليه المُرْمِلاَتُ مليًّا

قال الكسائي: يقال هجرته مليًّا ومَلْوة ومُلْوة ومَلاَوة ومُلاَوة، فهو على هذا القول ظرف، وهو بمعنى الملاوة من الزمان، وهو الطويل منه.

قوله تعالى: {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ} لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بسوء الرد؛ لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره. والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية؛ قال الطبري: معناه أمنة مني لك. وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام. وقال النقاش: حليم خاطب سفيهاً؛ كما قال:

{ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً }[الفرقان: 63]. وقال بعضهم في معنى تسليمه: هو تحية مفارق؛ وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها. قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم؛ قال الله تعالى: { لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ }[الممتحنة: 8]. وقال: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ }[الممتحنة: 4] الآية؛ وقال إبراهيم لأبيه: «سلام عليك».

قلت: الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة؛ وفي الباب حديثان صحيحان: روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقهخرجه البخاري ومسلم. وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حماراً عليه إكاف تحته قطيفة فَدَكيّة، وأردف وراءه أسامة بن زيد؛ وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، وفي المجلس عبد الله بن رَوَاحة، فلما غشيت المجلسَ عجاجةُ الدابة، خمر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تُغبِّروا علينا، فسلّم عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ الحديث. فالأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء، لأن ذلك إكرام، والكافر ليس أهله. والحديث الثاني يجوز ذلك. قال الطبري: ولا يعارَض ما رواه أسامة بحديث أبي هريرة، فإنه ليس في أحدهما خلاف للآخر؛ وذلك أن حديث أبي هريرة مخرجه العموم، وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص. وقال النَّخَعي: إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأه بالسلام؛ فبان بهذا أن حديث أبي هريرةلا تبدؤوهم بالسلامإذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام، من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قِبلهم، أو حقّ صحبة أو جوار أو سفر. قال الطبري: وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب. وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه؛ قال علْقَمة: فقلت له يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام؟! قال: نعم؛ ولكن حقّ الصحبة. وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه؛ فقيل له في ذلك فقال: أمرنا أن نفشي السلام. وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه، فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك. وروي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم.

قلت: وقد احتج أهل المقالة الأولى بأن السلام الذي معناه التحية إنما خص به هذه الأمة؛ لحديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله تعالى أعطى أمتي ثلاثاً لم تعط أحداً قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنةالحديث؛ ذكره الترمذي الحكيم؛ وقد مضى في الفاتحة بسنده. وقد مضى الكلام في معنى قوله: «سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي». وارتفع السلام بالابتداء، وجاز ذلك مع نكرته لأنه نكرة مخصصة فقرنت المعرفة.

قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}: الحفي المبالغ في البرّ والإلطاف؛ يقال: حَفِي به وتَحفَّى إذا بَرَّه. وقال الكسائي يقال: حَفِي بي حِفَاوة وحِفْوة. وقال الفراء: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي عالماً لطيفاً يجيبني إذا دعوته.

قوله تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ}: العزلة المفارقة وقد تقدّم في «الكهف» بيانها. وقوله: {عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً} قيل: أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلاً وولداً يتقوى بهم حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه. ولهذا قال: {فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أي آنسنا وحشته بولد؛ عن ابن عباس وغيره. وقيل: «عسى» يدل على أن العبد لا يقطع بأنه يبقى على المعرفة أم لا في المستقبل. وقيل: دعا لأبيه بالهداية. فـ«ـعسى» شك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا؟ والأول أظهر. وقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} أي أثنينا عليهم ثناء حسناً؛ لأن جميع الملل تحسن الثناء عليهم. واللسان يذكر ويؤنث؛ وقد تقدّم.

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ مُوسَىٰٓ إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ۝٥١ وَنَٰدَيْنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَٰهُ نَجِيًّا ۝٥٢ وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيًّا ۝٥٣

قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ} أي واقرأ عليهم من القرآن قصة موسى. {إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً} في عبادته غير مرائي. وقرأ أهل الكوفة بفتح اللام؛ أي أخلصناه فجعلناه مختاراً. {وَنَادَيْنَاهُ} أي كلمناه ليلة الجمعة. {مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ} أي يمين موسى، وكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى حين أقبل من مدين إلى مصر؛ قاله الطبري وغيره؛ فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال. {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} نصب على الحال؛ أي كلمناه من غير وحي. وقيل: أدنيناه لتقريب المنزلة حتى كلمناه. وذكر وكيع وقبِيصة عن سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} أي أدني حتى سمع صريف الأقلام. {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} وذلك حين سأل فقال: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَرُونَ أَخِي}.

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِسْمَٰعِيلَ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ۝٥٤ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا ۝٥٥

فيه ست مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} اختلف فيه؛ فقيل: هو إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه، فخيره الله تعالى فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه ورضي بثوابه، وفوض أمرهم إليه في عفوه وعقوبته. والجمهور أنه إسماعيل الذبيح أبو العرب بن إبراهيم. وقد قيل: إن الذبيح إسحاق؛ والأول أظهر على ما تقدّم ويأتي في «والصافات» إن شاء الله تعالى. وخصه الله تعالى بصدق الوعد وإن كان موجوداً في غيره من الأنبياء تشريفاً له وإكراماً، كالتلقيب بنحو الحليم والأواه والصدّيق؛ ولأنه المشهور المتواصف من خصاله.

الثانية: صدق الوعد محمود وهو من خلق النبيين والمرسلين، وضدّه وهو الخلف مذموم، وذلك من أخلاق الفاسقين والمنافقين على ما تقدّم بيانه في «براءة». وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل فوصفه بصدق الوعد. واختلف في ذلك؛ فقيل: إنه وعد من نفسه بالصبر على الذبح فصبر حتى فدي. هذا في قول من يرى أنه الذبيح. وقيل: وعد رجلاً أن يلقاه في موضع فجاء إسماعيل وانتظر الرجل يومه وليلته، فلما كان في اليوم الآخر جاء؛ فقال له؛ ما زلت هاهنا في انتظارك منذ أمس. وقيل: انتظره ثلاثة أيام. وقد فعل مثله نبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثه؛ ذكره النقاش وخرجه الترمذي وغيره عن عبد الله بن أبي الحَمْساء قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة أيام، فجئت فإذا هو في مكانه؛ فقال:

يا فتى لقد شققت عليّ أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظركلفظ أبي داود. وقال يزيد الرقاشي: انتظره إسماعيل اثنين وعشرين يوماً؛ ذكره الماورديّ. وفي كتاب ابن سلام أنه انتظره سنة. وذكره الزمخشري عن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة. وذكره القشيري قال: فلم يبرح من مكانه سنة حتى أتاه جبريل عليه السلام؛ فقال: إن التاجر الذي سألك أن تقعد له حتى يعود هو إبليس فلا تقعد ولا كرامة له. وهذا بعيد ولا يصح. وقد قيل: إن إسماعيل لم يَعِد شيئاً إلا وَفَّى به، وهذا قول صحيح، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية؛ والله أعلم.

الثالثة: من هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم:

العِدة دَيْن. وفي الأثر «وأي المؤمن واجب» أي في أخلاق المؤمنين. وإنما قلنا إن ذلك ليس بواجب فرضاً لإجماع العلماء على ما حكاه أبو عمر أن من وعد بمال ما كان ليَضْرِب به مع الغرماء؛ فلذلك قلنا إيجاب الوفاء به حسن مع المروءة، ولا يقضى به. والعرب تمتدح بالوفاء، وتذم بالخلف والغدر، وكذلك سائر الأمم، ولقد أحسن القائل:

متى ما يقلْ حُرٌّ لصاحبِ حاجةٍنَعَمْ يقضِها والحرُّ لِلوايِ ضامن

ولا خلاف أن الوفاء يستحق صاحبه الحمد والشكر، وعلى الخلف الذم. وقد أثنى الله تبارك وتعالى على من صدق وعده، ووفى بنذره؛ وكفى بهذا مدحاً وثناء، وبما خالفه ذماً.

الرابعة: قال مالك: إذا سأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه. قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال نعم، وثَمَّ رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان. وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعيّ والشافعي وسائر الفقهاء: إن العِدة لا يلزم منها شيء لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع فيها. وفي البخاري {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ}؛ وقضى ابن أَشْوَع بالوعد وذكر ذلك عن سَمُرة بن جُنْدب. قال البخاري: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أَشْوَع.

الخامسة: {وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} قيل: أرسل إسماعيل إلى جُرْهم. وكل الأنبياء كانوا إذا وعدوا صدقوا، وخص إسماعيل بالذكر تشريفاً له. والله أعلم.

السادسة: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ} قال الحسن: يعني أمته. وفي حرف ابن مسعود «وكان يأمر أهله جُرْهم وولده بالصلاة والزكاة». {وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} أي رضياً زاكياً صالحاً. قال الكسائي والفراء: من قال مرضيّ بناه على رضيت؛ قالا. وأهل الحجاز يقولون: مرضوّ. وقال الكسائي والفراء: من العرب من يقول رِضَوَان ورِضَيَان فِرضوان على مرضوّ، ورِضيان على مرضيّ ولا يجيز البصريون أن يقولوا إلا رِضوان وربوان. قال أبو جعفر النحاس: سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: يخطئون في الخط فيكتبون ربا بالياء ثم يخطئون فيما هو أشدّ من هذا فيقولون رِبيان ولا يجوز إلا رِبوَان ورِضَوَان؛ قال الله تعالى:

{ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ }[الروم: 39].

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ۝٥٦ وَرَفَعْنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ۝٥٧

قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً} إدريس عليه السلام أوّل من خط بالقلم، وأوّل من خاط الثياب ولبس المخيط، وأوّل من نظر في علم النجوم والحساب وسيرها. وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالى. وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة كما في حديث أبي ذر. قال الزمخشري: وقيل سمي إدريسُ إدريسَ لكثرة درسه كتاب الله تعالى؛ وكان اسمه أخنوخ وهو غير صحيح؛ لأنه لو كان إفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفاً، فامتناعه من الصرف دليل على العجمة؛ وكذلك إبليس أعجمي وليس من الإبلاس كما يزعمون؛ ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت؛ ومن لم يحقق ولم يتدرّب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات؛ ويجوز أن يكون معنى إدريس عليه السلام في تلك اللغة قريباً من ذلك فحسبه الراوي مشتقاً من الدرس. قال الثعلبي والغزنوي وغيرهما: وهو جدّ نوح وهو خطأ؛ وقد تقدّم في «الأعراف» بيانه. وكذا وقع في السيرة أن نوحاً عليه السلام بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي فيما يزعمون؛ والله تعالى أعلم. وكان أوّل من أعطي النبوّة من بني آدم، وخط بالقلم. ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم فالله أعلم.

قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } قال أنس بن مالك وأبو سعيد الخدريّ وغيرهما: يعني السماء الرابعة. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقاله كعب الأحبار. وقال ابن عباس والضحاك: يعني السماء السادسة؛ ذكره المهدوي.

قلت: ووقع في البخاري عن شرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِر قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، الحديث، وفيه: كل سماء فيها أنبياء ـ قد سماهم ـ منهم إدريس في الثانية. وهو وَهَمٌ، والصحيح أنه في السماء الرابعة؛ كذلك رواه ثابت البُنَانِيّ عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ذكره مسلم في الصحيح. وروى مالك بن صعصعة قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

لما عرج بي إلى السماء أتيت على إدريس في السماء الرابعة. خرجه مسلم أيضاً. وكان سبب رفعه على ما قال ابن عباس وكعب وغيرهما: أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب أنا مشيت يوماً فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خَفِّف عنه من ثقلها. يعني الملك الموكل بفلك الشمس؛ يقول إدريس: اللهم خَفِّف عنه من ثقلها واحمل عنه من حرها. فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس والظل ما لا يعرف، فقال: يا رب خلقتني لحمل الشمس فما الذي قضيت فيه؟ فقال الله تعالى: «أما إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته» فقال: يا رب اجمع بيني وبينه، واجعل بيني وبينه خلة. فأذن الله له حتى أتى إدريس، وكان إدريس عليه السلام يسأله. فقال: أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي، فأزداد شكراً وعبادة. فقال الملك: لا يؤخر الله نفساً إِذا جاء أجلها؛ فقال للملك: قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي. قال: نعم. ثم حمله على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم قال لملك الموت: لي صديق من بني آدم تشّفع بي إليك لتؤخر أجله. فقال: ليس ذلك إليّ ولكن إن أحببت عِلمه أعلمته متى يموت. قال: «نعم» ثم نظر في ديوانه، فقال: إنك تسألني عن إنسان ما أراه يموت أبداً. قال: «وكيف»؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس. قال: فإني أتيتك وتركته هناك؛ قال: انطلق فما أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء. فرجع الملك فوجده ميتاً". وقال السدّي: إنه نام ذات يوم، واشتدّ عليه حرّ الشمس، فقام وهو منها في كرب؛ فقال: اللهم خفف عن ملك الشمس حرها، وأعنه على ثقلها، فإنه يمارس ناراً حامية. فأصبح ملك الشمس وقد نصب له كرسي من نور، عنده سبعون ألف ملك عن يمينه، ومثلها عن يساره يخدمونه، ويتولون أمره وعمله من تحت حكمه؛ فقال ملك الشمس: يا رب من أين لي هذا؟. قال:دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس ثم ذكر نحو حديث كعب. قال فقال له ملك الشمس: أتريد حاجة؟ قال: نعم وددت أني لو رأيت الجنة. قال: فرفعه على جناحه، ثم طار به، فبينما هو في السماء الرابعة التقى بملك الموت ينظر في السماء، ينظر يميناً وشمالاً، فسلم عليه ملك الشمس، وقال: يا إدريس هذا ملك الموت فسلم عليه؛ فقال ملك الموت: سبحان الله! ولأي معنى رفعته هاهنا؟ قال: رفعته لأريه الجنة. قال: فإن الله تعالى أمرني أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة. قلت: يا رب وأين إدريس من السماء الرابعة، فنزلت فإذا هو معك؛ فقبض روحه فرفعها إلى الجنة، ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة، فذلك قوله تعالى: «ورفعناه مكاناً علِياً». قال وهب بن منبه: كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه، فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربه في زيارته فأذن له، فأتاه في صورة آدمي، وكان إدريس عليه السلام يصوم النهار؛ فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل. ففعل به ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس؛ وقال له: من أنت! قال: أنا ملك الموت؛ استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي؛ فقال: إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: أن تقبض روحي. فأوحى الله تعالى إليه أن اقبض روحه؛ فقبضه وردّه الله إليه بعد ساعة، وقال له ملك الموت: ما الفائدة في قبض روحك؟ قال: لأذوق كرب الموت فأكون له أشدّ استعداداً. ثم قال له إدريس بعد ساعة: إن لي إليك حاجة أخرى. قال: وما هي؟ قال: أن ترفعني إلى السماء فأنظر إلى الجنة والنار؛ فأذن الله تعالى له في رفعه إلى السموات، فرأى النار فصعق، فلما أفاق قال: أرني الجنة؛ فأدخله الجنة، ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرّك. فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها. فبعث الله تعالى بينهما ملكاً حكماً، فقال: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ }[آل عمران: 185] وأنا ذقته، وقال: { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا }[مريم: 71] وقد وردتها؛ وقال: { وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ }[الحجر: 48] فكيف أخرج؟ قال الله تبارك وتعالى لملك الموت:بإذني دخل الجنة وبأمري يخرج. فهو حي هنالك فذلك قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال النحاس: قول إدريس: «وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ» يجوز أن يكون الله أعلم هذا إدريس، ثم نزل القرآن به. قال وهب بن منبه: فإدريس تارة يرتع في الجنة، وتارة يعبد الله تعالى مع الملائكة في السماء.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُ ٱلرَّحْمَٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۝٥٨

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ} يريد إدريس وحده. {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} يريد إبراهيم وحده. {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ} يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب. {و} من ذرية {إِسْرَائِيلَ} موسى وهارون وزكريا ويحيـى وعيسى. فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شرف القرب من إبراهيم. {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} أي إلى الإسلام: {وَٱجْتَبَيْنَآ} بالإيمان. {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ}. وقرأ شِبل بن عباد المكي «يتلى» بالتذكير لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل. {خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} وصفهم بالخشوع لله والبكاء. وقد مضى في «سبحان». يقال: بكى يبكي بكاء وبُكًى وبُكيَّا، إلا أن الخليل قال: إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن؛ أي ليس معه صوت كما قال الشاعر:

بكت عينِي وحُقَّ لها بكاهاوما يغنِي البكاءُ ولا العَوِيلُ

«وسُجَّداً» نصب على الحال «وَبُكِيّاً» عطف عليه.

الثانية: في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيراً في القلوب. قال الحسن: «إذا تتلى عليهِم آيات الرحمنِ خروا سجداً وبكيا» في الصلاة. وقال الأصم: المراد بآيات الرحمن الكتب المتضمنة لتوحيده وحججه، وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها، ويبكون عند ذكرها. والمروي عن ابن عباس أن المراد به القرآن خاصة، وأنهم كانوا يسجدون ويبكون عند تلاوته؛ قال الكيا: وفي هذه الآية دلالة من قوله على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء، ولو كان كذلك لما كان الرسول عليه الصلاة والسلام مختصاً بإنزاله إليه.

الثالثة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارىء. قال الكيا: وهذا بعيد، فإن هذا الوصف شامل لكل آيات الله تعالى. وضم السجود إلى البكاء، وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في تعظيمهم لله تعالى وآياته، وليس فيه دلالة على وجوب ذلك عند آية مخصوصة.

الرابعة: قال العلماء: ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو فيها بما يليق بآياتها، فإن قرأ سورة السجدة «الۤـمۤ تَنْزِيلُ» قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة «سبحان» قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين لك. وإن قرأ هذه قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديين الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ