انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنعام

تفسير الطبريالآيات 1–14

تفسير سورة الأنعام آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأنعام

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:32:41

  1. 1 الآيات 1–12في هذه الصفحة 8:50
  2. 2 الآيات 13–35في هذه الصفحة 19:27
  3. 3 الآيات 36–58 19:44
  4. 4 الآيات 59–73 15:02
  5. 5 الآيات 74–94 19:34
  6. 6 الآيات 95–110 13:18
  7. 7 الآيات 111–126 15:01
  8. 8 الآيات 127–140 13:39
  9. 9 الآيات 141–150 12:48
  10. 10 الآيات 151–165 15:18

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ۝١

يعني تعالى ذكره بقوله {الحَمْدُ للَّهِ}: الحمد الكامل لله وحده لا شريك له، دون جميع الأنداد والآلهة، ودون ما سواه مما تعبده كفرة خلقه من الأوثان والأصنام. وهذا كلام مخرجه مخرج الخبر يُنْحَى به نحو الأمر، يقول: أخلصوا الحمد والشكر للذي خلقكم أيها الناس وخلق السموات والأرض، ولا تشركوا معه في ذلك أحداً شيئاً، فإنه المستوجب عليكم الحمد بأياديه عندكم ونعمه عليكم، لا من تعبدونه من دونه وتجعلونه له شريكاً من خلقه. وقد بينا الفصل بين معنى الحمد والشكر بشواهده فيما مضى قبل.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ}.

يقول تعالى ذكره: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وأظلم الليل وأنار النهار. كما:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ} قال: الظلمات: ظلمة الليل، والنور: نور النهار.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أما قوله: {الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلْمَاتِ والنُّورِ} فإنه خلق السموات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار.

فإن قال قائل: فما معنى قوله إذن «جَعَلَ»؟ قيل: إن العرب تجعلها ظرفاً للخبر والفعل، فتقول: جعلت أفعل كذا، وجعلت أقوم وأقعد، تدلّ بقولها «جعلت» على اتصال الفعل، كما تقول: علقت أفعل كذا، لا أنها في نفسها فعل، يدلّ على ذلك قول القائل: جعلت أقوم، وأنه لا جعل هناك سوى القيام، وإنما دلّ بقوله «جعلت» على اتصال الفعل ودوامه، ومن ذلك قول الشاعر:

وزَعَمْتَ أنَّكَ سوْفَ تسْلُكُ قَادِرَاًوالمَوْتُ مُتَسعٌ طَرِيقَيْ قادِرِ فاجْعَلْ تَحَلَّلْ مِنْ يَمِينِكَ إنَّمَاحِنْثُ اليَمِينِ على الأثيمِ الفاجِرِ

يقول «فاجعل تحلَّل» بمعنى: تحلل شيئاً بعد شيء، لا أن هناك جعلاً من غير التحليل. فكذلك كلّ جعل في الكلام إنما هو دليل على فعل له اتصال، لا أن له حظاً في معنى الفعل فقوله: {وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ} إنما هو أظلم ليلهما وأنار نهارهما.

القول في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}.

يقول تعالى ذكره معجّباً خلقه المؤمنين من كفرة عباده ومحتجًّا على الكافرين: إن الإله الذي يجب عليكم أيها الناس حمده هو الذي خلق السموات والأرض، الذي جعل منهما معايشكم وأقواتكم وأقوات أنعامكم التي بها حياتكم، فمن السموات ينزل عليكم الغيث وفيها تجري الشمس والقمر باعتقاب واختلاف لمصالحكم ومن الأرض ينبت الحبَّ الذي به غذاؤكم، والثمار التي فيها ملاذكم، مع غير ذلك من الأمور التي فيها مصالحكم ومنافعكم بها. والذين يجحدون نعمة الله عليهم بما أنعم به عليهم من خلق ذلك لهم ولكم أيها الناس بربهم الذي فعل ذلك وأحدثه {يَعْدِلُونَ}: يجعلون له شريكاً في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شركه في خلق شيء من ذلك ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره. فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها من عظة، لمن فكَّر فيها بعقل وتدبرها بفهم ولقد قيل إنها فاتحة التوراة.

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمّي، عن أبي عمران الجونّي، عن عبد الله بن رباح، عن كعب، قال: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام: {الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجونّي، عن عبد الله ابن رباح، عن كعب، مثله. وزاد فيه: وخاتمة التوراة خاتمة هود.

يقال من مساواة الشيء بالشيء: عدلت هذا بهذا، إذا ساويته به عدلاً. وأما في الحكم إذا أنصفت فيه، فإنك تقول: عَدَلْت فيه أعدل عدلاً.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {يَعْدِلُونَ} قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يَعْدِلُونَ} قال: يشركون.

ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُنِي بذلك، فقال بعضهم: عُنِي به أهل الكتاب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، قال: جاءه رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية: {الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} قال له: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ قال: بلى. قال: وانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى، إن هذا قد أراد تفسير هذه غير هذا، إنه رجل من الخوارج فقال: ردّوه عليّ فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهب ولا تضعها على غير حدّها.

وقال آخرون: بل عُنى بها المشركون من عبدة الأوثان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} قال: هؤلاء أهل صراحة.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} قال: هم المشركون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} قال: الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله قال: وليس لله عِدْل ولا ندّ، وليس معه آلهة، ولا اتخذ صاحبة ولا ولداً.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر أن الذين كفروا بربهم يعدلون، فعمّ بذلك جميع الكفار، ولم يخصص منهم بعضاً دون بعض، فجميعهم داخلون في ذلك: يهودهم، ونصاراهم، ومجوسهم، وعبدة الأوثان منهم ومن غيرهم من سائر أصناف الكفر.

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ۝٢

يعني تعالى ذكره بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} أن الله الذي خلق السموات والأرض، وأظلم ليلهما وأنار نهارهما، فكفر به مع إنعامه عليهم الكافرون، وعدلوا به من لا ينفعهم ولا يضرّهم. هو الذي خلقكم أيها الناس من طين وإنما يعني بذلك تعالى ذكره أن الناس وَلَدُ مَن خَلَقه من طين، فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم، إذ كانوا وَلَدَه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} بدء الخلق خلق الله آدم من طين.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} قال: هو آدم.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: أما خَلَقكم من طين: فآدم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، قال: خلق آدم من طين، وخلق الناس من سلالة من ماء مهين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} قال: خلق آدم من طين، ثم خلقنا من آدم حين أخذنا من ظهره.

القول في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ قَضَى أجَلاً وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ}.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى قوله: {ثُمَّ قَضَى أجَلاً}: ثم قضى لكم أيها الناس أجلاً، وذلك ما بين أن يُخلق إلى أن يموت وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وذلك ما بين أن يموت إلى أن يبعث. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، وهناد بن السريّ، قالا: ثنا وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي بكر الهذليّ، عن الحسن، في قوله: {قَضَى أجَلاً} قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت. {وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قال: ما بين أن يموت إلى أن يبعث.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثُمَّ قَضَى أجَلاً وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} كان يقول: أجلَ حياتك إلى أن تموت وأجَل موتك إلى أن تبعث، فأنت بين أجلين من الله تعالى

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم: {قَضَى أجَلاً وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قال: قضى أجل الموت، وكلّ نفس أجلها الموت. قال: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إذَا جَاءَ أجَلُها. {وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} يعني: أجل الساعة ذهاب الدنيا والإفضاء إلى الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم قضى الدنيا وعنده الآخرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: {أجَلاً} قال: الدنيا. {وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} الآخرة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو عاصم، عن زكريا بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {قَضَى أجَلاً} قال: الآخرة عنده. {وأجَلٌ مُسَمًّى} الدنيا.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أجَلاً} قال: الآخرة عنده. {وأجَلٌ مُسَمًّى} قال: الدنيا.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أجَلاً} قال: الآخرة عنده. {وأجَلٌ مُسَمًّى} قال: الدنيا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والحسن: {ثُمَّ قَضَى أجَلاً وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قالا: قضى أجل الدنيا من حين خلقك إلى أن تموت. {وأجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ} يوم القيامة.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة: {ثُمَّ قَضَى أجَلاً وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قال: قضى أجل الدنيا. {وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قال: هو أجل البعث.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة: {ثُمَّ قَضَى أجَلاً} قال: الموت. {وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} الآخرة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن، في قوله: {ثُمَّ قَضَى أجَلاً وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قالا: قضى أجل الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تموت، وأجل مسمى عنده يوم القيامة.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: {قَضَى أجَلاً} قال: أجل الدنيا. {وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قال: البعث.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ثُمَّ قَضَى أجَلاً وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} يعني: أجل الموت. والأجل المسمى: أجل الساعة، الوقوف عند الله.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {قَضَى أجَلاً} قال: أما قضى أجلاً: فأجل الموت. {وأجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ} يوم القيامة.

وقال آخرون في ذلك بما:

حدثني به محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {ثُمَّ قَضَى أجَلاً وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قال: أما قوله: {قَضَى أجَلاً} فهو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. {وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ}: هو أجل موت الإنسان.

وقال آخرون بما:

حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، في قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أجَلاً وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ} قال: خلق آدم من طين، ثم خلقنا من آدم، أخذنا من ظهره، ثم أخذ الأجل والميثاق في أجل واحد مسمى في هذه الحياة الدنيا.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: ثم قضى أجل الحياة الدنيا، {وأَجَلٌ مُسَمًّى عندهُ} وهو أجل البعث عنده.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى نبه خلقه على موضع حجته عليهم من أنفسهم، فقال لهم: أيها الناس، إن الذي يعدل به كفاركم الآلهة والأنداد هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين، فجعلكم صوراً أجساماً أحياء بعد إذ كنتم طيناً جماداً، ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم، ليعيدكم تراباً وطيناً كالذي كنتم قبل أن ينشأكم ويخلقكم. {وأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} لإعادتكم أحياء وأجساماً كالذي كنتم قبل مماتكم. وذلك نظير قوله:

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ باللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتاً فأحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيْتُكُمْ ثُمَّ يُحُيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ }}.

القول في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتُرُونَ}.

يقول تعالى ذكره: ثم أنتم تشكون في قدرة من قدر على خلق السموات والأرض، وإظلام الليل وإنارة النهار، وخلقكم من طين حتى صيركم بالهيئة التي أنتم بها على إنشائه إياكم من بعد مماتكم وفنائكم، وإيجاده إياكم بعد عدمكم. والمرية في كلام العرب هي الشكّ، وقد بينت ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. وقد:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ} قال: الشكّ. قال: وقرأ قول الله: فِي مِرْيَةٍ منْهُ قال: في شكّ منه.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ} بمثله.

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ۝٣

يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهة التي لا تنبغي لغيره المستحق عليكم إخلاص الحمد له بآلائه عندكم أيها الناس الذي يعدل به كفاركم من سواه، هو الله الذي هو في السموات وفي الأرض، {ويَعْلَمُ سِرَّكُمْ وجَهْرَكُمْ} فلا يخفى عليه شيء، يقول: فربكم الذي يستحقّ عليكم الحمد ويجب عليكم إخلاص العبادة له، هو هذا الذي صفته، لا من يقدر لكم على ضرّ ولا نفع ولا يعمل شيئاً ولا يدفع عن نفسه سوءاً أريد بها.

وأما قوله: {وَيَعْلَمُ ما تَكْسَبُونَ} يقول: ويعلم ما تعملون وتجرحون، فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به عند معادكم إليه.

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ۝٤

يقول تعالى ذكره: وما تأتي هؤلاء الكفار الذين بربهم يعدلون أوثانهم وآلهتهم {آيةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ} يقول: حجة وعلامة ودلالة من حجج ربهم ودلالاته وأعلامه على وحدانيته وحقيقة نبوّتك يا محمد وصدق ما أتيتهم به من عندي، {إلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ} يقول: إلا أعرضوا عنها، يعني عن الآية، فصدّوا عن قبولها والإقرار بما شهدت على حقيقته ودلت على صحته، جهلاً منهم بالله واغتراراً بحلمه عنهم.

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٥

يقول تعالى ذكره: فقد كذب هؤلاء العادلون بالله الحقّ لما جاءهم، وذلك الحقّ هو محمد صلى الله عليه وسلم، كذّبوا به، وجحدوا نبوّته لما جاءهم قال الله لهم متوعداً على تكذيبهم إياه وجحودهم نبوّته: سوف يأتي المكذبين بك يا محمد من قومك وغيرهم {أنْباءُ ما كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} يقول: سوف يأتيهم أخبار استهزائهم بما كانوا به يستهزءون من آياتي وأدلتي التي آتيتهم. ثم وفى لهم بوعيده لما تمادوا في غيهم وعتَوْا على ربهم، فقتلهم يوم بدر بالسيف.

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ۝٦

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم ير هؤلاء المكذّبون بآياتي الجاحدون نبوّتك، كثرة من أهلكت من قبلهم من القرون، وهم الأمم الذين وطأت لهم البلاد والأرض وطاءة لم أوطئها لهم، وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم. كما:

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مَكِّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم.

قال أبو جعفر: أمطرت فأخرجت لهم الأشجار ثمارها، وأعطتهم الأرض رَيْع نباتها، وجابوا صخور جبالها، ودرّت عليهم السماء بأمطارها، وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني، فغمطوا نعمة ربهم وعصوا رسول خالقهم وخالفوا أمر بارئهم، وبغوا حتى حُقّ عليهم قولي، فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم، وأهلكت بعضهم بالرجفة وبعضهم بالصيحة وغير ذلك من أنواع العذاب.

ومعنى قوله: {وأرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدرَاراً} المطر، ويعني بقوله: «مدراراً»: غزيرة دائمة. {وأنْشَأْنَا مِنَ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} يقول وأحدثنا من بعدهم الذين أهلكناهم قرناً آخرين فابتدأنا سواهم.

فإن قال قائل: فما وجه قوله: {مَكنَّاهُمْ فَي الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} ومن المخاطب بذلك؟ فقد ابتدأ الخبر في أوّل الآية عن قوم غيب بقوله: {ألَمْ يَرَوْا كَم أهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ}؟ قيل: إن المخاطب بقوله: {ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} هو المخبر عنهم بقوله: {ألَمْ يَرَوُا كَمْ أهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} ولكن في الخبر معنى القول، ومعناه: قل يا محمد لهؤلاء القوم الذين كذّبوا بالحقّ لما جاءهم: {ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَنَّاهُمْ في الأرْضِ ما لَمْ نُمْكِّنْ لَكُمْ}. والعرب إذا أخبرت خبراً عن غائب وأدخلت فيه قولاً فعلت ذلك فوجهت الخبر أحياناً إلى الخبر عن الغائب، وأحياناً إلى الخطاب، فتقول: قلت لعبد الله: ما أكرمه، وقلت لعبد الله: ما أكرمك، وتخبر عنه أحياناً على وجه الخبر عن الغائب ثم تعود إلى الخطاب، وتخبر على وجه الخطاب له ثم تعود إلى الخبر عن الغائب. وذلك في كلامها وأشعارها كثير فاش وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد كان بعض نحوي البصرة يقول في ذلك: كأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم خاطبه معهم وقال: حتى إذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ فجاء بلفظ الغائب وهو يخاطب، لأنه المخاطب.

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٧

وهذا إخبار من الله تعالى ذكره نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم الذين يعدلون بربهم الأوثان والآلهة والأصنام. يقول تعالى ذكره: وكيف يتفقَّهون الآيات، أم كيف يستدلون على بطلان ما هم عليه مقيمون من الكفر بالله وجحود نبوّتك بحجج الله وآياته وأدلته، وهم لعنادهم الحقّ وبعدهم من الرشد، لو أنزلت عليك يا محمد الوحي الذي أنزلته عليك مع رسولي في قرطاس يعاينونه ويمسُّونه بأيديهم وينظرون إليه ويقرءونه منه معلقاً بين السماء والأرض بحقيقة ما تدعوهم إليه وصحة ما تأتيهم به من توحيدي وتنزيلي، لقال الذين يعدلون بي غيري فيشركون في توحيدي سواي: {إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِين}: أي ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر سحرت به أعيننا، ليست له حقيقة ولا صحة {مُبِينٌ} يقول: مبين لمن تدبره وتأمله أنه سحر لا حقيقة له.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: {كِتاباً في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بأيْدِيهِمْ} قال: فمسوه ونظروا إليه لم يصدّقوا به.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بأيدِيهِمْ} يقول: فعاينوه معاينة لقال الذين كفروا: {إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ}.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بأيْدِيهِمْ} يقول: لو نزلنا من السماء صحفاً فيها كتاب فلمسوه بأيديهم، لزادهم ذلك تكذيباً.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً في قِرْطاسٍ}: الصحف.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {في قِرْطاسٍ} يقول: في صحيفة، {فَلَمَسُوهُ بأيْديهِمْ} لقال الذين كفروا: {إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ}.

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ۝٨

يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المكذّبون بآياتي العادلون بي الأنداد والآلهة: يا محمد لك لو دعوتهم إلى توحيدي والإقرار بربوبيتي، وإذا أتيتهم من الآيات والعبر بما أتيتهم به واحتججت عليهم بما احتججت عليهم مما قطعت به عذرهم: هلاّ نزل عليك ملك من السماء في صورته يصدقّك على ما جئتنا به، ويشهد لك بحقيقة ما تدّعي من أن الله أرسلك إلينا كما قال تعالى مخبراً عن المشركين في قيلهم لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم: وقَالُوا ما لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامِ ويَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً {وَلَوْ أنْزَلْنَا مَلَكا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يَنْطُرُونَ} يقول: ولو أنزلنا مَلَكاً على ما سألوا ثم كفروا ولم يؤمنوا بي وبرسولي، لجاءهم العذاب عاجلاً غير آجل، ولم ينظروا فيؤخروا بالعقوبة مراجعة التوبة، كما فعلت بمن قبلهم من الأمم التي سألت الآيات ثم كفرت بعد مجيئها من تعجيل النقمة وترك الإنظار. كما:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَلَوْ أنْزَلْنَا مَلَكا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يَنْطُرُونَ} يقول: لجاءهم العذاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلَوْ أنْزَلْنَا مَلَكا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يَنْطُرُونَ} يقول: ولو أنهم أنزلنا إليهم ملكاً ثم لم يؤمنوا لم ينظروا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} في صورته، {وَلَوْ أنْزَلْنَا مَلَكا لَقُضِيَ الأمْرُ} لقامت الساعة.

حدثنا ابن وكيع، عن أبيه، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان الثوري، عن عكرمة: {لقُضِيَ الأمْرُ} قال: لقامت الساعة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وَلَوْ أنْزَلْنَا مَلَكا لَقُضِيَ الأمْرُ} قال: يقول: لو أنزل الله مَلَكاً ثم لم يؤمنوا، لعجل لهم العذاب.

وقال آخرون في ذلك بما.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: أخبرنا بشر، عن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قوله: {وَلَوْ أنْزَلْنَا مَلَكا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يَنْطُرُونَ} قال: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا، ثم لم يؤخروا طرفة عين.

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ۝٩

يقول تعالى ذكره: ولو جعلنا رسولنا إلى هؤلاء العادلين بي، القائلين: لولا أنزل على محمد ملك بتصديقه ملكاً ينزل عليهم من السماء، ويشهد بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم ويأمرهم باتباعه، {لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} يقول: لجعلناه في صورة رجل من البشر، لأنهم لا يقدرون أن يروا الملك في صورته. يقول: وإذا كان ذلك كذلك، فسواء أنزلت عليهم بذلك ملكاً أو بشراً، إذ كنت إذا أنزلت عليهم مَلَكاً إنما أنزله بصورة إنسيّ، وحججي في كلتا الحالتين عليهم ثابته بأنك صادق وأن ما جئتهم به حقّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: {ولَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْناه رَجُلاً} يقول: ما أتاهم إلا في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْناه رَجُلاً} في صورة رجل في خلق رجل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْناه رَجُلاً} يقول: لو بعثنا إليهم ملكاً لجعلناه في صورة آدمي.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ولَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْناه رَجُلاً} يقول: في صورة آدميّ.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، ثنا قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْناه رَجُلاً} قال: لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل، لم نرسله في صورة الملائكة.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَللَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ}.

يعني تعالى ذكره بقوله: {وَللَبَسْنا عَلَيْهِمْ}: ولو أنزلنا ملكاً من السماء مصدّقاً لك يا محمد، شاهداً لك عند هؤلاء العادلين بي الجاحدين آياتك على حقيقة نبوّتك، فجعلناه في صورة رجل من بني آدم إذ كانوا لا يطيقون رؤية الملَك بصورته التي خلقته بها، التبس عليهم أمره فلم يدروا ملك هو أم أنسيّ، فلم يوقنوا به أنه ملك ولم يصدِّقوا به، وقالوا: ليس هذا ملكاً، وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقية أمرك وصحة برهانك وشاهدك على نبوّتك. يقال منه: لَبَسْتُ عليهم الأمر ألْبِسُهُ لَبْساً: إذا خلطته عليهم، ولَبِسْتُ الثوبَ ألْبَسُهُ لُبْساً، واللَّبُوس: اسم الثياب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {وَللَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ} يقول: لشبهنا عليهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَللَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ} يقول: ما لبس قوم على أنفسهم إلا لبس الله عليهم واللبس: إنما هو من الناس.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَللَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ} يقول: شبَّهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم.

وقد رُوي عن ابن عباس في ذلك قول آخر، وهو ما:

حدثني به محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَللَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ} فهم أهل الكتاب فارقوا دينهم وكذّبوا رسلهم، وهو تحريف الكلام عن مواضعه.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، في قوله: {وَللَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ} يعني التحريف: هم أهل الكتاب، فرّقوا ودينهم وكذّبوا رسلهم، فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.

وقد بينا فيما مضى قبل أن هذه الآيات من أوّل السورة بأن تكون في أمر المشركين من عبدة الأوثان أشبه منها بأمر أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بما أغنى عن إعادته.

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝١٠

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مسلياً عنه بوعيده المستهزئين به عقوبة ما يلقى منهم من أذى الاستهزاء به والاستخفاف في ذات الله: هوّن عليك يا محمد ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك المستخفين بحقك فيّ وفي طاعتي، وامض لما أمرتك به من الدعاء إلى توحيدي والإقرار بي والإذعان لطاعتي فإنهم إن تمادوا في غيهم وأصرّوا على المقام على كفرهم، نسلك بهم سبيل أسلافهم من سائر الأمم غيرهم من تعجيل النقمة لهم وحلول المثلاث بهم، فقد استهزأت أمم من قبلك برسل أرسلتهم إليهم بمثل الذي أرسلتك به إلى قومك، وفعلوا مثل فعل قومك بك، {فَحَاقَ بالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} يعني بقوله: {فحاقَ} فنزل وأحاط بالذين هزؤا من برسلهم وما كانُوا بِهِ يَسْتهْزِؤنَ يقول: العذاب الذي كانوا يهزءون به وينكرون أن يكون واقعاً بهم على ما أنذرتهم رسلهم. يقال منه: حاق بهم هذا الأمر يَحِيقُ بهم حَيْقاً وحُيُوقاً وحَيَقاناً.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فَحاقَ بالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ} من الرسل، {ما كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} يقول: وقع بهم العذاب الذي استهزءوا به.

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ۝١١

يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأنداد المكَذّبينَ بك الجاحدين حقيقة ما جئتهم به من عندي: {سِيرُوا فِي الأرْضِ} يقول: جولوا في بلاد المكذبين رسلهم الجاحدين آياتي من قبلهم من ضُرَبائهم وأشكالهم من الناس. {ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عاقِبَةُ المْكَذّبِينَ} يقول: ثم انظروا كيف أعقبهم تكذيبهم ذلك الهلاك والعطب وخزي الدنيا وعارها، وما حلّ بهم من سخط الله عليهم من البوار وخراب الديار وعفوِّ الآثار. فاعتبروا به، إن لم تنهكم حلومكم، ولم تزجركم حجج الله عليكم، عما أنتم مقيمون عليه من التكذيب، فاحذروا مثل مصارعهم واتقوا أن يحلّ بكم مثل الذي حلّ بهم. وكان قتادة يقول في ذلك بما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عاقِبَةُ المْكَذّبِينَ} دمر الله عليهم وأهلكهم ثم صيرهم إلى النار.

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١٢

يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم: لمن ما في السموات والأرض؟ يقول: لمن ملك ما في السموات والأرض. ثم أخبرهم أن ذلك لله الذي استعبد كلّ شيء وقهر كل شيء بملكه وسلطانه، لا للأوثان والأنداد ولا لما يعبدونه ويتخذونه إلهاً من الأصنام التي لا تملك لأنفسها نفعاً ولا تدفع عنها ضرًّا.

وقوله: {كَتَبَ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} يقول: قضي أنه بعباده رحيم، لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة. وهذا من الله تعالى ذكره استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة، يقول تعالى ذكره: أن هؤلاء العادلين بي الجاحدين نبوّتك يا محمد، إن تابوا وأنابوا قبلت توبتهم، وإني قد قضيت في خلقي أن رحمتي وسعت كل شيء. كالذي:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:

لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ كَتَبَ كِتاباً: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي».

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن أبي عثمان، عن سليمان، قال:

إن الله تعالى لما خلق السماء والأرض، خلق مائة رحمة، كل رحمة ملء ما بين السماء إلى الأرض، فعنده تسع وتسعون رحمة، وقسَّم رحمةً بين الخلائق فبها يتعاطفون وبها تشرب الوحش والطير الماء، فإذا كان يوم القيامة قصرها الله على المتقين وزادهم تسعاً وتسعين».

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن أبي عثمان، عن سلمان نحوه، إلا أن ابن أبي عديّ لم يذكر في حديثه وبها تشرب الوحش والطير الماء.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان عن سلمان، قال: نجد في التوراة عطفتين: أن الله خلق السموات والأرض، ثم خلق مئة رحمة أو: جعل مئة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، قال: فيها يتراحمون، وبها يتباذلون، وبها يتعاطفون، وبها يتزاورون، وبها تحنّ الناقة، وبها تَنْئِج البقرة، وبها تيعر الشاة، وبها تتّابع الطير، وبها تتابع الحيتان في البحر فإذا كانوا يوم القيامة جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان الهدى، عن سلمان، في قوله: {كَتَبَ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}... الآية، قال: إنا نجد في التوراة عطفتين، ثم ذكر نحوه، إلا أنه ما قال: «وبها تتّابع الطير، وبها تتّابع الحيتان في البحر.

حدثنا محمد بن الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال ابن طاوس، عن أبيه: إن الله تعالى لما خلق الخلق، لم يعطف شيء على شيء، حتى خلق مئة رحمة، فوضع بينهم رحمة واحدة، فعطف بعض الخلق على بعض.

حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه بمثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: وأخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة حسبته أسنده قال: إذا فرغ الله عزّ وجلّ من القضاء بين خلقه، أخرج كتاباً من تحت العرش فيه: «إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين» قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال مثلاً أهل الجنة، ولا أعلمه إلا قال: «مثلا»، وأما مثل فلا أشكّ مكتوباً ها هنا، وأشار الحكم إلى نحره، عتقاء الله. فقال رجل لعكرمة: يا أبا عبد الله، فإن الله يقول:

{ يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ ومَا هُمْ بخَارِجينَ مِنْها ولَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } قال: ويلك أولئك أهلها الذين هم أهلها.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة حسبت أنه أسنده قال: إذا كان يوم القيامة أخرج الله كتاباً من تحت العرش، ثم ذكر نحوه، غير أنه قال: فقال رجل: يا أبا عبد الله، أرأيت قوله: {يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ} وسائر الحديث مثل حديث ابن عبد الأعلى.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتابٍ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي».

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، أنه كان يقول: إن لله مئة رحمة، فأهبط رحمة إلى أهل الدنيا يتراحم بها الجنّ والإنس وطائر السماء وحيتان الماء ودوابّ الأرض وهوامِّها وما بين الهواء واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمة، حتى إذا كان يوم القيامة اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحواها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة وعلى أهل الجنة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال عبد الله بن عمرو: أن لله مئة رحمة، أهبط منها إلى الأرض رحمة واحدة يتراحم بها الجن والإنس والطير والبهائم وهوّام الأرض.

حدثنا محمد بن عوف، قال: أخبرنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، قال: ثنا صفوان بن عمرو، قال: ثني أبو المخارق زهير بن سالم، قال: قال عمر لكعب: ما أوّل شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتاباً لم يكتبه بقلم ولا مداد، ولكنه كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: «أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي».

القول في تأويل قوله تعالى: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ}.

وهذه اللام التي في قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} لام قسم. ثم اختلف أهل العربية في جالبها، فكان بعض نحويي الكوفة يقول: إن شئت جعلت الرحمة غاية كلام، ثم استأنفتَ بعدها: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ}، قال: وإن شئت جعلته في موضع نصب، يعني كتب {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} كما قال: كَتَبَ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ يريد: كتب أنه من عمل منكم. قال: والعرب تقول في الحروف التي يصلح معها جواب كلام الأيمان بأن المفتوحة وباللام، فيقولون: أرسلت إليه أن يقوم، وأرسلت إليه ليقومنّ. قال: وكذلك قوله:

{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِما رَأُوا الآياتِ ليَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ }}. قال وهو في القرآن كثير ألا ترى أنك لو قلت: بدا لهم أن يسجنوه، لكان صواباً؟ وكان بعض نحوي البصرة يقول: نصبت لام {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} لأن معنى كتب كأنه قال: والله ليجمعنكم.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يكون قوله: {كَتَبَ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} غاية، وأن يكون قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} خبر مبتدإ، ويكون معنى الكلام حينئد: ليجمعنكم الله أيها العادلون بالله ليوم القيامة الذي لا ريب فيه لينتقم منكم بكفركم به.

وإنما قلت: هذا القول أولى بالصواب من إعمال كتب في {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} لأن قوله: {كَتَبَ} قد عمل في الرحمة، فغير جائز وقد عمل في الرحمة أن يعمل في: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} لأنه لا يتعدى إلى اثنين.

فإن قال قائل: فما أنت قائل في قراءة من قرأ: كَتَبَ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنه بفتح أن؟ قيل: إن ذلك إذ قرىء كذلك، فإن «أن» بيان عن الرحمة وترجمة عنها، لأن معنى الكلام: كتب على نفسه الرحمة أن يرحم (من تاب) من عباده بعد اقتراف السوء بجهالة، ويعفو والرحمة يترجم عنها، ويبين معناها بصفتها، وليس من صفة الرحمة {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ} فيكون مبيناً به عنها. فإن كان ذلك كذلك، فلم يبق إلا أن ينصب بنية تكرير كتب مرة أخرى معه، ولا ضرورة بالكلام إلى ذلك فتوجه إلى ما ليس بموجود في ظاهر.

وأما تأويل قوله {لا رَيْبَ فِيهِ} فإنه لا شكّ فيه، يقول: في أن الله يجمعكم إلى يوم القيامة فيحشركم إليه جميعاً، ثم يؤتى كلّ عامل منكم أجر ما عمل من حسن أوسيّىء.

القول في تأويل قوله تعالى: {الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يؤْمِنُونَ}.

يعني تعالى ذكره بقوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ} العادلين به الأوثان والأصنام يقول تعالى ذكره: ليجمعنّ الله الذين خسروا أنفسهم، يقول: الذين أهلكوا أنفسهم وغبنوها بادعائهم لله الندّ والعديل، فأوبقوها بإيجابهم سخط الله وأليم عقابه في المعاد. وأصل الخسار: الغَبْن، يقال منه: خسر الرجل في البيع: إذا غبن، كما قال الأعشى:

لا يأخُذُ الرِّشْوَةَ فَي حُكْمِهِولا يُبَالي خَسَرَ الخاسِرِ

وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. وموضع «الذين» في قوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ} نصب على الردّ على الكاف والميم في قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} على وجه البيان عنها. وذلك أن الذين خسروا أنفسهم، هم الذين خوطبوا بقوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ}. وقوله: {فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} يقول: فهم لإهلاكهم أنفسهم وغبنهم إياه حظها لا يؤمنون، أي لا يوحدون الله ولا يصدّقون بوعده ووعيده ولا يقرون بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم.

وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝١٣

يقول تعالى ذكره: لا يؤمن هؤلاء العادلون بالله الأوثان، فيخلصوا له التوحيد ويفردوا له الطاعة ويقرّوا بالألوهية جهلاً. {وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ} يقول: وله ملك كل شيء، لأنه لا شيء من خلق الله إلا وهو ساكن الليل والنهار، فمعلوم بذلك أن معناه ما وصفنا. {وَهُوَ السَّمِيعُ} ما يقول هؤلاء المشركون فيه من ادّعائهم له شريكاً، و ما يقول غيرهم من خلاف ذلك. {العَلِيمُ} بما يضمرونه في أنفسهم وما يظهرونه بجوارحهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فهو يحصيه عليهم، ليوفي كلّ إنسان ثواب ما اكتسب وجزاء ما عمل.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {سَكَنَ} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ} يقول: ما استقرّ في الليل والنهار.

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝١٤

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام، والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك، الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان: أشيئاً غير الله تعالى أتخذ ولياً أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث؟ كما:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {قُلْ أغَيْرُ اللَّهِ أتَّخِذُ وَلِيًّا} قال: أما الوليّ: فالذي يتولونه ويقرون له بالربوبية.

{فاطِرِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} يقول أشيئاً غير الله فاطر السموات والأرض أتخذ ولياً؟ ففاطر السموات من نعت الله وصفته ولذلك خفض. ويعني بقوله: {فاطِرِ السَّمَواتِ والأرْضِ} مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما. كالذي:

حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فاطِرِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} قال: خالق السموات والأرض.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فاطِرِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} قال: خالق السموات والأرض.

يقال من ذلك: فطرها الله يَفْطُرُها ويَفْطِرُها فَطْراً وفُطُوراً، ومنه قوله: {هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ} يعني: شقوقاً وصدوعاً، يقال: سيف فُطَار: إذا كثر فيه التشقق، وهو عيب فيه ومنه قول عنترة:

وسَيْفِي كالعقيقةِ فهو كِمْعِيسِلاحي لا أفلَّ ولا فُطارَا

ومنه يقال: فَطَر نابُ الجمل: إذا تشقق اللحم فخرج ومنه قوله: تَكادُ السَّمَوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ: أي ينشقّقن وينصدعن.

وأما قوله: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ} فإنه يعني: وهو يَرْزُق خلقه ولا يُرْزَق. كما:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ} قال: يَرْزُق، ولا يُرْزَق.

وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقول ذلك: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ} أي أنه يطعم خلقه، ولا يأكل هو. ولا معنى لذلك لقلة القراءة به.

القول في تأويل قوله تعالى: {قُلْ إنّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَنْ أسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكينَ}.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للذين يدعونك إلى اتخاذ الآلهة أولياء من دون الله ويحثُّونك على عبادتها: أغير الله فاطر السموات والأرض، وهو يرزقني وغيري، ولا يرزقه أحد، أتخذ ولياً هو له عبد مملوك وخلق مخلوق؟ وقل لهم أيضاً: إني أمرني ربي أن أكون أوّل من أسلم، يقول: أوّل من خضع له بالعبودية وتذلل لأمره ونهيه وانقاد له من أهل دهري وزماني. {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المْشُرِكِينَ} يقول: وقل: وقيل لي لا تكوننّ من المشركين بالله الذين يجعلون الآلهة والأنداد شركاء وجعل قوله: {أُمِرْتُ} بدلاً من «قيل لي»، لأن قوله: {أُمِرْتُ} معناه: قيل لي، فكأنه قيل: قل إني قيل لي: كن أوّل من أسلم، ولا تكوننّ من المشركين فاجتزىء بذكر الأمر من ذكر القول، إذ كان الأمر معلوماً أنه قول.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ